×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفع الشبه عن الرسول (ص) والرسالة / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

ويخبر أنه أخذ مسألة التفرقة(١) عن شيخه، الذي تلقّاها عن أفراخ السامرة واليهود الذين أظهروا التشرّف بالاسلام.

وهو(٢) من أعظم الناس عداوة للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقَتَلَ عليٌّ رضي الله عنه واحداً منهم، تكلّم في مجلسه كلمة فيها ازد راء بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد وقفت على المسألة ; أعني مسألة التفرقة التي أثارها اليهود ; ليزدروه بها، وبحثوا فيها على قواعد مأخوذة من الاشتقاق، وكانوا يقطعون بها الضعفاء من العلماء، فتصدّى لهم الجهابذة من العلماء، وأفسدوا ما قالوه بالنقل والعقل والاستعمال الشرعي والعرفي، وأبادوهم بالضرب بالسياط وضرب الاعناق، ولم يبقَ منهم إلاّ الضعفاء في العلم، ودامت فيهم مسألة التفرقة حتّى تلقّاها ابن تيميّة عن شيخه، وكنت أظنّ أنـّه ابتكرها.

واتفق الحُذّاق في زمانه من جميع المذاهب على سوء فهمه وكثرة خطئه، وعدم إدراكه للمآخذ الدقيقة وتصوّرها، عرفوا ذلك منه بالمفاوضة في مجالس العلم.

[تاريخ ابن تيمية الاسود]

ولنرجع الى ما ذكره ابن شاكر في تاريخه ; ذكره في الجزء العشرين.

قال: وفي سنة خمس وسبعمائة في ثامن رجب، عُقد مجلس بالقضاة والفقهاء بحضرة نائب السلطنة بالقصر الابلق، فسُئل ابن تيميّة عن عقيدته ؟ فأملى

(١) ظاهر أنّها الفوقية، وكذا ما يأتي بعد كالسياق أو التفرقة حياة الرسول ومماته. أنتهى. مصحّحه.

(٢) ظاهر أنّ اللفظ هم لا هو. أنتهى. مصحّحه.

١٠١
شيئاً منها.

ثمّ أُحضرت عقيدته الواسطيّة، وقرئت في المجلس، ووقعت بحوث كثيرة، وبقيت مواضع أُخّرت الى مجلس ثان، ثمّ اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشر رجب.

وحضر المجلس صفي الدين الهندي، وبحثوا، ثمّ اتفقوا على أنّ كمال الدين بن الزملكاني يحاقق ابن تيميّة، ورضوا كلّهم بذلك، فأفحم كمالُ الدين ابنَ تيميّة، وخاف ابن تيميّة على نفسه، فأشهد على نفسه الحاضرين أنّه شافعيّ المذهب، ويعتقد ما يعتقده الامام الشافعي، فرضوا منه بذلك وانصرفوا.

ثمّ إنّ أصحاب ابن تيميّة أظهروا أنّ الحقّ ظهر مع شيخهم، وأنّ الحقّ معه، فأُحضروا الى مجلس القاضي جلال الدين القزويني، وأحضروا ابن تيميّة وصُفع ورُسم بتعزيره، فشفّع فيه، وكذلك فعل الحنفي باثنين من أصحاب ابن تيميّة.

ثمّ قال: ولمّا كان سَلخُ رجب جمعوا القضاة والفقهاء، وعُقد مجلس بالميدان أيضاً، وحضر نائب السلطنة أيضاً، وتباحثوا في أمر العقيدة، وسلك معهم المسلك الاوّل.

فلمّا كان بعد أيّام ورد مرسوم السلطان ; صحبة بريديّ من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة نجم الدين بن صصري وبابن تيميّة، وفي الكتاب: تعرّفونا ما وقع في سنة ثمان وتسعين في عقيدة ابن تيميّة.

فطلبوا الناس وسألوهم عمّا جرى لابن تيميّة في أيّام نُقل عنه فيها كلام قاله، وأحضروا للقاضي جلال الدين القزويني العقيدة التي كانت أُحضرت في زمن قاضي القضاة إمام الدين، وتحدّثوا مع ملك الامراء في أن يكاتب في هذا الامر، فأجاب، فلمّا كان ثاني يوم وصل مملوك ملك الامراء على البريد من مصر، وأخبر أنّ الطلب على ابن تيميّة كثير، وأنّ القاضي المالكي قائم في قضيّته قياماً عظيماً،

١٠٢
وأخبر بأشياء كثيرة من الحنابلة وقعت في الديار المصرية، وأنّ بعضهم صُفع، فلمّا سمع ملك الامراء بذلك انحلّت عزائمه عن المكاتبة، وسيّر شمس الدين بن محمّد المهمندار الى ابن تيميّة، وقال له:

قد رسم مولانا ملك الامراء بأن تسافر غداً، وكذلك راح الى قاضي القضاة، فشرعوا في التجهيز، وسافر صحبة ابن تيميّة أخواه عبدالله وعبدالرحمن، وسافر معهم جماعة من أصحاب ابن تيميّة.

