×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الرحلة المدرسيّة والمدرسة السيّارة في نهج الهدى / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الله ليس بجسم ولا يخفى عليه شئ

عمانوئيل: فقرأت في الفصل الثالث من التكوين من العدد (الثامن إلى الثاني عشر فوجدت ما حاصله أن آدم وحوا سمعا صوت الإله متمشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار فاختبأ عن الله في شجر الجنة. فنادى الله آدم: أين أنت؟ فقال آدم سمعت صوتك فاختبأت لأني عريان.

فقال الله: من أعلمك أنك عريان. هل أكلت من الشجرة.. وحين قرأت هذا أخذتني الحيرة أيضا وسكت مطرقا.

اليعازر. أراك قد عاودتك الوساوس الشيطانية يا عمانوئيل. أسفا على إيمانك.

القس: دع هذا الكلام يا اليعازر واترك ولدك يحقق بحريته. وماذا يفيده توبيخك وأسفك إذا بقي يتجرع غصص الشكوك. فدعه يبوح بما عنده فلعلما يرتاح من علل الشكوك. تكلم يا عمانوئيل. عمانوئيل. يا سيدي ألا تسمع كلام التوراة يقول: إن الله جسم يتمشى وله صوت، ويختبئ عنه آدم، ويقول لآدم: أين أنت من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة؟

٢١
القس: يا بني هذا كلام نبوي يتسامح فيه ولعلما أبين لك أمره في وقت آخر.

عمانوئيل: يا سيدي هل وظيفة الكلام النبوي أن يجري على المضامين الخرافية السخيفة، وعلى غير المعقول. فهل من اللائق بالعلم والأدب وجلال الله وشرف النبوة أن نسامح الكلام النبوي فيما لا نسامح فيه كلام الآدميين.

القس: إقرأ من حيث انتهيت يا عمانوئيل. فلعلما ترتاح بعد هذا من نفس قرائتك لكتاب الله وترتفع شكوكك ويشرق في قلبك نور الإيمان.

الله هو القادر الواحد القهار

عمانوئيل: فقرأت في الفصل الثالث من العدد الثاني والعشرين إلى الرابع والعشرين. وفيه: إن آدم لما أكل من الشجرة قال الله " جل شأنه ": هو ذا آدم صار كواحد منا عارف الحسن والقبيح والآن يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضا فيأكل ويعيش إلى الأبد. فأخرجه الله من الجنة وأقام شرقيها لهيب سيف متقلب لحراسة طريق الشجرة. فلما انتهيت إلى هنا وضعت التوراة على الكرسي وقمت متضجرا قائلا واويلاه حتى متى أغيظ سيدي الوالد بالكلام. بل أسكت وليغل قلبي بنيرانه. يا ليتني لم أكن قرأت.

٢٢
القس. دع عنك يا عمانوئيل الضجر وتكلم بما عندك فأنا ضامن لك رضا سيدك الوالد فإنه لا يريد منك الإيمان بالتقليد الأعمى. ولكنه لأجل اشتغاله بالتجارة وقلة ممارسته العلوم وقلة قراءته الكتاب المقدس لم يلتفت إلى مواقع سؤالاتك العلمية. ويحق له بما هو فيه أن يستكثر هذه الاعتراضات الكبيرة على فصلين صغيرين من التوراة هات ما عندك.

عمانوئيل: اسمحا لي بالعذر يا سيدي القس ويا سيدي الوالد فإني منذ صرت أتلو التوراة بتفهم وتعقل صرت أتجرع غصص الإشكالات المهولة ولا أجد من يشفي علتي. ولما سعدت بلقاء سيدي القس رجوت أن يكشف عني غمامة الشكوك. فإذا أصغى إلي بسمعه برهة من الزمان فقد صفا لي الوقت لاستيضاح الحقائق على ناموس الحرية والصواب. ولكن سيدي الوالد يريد أن يكدر علي هذا الصفاء وأنا لا أريد أن أغيظه فما هي حيلتي.

اليعازر: هل تظن يا ولدي أنه يهون علي أن تتجرع الغصص وتعاني الكروب. ولكني أخشى أن تكون شكوكك هذه من ضلال الأوهام. بيد أني واثق بمراقبة حضرة القس لك لكي يردعك عن شطحات الكلام وزيغ البحث فتكلم.

عمانوئيل: ما هو المعنى المعقول اللائق بجلال الله في التوراة عن قول الله " هو ذا آدم صار كواحد منا في معرفة الحسن والقبيح " ومن هم الجماعة الذين يعنيهم الله بقوله منا. فهل ترى التوراة تعلم بتعدد الآلهة. أفلا يقلقني هذا الكلام مع قول الأصل العبراني ههنا " ويأمر يهوه الوهيم " أي آلهة. فإن الياء والميم في اللغة العبرانية علامة الجمع. وإن مضمون الكلام الذي قرأته من التوراة هو أن الله جلت عظمته قد خاف من عاقبة آدم إذ صار كواحد من الآلهة. فصار الله يحاذر منه على الجمهورية واستقلالها بالسياسة حتى أعمل الاحتياطات اللازمة لئلا يغلبه آدم على شجرة الحياة فيزيد الخطر والتهديد على المملكة.

يا سيدي كيف لا أجزع وهذا حال التوراة التي نعتبرها كلام الله لرسوله موسى.

القس: مهلا يا عمانوئيل لا تتكلم بحرارة فإن الله سينور ضميرك بنور الهدى، ولعلما تحل هذه العقدة من قلبك بسماع كلمتين من الحقيقة حينما يسمح الوقت ببيانهما.

عمانوئيل: يا والدي أسألك بحنوك الأبوي لو كنت أنت لا تدري بوجود هذه الأمور في التوراة وجئتك أنا وقلت لك إن بعض الكتب تنسب إلى جلال الله هذه الأمور التي ذكرناها في قصة آدم. أفلست تقول إن هذا كفر من ضلالات الوثنية.

٢٣

القرآن ميزان الحق

اليعازر: نعم. ولكني مقتنع بأن التوراة كلام الله فاللازم علي أن أغض النظر عن هذه الأمور. يا عمانوئيل أنظر في قرآن المسلمين، هل تجد فيه ذكرا لهذه الأمور التي اعترضت بها.

عمانوئيل: قد تصفحته مرارا فوجدته منزها عنها وعن أمثالها. وها هو حاضر في الوجود لكل من يقرأه.

