×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفع الشبه عن الرسول (ص) والرسالة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

آدم على صورته التي خلقه عليها ; تامّاً لم ينقله من نطفة الى علقة كبنيه.

قال الامام أبو سليمان الخطابي: وذكره تغلب في أماليه.

وقيل: إنّ الضمير يعود الى بعض بني آدم.

وخَلْق من العلماء سكتوا عن تفسير هذا الحديث.

فالمشبِّه لامُتمسَّك له بهذه الاحاديث لما ذكرناه، وتمسّكه بها يدلّ على جهله وزندقته عافانا الله ـ عزّ وجلّ ـ من ذلك.

ومن ذلك حديث القَدَم: (لا تزال جهنّم تقول: هل من مزيد ; حتّى يضع ربّ العزّة فيها قدمه) الحديث(١) .

وهذا يرجع الى الُمحْكم، قال الله تعالى: (وبَشّر الذّين آمنوا أنَّ لهم قَدَمَ صِدق عند ربِّهم)(٢) .

وقال الحسن البصري: القدم في الحديث هم الذين قدّمهم الله من شرار خلقه وأثبتهم لها.

وقال البيهقي: عن النضر بن شميل: القدم هنا الكفّار الذين سبق في علم الله أنّهم من أهل النار.

وقال الازهري: القدم الذين تقدّم القول بتخليدهم في النار.

وقال ابن الاعرابي: القدم المتقدّم، وكلّ قادم عليها يسمى قدماً، والقدم جمع قادم، كما يقال: عيب وعائب.

(١) البخاري: كما في، فتح الباري ٨/٥٩٤، وصحيح مسلم ٤/٢١٨٨، وانظر دفع شبه التشبيه ص١٧٠.

(٢) سورة يونس: ٢.

٤١
وروى الدارقطني: (حتّى يضع قدمه أو رِجله) وفي هذه دلالة على تغيير الرواية بالظنّ.

مع أنّ الرِّجْل في اللغة هي الجماعة ; ألا تراهم يقولون: رجل من جراد، فيكون المعنى يدخلها جماعة يُشبهون الجراد في الكثرة.

قال ابن عقيل: تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الامكنة، وهذا عين التجسيم، وليس الحقّ بذي أجزاء وأبعاض، فما أسخف هذا الاعتقاد وأبعده عن المكوّن تعالى الله عن تخايل الجسمية.

وذكر كلاماً مُطوّلاً بالغاً في التنزيه وتعظيم الله تعالى.

وقد تمسّك بهذا الحديث ابن حامد المشبّه، فأثبت لله سبحانه وتعالى صفات.

وزاد، فروى من حديث ابن عباس (رضي الله عنه) أنّه (عليه السلام) قال: (لمّا اُسري بي رأيت الرحمن على صورة شابّ أمرد نوره يتلالا، وقد نُهيتُ عن صفته لكم، فسألت ربّي أن يُكرمني بُرؤيته، فإذا كأنّه عروس حين كشف عنه حجابه مستو على عرشه).

وهذا من وضعه وافترائه وجرأته على الله ـ عزّ وجلّ ـ وعلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).

ومَنْ أعظم فريةً مّمن شبّه الله ـ عزّ وجلّ ـ بأمرد وعروس ؟

وكان بعض أئمة الحنابلة يتوجّع، ويقول: ليت ابن حامد هذا ومن ضاهاه لم ينسبوا الى أنّهم من أتباع الامام أحمد، فقد أدخلوا بأقوالهم المفتراة الشينَ على المذهب، والتعرّض الى الامام أحمد بالتشبيه والتجسيم، وحاشاه من ذلك، بل هو من أعظم المنزّهة لله عزّ وجلّ، وقد خاب من افترى.

وقال بعض أئمة الحنابلة المنزِّهين: مَنْ أثبت لله تعالى هذه الصفات بالمعنى

٤٢
المحسوس، فما عنده من الاسلام خبر. تقدّس الله ـ عزّ وجلّ ـ عمّا يقولون عُلوّاً كبيراً.

وخوضهم في ذلك كلام من لا يعرف الله عزّ وجلّ.

وكذا خوضهم في الاحاديث خوض من لايعرف كلام الله تعالى ولا كلام أهل اللغة، فيُجرونها على المتعارف عند الخلق، فيقعون في الكفر.

ونوضّح ذلك إيضاحاً مُبيناً يدركه أبلد العوامّ، فضلاً عن أذكياء الطلبة والعلماء الاخيار، الذين جعل الله ـ عزّ وجلّ ـ قلوبهم معادن المعاني المرادة وكنوزها.