وفي سابع شوّال وصل البريدي الى دمشق، وأخبر بوصولهم الى الديار المصريّة، وأنّه عقد لهم مجلس بقلعة القاهرة بحضرة القضاة والفقهاء والعلماء والامراء: فتكلّم الشيخ شمس الدين عدنان الشافعي وادّعى على ابن تيميّة في أمر العقيدة، فذكر منها فصولاً.

فشرع ابن تيميّة فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وتكلّم بما يقتضي الوعظ، فقيل له: ياشيخ إنّ الذي تقوله نحن نعرفه، وما لنا حاجة الى وعظك، وقد أدُّعي عليك بدعوى شرعية فأجب.

فأراد ابن تيميّة أن يعيد التحميد، فلم يمكّنوه من ذلك، بل قيل له: أجب.

فتوقّف، وكُرِّر عليه القول مراراً، فلم يزدهم على ذلك شيئاً، وطال الامر، فعند ذلك حكم القاضي المالكي بحبسه وحبسِ أخويه معه.

فحبسوه في بُرج من أبراج القلعة فتردّد إليه جماعة من الامراء، فسمع القاضي بذلك، فاجتمع بالامراء، وقال: يجب عليه التضييق إذا لم يقتل، وإلاّ فقد وجب قتله، وثبت كفره.

فنقلوه الى الجُبّ بقلعة الجبل، ونقلوا أخويه معه بإهانة.

وفي سادس عشر ذي القعدة وصل من الديار المصرية قاضي القضاة نجم

١٠٣
الدين بن صصري، وجلس يوم الجمعة في الشباك الكمالي، وحضروا القرّاء والمنشدون، وأُنشدت التهاني، وكان وصل معه كتب ولم يعرضها على نائب السلطنة، فلمّا كان بعد أيّام عرضها عليه، فرسم ملك الامراء بقراءتها والعمل بما فيها أمتثالاً للمراسيم السلطانية.

وكانوا قد بيّتوا على الحنابلة كلّهم بأن يحضروا الى مقصورة الخطابة بالجامع الاُموي بعد الصلاة،وحضر القضاة كلّهم بالمقصورة، وحضر معهم الامير الكبير ركن الدين بيبرس العلاني، وأحضروا تقليد القضاة نجم الدين بن صصري، الّذي حضر معه من مصر باستمراره على قضاء القضاة وقضاء العسكر ونظر الاوقاف وزيادة المعلوم، وقرىء الكتاب الذي وصل على يديه، وفيه ما يتعلّق بمخالفة ابن تيمية عقيدته وإلزام الناس بذلك، خصوصاً الحنابلة، والوعيد الشديد عليهم، والعزل من المناصب، والحبس وأخذ المال والروح ; لخروجهم بهذه العقيدة عن الملّة المحمّدية.

ونسخة الكتاب نحو الكتاب المتقدّم، وتولّى قراءته شمس الدين محمّد بن شهاب الدين الموقع، وبلغ عنه الناس ابن صبح المؤذّن، وقُرىء بعد تقليد الشيخ برهان الدين بالخطابة، وأحضروا بعد القراءة الحنابلة مُهانين بين يدي القاضي جمال الدين المالكي بحضور باقي القضاة، واعترفوا أنّهم يعتقدون ما يعتقده محمّد ابن إدريس الشافعي (رضي الله عنه).

وفي سابع شهر صفر سنة ثمان عشرة، ورد مرسوم السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الطلاق الذي يُفتي بها ابن تيميّة.

وأمر بعقد مجلس له بدار السعادة، وحضر القضاة وجماعة من الفقهاء، وحضر ابن تيميّة وسألوه عن فتاويه في مسألة الطلاق، وكونهم نهوه وما انتهى، ولا قبل مرسوم السلطان، ولا حكم الحكام بمنعه، فأنكر.

١٠٤
فحضر خمسة نفر، فذكروا عنه: أنه أفتاهم بعد ذلك، فانكر وصمّم على الانكار، فحضر ابن طليش وشهود شهدوا أنّه أفتى لحّاماً اسمه قمر مسلماني في بستان ابن منجا.

فقيل لابن تيميّة: اكتب بخطك: أنك لا تُفتي بها ولا بغيرها، فكتب بخطّه: أنه لا يُفتي بها وما كتب بغيرها.

فقال القاضي نجم الدين بن صصري: حكمتُ بحبسك واعتقالك.

فقال له: حكمك باطل ; لانّك عدوّي، فلم يُقبل منه، وأخذوه واعتقلوه في قلعة دمشق.

وفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة يوم عاشوراء، أُفرج عن ابن تيميّة من حبسه بقلعة دمشق، وكانت مدّة اعتقاله خمسة أشهر ونصفاً.

وفي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة في السادس عشر في شعبان، قدم بريدي من الديار المصرية، ومعه مرسوم شريف باعتقال ابن تيميّة.