اليعازر: إن هذا يكثر منه عجبي.

سر نديب وآدم

عمانوئيل. رأيت في كتب الجغرافيا والتاريخ أن في جزيرة سرنديب " سيلان " جبلا يسمى بالإنكليزية " أدمس بيك " وأيضا بين الجزيرة وقارة آسيا صخور عظيمة منتظمة في البحر يتعسر عبور السفائن مما بينها تسمى بالإنكليزية " أدمس بريدج " فما شأن آدم في ذلك.

القس: إن المسلمين يذكرون عن تقاليدهم أن آدم أهبط من الجنة في جزيرة سرنديب وعبر منها إلى قارة آسيا. واسم الجبل والجسر تذكار تاريخي متسلسل شاهد لما يقوله المسلمون.

عمانوئيل: يا سيدي إذا لم يطابق ما يقوله، المسلمون مع ما تذكره التوراة فهل يسوغ لي أن أقول إن أقوال المسلمين خرافية.

٢٤
القس: لا. لا يسوغ ولا تقل.

اليعازر: قم يا ولدي إلى غرفتك وأرح فكرك.

عمانوئيل والكتب

عمانوئيل: قمت متفكرا فيما قاله القس أخيرا وجلست بحيث أسمع مكالمة والدي مع غبطة القس. فقال يا سيدنا القس إن حال عمانوئيل يقلقني وأمره يريبني فإنه زيادة على مجالسته للمسلمين وجدته يوما وعنده كتاب يسمى " إظهار الحق " وهو يطالعه بالإمعان والرغبة فسألته عنه فقال: هو كتاب لعالم كبير من المسلمين فساءني ذلك. وذاكرت بعض الأخوة فقال: اشتر له كتاب هاشم العربي ترجمة مقالات جرجيس سايل مع التذييلات وكتاب " الهداية " للجمعية المصرية المسيحية المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان وكتاب الرحلة الحجازية للشيخ غريب ابن الشيخ عجيب فاشتريتها له وأمرته بمطالعتها. وصرت أترصد حاله بمطالعتها فلم أجد منه ابتهاجا بها. بل وجدته عند مطالعتها يولول ويدمدم في نفسه.

القس: لم يكن من الصالح شراؤك له هذه الكتب فإن فيها من التعصب، ومخالفة الواقع، وعدم المعرفة بما في الكتب المقدسة شيئا كثيرا يزعج صاحب المعرفة والشعور الحر، ويجعل الديانة المسيحية على خطر.

اليعازر: ثم بعد أيام وجدت عنده كتبا يطالعها بارتياح وابتهاج.

ولما سألته عنها قال لي: ما كنت أحسب أنه يكون في المسلمين عالم هكذا عارف بالكتب المقدسة جميل المباحثة طيب المكالمة. وها أنا ذا واثق بأنه لا يوجد في أخبار اليهود وروحانية المسيحيين مثل هذا الرجل في علمه بالكتب المقدسة. فقلت له دعنا من هذا التمجيد الفارغ. ما هي الكتب ولمن هي؟ وفي أي موضوع تبحث؟ فقال: هي كتاب " الهدى " جزء آن، و " رسالة التوحيد والتثليث " الجميع لكاتب الهدى النجفي. في الرد على هاشم العربي. وجمعية الهداية. وعبد المسيح الكندي.. والآن يا سيدي ما أدري ماذا أصنع مع ولدي الوحيد عمانوئيل. وها هو كما تراه. وكأني عن قريب قد خسرت ديانته المسيحية بانقلابه إلى الديانة الإسلامية الوحشية الوثنية.

عمانوئيل: فسمعت القس يقول. لا. لا. يا اليعازر إن الديانة الإسلامية لا يمكن لأحد أن يقول. إنها وحشية وثنية. فأطرق والدي ثم قال: والآن ماذا أصنع يا سيدي مع ولدي عمانوئيل.

٢٥
القس: يا اليعازر إن أفكار ولدك راقية وتنبهاته جيدة يتكلم على أساسات متقنة بحجة معقولة لم يقيد نفسه التعصب وتقليد الأوائل، ولم يتسرع بهملجة العصريين إلى حب الجديد والاقتناع بالتخمينات الوهمية، ومخالفات العقل. فليس من الصالح أن تضرب على أفكار ولدك فتضطره الشكوك في الديانة الخاصة إلى الطفرة إلى مبادئ الإلحاد كما عم هذا الداء في أروپا وأمريكا. إذ صارتا كعاصمة الإلحاد بعد أن كانتا زاهيتين زاهرتين بالديانة الإلهية. فإن التدين بالإلهية على الحقيقة والحجة القويمة هو المهم الأولي والتدين الأساسي. وأما التدين بالنبوات الخصوصية فهو أمر ثانوي، تتجلى حقيقته بالاستضاءة بأنوار الأساسيات الحقيقة في الإلهية.

والآن أرى الدواء الناجح لولدك أمرين: أحدهما: أن يتلمذ على روحاني واسع العلم، حسن الاطلاع، جيد الانصاف، شريف المكالمة، لين العريكة، حر الضمير، عارف بفلسفة التعليم، برئ من التعصب لم يستعبده الهوى، ولا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا طمع في رتبة أو راتب. وثانيهما: أن توضع على ولدك يد بركة وقداسة لكي يحل عليه روح القدس فيفهمه الحق بالتوفيق والتسديد.

اليعازر: ها أنا ذا أقول قولا لا تحسبه يا سيدي تمجيدا تمليقا لحضرتك بل أقوله عن اعتقاد صميمي وهو: إن الدواء الناجح الذي تذكره لولدي لا أراه موجودا إلا عند روحانيتك وقداستك. فأرجو الترحم علي وعلى ولدي بالإقامة لأجلنا، بل لأجل الديانة المسيحية إذ تقوم بنجاح كبير بالتبشير في هذا القطر العظيم. فإني أرجو أن يكون لك نجاح كبير في اجتلاب المسلمين إلى المسيحية.