فمن ذلك ما في الصحيحين(١) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) في حديث الضيف، فيه: (لقد عجب الله من صنيعكما الليلة).

وفي أفراد البخاري(٢) من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): (عجب ربّك من قوم جيء بهم في السلاسل حتّى يُدخلهم الجنّة).

قال ابن الانباري: معنى «عجب ربّك» زادهم إنعاماً وإحساناً فعبّر بالعجب عن ذلك.

قال الائمة: لانّ العجب إنّما يكون من شيء يدهم الانسان، فيستعظمه ممّا لا

(١) بهذا اللفظ في صحيح مسلم في الاشربة رقم ٣٨٣٠ وأنظر رقم ٣٨٢٩، وفي البخاري كتاب المناقب رقم ٣٥١٤ بفظ: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، ومثله في تفسير القرآن رقم ٤٥١٠، وانظر شرح النووي لمسلم ١٤/١٢، وفتح الباري لان حجر ٧/١١٩، وسنن الترمذي ٥/٤٠٩ رقم ٣٣٠٤، وعارضه الاحوذي ١٢/١٩٠.

(٢) رواه البخاري في الجهاد والسير رقم ٢٧٨٨، بلفظ: «من قوم يدخلون الجنة في السلاسل» وهو في أبي داود، الجهاد رقم ٢٣٠٢، ومسند أحمد بلفظ: عجب ربنا.

٤٣
يعلمه، وذلك إنّما يكون في المخلوق، وأمّا الخالق فلا يليق به ذلك، فمعناه عظم قدر ذلك الشيء عنده ; لانّ المتعجّب من الشيء يعظم قدره عنده.

فالمعنى في حديث الضيف: عظم قدره وقدر زوجته عنده حتّى نوّه بذكرهما في أعظم كتبه، وعظم قدر المجيء بهم في السلاسل حتّى أدخلهم الجنّة، وجعلهم من أوليائه وأنصار دينه.

ومن ذلك حديث: (لَلّهُ أفرح بتوبة عبده)(١) ، ومعناه أرضى بها.

ومنه(٢) قوله (كُلُّ حِزب بما لديهم فرحون)(٣) ; أي راضون، ونحو ذلك مما هو كثير في القرآن، وكذا الاحاديث:

ومنها حديث النزول.

وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (ينزل ربّنا كلّ ليلة الى السماء الدنيا حين يبقى ثُلُث الليل الاخر ; يقول: من يدعوني فأستجب له....) الى آخره.

وهذا الحديث رواه عشرون نفساً من الصحابة رضي الله عنهم.

وقد تقدّم أنّه يستحيل على الله ـ عزّ وجلّ ـ الحركة والتنقل والتغيّر، لانّ ذلك من صفات الحدث، فمن قال ذلك في حقّه تعالى فقد ألحقه بالمخلوق، وذلك كفر صريح لمخالفة القرآن في تنزيهه لنفسه سبحانه وتعالى.

(١) مسلم ٨ / ٩١ كتاب التوبة.

(٢) أي من هذا الاستعمال ا هـ مصححه.

(٣) سورة المؤمنون: ٥٣.

٤٤
ومن العجب العجيب أن يقرأ أحدهم قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد) مع أنّ معدنه في الارض.

وقوله تعالى: (وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) .

فيالله العجب، من شخص لم يعرف نزول الجمل، كيف يتكلّم في تفصيلها.

وقد قال تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب) .

وقال تعالى: (قد أنزل الله إليكم ذِكراً) ، فنسب الانزال الى هاتين الغايتين إليه سبحانه وتعالى.

وقد قال تعالى: (مَن يُضلل اللهُ) أي ببدعته (فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون) ،والعَمَهُ في البصيرة، كما أنّ العمى في البصر، والعَمَه في البصيرة منه الهلكة أعاذنا الله من ذلك.

وروى أبو عيسى الترمذي عن مالك بن أنس وسفيان بن عُيينة وابن المبارك: أنّهم قالوا: أمّروا هذه الاحاديث بلا كيف(١) .

قال الائمة: فواجب على الخلق اعتقاد التنزيه وامتناع تجويز النُّقلة والحركة.

فإنّ النزول ـ الذي هو انتقال من مكان الى آخر ـ يفتقر الى الجسمية والمكان العالي والمكان السافل ضرورة.