فاعتقل في قلعة دمشق، وكان السبب في اعتقاله وحبسه أنّه قال: لا تُشدّ الرحال إلاّ الى ثلاثة مساجد، وإنّ زيارة قبور الانبياء لا تُشد إليها الرواحل كغيرها، كقبر إبراهيم الخليل وقبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).

ثمّ إنّ الشامييّن كتبوا فُتيا أيضاً في ابن تيميّة ; لكونه أوّل من أحدث هذه المسألة، التي لا تصدر إلاّ مّمن في قلبه ضغينة لسيّد الاولين والاخرين.

فكتب عليها الامام العلاّمة برهان الدين الفزاريّ نحو أربعين سطراً بأشياء، وآخر القول أنّه أفتى بتكفيره.

ووافقه على ذلك الشيخ شهاب الدين بن جهبل الشافعي، وكتب تحت خطّه: كذلك المالكي.

وكذلك كتب غيرهم.

١٠٥
ووقع الاتّفاق على تضليله بذلك وتبديعه وزندقته.

ثمّ أراد النائب أن يعقد لهم مجلساً، ويجمع العلماء والقضاة، فرأى أنّ الامر يتّسع فيه الكلام، ولابدّ من إعلام السلطان بما وقع، فأخذ الفتوى وجعلها في مطالعه وسيّرها.

فجمع السلطان لها القضاة، فلمّا قرئت عليهم أخذها قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وكتب عليها: القائل بهذه المقالة ضالّ مبتدع.

ووافقه على ذلك الحنفي والحنبلي، فصار كفره مُجمعاً عليه(١) .

ثمّ كُتب كتاب الى دمشق بما يعتمده نائب السلطنة في أمره.

وفي يوم الجمعة عاشر شهر شعبان حضر كتاب السلطان الى نائب البلد، وأمره أن يُقرأ على السدّة في يوم الجمعة فقُرىء، وكان قارىء الكتاب بدر الدين ابن الاعزازي الموقع والمبلغ ابن النجيبي المؤذّن.

ومضمون الكتاب بعد البسملة: أدام الله تعالى نعمه، ونوضّح لعلمه الكريم ورود مكاتبته التي جهّزها بسبب ابن تيميّة، فوقفنا عليها، وعلمنا مضمونها في أمر المذكور وإقدامه على الفتوى بعد تكرير المراسيم الشريفة بمنعه ; حسب ما حكم به القضاة وأكابر العلماء.

وعقدنا بهذا السبب مجلساً بين أيدينا الشريفة، ورسمنا بقراءة الفتوى على القضاة والعلماء.

فذكروا جميعاً من غير خلف: أنّ الذي أفتى به ابن تيميّة في ذلك خطأ مردود عليه، وحكموا بزجره وطول سجنه ومنعه من الفتوى مطلقاً.

وكتبوا خطوطهم بين ايدينا على ظاهر الفتوى المجهّزة بنسخة ما كتبه ابن

(١) لينظر هذا المغرورون. انتهى. مصحّحه.
١٠٦
تيميّة.

وقد جهّزنا الى الجناب العالي طيّ هذه المكاتبة، فيقف على حكم ما كتب به القضاة الاربعة.

ويتقدم اعتقال المذكور في قلعة دمشق، ويُمنع من الفتوى مطلقاً، ويُمنع الناس من الاجتماع به والتردّد اليه تضييقاً عليه، لجرأته على هذه الفتوى.

فيحيط به علمك الكريم، ويكون اعتماده بحسب ما حكم به الائمة الاربعة، وأفتى به العلماء في السجن للمذكور وطول سجنه.

فإنّه في كلّ وقت يُحدث للناس شيئاً منكراً، وزندقة يشغل خواطر الناس بها، ويُفسد على العوامّ عقولهم الضعيفة وعقلياتهم وعقائدهم.

فيمنع من ذلك، وتسدّ الذريعة منه.

فليكن عمله على هذا الحكم، ويتقدّم أمره به.

وإذا اعتمد الجناب الرفيع العالي هذا الاعتماد الذي رسمنا به في أمر ابن تيمية، فيتقدم منع من سلك مسالكه، أو يُفتي بهذه الفتاوى، أو يعمل بها في أمر الطلاق، أو هذه القضايا المستحدثة.

وإذا اطّلع على أحد عمل بذلك، أو أفتى به، فيعتبر حاله، فإن كان من مشايخ العلماء، فيعزّر تعزير مثله.

وإن كان من الشبّان الذين يقصدون الظهور ـ كما يقصده ابن تيميّة ـ فيؤدّبهم ويردعهم ردعاً بليغاً، ويعتمد في أمرهم ما يُحسم به موادّ أمثاله ; لتستقيم أحوال الناس، وتمشي على السداد، ولا يعود أحد يتجاسر على الافتاء بما يخالف الاجماع، ويبتدع في دين الله ـ عزّ وجلّ ـ من أنواع الاقتراح ما لم يسبقه أحد إليه.

فالجناب العالي يعتمد هذه الامور التي عرّفناه إيّاها الان وسدّ الذرائع

١٠٧
فيها.