القس: يا اليعازر ما سمعت لمرسل مسيحي نجاحا يذكر في تبشيره بين المسلمين. ومن المدهش أني لم أجد بين الهندوس مبشرا مسلما. ومع ذلك أرى الهندوس يتقاطرون على الديانة الاسلامية على رغم كثرة المبشرين فيهم من المسيحيين وملاطفاتهم بالعنايات الصحية ونشر الكتب المقدسة بلغاتهم وموافقتنا لهم في أمر الثالوث والأقانيم وتجسد الإله. مع تأييد ذلك بسلطة السياسة.. وهكذا يبلغني عن سودان " إفريقيا) بمصادر وثيقة. أفليس هذا من العجيب.

اليعازر: ما هو السبب والسر في ذلك.

القس: إن كنا لا نعرفه فدعنا لا نعرفه حالا.

عمانوئيل: لم أزل مصغيا إلى كلمات والدي وغبطة القس وكانت كل كلمة من كلمات القس تغرس في ضميري غرسا صالحا آمل أن أجتني ثمره الطيب في وقت قريب.

القس: إقرأ يا عمانوئيل من حيث انتهيت.

٢٦

قصة ولدي آدم، والتوراة وخللها، وتراجمها وتحريفها

عمانوئيل: فقرأت حتى وصلت إلى العدد الثامن من الفصل الرابع من سفر التكوين وفي أوله بالترجمة الحرفية " وقال قاين إلى هابيل أخيه وكان بكونهما في الحقل. وقام قاين إلى هابيل أخيه وقتله ". فقلت يا سيدي هذا كلام مبتور المعنى مختل النظام ظاهر النقيصة والسقط. فماذا قال قاين لأخيه؟ وماذا كان بكونهما في الحقل؟

القس. أنظر في الأصل العبراني المطبوع. والكتاب المقدس

عند اليهود وطابقهما مع ما ذكرت فربما كان التغيير من الترجمة.

عمانوئيل: نظرت في الأصل العبراني فكان ما ذكرناه من الترجمة ترجمة حرفية بتمام المطابقة. القس. أنظر يا عمانوئيل في الحواشي.

عمانوئيل: ليس في الحواشي إشارة إلى هذا العدد الثامن إلا قولها " بلا پاسوقا " يا سيدي وماذا تنفع الحواشي. فهل ندم الله على إنزال التوراة على موسى ناقصة فأنزلها بعد ذلك تامة على كاتب الحواشي.

٢٧
كتاب الرحلة المدرسيّة للشيخ محمد جواد البلاغي (ص ٢٨ - ص ٤١)
٢٨

جمعية كتاب الهداية - والصدق - والأمانة

عمانوئيل: يا سيدي هذا المقام قد ذكرني شيئا أضحكني كثيرا فإني رأيت في كتاب جمعية الهداية المطبوع بمعرفة المرسلين الأمريكان في الجزء الثاني صحيفة ٤٢ من الطبعة الثانية.

إن هذه الجمعية الرسولية التبشيرية المقدسة الناهضة للتهاجم على المسلمين وقرآنهم قد قالت ما هذا نصه، " ثم إن مراعاة القرآن للسجع مقدمة عنده على الحقائق. فقال قابيل: لأنه على وزن. هابيل " ثم أخذوا بالانتقاد على ذلك. وربما اغتررت بادئ بدء بسمعة مجدهم لكن الحقيقة كشفت عن أنه لا يوجد في القرآن لفظ قابيل ولا لفظ هابيل أصلا. فضحكت يا سيدي من إيقاع التسرع والتعصب لهم في هذه الورطة الكبيرة. ولكني خجلت كثيرا يا سيدي من رجوع هذا الوبال على مجد روحانيتنا وإرسالية المسيحيين.

القس: إن التعصب يورط بأكثر من هذا. ولتكن غيرتك لمجد الحق والصدق لا للفخفخة القومية. إقرأ يا بني.

٢٩

حديث بابل - والبلبلة

عمانوئيل: فقرأت حتى بلغت الفصل الحادي عشر من سفر التكوين فوجدت في العدد الرابع منه إلى الثامن ما حاصله " إن بني آدم اجتمعوا بعد الطوفان لكي يبنوا لهم مدينة حصينة عالية لئلا يتبددوا فنزل الله لينظر المدينة. وقال الله. هذا شعب واحد ولسان واحد وهذا ابتدائهم بالعمل والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. تعالوا ننزل ونبلبل لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض ". فأطبقت التوراة متبسما ناظرا إلى وجهي والدي والقس أنتظر ابتدائهما بالكلام.

اليعازر: يا ولدي أرى من سيماء عينيك أن صدرك مملوء كلاما. تكلم يا ولدي بكل حرية من جانبي من هذا اليوم وما بعده.

عمانوئيل: يا سيدي كيف يحتاج الله في علمه إلى النزول لكي ينظر المدينة؟ وكيف يحتاج في قدرته إلى النزول لكي يبلبل؟ وما حاجته في قدرته إلى الاستعانة؟ ومن أين ينزل وإلى أين ينزل؟ ولمن قال: تعالوا ننزل؟ وبمن يستعين على حياطة مملكته من التهديد؟ أفلا تعجبون من هذه المضامين السخيفة.

القس: مثل هذا في الكتاب المقدس كثير فلا تضطرب منه.

عمانوئيل: عجبا يا سيدي هل كثرة المشكلات ترفع الحيرة من المشكل. وكأنك لا تريد أن تعاجلني ببيان الحقيقة. وإلى متى أصبر. وكأني بسيدي عنده بيان كبير ثقيل على التعصب صعب على الأهواء ينتظر به الفرصة وسماحة الوقت.

القس: لعل الأمر كما تظن فلا تزعجني بالاستعجال.

٣٠

نار نمرود في بابل - وإبراهيم النبي

عمانوئيل: يقول المسلمون: إن في أرض بابل أضرم الوثنيون نارا عظيمة لإحراق إبراهيم الخليل، وألقوه فيها، فأنجاه الله منها،

وجعلها عليه بردا وسلاما. كما يذكره قرآنهم في سورة الأنبياء في الآية الثامنة والستين إلى السبعين، وفي سورة الصافات في الآية الخامسة والتسعين والسادسة والتسعين. وها هي التوراة لا تذكر من ذلك شيئا مع أن ذكر ذلك من الأمور المهمة في تاريخ إبراهيم وبيان آيات الله.

والمجد النبوي وعناية الله بأوليائه. فلأجل خلو التوراة من حكاية النار هل يمكن أن تقول إنها حكاية خرافية.

