×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دور القدوة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الفيل , وسطر توحيده القرآن والتاريخ , وهو صاحب المقامات المعنوية والمادية في قومة , وابو طالب مربي الرسول (صلّى الله عليه وآله) , والرسول (صلّى الله عليه وآله) مربى عليا (عليه السلام) , وهذا التسلسل للمحافظة على التربية الصحيحة والتربية الشريفة في هذه الأسرة النبوية الخالدة: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(١). وذلك لاهمية تأثير المربي والاجواء المحيطة والوراثة من والديه , ومن هنا يحظى آل عبد المطلب بمكانة مرموقة لدى الجميع: مسلمين وغير مسلمين، لما كان يتمتععون به من شخصيات سامية، وخصوصيات خاصة يتميزون بها , وما قاموا به من مشاريع اقرها الاسلام(٢) وذكرها القرآن الكريم والتاريخ(٣).

فهذا الدكتور شبلي شميل المتوفى ١٣٣٥ وهو من كبار الماديين في القرن الحاضر يقول: (الامام علي بن أبي طالب عظيم العظماء نسخة مفردة لم

١ - آل عمران: ٣٤.

٢ - كالطواف سبعا والخمس والدية مأة من الابل وغيرها.

٣ - ان سورة الفيل شاهدة بتوحيد عبد المطلب وعظمته ولهم تاريخ حافل بالمكارم كحلف الفضول والرفادة والسقاية ولهم الزعامة والوجاهة منذ عهد ابراهيم ع الى يومنا هذا وقد اشرت الى مصادر تتكلم حول شخصية ابا طالب (رح) واما الامام علي (عليه السلام) وابنائه (عليهم السلام) الذين هم اكرم اهل الارض فقد خصصت فيهم بحوث خاصة فراجع كتبي: وعرفت منهم اهل البيت (عليهم السلام). وكتابي (للمنصفين فقط). تجدهم ذرية بعضها من بعض من اصلاب طاهرة وارحام مطهرة , وهم أمناء الله في ارضه وخلفائه في أمته.

٢١
يرلها الشرق ولا الغرب صورة طبق الاصل لا قديما ولا حديثا)(١). وقال عمر بن الخطاب: (عقمت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب)(٢). ويقول جورج جرداق الكاتب المسيحي اللبناني المعروف: (وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كل زمن عليا بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره)(٣). نعم ان عليا (عليه السلام) من أولياء الله (عزّ وجلّ) الذين لهم خصائص أخرى ميزهم عن سائر الشخصيات وجعلهم نخبة ممتازة وثلة مختارة من بين الناس وهو كونهم رسل الله وأنبيائه أو خلفاءه وأوصياء أنبيائه , فعلي (عليه السلام) هو وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليفته والقرآن هو نهجه والله (عزّ وجلّ) ورسوله (صلّى الله عليه وآله) مربياه وقد انزل (جلّ جلاله) في شأن صبر علي واهل بيته (عليهم السلام) وكرمهم و.. قرآن ناطق في آيات كثيرة نعم إننا لا نستطيع ان نكون مثل اهل البيت (عليهم السلام) لانهم عرفوا الله تعالى واطاعوه حتى وصفهم (جلّ جلاله) بالمطهرين من الرجس تطهيرا , ولكن علينا بالاقتداء بهم والجهد في سبيل اتباعهم وتعليم انفسنا وابنائنا الاسلوب الذي نهجوه (عليهم السلام) كالعطف على الفقراء، واسعاف حاجتهم , والمسارعة لقضاء حوائجهم، والتسامح عن أخطائهم، ونتذكر باستمرار قوله (عزّ وجلّ): {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(٤).

والاهتمام بالقربات والخيرات، واقامة الشعائر، والاهتمام بالمساجد والحسينيات بتشيدها، والمحافظة على قداستها ونتستبق ونتنافس في ذلك. قال تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}(٥).

وقال عز من قائل: {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}(٦). نعم

١ - الامام علي صوت العدالة الانسانية ١ / ٣٧.

٢ - راجع (كتابي: (وعرفت منهم اهل البيت) فقد نقلت اقوال الصحابه في الامام (عليه السلام) مع المصادر الموثوقة.