وقد عجّلنا بهذا الكتاب، وبقيّة فصول مكاتبته تصل بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

وكتب في سابع عشرين رجب سنة ستٍّ وعشرين وسبعمائة.

[فتوى الائمة الاربعة بكفر ابن تيمية]

صورة الفتوى من المنقول من خطّ القضاة الاربعة بالقاهرة على ظاهر الفتوى:

الحمد لله، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال عن قوله: إنّ زيارة الانبياء والصالحين بدعة.

وماذكره من نحوذلك، وأنّه لايرخّص بالسفر لزيارة الانبياء،باطل مردود عليه.

وقد نقل جماعة من العلماء: أنّ زيارة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فضيلة وسُنّة مجمع عليها. وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يُزجر عن مثل هذه الفتاوي الباطلة عند الائمة والعلماء، ويُمنع من الفتاوى الغريبة، ويحبس(١) إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ; ليحتفظ الناس من الاقتداء به.

وكتبه محمّد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي.

وكذلك يقول محمّد بن الجريري الانصاري الحنفي: لكن يُحبس الان جزماً مطلقاً.

وكذلك يقول محمّد بن أبي بكر المالكي ويبالغ في زجره حسبما تندفع به المفسدة وغيرها من المفاسد.

(١) ظاهر أنّ اللفظ «ويحبس» لا يجلس. أنتهى. مصحّحه.
١٠٨
وكذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي.

ووجدوا صورة فتوى أخرى يقطع فيها: بأنّ زيارة قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقبور الانبياء معصية بالاجماع مقطوع بها.

وهذه الفتوى هي التي وقف عليها الحكّام، وشهد بذلك القاضي جلال الدين محمّد بن عبدالرحمن القزويني، فلمّا رأوا خطّه عليها تحققوا فتواه، فغاروا لرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)غيرة عظيمة، وللمسلمين الذين ندبوا الى زيارته، وللزائرين من أقطار الارض، واتّفقوا على تبديعه وتضليله وزيغه، وأهانوه ووضعوه في السجن.

وذكر الشيخ الامام العلاّمة شمس الدين الذهبي بعض محنته، وأنّ بعضها كان في سنة خمس وسبعمائة، وكان سؤالهم عن عقيدته وعمّا ذكر في الواسطيّة، وطلب وصوّرت عليه دعوى المالكي، فسجن هو وأخواه بضعة عشر شهراً، ثمّ أُخرج، ثمّ حبس في حبس الحاكم.

وكان مّما أُدّعي عليه بمصر أن قال: الرحمن استوى على العرش حقيقة، وأنّه تكلّم بحرف وصوت.

ثمّ نودي بدمشق وغيرها من كان على عقيدة ابن تيميّة حلّ ماله ودمه(١) .

[حكم ابن حيان على ابن تيمية بالتشبيه]

وذكر أبو حيّان النحوي الاندلسي في تفسيره المسمّى بـ «النهر» في قوله تعالى: (وَسِعَ كُرسيُّهُ السَّمواتِ والارضَ) ما صورته: وقد قرأت في كتاب لاحمد ابن تيميّة هذا الذي عاصرناه، وهو بخطّه سمّاه «كتاب العرش»: إنّ الله يجلس

(١) ليتأمل العاقل هذا، ثمّ ليتأمّله. انتهى. مصحّحه.
١٠٩
على الكرسيّ، وقد أخلى مكاناً يقعد معه فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

تحيّل عليه التاج محمّد بن علي بن عبدالحقّ، وكان من تحيّله عليه أنّه أظهر أنّه داعية له حتّى أخذ منه الكتاب، وقرأنا ذلك فيه.

ورأيت في بعض فتاويه: أنّ الكرسي موضع القدمين.

وفي كتابه المسمّى بـ «التدمرية» ما هذا لفظه بحروفه ـ بعد أن قرّر ما يتعلق بالصفات المتعلّقة بالخالق والمخلوق ـ: ثمّ من المعلوم أنّ الربّ لمّا وصف نفسه: بأنّه حيّ عليم قادر، لم يقل المسلمون: إنّ ظاهر هذا غير مراد ; لانّ المفهوم ذلك في حقّه مثل مفهومه في حقّنا.

فكذلك لمّا وصف نفسه: أنّه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أنّ ظاهره غير مراد ; لانّ مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقّنا.

هذه عبارته بحروفها، وهي صريحة في التشبيه المساوي، كما أنّه جعل الاستواء على العرش مثل قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره) تعالى الله وتقدّس عن ذلك.

وقال في كلام حديث النزول المشهور: أنّ الله ينزل الى سماء الدنيا الى مَرْجة خضراء، وفي رجليه نعلان من ذهب. هذه عبارته الزائغة الركيكة.

وله من هذا النوع وأشباهه مغالاة في التشبيه ; حريصاً على ظاهرها واعتقادها، وإبطال ما نزّه الله تعالى به نفسه في أشرف كتبه، وأمر به عموماً وخصوصاً، وذكره إخباراً عن الملا الاعلى والكون العُلوي والسُّفلي، ومن تأمّل القرآن وجده مشحوناً بذلك.