القس: لا. لا يمكن ويكفي عاجلا أن العهد الجديد المقدس يوضح لنا أن التوراة قد أهملت كثيرا من الأمور المهمة في التاريخ النبوي وخصوص تاريخ إبراهيم. فمن ذلك إن التوراة لم تذكر أن موسى ارتعد عندما كلمه الله أول الأمر في عليقة النار. والعدد الثاني والثلاثون من الفصل السابع من كتاب أعمال الرسل يذكر أن موسى ارتعد. ولم تذكر التوراة أن موسى قال في التكليم الثاني في جبل سينا. أنا مرتعب ومرتعد " والعدد الحادي والعشرون من الفصل الثاني عشر من رسالة العبرانيين يذكر ذلك مع أن ارتعاد موسى وارتعابه في تلك الأحوال مما يلزم أن تذكره التوراة في تاريخ النبوة ومجد الله.. ولم تذكر التوراة أن موسى جعل في تابوت العهد كوزا من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت لوزا.

٣١
مع أن هذا من أهم الأمور في تاريخ النبوة وآثارها. والعدد الرابع من الفصل التاسع من رسالة العبرانيين يذكر ذلك... وفي العدد الثامن عشر إلى الثاني والعشرين من الفصل الخامس من سفر التكوين ذكرت التوراة " حنوك " بالعبرانية " وأخنوخ " في الترجمة ولم تذكر نبوته ولا شيئا من أقواله النبوية مع أنها أهم أحواله بالذكر. وذكر ذلك في العدد الرابع عشرين من رسالة يهودا... هذا وإن التوراة لم تذكر أهم أحوال إبراهيم وهو تاريخ حياته ونبوته وإيمانه، في وطنه فيما بين النهرين " والمظنون أنه في الجنوب الشرقي للسماواة " وإنما ابتدأت التوراة بذكر خطاب الله لإبراهيم في حاران.

وأمره بالخروج منها. مع أن العدد الثاني إلى الخامس من الفصل السابع من كتاب أعمال الرسل ذكر نبوة إبراهيم فيما بين النهرين وخطاب الله له هناك وأمره بالخروج من هناك - يا عمانوئيل - وأدهى من هذا كله أن التوراة أطالت كلامها مع نبي إسرائيل في الوعظ والترهيب والترغيب والبشرى والتخويف. ولم تذكر يوم المعاد وحشر العباد للجزاء، ولا الجنة المعدة للأتقياء ولا جهنم المعدة للأشرار، ولم تطر ذكرا لشئ من ذلك لا في هذه المقامات ولا في مقام المعارف والتعليم الديني - بل غاية ما رغبت فيه للطاعة هو كثرة الحنطة والخمر وبركة المعجنة.

وغاية ما خوفت منه هو قلة الحنطة والخمر. وإن الرجل يتزوج امرأة ويطأها غيره. يا عمانوئيل إن توراتنا العزيزة مشغولة عن بعض الحقائق بما قرأته وتحيرت فيه وبما ستقرأه وتتحير فيه لا أنت وحدك بل كثير من الناس. فلتوراتنا العذر الكبير. ويا للأسف. ودع الشيخ " غريب " المتمسلم يقول في رحلته الحجازية صحيفة ٤٨ إن التوراة لم تترك صغيرة ولا كبيرة من أعمال وأحوال إبراهيم إلا وحكته مفصلا. دعه وخطأه.

عمانوئيل: يا سيدي وما هو عذر التوراة عن غفلتها عن ذكر نار إبراهيم المهمة في تاريخ النبوة وكرامتها.

القس: الذي أقوله عاجلا على سبيل الاجمال هو عذرها عن غفلتها عن الأمور التي استدركها عليها العهد الجديد. مع أنها أمور مهمة في النبوات.

ولا أحب أن أجاهر وأكاشفك عاجلا بهذه الأعذار حتى تكون أنت تجاهر وتكاشفني. وإنك قد تدرجت في معرفة العذر باعتراضاتك المتقدمة.

٣٢
عمانوئيل: يا سيدي تركتني برموزك هذه معلقا بين السماء والأرض. فترحم علي بالصراحة المريحة.

القس: سوف تستقر قدماك على اليقين الثابت فلا تعجل. عمانوئيل. يا سيدي وهل من المعقول ما يذكره القرآن في شأن إبراهيم والنار.

القس. عجبا. وإنك مثل كثير من أصحابنا تعترض ولا تدرب بما في كتب ديانتك. ألم تقرأ في كتاب دانيال في الفصل الثالث أن بختنصر ألقى شدرخ، وميشخ، وعبد نغو، في النار التي قتلت بحرها جماعة ممن ألقى هؤلاء الثلاثة فيها. وأنجى الله هؤلاء الثلاثة في وسط النار المتوقدة وخرجوا منها بعد مدة ولم تكن للنار قوة على أجسادهم وشعرة من رؤسهم لم تحترق وسراويلهم لم تتغير. يا عمانوئيل وإن كتب اليهود لتذكر نار إبراهيم ونجاته منها. ولهذه الحادثة آثار تاريخية قديمة تمثل واقعة النار مع إبراهيم. فإن في نواحي بابل مدينة " بورسيبا " التي تسمى الآن " برس " وهي قديمة جدا ويستدل من الآثار والتقليد البابلي القديم أن فيها كانت بلبلة الألسن. بل إن كلمة بورسيبا معناها في اللغة الاشورية " برج اللغات "

بل يعرف من كتابه بختنصر التي وجدت سنة ١٨٤٥ في أخربة برج بورسيبا أن بانيه أول الملوك وأن بينه وبين بختنصر اثنين وأربعين زمنا. يا عمانوئيل وإلى الآن في بورسيبا آثار قديمة جدا تعرف إبراهيم في النار الخليل وقبة في الموضع الذي يذكر أن نمرود طرح فيه إبراهيم في النار والقبة على تل كبير أسود رمادي إنه رماد بال بمر الدهور الطويلة. فهذه الآثار كافية في تحقيق نار نمرود وإبراهيم تحقيقا علميا وتاريخيا.

عمانوئيل: لماذا لا يكون هذا التل الرمادي من آثار بركان هاج في زمان ثم انطفى.