كما في قوله تعالى: (يخافون ربّهم من فوقهم) فإنّ الفوقية باعتبار المكان لا تكون بالضرورة إلاّ في الاجرام والاجسام مركّبة كانت أو بسيطة، والربّ ـ سبحانه وتعالى ـ منزَّه عن ذلك، إذ هو من صفات الحدث.

(١) سنن الترمذي ٢/٨٧ ذيل حديث ٠٦٥٩ و٤/٦٩٢، وقال: وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن يروي هذه الاشياء كما جاءت ونؤمن بها ولا تفسّر ولا تتوهّم ولا يقال: كيف.
٤٥
وقال ابن حامد الراسم نفسه بالحنبلي: هو فوق العرش بذاته، وينزل من مكانه الذي هو فيه، فينزل وينتقل.

ولمّا سمع تلميذه القاضي منه هذا استبشعه، فقال: النزول صفة ذاتية، ولا نقول: نزوله انتقال.

أراد أنْ يغالط الاغبياء بذلك.

وقال غيره: يتحرّك إذا نزل.

وحكوا هذه المقالة عن الامام أحمد، فجوراً منهم، بل هو كذب محض على السيد الجليل السلفي المنزّه.

فإنّ النزول إذا كان صفة لذاته لزم تجدّدها كلّ ليلة وتعدّدها، والاجماع منعقد على أنّ صفاته قديمة، فلا تجدّد ولا تعدّد تعالى الله عمّا يصفون.

وقد بالغ في الكفر من ألحق صفة الحقّ بالخلق، وأدرج نفسه في جريدة السامرة واليهود الذين هم أشدّ عداوة للذين آمنوا.

ومنها: حديث الاصابع.

وهو في الصحيحين من حديث ابن مسعود (رضي الله عنه)قال: (جاء حَبْر الى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمّد إنّ الله يضع السماء على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والانهار على أصبع، وسائر الخلق على أصبع ـ وفي لفظ ـ والماء والثرى على أصبع، ثمّ يهزّهنّ.

فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: (وما قَدَروا الله حَقَّ قَدره) وفي لفظ: (فضحك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تعجّباً وتصديقاً له)(١) .

(١) صحيح البخاري ٦/٣٣، وانظر ٨/١٧٤ و١٨٧ و٢٠٢ ـ دار الفكر ـ، وفتح الباري ١٣/٣٩٣ و٣٩٨، وصحيح مسلم ٨/٢٥ ـ دار الفكر ـ.
٤٦
قال الائمة ـ منهم أبو سليمان الخطابي ـ: لا نثبت لله صفة إلاّ بالكتاب، أو خبر مقطوع بصحّته مستند الى أصل في الكتاب أو السُّنّة المقطوع بصحّتها(١) ، وما كان بخلاف ذلك فالواجب التوقّف عن إطلاق ذلك، ويتأوَّل على ما يليق بمعاني الاُصول المتّفق عليها من أقوال أهل العلم مع نفي التشبيه.

وقال غيره: قد نفى الله تعالى التشبيه عنه في قوله تعالى:(وما قدروا الله حقّ قدره والارض جميعاً قبضته يومَ القيامةِ والسمواتُ مطوياتٌ بيمينهِ سُبحانه وتعالى) دفعاً لما يتبادر إليه الفهم باعتبار المحسوسات.

قال الائمة: معناه ما عرفوه حقّ معرفته.

وقال المبّرد: ما عظّموه حقّ عظمته.

وقبضة الله ـ عزّوجلّ ـ عبارة عن قدرته وإحاطته بجميع مخلوقاته.

واليمين ـ في كلام العرب ـ بمعنى الملك والقدرة، كما قال تعالى: (لاخذنا منه باليمين) أي بالقوة والقدرة.

وأشعار العرب في ذلك أكثر جدّاً من أن تُذكر، وأشهر من أن تُنشد وتُبرز وتُظهر.

وفي الحديث (الحجرُ الاسودُ يمينُ الله تعالى).

وقال تعالى (يدُ الله فوق أيديهم) .

وقال أبو الوفاء بن عقيل ـ من أصحاب الامام أحمد ـ: (ما قدروا الله حقّ قدره)

(١) لو لاحظ المتكلمون في هذه المواضيع هذا الاصل لاستراحوا وأراحوا أنتهى. مصحِّحه.
٤٧
إذ جعلوا صفاته تتساعد وتتعاضد على حمل مخلوقاته، وإنّما ذكر الشرك في الاية ردّاً عليهم.

وفي معنى هذا الحديث قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلّبها كيف شاء)(١) .

وفي ذلك إشارة الى أنّ القلوب مقهورة لمُقلِّبها.