وهذا الخبيث لا يعرُج على ما فيه التنزيه، وإنّما يتتبّع المتشابه، ويُمعن الكلام فيه، وذلك من أقوى الادّلة على أنّه من أعظم الزائغين.

ومن له أدنى بصيرة لا يتوقّف فيما قلته ; إذ القرائن لها اعتبار في الكتاب

١١٠
والسُّنّة، وتفيد القطع، وتفيد ترتّب الاحكام الشرعية، لا سيّما في محلّ الشُّبه.

قال بعض السلف رضي الله عنهم: الاعراض عن الحقّ والتسخّط له علامة الركون الى الباطل، وطريق الحقّ دقيق وبعيد، والصبر معه شديد، والعدوّ لا يزال عنه يحيد، وأثقال الحقّ لا يحملها إلاّ مطايا الحقّ.

وقال بعض السلف: داعي الحقّ داعي رشد، ليس للشيطان فيه يد، ولا للنفس فيه نصيب. وداعي الباطل من نزغات الشيطان وهوى النفس، ومتّبعها هالك لا محالة ; لانّه عاص في صورة طائع، ومُبعِد في صورة مُقرِّب.

وصدق ونصح (رضي الله عنه)، فقد هلك بسبب ذلك خلق لا يُحصون عدّاً، ولا يمكن ضبطهم حدّاً.

قال العلماء: إنّ وسوسة التشبيه من إبليس، فالردّ عليه وابطال وسوسته أن يقول في نفسه: كلّ ما تصوّر في صدري فالربّ بخلافه، فإنّه لا يتصوّر في صدري إلاّ مخلوق له كيفيّة ومِثْل، والربّ ـ سبحانه وتعالى ـ لا مِثْل له ولا كيفية، فما مثل في صدري فهو غير ربي، فهو ـ سبحانه وتعالى ـ موحّد الذات والصفات.

[التوحيد والعدل في كلام الائمة]

وسُئل علي (رضي الله عنه) عن التوحيد والعدل، فقال: (التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه).

وقال يحيى بن معاذ: التوحيد في كلمة واحدة ما تصوّر في الاوهام فهو بخلافه.

وقال علي (رضي الله عنه): (ليس لصفته حدّ محدود، ولا نعت موجود).

وقال (رضي الله عنه): (أوّل الدين معرفته، وكمالُ معرفته التصديق به، وكمالُ التصديق به

١١١
توحيده، وكمالُ توحيده الاخلاص له، وكمالُ الاخلاص له نفي الصفات الُمحدَثة عنه، فمن وصفه بحادث فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه(١) ، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه)(٢) .

قال المحقّقون: من اعتقد في الله ـ سبحانه وتعالى ـ ما يليق بطبعه فهو مشبّه ; لانه ـ سبحانه وتعالى ـ منزّه عمّا يصفه به أو يتخيّله ; لانّ ذلك من صفات الحَدَث.

وسُئل ـ أعني عليّاً (رضي الله عنه): بمَ عرفت ربّك؟ فقال: (عرفتُه بما عرّف به نفسه ; لا يُدرك بالحوّاس، ولا يُقاسُ بالناس، قريب في بُعده، بعيد في قُربه، فوق كلّ شيء ولا يقال تحته شيء وأمام كلّ شيء، ولا يقال أمامه شيء، وهو في كلّ شيء لا كشيء في شيء فسبحان من هو هكذا وليس هكذا غيره)(٣) .

وقال أيضاً (رضي الله عنه): (عرّفنا الله ـ سبحانه وتعالى ـ نفسه بلا كيف، وبعث سيّدنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بتبليغ القرآن، وبيان المفصّلات للاسلام والايمان، وإثبات الحجّة وتقويم الناس على منهج الاخلاص، فصدّقته بما جاء به).

وقال الامام الحافظ محمّد بن علي الترمذي صاحب التصانيف المشهورة: من جهل أوصاف العبوديّة فهو بنعت الربوبيّة أجهل.

(١) قوله: «ثنّاه» هي ثنّاه. انتهى. مصحّحه.

(٢) نهج البلاغة، الخطبة الاولى ص٣٩ تحقيق الدكتور صبحي الصالح.

(٣) لاحظ هذه النص في كتب الشيعة الامامية: المحاسن للبرقي ص٢٣٩، والكافي للكليني ١/٨٥، والتوحيد للصدوق ص٢٨٥.

١١٢
قال جعفر ]الصادق[ في قوله تعالى: (قل هو اللهُ أحدٌ) : (هو الذي لم يُعطِ لاحد من معرفته غير الاسم والصفة).

وقيل: هو الذي لا يدرك حقيقة نعوته وصفاته إلاّ هو.

وقوله تعالى (الله الصمد) قيل هو الذي أيست العقول من أن تطّلع عليه، أو تُدرك ما وصف به نفسه ونسب إليه.