القس: البركان لا بد من أن يكون مخرجه جبل أو تلعة أرضية ولا يوجد لذلك أثر إلا التل الذي هو رماد عارض على الأرض. وثانيا لو كان هذا البركان قبل الطوفان لانمحى أثره بالطوفان وعمران بورسيبا. ولو كان بعد الطوفان لذكر في التاريخ. وأيضا ليس بين الطوفان وعمران بورسيبا إلا زمان قليل فكيف تعمر بورسيبا وهياكلها حول البركان. ولو أنه كان منطفيا لما أبقى العمران آثاره. نعم أبقى البابليون الرماد من آثار النار أمام هياكل الأصنام تذكارا لخدمتهم للأصنام وعنايتهم بحياطة العبادة الأصنامية - يا عمانوئيل اقرأ من حيث انتهيت.

٣٣

اضطراب نسخ التوراة والأناجيل في النسب

عمانوئيل: فقرأت حتى بلغت العدد الثاني عشر من الفصل الحادي عشر من التكوين. فقلت يا سيدي: إن إنجيل لوقا قد ذكر " قينان " واسطة في التوالد بين " أرفكشاد وشالح " وقال في الفصل الثالث: " شالح بن قينان بن أرفكشاد " وكذا التوراة السبعينية حتى إنها نصت على مقدار عمر قينان قبل ولادة شالح وبعدها. وهذه التوراة العبرانية وتراجمها ذكرت سلسلة التوالد من " سام " ابن نوح إلى إبراهيم فذكرت أن " سام " ولد أرفكشاد وعاش أرفكشاد خمسا وثلاثين سنة وولد شالح. يا سيدي فهل غلط النقصان من العبرانية وتراجمها. أم غلط الزيادة من إنجيل لوقا والتوراة السبعينية واليونانية. يا سيدي والكل يرجع وباله علينا.

القس: قد ذكرت الاعتذار عن هذا الاختلاف جمعية كتاب الهداية في الجزء الثالث صحيفة ٢١٢.

عمانوئيل: يا سيدي قد باحثهم في ذلك صاحب كتاب " الهدى " في الجزء الثاني صحيفة ٣٦ - ٣٨ فهل رأيت كتاب الهدى في هذا المقام أما أن اعتراضاته ميزان الحقيقة. أصحيح هذا القول مني يا سيدي؟

القس: نظر إلي متبسما وقال: رأيت اعتراضاته بإمعان. ولكن لا يسمح لي الوقت بأن أقول ما تقوله أنت. ولا عليك من تمجيد الكتاب وانظر إلى مجد المكتوب في العلم والشرف.

٣٤

إجتماع مع واحد من علماء النجف

عمانوئيل: إجتمعنا مع شيخ من علماء النجف. الشيخ: أيها القس هل ينظر الروحانيون من النصارى في كتب العهد القديم التي ينسبها اليهود والنصارى إلى وحي الله. وفي كتب العهد الجديد التي ينسبها النصارى إلى الوحي وهل ينظرون في العهد القديم باللغة العبرانية لغته الأصلية. القس: لا بد لهم من هذا. هل يمكن لعلمائكم أيها المسلمون أن لا تنظروا في القرآن وهل يمكن لعلمائكم من العجم والترك والهند أن لا ينظروا في القرآن بلغته العربية. الشيخ: عجبا فإني وجدت كثيرا من روحانييكم كأنهم لم يقرأوا العهد القديم لا عربيه ولا عبرانيه.

القس: كمن هؤلاء من روحانيينا، فإن هذا شئ لا ينبغي أن يكون من الروحانيين. الشيخ: الذين اطلعنا عليهم من هؤلاء هاشم العربي. وجمعية كتاب الهداية. والمرسلون الأمريكان بمصر.

القس: كيف يكون ذلك. وهؤلاء علماء كتبة. تجردوا للدعوة والتبشير والكتابة في مقابلة المسلمين. وقد احتفل المسيحيون بكتاباتهم الراقية في هذا الموضوع وحيوهم بالاستحسان العام. الشيخ: أترى أن هؤلاء العلماء الكثيرين لم يقرأوا في توراتهم في العدد الثالث عشر من الفصل السادس والأربعين من سفر التكوين أن أحد أولاد يساكر بن يعقوب اسمه " شمرون ". ولم يقرأوا في العدد الثالث والعشرين من الفصل السادس والعشرين من سفر العدد أن من أولاد شمرون بن يساكر كان مع موسى عشيرة الشمرونيين وهم عدد كثير يبلغون الألوف.

القس: لا بد لهم من أن يقرأوا هذا في التوراة ويعرفوه منها.

٣٥

السامري في العربية شمروني في العبرانية وغيرها

الشيخ: إذن فلماذا لا يفهمون أن " السامري " المذكور في القرآن الكريم هو واحد من عشيرة الشمرونيين الذين كانوا مع موسى. فإن " سامري " في اللغة العربية تعريب " شمروني ".

القس: إنهم لا يعرفون أن سامري تعريب شمروني وإنما يعرفون أن " سامري " هو المنسوب إلى أرض السامرة المسماة باسم البلدة التي بناها " عمري " ملك إسرائيل بعد أيام سليمان بأكثر من خمسين سنة وسماها سامرة. فيكون بناؤها وحدوث النسبة إليها بعد واقعة العجل بنحو خمسمائة وسبعين سنة. فلأجل ذلك لا يمكن أن يكون سامري في أيام موسى، ولذا قالت جمعية كتاب الهداية في الجزء الأول صحيفة ٣٧: " إن ذكر السامري يدل على جهل تام بالتاريخ ويعلم توقيع البلدان ولا نعلم من أين أتى هذا السامري هل نزل من السماء أو طلع من الأرض - ولم يكن للسامرة في زمان موسى اسم ولا رسم " وقالت في الجزء الثاني صحيفة ٥٥: " لم يكن في عصر موسى شئ يقال له سامرة أو سامري فهو من التخيلات البعيدة المستحيلة كما يدل عليه تاريخ بني إسرائيل بل تواريخ العالم قاطبة). وقال هاشم العربي في تذييلاته المستقلة صحيفة ٥٥: " لا يمكن أن يكون في بني إسرائيل على عهد موسى سامري وإن هذا المنعت لم ينعت به إلا بعد جلاء بابل ".. نعم يا شيخ إذا ثبت أن لفظ سامري هو تعريب شمروني فلا بد من أن نقول: إن السامري المذكور في القرآن هو من عشيرة الشمرونيين الذين كانوا مع موسى. فيسقط اعتراض أصحابنا.