قال الخطابي: واليهود مشبّهة، ونزول الاية دليل على إنكار الرسول عليهم، ولهذا ضحك(صلى الله عليه وآله وسلم) على وجه الانكار.

وليس معنى الاصابع معنى الجارحة لعدم ثبوته، بل يُطلق الاسم في ذلك على ما جاء به الكتاب من غير تكييف ولا تشبيه !

وقال غيره من حمل الاصابع على الجارحة فقد ردّ على الله ـ سبحانه وتعالى ـ في قوله: (سبحانه) وأدخل نفسه في أهل الشرك ; لقوله تعالى: (سبحانه وتعالى عمَّا يشركون) .

وهو ـ عزّ وجلّ ـ يذكر في كتابه المبين التحرّس عمّا لا يليق ; دفعاً وردّاً لاعدائه، كقوله تعالى: (وقالوا اتخذ الله ولداً، سبحانه) وقال تعالى: (وخَرقوا له بَنين وبنات بغير علم، سبحانه) ونحو ذلك، وآكد من ذلك قوله: (وأنّه تعالى جدُّ ربِّنا ما اتخذ صاحبةً ولا ولداً) قدّم تنزيهه ـ عزّ وجلّ ـ أوّلاً في هذه الاية.

والقرآن طافح بذلك.

ومنها: ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه)أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (لمّا قضى

(١) رواه مسلم ٤/٢٠٤٥ رقم ١٧، ومسند أحمد ٢/١٦٨، والترمذي ٤/٤٤٩ برقم ٢١٤١، ومستدرك الحاكم ٢/٢٨٨.
٤٨
الله الخلق كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: أنّ رحمتي غلبت غضبي) وفي لفظ: «سبقت».

قال القاضي المشبِّه ـ تلميذ ابن حامد ـ: ظاهر قوله: «عنده» التقرب من الذات.

وما قاله يستدعي القرب والمساحة، وذلك من صفات الاجسام، وقد عمي عن قوله تعالى: (مسومة عند ربِّكَ) .

ومن المعلوم أنّك تقول: عندي فوق الغرفة كتاب كذا، وهو في موضع شاسع نازل عن الغرفة بمسافة بعيدة.

ثمّ إنّ هذا القاضي روى عن الشعبي أنّه قال: إنّ الله قد ملا العرش حتّى أنّ له أطيطاً كأطيط الرَّحْل، وهو كذب على الشعبي(١) .

وقال بعضهم: (ثم استوى على العرش) قعد عليه.

وقال ابن الزاغوني: خرج عن الاستواء بأربع أصابع(٢) .

ولهم ولاتباعهم مثل ذلك خبائث كلّها صريحة في التشبيه والتجسيم، لا سيما في مسألة الاستواء.

وهو ـ سبحانه وتعالى ـ متنزه عمّا لا يليق به من صفات الحَدَث.

ثمّ إنّ هؤلاء الجمادات وأعالي الجهلة، يلزمهم أن يقولوا في الحديث الذي رواه مسلم وغيره ما لم يمكن القول به من أجهل الناس: (ولا يزال عبدي يتقرّب اليّ بالنوافل حتّى أُحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به،

(١) دفع شبه التشبيه ص٢٤٩.

(٢) دفع شبه التشبيه ص٢٤٨.

٤٩
ويده التي يَبطش بها، ورجله التي يمشي بها...) الى آخره.

وبالضرورة لا يكون سبحانه جارحةً لعبده، ومع هذا يلزم التعدّد بحسب المتقرّبين والتجزئة والتفرقة، وغير ذلك مّما لا يقوله حمار، بل ولا جماد، تعالى الله وتقدّس عن ذلك.

قال ابن الجوزي: وهؤلاء وأتباعهم جهلوا معرفة ما يجوز على الله وما يستحيل عليه.

ومن أعجب ما رأيت لهم، ما ذكروا عن ابن أبي شيبة أنّه قال في كتاب العرش: إنّ الله قد أخبرنا: أنّه صار من الارض الى السماء، ومن السماء الى العرش، فاستوى على العرش.

ثمّ قال: ونبرأ من أقوام شانوا مذهبنا، فعابنا الناس بكلامهم.

ولو فهموا أنّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يوصف بما يوصف به الخلق، لما بنوا أمورهم وقواعدهم على المحسوسات التي بها المساواة بينه وبين خلقه، وفي ذلك تكذيبه في تنزيهِهِ وتقديسِهِ نفسَهُ عزّ وجلّ.