وقيل: هو السيّد الذي لا نهاية لسؤدده.

وقيل: هو المصمود إليه في الحوائج.

وقيل: هو الذي لا يستغني عنه شيء من الاشياء.

وقال ابن عبّاس (رضي الله عنه): معناه الذي لا جوف له. وقيل غير ذلك.

وقوله: (لم يلد ولم يُولد) نفي الجنسية والبعضية.

وقوله: (ولم يكنْ له كفواً أحدٌ) نفي الشريك والنظير، فهو الذي لا نظير له في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله.

فتعالى أن تُدركه الاوهام والعقول والعلوم، بل هو كما وصف نفسه، والكيفية عن وصفه غير معقولة ولا موهومة، كيف يكون ذلك؟ وهو قديم الذات والصفات، والتخيّل إنّما يكون في المحدثات.

وسئل الامام العلاّمة أبو الحسن الدينوري عن الاستدلال بالشاهد على الغائب، فقال: كيف يستدلّ بصفات من يشاهد ويعاين وذو مثل على من لا يُشاهد ولا يُعاين في الدنيا ولا نظير له ولا مثل؟!

هذا من جهل الجاهلين بالايات التي قلبوا بها حقائق الامور، فجعلوا الايات صفات، ومعنى الايات العلامات.

وهو كلام إمام محقّق، وقد زلّ خلق كثير بمثل ذلك.

فسبحان الاحدي الذات، العليّ الصفات، المنزّه عن الالات، المقدّس عن

١١٣
الكيفيات، المنزّه عن مشابهة المخلوقات، تعالى عمّا يقوله من الالحاقات.

كيف يُقاس القادر بالمقدورات والصانع بالمصنوعات؟! وهي من آياته البيّنات الظاهرات.

رفع السموات، وبسط الارض وثبتها بالاوتاد الراسيات، وأتحفها بالمُزن الماطرات، فزهت بأنواع النباتات المختلفات، كذلك يحيي الموتى. (إعلموا أنّ الله يُحيي الارض بعد موتِها قد بيَّنّا لكم الاياتِ) .

قال أرباب البصائر وذوو التحقيقات: ليس كذاته ذات، ولا كاسمه اسم من جهة المعنى، ولا لصفته صفة من جميع الوجوه إلاّ من جهة موافقة اللفظ.

وكما لم يجز أن يظهر من مخلوق صفة قديمة، كذلك يستحيل أن يظهر من الذات الذي ليس كمثله شيء صفة حديثة.

وأنّ التكرار من حدوث الصفة، جلّ ربّنا أن يحدث له صفة أو أسم ; إذ لم يزل بجميع صفاته واحداً، ولا يزال كذلك.

وكلّ أمور التوحيد والتفريد خرجت(١) من هذه الكلمة(ليس كمثله شيء) .

لانّه ما عبّر عن الحقيقة بشيء إلاّ والعلّة مصحوبة والعبارة منقوضة ; لان الحقّ لا ينبعث(٢) أقداره إلاّ على إقراره ; لانّ كلّ ناعت مشرف على المنعوت، وجلّ ربّنا أن يشرف عليه مخلوق، احتجب عن خلقه بخلقه، ثمّ عرّفهم صنعه

(١) أي ظهرت للمؤمنين وفهموها من هذه الكلمة. انتهى. مصحّحه.

(٢) قوله: «لا ينبعث» هو لا ننعت... الى آخره. بدليل قوله بعد ذلك: «لانّ كلّ ناعت...» الى آخره. انتهى. مصحّحه.

١١٤
بصنعه، وساقهم الى أمره بأمره، فلا يمكن الاوهام أن تناله، ولا العقول أن تختاله(١) ، ولا الابصار أن تمثله، ولا الاسماع أن تشتمله(٢) ، ولا الاماني أن تمتنحه.

هو الذي لا قبل له، ولا مفرّ(٣) عنه ولا معدل، ولا غاية وراءه ولا مثل. ليس له أمد ولا نهاية ولا غاية ولا ميقات ولا انقضاء، ولا يستره حجاب، ولا يقلّه مكان ولا يحويه هواء، ولا يحتاطه(٤) فضاء، ولا يتضمّنه خلاء (ليس كمثلهِ شيء وهو السميعُ البصيرُ) .

قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: معنى الاية ليس له نظير.

وقيل: الكاف صلة ; أعني زائدة، فالمعنى: ليس مثله شيء.

وقيل: المثل صلة، فالمعنى ليس كهو شيء، فأدخل المثل للتأكيد.

فمن الجهل البيّن أن يطلب العبد درك ما لا يُدرك، وأن يتصوّر ما لا يُتصوَّر.

كيف ؟

وقد نزّه نفسه بنفسه عن أن يدرك بالحوّاس، أو يُتصور بالعقل الحادث

(١) يريد: أن تتخيّله. انتهى. مصحّحه.

(٢) لعلّها تشمله ; أي هو ليس من جنس الاصوات فتسمعه الاسماع. انتهى. مصحّحه.