الشيخ: عجبا أيها القس وأنت تقول هذا أيضا أفلا تدري أن المدينة التي تسمى باللغة العربية سامرة قد ذكرت في أسفار الملوك الأول، والثاني، وأشعيا، وأرميا، وعاموس، وميخا، وعزرا، ونحميا، أكثر من ستين مرة فلم تسميها في الأصل العبراني إلا " شمرون " وكذا في التراجم اليونانية والانكليزية والفرنسوية بل في كل ترجمة ما عدا أغلب العربية والفارسية وكذا في تراجم إنجيل لوقا، ويوحنا، وأعمال الرسل. وذكر لفظا السامري والسامرية والسامريين في أناجيل متي ولوقا ويوحنا في نحو تسعة مواضع وكل ترجمة مما عدا العربية والفارسية تذكرها بلفظ شمروني ونحوه، انظر التراجم العبرانية واليونانية والانكليزية والفرنسوية وغيرها. فلا ينبغي لمن يدعى العلم أن يجهل أن " سامري " تعريب " شمروني " وأنه ليس في الدنيا بلدة أو محل أو نسبة يقال لها في العبرانية: سامرة أو سامري. فالسامري الذي في القرآن الكريم هو الشمروني المنسوب إلى شمرون بن يساكر لا إلى شمرون التي بناها عمري.. ولا ينبغي للجاهل أن يفتح فمه ويجري قلمه بالجرأة القبيحة على القرآن الكريم. فإن الجاهل لا يستهزئ إلا بنفسه.

القس: إني أعرف ما تقوله من قبل ذلك وهذا الذي تذكره أنت قد وجدته أنا في العهدين في اللغة العبرانية وسائر اللغات المختلفة ما عدا بعض النسخ العربية والفارسية، بل إن النسخ الفارسية بترجمة " وليم كلن " لم تذكر سامرة بل إنما ذكرت شمرون، وكذا في بعض التراجم العربية القديمة فمن الواضح وضوح الشمس أن سامري تعريب " شمروني " وأن السامري الذي يذكره القرآن هو الشمروني من عشيرة الشمرونيين الذين تذكرهم التوراة في جند موسى. يا شيخ بعض صفات الانسان تفعل به وتفعل. فلا تنزعج من جرأة الجمعية والعربية على مجد قرآنكم. عمانوئيل. يا شيخ هل تسمح لي بأن أتكلم شيئا في هذا المقام بحرية تامة.

الشيخ: تكلم يا عمانوئيل بحرية من عبودية التعصب والتقليد الأعمى.

٣٦

التوراة - وهارون - والعجل

عمانوئيل: إن القرآن يقول: إن الذي صنع العجل الذهبي الوثني ودعا بني إسرائيل لعبادته هو السامري " الشمروني " وهو من سبط يساكر ابن يعقوب. والتوراة تقول في الفصل الثاني والثلاثين من سفر الخروج ما ملخصه: إن بني إسرائيل قالوا لهرون. إجعل لنا آلهة يسيرون أمامنا فقال لهم: إنزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وأطفالكم وآتوني بها فأتوا بها إلى هرون فأخذ ذلك وصيره عجلا مسبوكا، فقالوا. هذه آلهتك يا إسرائيل، فلما نظر هرون بنى مذبحا أمام العجل " لإجراء رسوم عبادته الوثنية وتقديم قرابين العبادة له ". ونادى هرون غدا حج للرب. فاصعدوا في الغد على المذبح الذي بناه هرون محرقات وقدموا ذبايح سلامة فأجروا رسوم العبادة والحج للعجل كما أمرهم هرون.. يا شيخ وهرون هو أخو موسى من سبط " لاوي " لا من سبط يساكر. فكيف يصح ما في القرآن مع مخالفته للتوراة. الشيخ: لا أقابلك الآن بما في توراتك الموجودة من الخلل الداخلي والخارجي.. ولكن أقول لك: إن هرون أخا موسى إذا كان هو المؤسس في بني إسرائيل لضلال الشرك بالله. والعبادة الوثنية للعجل الذي صنعه كما تزعمون. فكيف يختاره الله نبيا ويكلمه بالشرايع بعد واقعة العجل كما تقول توراتكم. تارة، مع موسى كما في الفصل الحادي عشر والرابع عشر من سفر اللاويين والثاني والرابع والتاسع عشر من سفر العدد. وتارة، منفردا كما تكرر في الفصل الثامن عشر من سفر العدد..

وكيف يختاره الله لكرامة الكهنوت والامامة في الدين والشريعة ويخصه بالكرامات الكبيرة قبل واقعة العجل وبعدها. بل إن توراتكم تقول: إنه حينما كان هرون يصنع العجل ويدعو لعبادته والشرك بالله كان الله يكلم موسى في اختيار هرون للكهنوت والإمامة. وفي تقديسه وتمجيده في تفصيل ثيابه للكهنوت المقدس بكلام طويل ذكرته توراتكم في الفصل الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر الخروج. يا عمانوئيل إن بين المكان الذي كلم الله فيه موسى في تقديس هرون وبين المكان الذي صنع فيه هرون العجل ودعا إلى عبادته لم يكن إلا مسافة ميل أو ميلين. فإذا قلت: إن الله جل شأنه لا يعلم بما صنع هرون. قلنا: إذن فلماذا دام بعد أن علم على تقديس هرون وتكليمه بالشريعة مع موسى ومنفردا. وإذا قلت. إن الله كان يعلم. قلنا: فكيف يختاره ويقدسه حينما كان هرون يؤسس العبادة الشركية الوثنية ويدعو إليها، وكيف دام الله على تقديسه واختياره وتكليمه.

٣٧

سليمان والعهد القديم

عمانوئيل: كان الله حينئذ يعلم بعمل هرون وهو الذي أعلم موسى أن شعبه فسدوا وعملوا لهم عجلا وسجدوا له ودعوه إلها. كما نص على ذلك نفس الفصل الثاني والثلاثين من سفر الخروج. ولكن يا شيخ هذا لا يضر. فإن كتب وحينا المقدسة تذكر أن الله اختار سليمان ابن داود نبيا وأوحى إليه أسفار الحكمة. والجامعة. ونشيد الانشاد. وكرمه بأن جعل بناء بيت المقدس على يديه دون أبيه داود الذي كان يريد ذلك. وأظهر الله مجده بأن قال لداود كما في العدد السادس من الفصل الثامن والعشرين من سفر الأيام الأول: سليمان ابنك هو يبني بيتي ودياري لأني اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا " ونحوه من الفصل الثاني والعشرين من السفر المذكور. وفي السابع من سفر صموئيل الثاني.