وقال أبو الوفاء بن عقيل: تحسب الجهلة أنّ الكمال في نسبة النقائص إليه فيما نزّه نفسه عنه عزّ وجلّ، والذي أوقعهم في ذلك القياسُ المظنون، وكيف يكون له حكم الدليل وقد قضى عليه دليل العقل بالردّ؟!

[اختلاف الناس في هذه الاخبار]

قال أبو الفرج بن الجوزي: والناس في أخبار الصفات على ثلاث مراتب:

إحداها: إمرارها على ماجاءت من غير تفسير ولا تأويل إلاّ أن تقع ضرورة،

٥٠
كقوله تعالى: (وجاء ربُّكَ) أي جاء أمره، وهذا مذهب السلف.

المرتبة الثانية: التأويل وهو مقام خطر.

المرتبة الثالثة: القول فيها بمقتضى الحسّ، وقد عمّ جهله الناقلين ; إذ ليس لهم علوم المعقولات التي بها يعرف ما يجوز على الله ـ عزّ وجلّ ـ وما يستحيل.

فإنّ علم المعقولات يصرف ظواهر المنقولات عن التشبيه، فإذ عدموها تصرّفوا في النقل بمقتضى الحسّ.

ولو فهموا أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ لا يوصف بحركة ولا انتقال ولا جارحة ولا تغير، لما بقوا على الحسّيات التي فيها عين التشبيه وهو كفر بالقرآن أعاذنا الله من ذلك.

ولا شكّ أنّ مذهب السكوت أسلم وقد ندم خلق من أكابر المتكلّمين على الخوض في ذلك.

قال أبو المعالي الجويني في آخر عمره: «خليتُ أهل الاسلام وعلومهم، وركبتُ البحر الاعظم، وغُصْتُ في الذي نهوا عنه، والان رجعتُ الى قولهم: عليكم بدين العجائز، فإن لم يُدركني الحقّ بلطفه وأموت على دين العجائز، وإلاّ فالويل لابن الجويني».

قال أبو الوفاء بن عقيل: معنى دين العجائز أنّ المدقّقين بالغوا في البحث والنظر، ولم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليل، فوقفوا مع المراسم واستطرحوا، وقالوا: لاندري.

وسئل الامام أحمد ـ قدس الله روحه ـ عن الاستواء، فقال «هو كما أخبر، لا كما يخطر بالبشر».

فانظر ـ وفقك الله وارشدك الى الحقّ ـ الى هذه العبارة ما أرشقها وعلى اتباعه

ما أشققها(١) ، اعتقاد قويم ومنهاج سليم.

(١) لعله «ماأشقها» بحذف إحدى القافين، أو بإبدال إحداهما فاء. انتهى.مصحِّحه.
٥١

[اتهام الامام أحمد بالتجسيم]

قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي ـ واسمه عبدالرحمن بن علي ـ: لمّا رأى الحُسّاد للامام أحمد ما حصل له من الرفعة ونفاسة مذهبه ; لتشييده بالكتاب والسُّنّة، انتموا الى مذهبه ليُدخلوا عليه النقص والخلل وصرف الناس عنه ; حسداً من أنفسهم، فصرّحوا بالتشبيه والتجسيم، ولم يستحيوا من الخبير العليم، ونسبوه إليه افتراء عليه.

ومن نظمه في ذلك:

ولمّا نظرتُ في المذاهبِ كلّها طلبتُ الاسدَّ في الصواب وماأغلو
فألفيتُ عند السير قول ابن حنبل يزيد على كلّ المذاهب بل يعلو
وكلّ الذي قد قاله فمشيَّد بنقل صحيح والحديث هو الاصلُ
وكان بنقل العلم أعرف من روى بِقوم من السادات ما شانهم عظم(١)
ومذهبه أن لا يشبّه ربّه ويتبع في التسليم من قد مضى قبلُ

(١) الشطر الثاني، لم يرد في المطبوعة في مصر، وأخذناه من المصدر.
٥٢
يشير الى صاحبه الامام الشافعي وغيره من علماء السلف كما أذكر.