(٣) لعلّها مفرّ. أنتهى. مصحّحه.

(٤) لعلّ الاصل«لا يحيط به...» الى آخره. أنتهى مصحّحه. عبارة المصنّف صحيحة لمجيء «احتاط» بمعنى «أحاط».

١١٥
والقياس، فلا يدركه العقل الصحيح من جهة التمثيل، ويدركه من جهة الدليل.

فكلّ ما يتوهّمه العقل فهو جسم، وله(١) نهاية في جسمه وجنسه ونوعه وحركته وسكونه، مع ما يلزمه من الحدود والمساحة، ومن الطول والعرض، وغير ذلك من صفات الحدث، تعالى الله عن ذلك.

فهو الكائن قبل الزمان والمكان المحدَثين، وهو الاوّل قبل سوابق العدم، الابدي بعد لواحق القدم، ليس كذاته ذات، ولا كصفاته صفات، جلّت الذات القديمة الواجبة الوجود ـ التي لم تُسبق بعدم(٢) أن تكون كالصفة الحديثة.

قال تعالى: (أو لا يَذكرُ الانسان أنّا خلقناهُ مِن قبلُ ولم يكُ شيئاً) .

فهو ـ سبحانه وتعالى ـ احتجب عن العقول والافهام كما احتجب عن الادراك والابصار، فعجز الخلق عن الدَّرك، والدَّرك عن الاستنباط، وانتهى المخلوق الى مثله، وأسنده الطلب الى شكله.

قال الصدّيق (رضي الله عنه): «العجز عن درْك الادراك إدراك».

وقال (رضي الله عنه): «سبحان من لم يجعل للخلق سبيلاً الى معرفته إلاّ بالعجز عن معرفته».

فهو سبحانه عليم قدير سميع بصير، لا يوصف علمه وقدرته وسمعه وبصره بما يوصف به المخلوق ولا حقيقته.

كذلك عُلّوه واستواؤه ; إذ الصفة تتبع الموصوف.

فإذا كانت حقيقة الموصوف ليست من جنس حقائق سائر الموصوفات،

(١) قوله: ولا نهاية صوابه وله نهاية الى آخره. كما هو ظاهر. انتهى. مصحّحه.

(٢) قوله: «بقدم» هو بعدم، كما هو واضح. انتهى مصحّحه.

١١٦
فكذلك حقيقة صفاته.

فأجهل الناس وأحمقهم وأجحدهم للحقّ، مَن يُشبّه من ليس كمثله شيء بالمخلوق المصنوع في شيء من صفاته وأفعاله وذاته (تعالى الله عمّا يقولونَ علوّاً كبيراً) .

لانّه ـ سبحانه وتعالى ـ وصفاته مصون عن الظنون الكاذبة والاوهام السخيفة.

وقيل في قوله تعالى: (وما قدروا الله حقَّ قدره) أي ما وصفوه حقّ وصفه.

وقيل: ما عظّموه حقّ عظمته.

وقيل: ما عرفوه حقّ معرفته، وقيل غير ذلك.

قال بعض أهل المعاني والقلوب: لا يعرف قدر الحقّ إلاّ الحقّ، وكيف يقدر أحد قدره وقد عجز عن معرفة قدره الوسائط والرسل والاولياء والصدّيقون؟

ثم قال: ومعرفة قدره أن لا تلتفت عنه الى غيره، ولا تغفل عن ذكره، ولا تفتر عن طاعته ; إذ ذاك(١) عرفت قدر ظاهر قدره، وأمّا حقيقة قدره فلا يقدر قدرها إلاّ هو.

وصدق ; لانّ الخلق تعجز عن تنزيهه بما يستحقّه من كمال صفاته وعظم ذاته.

(١) أي لو كنت كما ذكر قد الخ أنتهى. مصحّحه.
١١٧

[في التسبيح]

ولهذا نزّه سبحانه نفسه بقوله: (سبحان ربِّك ربِّ العزّة عمَّا يصفون) ، وفي هذا غاية الحثّ على كثرة التنزيه ودوامه، مع أمره لاكمل خلقه في قوله تعالى: (سبّح اسم ربّك الاعلى) ، مع غير ذلك مّما في أشرف الكتب مّما أذكر بعضه.

فقوله: (سبّح اسم ربِّك) أي قل: سبحان ربّي الاعلى، والمعنى: نزّه اسم ربّك واذكره وأنت له معظّم.

وقيل:نزّه عن المعاني المفضِية الى نقصه.

وقيل: نزّه اسمه عن الكذب إذا أقسمت به.

وقيل: لفظ اسم زائد، وفي الكلام حذف، المعنى: نزّه مسمّى ربّك الذي خلق فسوّى، أي مخلوقه ; بأن خلقه مستوياً بلا تفاوت فيه وفي أعضائه، وغير ذلك من مخلوقاته، فإنّ مَنْ هذا من بعض مصنوعاته يستحقّ التنزيه، فكيف بمخلوقات اُخر يعجز الخلق عن إدراكها لعظمها؟! وكلّها على اختلاف أجناسها وأنواعها، كلٌّ يسبّحه بلغته،وبما يليق بجلاله.