هذا مع أن كتب وحينا المقدسة تقول كما في الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الأول. إن سليمان خالف الشريعة وتزوج بالنساء المشركات فأملن قلبه وراء آلهة أخرى فذهب سليمان وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وبنى مرتفعة لكموش رجس الموابيين، ولمولك رجس بني عمون، وعمل لسائر نسائه المشركات مثل ذلك. وكررت " كتبنا نسبة هذا العمل الإشراكي لسليمان في العدد الثالث عشر من الفصل الثالث والعشرين من سفر الملوك الثاني - يا شيخ فمقتضى كتب وحينا المقدسة أن الله يختار للنبوة والقداسة من يعلم أنه يشرك ويدعو إلى عبادة الأوثان ويبني لها مشاعر العبادة.

فحال هرون مع الله كحال سليمان. الشيخ: يا عمانوئيل لا تنزعج من المثال الذي أضربه لك. فإن الأمور تبينها أمثالها. إذا أراد واحد من الناس أن يجعل في بيته وكيلا مؤدبا ورقيبا على أزواجه وبناته وأخواته لكي يؤدبهن على الحياء والعفة ويمنع عنهن إفساد المفسدين والتهتك بالفحشاء. فهل يوكل عليهن امرأة يعلم أنها تكون زانية تغوي نساءه على الزناء ودوامه. وهل يبقى على اختيارها وتمجيدها حتى إذا رأى تأثيرها في إغواء نساءه على الزنا. وحتى إذا رآها ناصبة على بيته راية القيادة للزنا لكي ترغب نساءه على تكرار الزنا ودوامه.

عمانوئيل: يا شيخ لقد أزعجتني من هذا المثال وقد اضطربت روحي من مجرد سماعه. الشيخ: هذا مثال ما في كتبكم التي تنسبونها إلى الوحي. هل أنت والناس أكمل من الله القدوس العزيز الحكيم. إذن فكيف ترضى أن يقال في جلال الله أنه يختار لإنقاذ عباده من الشرك والفساد رجلا يعلم أنه يشرك ويدعو إلى العبادة الوثنية ويعمل أوثانها ويبني مشاعر عبادتها؟ عمانوئيل: حقا تقول في كل ما ذكرت وأنا واثق بأن الكلام الذب يذكر هذه المتناقضات في شأن هروت وسليمان لا يمكن أن يكون من وحي الله والكتاب المقدس النبوي ولا من كتابة مؤمن عارف بجلال الله.

اليعازر: يا شيخ إن قرآنكم يذكر نبوة هرون ويقول. إنه عبد العجل حينما كان أخوه موسى على الجبل.

عمانوئيل: يا سيدي الوالد أين يقول القرآن ذلك، أما أن القرآن يبرئ هارون من ذلك فإنه يقول في الآية الثاني والتسعين والحادية والتسعين من سورة طه المكية (ولقد قال لهم هارون يا قوم إنما فتنتم به) يعني العجل (وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين) في الآية المائة والخمسين من سورة الأعراف المكية عن قول هارون لموسى: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء) الذين نهيتهم عن عبادة العجل (ولا تجعلني مع القوم الظالمين). فأين يا والدي قول القرآن: إن هارون عبد العجل.

٣٨

كتاب ثمرة الأماني للنصارى

اليعازر: أنا ما رأيت القرآن ولكني اعتمدت في نقلي على كتاب ثمرة الأماني في اهتداء كامل العيتاني المطبوع بالمطبعة الانكليزية الأمريكانية ببولاق مصر سنة ١٩١١ وقد ذكر ذلك صحيفة ٧٩.

عمانوئيل: يا والدي إني رأيت هذا الكتاب والأقرب عندي أنه رواية من بعض المبشرين وقد افترى هذا الكتاب فيما ينقله على القرآن. كما افترى صحيفة ٧٨ بقوله: إنا نقرأ في القرآن أن داود أخذ نعجة أخيه، وإن إبراهيم كان عابد وثن. يا والدي ها هو القرآن يذكر مسألة النعجة بين الخصمين الذين اختصما إلى داود فانظر إلى الآية الثانية والعشرين والثالثة والعشرين من سورة ص المكية: ويذكر أن إبراهيم ما كان من المشركين كما في سورة البقرة الآية ١٢٩ وآل عمران ٦٠ و ٨٩ والأنعام ١٦٢ والنحل ١٢١ و ١٢٤.

اليعازر: كيف تقول: إن كتاب ثمرة الأماني هو رواية لبعض المبشرين مع أنهم نصوا في الكتاب على أنه قصة حقيقة وكتبوا على ظهر الكتاب " الحق أغرب من رواية ".

عمانوئيل: يا والدي هذا الحق الغريب لماذا يكذب على القرآن ثلاث مرات كما ذكرناه. سامحنا مضادته للقرآن. ولكن لماذا يكذب على التوراة وينسب إليها النهي عن تكرار اسم الله في عباداته بذكره. انظر صحيفة ٨٣ و ٨٤ يا والدي إذا قالت التوراة في العدد السابع من الفصل العشرين من سفر الخروج. وفي العدد الحادي عشر من الفصل الخامس من سفر التثنية في الأصل العبراني " لا تشأ أت شم يهوه الاهيك لشو أكى لا ينقه يهوه أت أشير يشأ أت شمو لشوأ " فهل يا والدي تنهي بذلك عن عبادة الله بذكر اسمه العظيم. ألا وإن التراجم قد اضطربت في ترجمة هذا الكلام أشد الاضطراب. ففي جملة منها " لا تحلف باسم الرب إلهك كاذبا لأنه لا يزكي الرب من حلف باسمه كاذبا " وفي بعضها ما نقله كتاب ثمرة الأماني " لا تنطق باسم الرب إلهك باطلا لأن الرب لا يبري من نطق باسمه باطلا " يا والدي هب أن هذا هو الترجمة الصحيحة فهل يقول ذو شعور بأنه نهى عن تكرار اسم الله في عبادة الذكر والتسبيح. مع أن الترجمة الحقيقية هكذا " لا تعتمد اسم الله إلهك لسوء لأن الله لا يبرئ الذي يعتمد اسمه لسوء " يا والدي هل ترى الكاتب لهذا الكتاب والطابع له لم ينظرا في مزامير داود لكي يعرفا فضل تسبيح الله وإدمان ذكره: ألم يقرأ فيها أقلا: اهتفوا أيها الصديقون بالرب. لساني يلهج بعدلك اليوم كله بحمدك. يا سيد افتح شفتي فيخبر فمي بتسبيحك. رنموا بمجد اسمه. باسمك يبتهجون اليوم كله. إدعوا باسمه. إفتخروا باسمه القدوس.