قام له الحُسّاد من كلّ جانب فقام على رِجْل الثبات وهم زلّوا
كان له أتباعُ صدق تتابعوا فكم أرشدوا نحو الهدى وَلَكم دلّوا
جاءك قوم يدّعون تمذهباً بمذهبه ما كلّ زرع له أُكلُ
مالوا الى التشبيه أخذاً بصورة الـ ـذي نقلوه في الصفات وهم غُفلُ
قالوا: الذي قلناهُ مذهبُ أحمد فمال الى تصديقهم من به جهلُ
صار الاعادي قائلين لكلّنا: مشبِّهة قد ضرّنا الصحبُ والخلُّ
قد فضحوا ذاك الامام لجهلهم ومذهبُهُ التنزيهُ لكن هُمُ اختلّوا
َعمري لقد أدركتُ منهم مشايخاً وأكثر ما أدركته ماله عقلُ(١)
وحذفت أبياتاً من هذه القصيدة ; لانّي في هذه الورقات على سبيل الاقتصاد والرمز الى منهج الحقّ والرشاد.
٥٣

[كلام الامام الشافعي وأبي حنيفة ومالك، في التأويل]

وسُئل الامام الشافعي ـ قدّس الله روحه ـ عن الاستواء ؟ فقال: «آمنتُ بلا تشبيه، وصدّقت بلا تمثيل، واتهمتُ نفسي في الادراك، وأمسكتُ عن الخوض فيه كلّ الامساك».

وهذا شأن الائمّة، يُمسكون أعنّة الخوض في هذا الشأن، مع أنّهم أعلم الناس به، ولا يخوض فيه إلاّ أجهل الناس به.

وسئل الامام أبو حنيفة ـ قدّس الله روحه ـ عن ذلك ؟ فقال: «من قال: لا أعرف الله أفي السماء أم في الارض فقد كفر ; لانّ هذا القول يؤذن أنّ لله سبحانه وتعالى مكاناً، ومن توهّم أنّ لله مكاناً فهو مُشبِّه».

وسئل الامام مالك عن الاستواء ؟ فقال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بِدعة».

فنفى العلم بالكيف، فمن استدلّ بكلامه على أنّه ـ سبحانه وتعالى ـ فوق عرشه، فهو لجهله وسوء فهمه.

(١) أورد القصيدة كاملة ابن الجوزي في (دفع شبه التشبيه) ص٢٧٥ ـ ٢٧٧.
٥٤
وقال الامام مالك عند قوله: (فلا تَضربوا لله الامثالَ) من وصف شيئاً من ذاته سبحانه وتعالى، مثل قوله تعالى: (قالتِ اليهودُ يدُ الله مغلولةٌ غُلّت أيديهم) (فأشار بيده الى عنقه) قُطعت، وكذا السمع والبصر يقطع ذلك منه ; لانّه شبّه الله بنفسه.

وقال مالك (رضي الله عنه): «الاستواء معلوم» يعني عند أهل اللغة.

وقوله: «والكيف مجهول» أي بالنسبة الى الله عزّ وجلّ ; لانّ الكيف من صفات الحدث، وكلّ ما كان من صفات الحدث فالله ـ عزّ وجلّ ـ مُنزّه عنه، فإثباته له سبحانه كفر محقّق عند جميع أهل السُّنة والجماعة.

وقوله: «والايمان به واجب» أي على الوجه اللائق بعظمته وكبريائه.

وقوله: «والسؤال عنه بِدعة» لانّ الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا عالمين به وبمعناه اللائق بحسب اللغة، فلم يحتاجوا الى السؤال عنه فلّما ذهب العالمون به، وحدث من لم يعلم أوضاع لغتهم، ولا له نور كنورهم، شرع يسأل الجهلة بما يجوز على الله عزّ وجلّ، وفرح بذلك أهل الزيغ، فشرعوا يُدخلون الشُّبَهَ على الناس، ولذلك تعّين على أهل العلم أن يبيَّنوا للناس، وأن لا يهملوا البيان ; لقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذينَ أُتوا الكتابَ لتبيِّنُّنَه للنَّاس ولا تكتُمُونهُ) .

فهذه(١) الائمّة التي(٢) مدار الامّة عليهم في دينهم، متّفقون في العقيدة، فمن زعم أنّ بينهم اختلافاً في ذلك، فقد افترى على أئمّة الاسلام والمسلمين، والله حسبه، وسيجزي الله المفترين.

(١) لعله فهؤلاء انتهى.مصححه.

(٢) لعله الذين انتهى. مصححه.

٥٥
وفي الصحيحين من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (من فارق الجماعة شبراً فمات، مات ميتةً جاهليّة).

وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّ الشيطان ذئب الانسان كذئب الغنم ; يأخذ القاصية والنافرة والشاذّة، إياكم والشِّعاب، وعليكم بالعامّة والجماعة والمساجد). رواه الطبراني وغيره من حديث معاذ (رضي الله عنه)، ورواه الامام أحمد، ورجاله ثقات(١) .

