×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الرد على الوهّابية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الله فهماً وعلماً ـ في البناء على القبور واتّخاذها مساجد، هل هو جائز أم لا؟

وإذا كان غير جائز، بل ممنوعُ منهيّ عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا؟

وإذا كان البناء في مسبلة ـ كالبقيع ـ وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبنيّ عليه، فهل هو غصب يجب رفعه، لما فيه من ظلم المستحقّين ومنعهم استحاقهم، أم لا؟

وما يفعله الجهال عند هذه الضرائح، من التمسح بها، ودعائها مع الله، والتقريب بالذبح والنذر لها، وإيقاد السرج عليها، هل هو جائز أم لا؟

وما يفعل عند حجرة النبيّ صلى الله عليه وسلّم، من التوجّه إليها عند الدعاء وغيره، والطواف بها وتقبيلها والتمسّح بها، وكذلك ما يفعل في المسجد الشريف، من الترحيم والتذكير بين الأذان والإقامة وقبل الفجر ويوم الجمعة، هل هو مشروع أم لا؟

أفتونا مأجورين، وبيّنوا لنا الأدلّة المستند إليها، لازلتم ملجأً للمستفدين».

وهذا نصّ الجواب:

«أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً؛ لصحّة الأحاديث الواردة في منعه، وبهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين على ذلك بحديث عليٍ رضي الله عنه أنّه قال لأبي الهيّاج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم، أن لا تدع

٤١

تمثالأ إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته) رواه مسلم(٢) .

وأمّا اتّخاذ القبور مساجد والصلاة فيها فممنوع مطلقاً، وإيقاد السرج عليه ممنوع أيضاً؛ لحديث ابن عباس: (لعن رسول الله زائرات القبور، والمتّخذين عليها المساجد والسرج) رواه أهل السنن(٣) .

وأما ما يفعله الجهّال عند الضرائح، من التمسّح بها، والتقرّب إليها بالذبائح والنذور، ودعاء أهلها مع الله، فهو حرامُ، ممنوع شرعاً، لا يجوز فعله أصلاً.

وأما التوجه إلى حجرة النبي صلى الله عليه وسلّم عند الدعاء، فالأولى منعه، كما هو معروف من فقرات كتب المذهب؛ ولأنّ أفضل الجهات جهة القبلة.

وأما الطواف بها والتمسح بها وتقبيلها، فهو ممنوع مطلقاً.

وأما ما يفعل من التذكير والترحيم والتسليم في الأوقات المذكورة، فهو محدث.

هذا ما وصل إليه علمنا السقيم».

ويلي ذلك توقيع ١٥ عالماً.

وقد علّقت جريدة «أمّ القرى» على هذه الفتوى بمقالة افتتاحية قائلةً:

«إنّ الحكومة ستسير في تنفيذ أحكام الدين، رضي الناس أم كرهوا»! انتهى.

(٢) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٦ ح ٩٣ ب ٣١، كما ورد الحديث باختلاف يسير في بعض ألفاظه في المصادر التالية: مسند أحمد ١/ ٩٦ و ١٢٩، سنن النسائي ٤/ ٨٨، سنن أبي داود ٣/ ٢١٥ ح ٣٢١٨، سنن الترمذي ٣/ ٣٦٦ ح ١٠٤٩ ب ٥٦.

(٣) سنن أبي داود ٣/ ٢١٨ ح ٣٢٣٦، سنن النسائي ٤/ ٩٥.

٤٢

واطلعت أيضاً على مقالة في بعض الجرائد المصرية(*) ، وهذا نصّها:

«تغلّب الوهابيون على الحجاز، فأوفدت حكومة إيران وفداً ـ على رأسه حضرات أصحاب السعادة: ميرزا غفّار خان جلال السلطنة، وزيرها المفوّض في مصر، وميرزا حبيب الله خان هويدا عين الملك، قنصلها الجنرال(٤) بالشام ـ إلى الحجاز، ليتبيّنوا وجه الحقيقة فيما أذيع على العالم الإسلامي أجمع من فظائع الوهّابيّين في البلاد المقدّسة، وأتمّ هذا الوفد الرسميّ مهمّته، ورفع تقريره إلى حكومته.

ولما تجدّد نشر الإشاعات بأن الوهابيين هم هم.

وأن التطور الذي غشي العالم أجمع لم يصلح من فساد تطرّفهم شيئاً.

وأنهم هدموا القباب والمزارات المباركة المنبثّة في أرجاء ذلك الوادي المقدس.

وأنّهم ضيّقوا الحرّيّة المذهبيّة الإسلامية، نشراً لمذهبهم، وتوسيعاً لنطاق نحلتهم، في الوقت الذي تقوم فيه جميع حكومات العالم على رعاية الحريّات المذهبيّة.