إرحمني كحق محبي اسمك. إنما الصديقون يحمدون اسمك أبارك اسمك إلى الدهر وإلى الأبد. أسبح الرب في حياتي وأرنم لا إله ما دمت موجودا. سبحوه حسب كثرة عظمته.. يا والدي. أما إني إلى الآن ما سمعت أحدا ولا رأيت كاتبا يعترض على كثرة ذكر اسم الله في عبادته وذكره جل اسمه إلا شبلي شميل في أواخر الجزء الثاني من كتابه. يا والدي وإن كتاب ثمرة الأماني يعيب على المسلمين إدمانهم لذكر الله وتسبيحه وعلى الخصوص قولهم لا إله إلا الله فصار يستهزئ بهم في ذلك فدعه يستهزئ ويكره ذكر اسم الله وتسبيحه وتوحيده. ولكن لماذا يكذب على التوراة. يا والدي أما أن الطابعين لهذا الكتاب وأمثاله قد جنوا علينا جناية كبيرة بطبع هذه الكتب ونشرها. وما عرفت صدقا في هذا الكتاب إلا قوله في صحيفة ٨٧ بأن سر التثليث فوق عقولنا وأنا لا نستطيع فهمه. ولكن الكاتب كأنه لم يجد بركة في الصواب، فعد مما هو من وراء الادراك. يوم الدين. ووجود ذات الله. وإزليته. وأنه علة كل علة.

٣٩
وعلمه بكل شئ. وخلقه السموات والأرض. فيا للأسف على الشعور الديني. يا والدي لما سمعت بهذا الكتاب اشتقت إليه كثيرا وقلت في نفسي كتاب يكتب في اهتداء مسلم إلى النصرانية وينشره المبشرون لا بد من أن يكون فيه من الدلائل التي اهتدى بها كامل شئ يرغم المسلمين على التنصر. ولما نظرت فيه وجدته مشتملا على الأكاذيب التي سمعتها. وإن كاملا دخل المكاتب وسافر في السفائن في سواحل اليمن وعمان ووصل إلى البصرة وباع نسخا من العهدين. ولم يتعد هذه الخطة. فأسفت على شوقي إليه واغتراري باسمه وصرفي وقتا في مطالعته. وكل هذا أهون من خجلي من المسلمين من أجله. الشيخ: يا عمانوئيل كيف وجدت مقدمة المؤلف للكتاب المذكور وتعريضه بالقرآن ورسوله صحيفة ٣، يا عمانوئيل هل في القرآن ودين الاسلام أمور صبيانية وخرافات وضلالات منسدلة على أصل التوحيد وملتفة عليه منذ اثني عشر قرنا كما يقول كاتبكم هذا. هلموا واحضروا العهد القديم والجديد ونحضر القرآن ونجعل التوحيد الحقيقي حكما وننظر الخرافات الصبيانية والضلالات الوثنية أين تكون.

عمانوئيل: يا شيخ إن خجلي من هذا السؤال كثير وإن بعض الأخلاق تفعل بالانسان وتفعل. العفو يا شيخ أرجوا الاعراض عن هذا المسلك الذي قطع به السيد الوالد كلامنا. ولنعد إلى كلامنا الأول وسامحني في سؤالي.

خرافة الغرانيق

الشيخ: سل واستوضح لكي ترفع عن طريق عرفانك كل حجر عثرة.

عمانوئيل: إن نبيكم لم قرأ في مكة بمحضر المشركين سورة (النجم الآيتان: ١٨ و ١٩) وتلا قوله: (أرأيت اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى) قال على الأثر: " تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى " فكيف يا شيخ يبعث الله رسولا لدعوة الإيمان بالله وتوحيده وهو يعلم أنه يمجد الأوثان بمحضر المشركين ويقدسها بالصفات السامية. الشيخ: هل رأيت حكاية الغرانيق في القرآن. هل وجدتها في الأحاديث المتواترة. هل وجدت روايتها متصلة السند بالرجال الثقات إلى من شاهد الواقعة. هل وجدتها في جوامع المسلمين الصحاح أو الحسان. هل وجدت المسلمين يعترفون بها. هل وجدت رواتها مرضيين بالاتقان والديانة عند عموم المسلمين.

عمانوئيل: لم أجد شيئا من ذلك. بل وجدت جميع الشيعة من المسلمين يعدونها خرافة كفرية.

ومن أهل السنة يقول النسفي إن القول بها غير مرضي. ويقول البيضاوي إن القول بها مردود عند المحققين. ويقول الخازن في تفسيره: إن العلماء وهنوا أصل الفقه وذلك أنه لم يروها أحد من أهل الصحة ولا أسندها ثقة بسند صحيح أو سليم متصل وإنما رواها المفسرون والمؤرخون " أي بعضهم " المولعون بكل غريب، الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم. والذي يدل على ضعف هذه القصة اضطراب روايتها وانقطاع سندها. وأنكرها القاضي عياض وقال نحو قول الخازن. وفي السيرة الحلبية إن هذه القصة طعن فيها جمع وقالوا إنها باطلة وضعها الزنادقة. وقال الرازي في تفسير هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها. وقال البيهقي: رواة رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم. وقال النووي نقلا عنه: وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وآله هو ما جرى على لسانه من الثناء على آلهتهم فباطل لا يصح منه شئ لا من جهة النقل ولا من جهة العقل. وفي سيرة السيد أحمد دحلان أن قصة الغرانيق أثبتها بعض المحدثين والمفسرين ونفاها آخرون وقالوا إنها كذب لا أصل لها. والذين أثبتوها اختلفوا فيها والمحققون على أنها ليست من كلام النبي (ص) بل من كلام الشيطان ألقاها إلى أسماع المشركين ولم يسمعها المسلمون.

٤٠