وسُئل الامام أحمد عن الشافعي ؟ فقال: «ماالذي أقول فيه، وهو الذي أخرج من قشور التشبيه لبابها، وأطلع على معارفها أربابها، وجمع مذهبه أكنافها وأطنابها، فالمحدّثون صيادلة والشافعي طبيبهم، والفقهاء أكابر والشافعي كبيرهم، وما وضع أحد قلمه في محبرة إلاّ وللشافعي عليه منّة».

وكان كثير الدعاء للشافعي، قال له ابنه عبدالله: أيَّ شيء كان الشافعي، فإنّي أسمعك تُكثر الدعاء له؟ قال: «يابُنيّ كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟».

[كلام السلف في التأويل]

وسئل بعض أئمّة السلف عن قوله تعالى (الرحمن على العرشِ استوى) ؟

فقال: الرحمن ـ جلّ وعلا ـ لم يزل والعرش مُحدَث بالرحمن استوى، ثمّ قال: كلّ ما ميّزتموه بأذهانكم وأدركتموه في أتمّ عقولكم، فهو مصروف إليكم ومردود عليكم، محدث ومصنوع مثلكم ; لانّ حقيقته عالية عن أن تلحقه عبارة، أو يدركه وهم،أو يُحيط به علم، كلاّ، كيف يُحيط به علم وقد اتّفق فيه الاضداد بقوله سبحانه

(١) في مجمع الزوائد للهيثمي ٢/٢٣ عن أحمد وفي ٥/٢١٩ عن أحمد والطبراني، وكنز العمال ١/٢٠٦ رقم ١٠٢٦ و١٠٢٧ و٧/٥٨١ رقم ٢٠٣٥٥.
٥٦
وتعالى: (هو الاوّل والاخرُ والظَّاهر والباطنُ) ؟!

أيّ عبارة تُخبر عنه؟! حقيقة الالفاظ كلام، قصرت عنه العبارات،وخرست عنه الالسنة بقوله: (ليس كمثله شيء) تعالى الله وتقدّس عن المجانسة والمماثلة.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الاية: معناها ليس له نظير.

وقال أهل التحقيق: ذكر العرش إظهاراً لقدرته، لا مكاناً لذاته ; إذ الذات ممتنعة عن الاحاطة بها والوقوف عليها، كما أشار الى ذلك في قوله تعالى: (الله لا إله إلاّ هو ربُّ العرشِ العظيم) .

فسبحانه هو المنزّه عن الشبيه، القدّوس المبرّأ عن الافات، والمُسبَّح بجميع اللغات، السلام السالم من نقائص المخلوقات،الصمد السيّد الذي لا يُشبهه شيء من المصنوعات والمخلوقات، الغنيّ عن الاغيار، تبارك وتعالى عن أن تحويه الجهات، الفرد الذي لا نظير له، المنفرد بصفات الكمال والقدرة، ومن بعض مقدوراته الكرسيّ والعرش والارضون والسموات، شهد لنفسه بالوحدانية، ونزّهها بالايات البيّنات، فصفاته لا يوصف بها غيره.

ومن تعرّض لذلك فقد طعن في كلامه، وضاهى أهل العناد، فاستوجب اللعن وأشدّ العقوبات.

[قول البغدادين في التأويل]

قال البغداديّون في قوله تعالى: (بديع السمواتِ والارضِ وإذا قضى أمراً فإنّما يقولُ له كن فيكونُ)(١) : كلّ صُنع صنعه ولا علّة لصنعته، ليس لذاته مكان ;

(١) البقرة: ١١٧.
٥٧
لانّه قبل الكون والمكان، وأوجد الاكوان بقوله: (كُنْ) أزال العلل عن ذاته بالدرك(١) وبالعبارة عنه وبالاشارة، فلا يبلغ أحد شيئاً من كنه معرفته ; لانّه لا يعلم أحد ما هو إلاّ هو، حيّ قيّوم لا أوّل لحياته، ولا أمد لبقائه، احتجب عن العقول والافهام، كما احتجب عن الابصار فعجز العقل عن الدرك، والدرك عن الاستنباط،وانتهى المخلوق الى مثله، وأسنده الطلب الى شكله. انتهى.

وقولهم: «كلّ صنع» عبّروا بالمصدر عن اسم المفعول، كقوله تعالى: (هذا خلقُ الله)(٢) .

ومن الجهل البيّن أن يطلب العبد المقهور بـ «كُنْ» درك ما لا يُدرك، كيف ؟ وقد تنزّه عن أن يُدرك بالحواسّ، أو يتصوّر بالعقل الحادث والقياس، مَنْ لا يدركه العقل من جهة التمثيل، ويُدركه من جهة الدليل.