٣ - الامام علي صوت العدالة الانسانية ١ / ٤٩.

٤ - آل عمران: ١٣٤.

٥ - المؤمنون: ٦١.

٦ - ال مطففين: ٢٤ -٢٦.

٢٢
المولى (جلّ جلاله) يأمر بالادب وعدم الحسد والتنافس والسباق إلا في عمل الخير فيأمرنا بالسباق والتنافس , وذلك يكون بالالتفاف حول العلماء، والاستماع لنصائحهم وارشاداتهم فقد ورد في الحديث عن أبي عبد الله (عليه السلام): (ثلاثة يشكون إلى الله عزوجل: مسجد خراب لا يصلي فيه أهله، وعالم بين جهال، ومصحف معلق قد وقع عليه الغبار لا يقرأ فيه)(١).

قصص من الواقع

قد كثرت الدراسات والبحوث حول شخصية الطفل وحول وجوب الاهتمام بمرحلة الطفولة , ولكن للأسف الشديد البعض يطبق الكلام عكس ما يجب , فيكون ضره اكثر من نفعه فمثلا: انا اعرف أسر ورأيت من تعاملهم أغلاط كثيرة , منها مثلا: (ذات مرة زرت احدى الصديقات ورأيت طفلها يخرب كل شي وبكل حرية!! وهي تأتي وتصلح وراءه بهدوء , وتكرر ذلك مرات في نفس الجلسة , فقلت لها: عفوا للفضول , ولكن عندي سؤال. فقالت: تفضلي فقلت: لماذا لا تعلمي طفلك انه يخطيء؟

فقالت: لا لا لا.. فقلت عجبا لماذا؟!!.

فقالت: ان في الروايات وعلم النفس: ان الطفل أمير نفسه إلى سبع سنين. فقلت: إذا ثبت ذلك فالمقصود منه انه لا يجبر على شي فتنكسر شخصيته , أما ان يظل يخرب وهو لا يعرف انه يخرب فسيكبر ويكبر معه تخريبه ويريد حريه مطلقه ولا يسمع لأي توجيه , يجب على الوالدين ان يفهما طفلهما ان هذا خطاء وهذا صح ويشجعوه على الصح ويؤنبوه على الخطاء , ولا بد من اعطاه حريه في كل أجواء البيت , مع مراقبته لان الأم لو ترفع عن الطفل كل شي يحتمل كسره لأذاها عند الناس كما شاهدت ذلك بنفسي , فالافضل ان ترفع عن متناول يده كل ما هو خطر عليه , أما الاشياء الاخرى كالكتب واشياء الزينة ونحوها فلابد ان

١ - العروة الوثقى (ط.ج) السيد اليزدي ج ٢ ص ٤٠٢.

٢٣
يعتبرها شي طبيعي ولا يمسها بيده ابدا , وهذا يحتاج إلى تعب الأم بان تراقب حركاته وتقول: لا , هذا يكتسر مثلا , او هذا يحرق يدك , وهكذا حتى يميز بنفسه الخطاء فيجتنبه , وإذا لم يفهم تظهر له انها تزعل منه , ثم تلجاء إلى الضرب التأديبي أي بسهوله بحيث لا يؤلمه فهو ان تعود على كثر الصياح واللجه او كثرة الضرب لم يعد يفهم بل يصبح لجوج عنيد لانه يكره الناس ويصبح معاندا لهم , فلابد من تأديبه بهذه الخطوات , فلا اهمال ولا ضرب مبرح. اما الحرية المطلقه فهي غلط في غلط... وبعضهن تظل متمسكه في ابنها مدة وجود الضيوف كما شاهدت ذلك بنفسي أيضا , ولكن إذا ذهبت لزيارت احد او طول الضيوف الجلسة مثلا او حتى احتاجت القيام بعمل ما فسوف يؤذي الناس من كثرة حركاته الجنونية. وقلت لها: لو تعبت من هذه الحرية المطلقة وأردتم تقييدها عندها لا تستطيعون ذلك لانه كالشجرة إذا كبرت وهي عوجاء فلا تتساوى , وان أريد مساواتها اكتسرت.. المهم طال البحث في ذلك ولم تقتنع بكلامي.