قال تعالى: (يسبّحُ لهُ السمواتُ السَّبعُ والارضُ ومن فيهنَّ وإن من شيء إلاّ يسبَّحُ بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) .

وقال: (والطيرُ صافات كلٌّ قد عَلِمَ صلاتهُ وتسبيحهُ) .

قال مجاهد: تسبيح المخلوقات هو تنزيه خالقها وتوحيده بما يستحقّه ; من كمال صفات عظم ذاته.

قيل: يفقه تسبيحهم العلماء الرّبّانيون الذين انفتحت أسماع بصائرهم والمنوّرون البصائر الذين يشاهدون كلّ شيء مرقوماً عليه بقلم القُدرة: هو الملك القُدّوس.

وقال مجاهد: كلّ الاشياء تسبّح حيواناً وجماداً، وتسبيحها: سبحان الله وبحمده.

١١٨
وروى ابن السني: أنّه (عليه السلام) قال: (ما تستقبل الشمس فيبقى شيء من خلق الله تعالى إلاّ سبّح الله تعالى وحمده، إلاّ ما كان من الشيطان وأغبياء بني آدم. فقيل: ما أغبياء بني آدم؟ فقال: شرار الخلق).

وقال شهيب(١) بن حوشب: حملة العرش ثمانية: أربعة يقولون: سبحانك اللّهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللّهمّ وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك.

[في التقديس]

وقال: (هو الله الذي لا إله إلاّ هو الملكُ القدّوس) فالملك اسم من أسمائه تعالى، وكذا مليك، وهو صفة مبالغة في الملك، قال تعالى: (عند مليك مقتدر) فالملك هو المُستغني عن كلّ شيء، ويفتقر إليه كلّ شيء، ونافذ حكمه في مملكته طوعاً أو كرهاً.

وقيل: هو القادر على الابداع والانشاء والاعدام، وهذا على الحقيقة لا يكون إلاّ لله ـ عزّ وجلّ ـ أبدع المكوِّنات العُلويّات والسُّفليّات الجليّات والخفيّات، أبدعها بقدرته ورتّبها على اختلاف أطوارهابحكمته، فكلّ مابرز فهو مقهور الوجود بـ «كُنْ»، وكلّ ما انعدم فهو مقهور العدم بـ «كُنْ».

وبهذا يُعلم أنّ إطلاق الملك على ما سواه أمر مجازيّ، إذ المملوك لا يكون مالكاً ; لانّ من هو تحت قهر الاغيار فهو كالعدم.

ولهذا لمّا تحقّق أرباب القلوب أنّ الملك لله ـ عزّ وجلّ ـ تحقّقاً قلبيّاً، سكنت

(١) معروف هذا الاسم بـ «شهر». انتهى. مصحّحه.
١١٩
أنفسهم عن وصف الاضافات، وتبرّؤوا من الحول والقوّة حتى بالاشارات، فلا يقول: منّي، ولا لي ; حتّى قيل لبعضهم: ألك ربّ؟ فقال أنا عبد، وليس لي نملة، ومن أنا حتّى أقول: لي.

فهذا وأمثاله صفّى نفسه عن رعونة البشريّة وهواها، وفكّ رِبقة رِقّ خيالاتها الباطلة ومُناها، ومحض رقّ العبودية لمولاها.

فترى الملوك الجبابرة مع جبروتهم يخضعون ويتذلّلون له. ولهذا تتّمات ليس هذا المقام مقامها ; إذ الغرض التنزيه.

والقُدُّوس من أسمائه ـ عزّ وجلّ ـ سمّى نفسه بذلك ليُرشدك الى تقديسه، كما أشار الى ذلك بقوله تعالى: (يُسبِّحونَ اللَّيل والنَّهار لا يفترونَ) .

وفيه الحثّ على دوام التقديس.

فالقُدُّوس قيل: هو المنزّه عمّا لا يليق به من الاضداد والانداد.

وقيل: هو المنزّه والمطهّر من النقائص والعيوب.

وهاتان غير مرضيّين عند المحقّقين.

قال حجّة الاسلام الغوّاص الغزالي: «وهذا في حقّ الباري ـ سبحانه وتعالى ـ يقارب ترك الادب، كما أنّه ليس من الادب أن يقال لملك: ليس بحائك ولا بحجّام ; لانّ نفي الوجود يكاد يوهم إمكان الوجود، وفي ذلك الايهام نقص.

بل القدّوس: المنزّه عن كلّ وصف يُدركه حِسّ، أو يتصوّره وَهْم، أو يسبق إليه فكر، أو يهجس به سِرّ، أو يختلج به ضمير، أو يسنح له خفيّ خيال».

وقد أجاد (رضي الله عنه).

[فائدة جليلة للمنزّه والمشبّه]

وههنا فائدة جليلة للمنزّه والمشبِّه: وهي أنه ينبغي للعبد أن يجعل له حظّاً

١٢٠