فكلّ ما يتوهّمه العقل لنفسه فهو جسم، وله نهاية في جسمه وجنسه ونوعه وحركته وسكونه، مع ما يلزمه من الحدود والمساحة ; من الطول والعرض وغير ذلك من صفات الحدث، تعالى عن ذلك.

فهوالكائن قبل الزمانوالمكان، وهوالاوّل قبل سوابق العدم،الابدي بعد لواحق القِدَم، ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، جلّت ذاته القديمة ـ التي لم تُسبق بعدم ـ أن يكون لها صفة حادثة،كما يستحيل أن يكون للذات الحادثة صفة قديمة.

قال تعالى: (أولا يذكُرُ الانسانُ أنَّا خلقناهُ مِنْ قبلُ ولم يكُ شيئاً)(٣) .

(١) قوله «بالدرك» متعلق بمحذوف فيما يظهر، تقديره: وأعجز الخلقَ عن أن يحيطوا به بالدرك... الى آخره. والدرك: الادراك. انتهى مصحّحه.

(٢) لقمان: ١١.

(١) مريم: ٣٧.

٥٨

[كلام يحيى بن معاذ في التأويل]

وسأل بعض المخبثين(٢) الطوية للامام العالم العلامة الجامع بين العلوم السَّنّية والمناهج العَلِية ; يحيى بن معاذ الرازي، فقال له: أخبرنا عن الله؟ فقال: إله واحد. فقال له كيف هو؟ قال: إله قادر. قال: فأين هو؟ قال: بالمرصاد.

فقال السائل: لم أسألك عن هذا. فقال: ما كان غير هذا فهو صفة المخلوق، فأمّا صفته فالذي أخبرتك عنه.

فالسائل سأل عن الذات والكيفية، فأجابه هذا الحَبْر بالصفات الجلاليّة القُدسيّة.

وهذا أخذه من قصة سيّدنا موسى (عليه السلام) مع فرعون اللعين لمّا قال له موسى (عليه السلام): (إنّي رسول ربِّ العالمينَ) فسأله فرعون (وما ربُّ العالمينَ)(٣) فقال موسى (ربُّ السمواتِ والارضِ وما بينهما إنْ كنتم موقنين)(٤) .

(٢) لعله «خبيثي...» الى آخره، وقوله «للامام» لعلّ اللام الاولى من تصّرفات النُّساخ، وهذا ظنّنا في كلّ ما تقدّم أو يجيء في هذا الكتاب من الالفاظ التي تخالف اللغة ; لانّ الامام الحصني أجلّ من أن يخفى عليه مثل ذلك. انتهى. مصحّحه.

(٣) الزخرف: ٤٦.

(٤) الدخان: ٧.

٥٩
فضمّن الجواب العدول عمّا سأل ; لانّه عدل فيه عن مطابقة السؤال ; لانّ فرعون سأل عن ماهيّته سبحانه وتعالى، وموسى أجابه عن قدرته وصفاته، فجاز له ـ حين خلط في السؤال وأخطأ، وسأل عمّا لا يمكن إدراكه ـ العدولُ عن سؤاله.

فقال فرعون: (ألا تستمعونَ)(١) أنا أسأله عن شيء، فيجيب عن غيره.

فقال موسى (عليه السلام) (ربُّكم وربُّ آبائِكم الاولينَ)(٢) .

فلما قال موسى (عليه السلام) ذلك استشعر فرعون أنّه أخطأ في السؤال، فخشي أن يدرك ذلك جلساؤه، فقال: (إنَّ رسولَكُم الذي أُرسل إليكم لمجنونٌ) رماه بذلك حتّى يتخلص ويصير موسى (عليه السلام)في مقام لا يُلتفت الى قوله، ولا يؤخذ به.

فتأمّل ـ أرشدك الله عزّ وجلّ وهداك الى الحقّ ـ كيف أنّ ذلك معلوم عند الانبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغيرهم عدم العلم بالذات والكيف ؟

فلا أجهل ولا أعمى بصيرة مّمن فرعون أهدى منه في معرفته بالعجز عن درك ذاته !

[قول أهل التحقيق من أهل السنة والجماعة بالتأويل]

قال الامام الحافظ محمّد بن علي الترمذي ـ صاحب التصانيف المشهورة ـ:

(١) الشعراء: ٢٥.

(٢) الدخان: ٨.

٦٠