وبعد سنة تقريبا جاءت لزيارتنا وإذا بها تظربه ضربا مبرحا فقلت لها: ماهذا الظلم؟!! انه لو كان عدوا لك لما عاملتيه بهذه القساوة. فقالت: عجبا!! ألم تقولي قبلا انه يجب ان اربيه وأعلمه؟.

فقلت انا لم اقل اضربيه قلت ادبيه والفرق كبير جدا... فقالت: يا أختي الصدق ان زوجي هو السبب فقد كان يقول لي: لو يخبرني الطير انك تقيدي حريته لفعلت بك كذا وكذا , ان الطفل سلطان نفسه إلى سبع سنين. وأنا تعبت من الصبر والتحمل فحاولت اربيه فلم استطع لانه تعود على الحريه المطلقه بل لا يفهم مهما افعل به....

نعم هكذا نفس الفكرة في رؤس كثير من الآباء ان الطفل مطلق الحرية إلى سبع سنين!!! ونسيوا ان الطفل في هذا السن يجب ان يصنعه أبويه كيفما شاءا , وبعد هذا السن يصعب تحويله عن عاداته التي مارسها من عناد وحب الذات وغيرها كثير , نعم ان الطفل وهم مولود لو تعود لاينام إلا بتحريك وتربيت لتعود

٢٤
على ذلك فتصبح الأم حبيسته إما في يدها يصيح او يضحك او ترقده!! وكثير ما رأيت ذلك بنفسي ونصحت ونهيت عن ذلك , فالطفل اذا بكى فالتتفاقد حاله من جوع ووجع ونظافة فإذا كان لا يشكي من شي من ذلك تتركه يبكي فترة وسوف يسكت هذا من اول يوم ولادته , أما بعد التعود على اليد فهو صعب الفطام , وانا اقول ذلك بتجارب رأيتها من بعض الأخوات اللواتي عاشرتهن فمنهن من تحسن التربية فترى طفلها لا يبكي إلا لسبب وتراه محبوبا ومرحا ومؤدبا , اما من تدلع وتعود فما ان يوضع في الارض حتى يصيح يريد الحضن!! , وما ان يكبر حتى يصبح هما لوالديه ولمن زارهم او زاروه!! وهكذا كلما يكبر كلما يكبر اذاه , وانا لا اقول تحرمه من المداعبة والحمل احيانا , لا , بل لابد من ملاعبته ومداعبته حتى يصبح مرحا منبسطا محبا ومحبوبا , ولكن في اوقات معينه , فقد رأيت أحد الآباء يسمي ابنه وهو في سن السنة والنصف تقريبا " غضب" فقلت لماذا؟!.

فقال: انه لا يعرف يضحك. وعلمت ان السبب ان أمه كانت تتركه في البيت وتذهب للحديث والزيارات وهو وحده يبكي حتى يتعب وينام فتأتي تأكله وتضربه وتكسر شخصيته ولا تعرف تلاعبه لانها مخاصمه لزوجها فهو يخطب غيرها , فتعامل الطفل البري بذنب والده!! بل قد اقول انه ليس ذنب فمن لا ترعي الامانة وتحمل حنان الامومة فهي تستحق ذلك.

انا لا اشجع على ظلها ولا ظلم طفلها وعدم احترام الطفل او تدليعه ولكن ضمن حدود والطفل يعقل اكثر من الكبار فلو تركت من وقتها له لتفهم الامور لتفهم احسن من الكبار وتدلله في حدود وتسليه في حدود ولكن لا ان تتركه يفعل مايشاء وكيف يشاء باسم الحرية والاعتماد على النفس فيصبح ابنها كابوس عندما تذهب لزيارة احد او زارها احد يحرجها باذيته وشيطتنه وتسميه ذكي ونشيط!!!

وذات مرة ذهبنا زيارة لأحدى الاخوات فإذا بالاخت لا تهتم بإطفاء الكهرباء , وتسرف في الماء , وتغسل الصحون وتدخلها في الصندوق قبل الجفاف فيؤيدي

٢٥
الى خرابه. فقلت لها: عفوا لماذا كذا وكذا؟؟

فقالت: نحن لا ندفع اجرة شي بل دفعنا رهنية وشهرية كثيرة وكل ما يلزم من ماء و.. على صاحب البيت. ونحن فترة قصيرة ونذهب والصناديق ليس ملكنا وو.. فحاولت اعظها وجسمي يشمئز من هذه الخيانة التي يعملها بعض الناس وبكل جراءة وهو يصلي ويصوم ويتصدق!!.

وهكذا يحصل كثير في بيوت الاستئجار او السكن الجامعي او الحوزوي الذي تعطيه بعض الدول للطلاب و.. فالام التي يسمعها ويراها اطفالها لا تراعي الامانة فمن اين سيتعلون الامانة؟؟ إلا من رحم الله , ومن الامانه ماجاء قي قول قدوة المؤمنين الامام أمير المؤمنين (عليه السلام): (والله لو اعطيت الاقاليم السبع فيما تحت افلاكها على ان اعصي الله في جلب شعيرة اسلبها من فم جرادة ما فعلت).

نعم قد توجد أم او أب غير صالحين ويكون منهم طفل او اطفال صالحين وذلك إذا وفقه الله بمعلم او صديق جيدين فهما يؤثران فيه إذا عنده روح طيبة قابلة للهداية. نعم للأسف الشديد بعض الناس يطبق الرواية او القاعدة عكس مفهومها كما ذكرت (الطفل امير نفسه الى سبع سنين) و (والاهتمام بصحة الطفل) فعلى الإنسان المهذب الذي لا يحب ان يمله الناس ان يقراء سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام) فانه سوف يغترف الأخلاق من فالطفل كلما يكبر كلما يلزم احترام فكره ورأيه , وإذا كان هناك عقيدة وسلوك معين فاليغرسها الآباء تدريجيا حسب العمر وبالأسلوب الجميل , اما الجبر فهو يسبب التنفر والعقوق , وعلى كل حال مهما بلغ من جهل الابوين فلهم حق الطاعة في غير معصية الله , وانا اعتقد ان افضل ما يجب على الوالدين بعد تهذيب نفسيهما كقدوة لطفلهما ان يختارا أُسرة مؤمنة مهذبه ويتركاه مع اطفالهما بعد اليقين من اخلاقهم بحيث لا يشعر انهما يرايدا ان يصادقهم بل بطريق مدحهم وزيارتهم ومن هذا القبيل فالطفل عندما يكبر يتأثر بصديقة وجليسة اكثر من اهله إلا اذا اهله يعاملوه كصديق , اما اذا هو لا يرى الحب والاحترام من اهله كما يراه من

٢٦
اصدقاه فهو يفر الى من يبدون له الحب والاحترام ويعبرون له عن ذلك , والا طبيعي لا يحب الطفل احد اكثر من والديه لكن اكثر الاسر تستسلم للمشاكل وتنسى الحب والتفاهم والحوار في البيت وهذا يزيدهم مشاكل اكثر لو يعقلون.

من هو قدوتنا؟

انه لا حاجة لنا ان ننظر ونبحث لنا عن قدوة لأن عندنا القرآن الكريم فية كل ما تتطلب الحياة من ما يجب ان نعمل وما يجب ان لا نعمل وعندنا الأنبياء والرسل والاولياء (عليهم السلام) والقادة , وعندنا من النساء خديجة التي اختارت الرجل الفقير لخلقه الرفيع وصفاته الحميدة , وقدمت كل مالها في سبيل الله , وسمية التي استشهدت صبرا على التعذيب في سبيل الله (عزّ وجلّ) , وعندنا أم عمارة التي دخلت بسيفها تذب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وغيرهم كثير فهل نبقى نبحث عن قدوة وتاريخنا ملي بالعظماء وما علينا إلا ان نقراء عن صبرهم وثباتهم وسلوكهم.. ونقتدي بهم خطوة بخطوة.

فمن كان عنده كتاب ككتابنا المقدس , ونبي كنبينا (صلّى الله عليه وآله) وأئمة كأئمتنا (عليهم السلام) ونساء عظيمات فاعلات في كل المجالات الدينية والدنيوية , فهل يحتاج ان يبحث عن قدوة لا تفهم من الحياة إلا الغريزة الحيوانية؟؟!!.

لا, لا نحتاج إلا ان نعرف كتابنا وما فيه وتاريخنا ومن فيه , ونعمل طبق ما ارادا , فان ذلك يضمن لنا سعادة الدنيا والآخرة وذلك: إذ شئنا ان نسعد في الآخرة لابد ان نحذرها ونخافها وذلك ان نكثر من قراءة القرآن خصوصا الآيات التي تذكّرنا بيوم القيامة كقوله (عزّ وجلّ): {يوم ينفخ في يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجاء يومئذ وما لكم من نصير. يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. يوم يتذكر الانسان ما سعى وبرزت الجحيم لمن يرى. يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شئ شهيد. يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا

٢٧
ليتني كنت ترابا. يوما عبوسا قمطريرا. يوما يجعل الولدان شيبا. يوم ندعوا كل اناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا. يوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا}.

لو كانت هذه الآيات دائما نصب الأعين لكان كل فعل وقول وحركة كلها لّله وفيما يرضيه. ولو ذكرنا أنفسنا دائما نارا شديد لهيبها، متأجج سعيرها، متغيظ زفيرها، قعرها بعيد، وحرها شديد، وعذابها جديد، وحليها أصفاد وإذا قيل لها: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد. لو ذكرنا أنفسنا بالموت وسكرته، والقبر ومسألته، وذكرناها بنفخة الصور، وكيف يساق الخلق من القبور إلى أرض المحشر عراة؟! يسوقهم الله بالنفخة الاولى وهي الراجفة، ثم يتبعها النفخة الثانية وهي الرادفة. لو عرفنا الدنيا على حقيقتها: فعيشها عناء، وبقاؤها فناء، لذاتها تنقيص، ومواهبها تغصيص، سريعة الزوال، خيرها زهيد وملكها يسلب، وعامرها يخرب، عيشها قصير، وخيرها يسير، وإقبالها خديعة، وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية، وتبعاتها باقية، في حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن. لوحاسبنا أنفسنا قبل أن نحاسب ولمناها قبل أن تلام. وعملنا للدنيا عملا كله لله وفي مرضات الله لنلنا خير الدنيا والآخرة وسعدنا في الدنيا والآخرة ولرفعنا الله (عزّ وجلّ) في الدنيا والآخرة: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}(١).

وسعادة الدنيا لا تعني المال والجاه ان السعادة هي الرضا والقناعة بما ناله من الدنيا من مال وبنين ومتاع , ولو فرضنا ان انسان كان محروما من شي من ذلك فلا يكدر حياته ولا تسلب عنه ابتسامته ومرحه ومعنويته التي هي كل السعادة بالنسبة لاسرته , ويسعى جاهدا بالطرق المشروعة لكسب ما يمكنه لتوفير

١ - المجادلة: ١١.

٢٨
متطلبات أسرته , ويعوض الحرمان بالتذكر في ما أعد الله لعبادة المخلصين من نعيم دائم لا يزول , قال عز من قائل: {على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لاصحاب اليمين. وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون. إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون هم وأزواجهم في ظلال على الارائك متكئون لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم. إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ماتدعون}. نعم لو عملنا للآخرة والدنيا لأاطمئنت قلوبنا في الدنيا والآخرة: ألا بذكر الله تطمئن القلوب. يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية. واعلم عزيزي المؤمن وأنتي عزيزتي المؤمنة انه لا حجة لكما عند الله تعالى , فقد بين لكما دوركما في هذه الحياة وعرفكما السبيلين وهداكما النجدين فعليكما بالجد والتشميرفي السعي للكمال الذي يؤثر على جميع تصرفاتكما واعمالكما وسلوككما , ودوركما انكما اساس الاسرة , والأسرة هي العامل الأساسي في بناء الكيان التربوي وإيجاد عملية التطبيع الاجتماعي فالمجتمع مكون من أسر والأسر من افراد , وتشكيل شخصية الفرد واكسابه العادات التي تبقى ملازمة له مدة حياته هي طفولته , فلابد من الاهتمام بدوركما كقدوة
٢٩