أصدرت(٥) أمرها بوقت التصريح بالسفر للحجاز، حماية لرعاياها، وحفظاً لهم من قصد بلادٍ لم يُعرف تماماً كنه الحكم فيها.

وعادت فأوفدت سعادة ميرزا حبيب الله خان هويدا ـ قنصلها

(*) هي جريدة «المقطّم» في عددها الصادر في ٢٢ شوّال سنة ١٣٤٤ هـ.

(٤) أي: القنصل العامّ.

(٥) جواب «لمّا» المتقدّمة.

٤٣

الجنرال(٦) في الشام ـ ثانية، للتحقّق من مبلغ صدق تلك الإشاعات، فإذا بها صحيحة في جملتها!

لم تمنع الحكومة الإيرانية رعاياها من السفر إلى الحجاز لأنّ حكومته وهّابيّة فحسب، ولكنّ الإيرانيّين ألفوا في الحجّ والزيارة شؤوناً يعتقدون أنها من مستلزمات أداء ذلك الركن، ويشاركهم في ذلك جمهور المسلمين من غير الوّهابيّين، كزيارة مشاهد أهل البيت، والاستمداد من نفحاتهم، وزيارة مسجد منسوب للإمام عليٍّ عليه السلام.

وقد قضى الوهابيّ على تلك الآثار جملةً، وقضى رجاله ـ وكلّ فرد منهم حكومة قائمة ـ على الحرّية المذهبيّة.

فمن قرأ الفاتحة على مشهد من المشاهد، جلد.

ومن دخّن سيجارة أو نرجيلة، أهين وضرب وزجّ في السجن، في الوقت الذي تحصّل فيه إدارة الجمارك الحجازيّة رسوماً على واردات البلاد من الدخان والتمباك.

ومن استنجد بالرسول المجتبى عليه صلوات الله وسلامه بقوله: (يا رسول الله) عدّ مشركاً.

ومن أقسم بالنبيّ أو بآله، عدّ خارجاً عن سياج الملّة.

وما حادثة السيد أحمد الشريف السنوسيّ(٧) ـ وهو علم من

(٦) أي: القنصل العامّ.

(٧) هو السيد أحمد الشريف بن محمد بن محمد بن علي السنوسي (١٢٨٤ ـ ١٣٥١ هـ) ولد وتفقّه في «الجغبوب» من أعمال ليبيا، قاتل الإيطاليّين في حربهم مع الدولة العثمانية سنة ١٣٣٩ هـ، دعي إلى إسلامبول بعد عقد الصلح بين إيطاليا والعثمانيّين ثمّ رحل منها إلى الحجاز، كان من أنبل الناس جلالة قدر وسراوة حال ورجاحه عقل، وكان على علم غزير،

=>

٤٤

أعلام المسلمين المجاهدين ـ ببعيدة، إذ كان وقوفه وقراءته الفاتحة على ضريح السيّدة خديجة رضوان الله عليها، سبباً كافياً في نظر الوهًابيّين لأخراجه من الحجاز.

كل هذا حاصلٌ في الحجاز لا ينكره أحد، ولا يستطيع الوهّابيّ ولا دعاته ولا جنوده أن يكذّبوه».

انتهى ما أردنا نقله من تلك الجريدة.

فرأيت أن أتكلّم معهم بكلمات وجيزة، جارية في نهج الإنصاف، خالية عن الجور والتعصّب والاعتساف، سالكاً سبيل الرفق والاعتدال، ناكباً عن طريق الخرق والجدال، فما المقصود إلاّ هداية العباد، والله وليّ الرشاد.

ثم إنا نتكلّم فما طعن به الوهّابيّون على سائر المسلمين في ضمن فصول، والله المستعان.

واجتنبت فيه عن الفحش في المقال، والطعن والوقعية والجدال.

هذا، والجرح لما يندمل، وإن القلوب لحرى، والعيون لعبرى، على الرزيّة التي عمّت الإسلام والمسلمين، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ويا لها من رزيّة جليلة! ومصيبة فاظعة(٨) فادحة! وثلمة عظيمة في الإسلام أليمة فجيعة!

كحلت بمقطرك العين عمايةًوأجلّ وقعك كلّ أذنٍ تسمع(٩)

<=

وقد صنّف في أوقات فراغه كتباً عديدة.

انظر: الأعلام ١/ ١٣٥.

(٨) كذا في الأصل، ولعلّها: «قاطعة»، والأصوب لغةً أن تكون: «فظيعة».

(٩) من قصيدة لدعبل الخزاعي، يرثي بها سيد الشهداء الإمام أبي عبدالله الحسين بن عليّ بن

=>

٤٥

وعلى الجملة: فقد هدموا شعائرَ الدين، وجرحوا قلوب المسلمين، بفتوى خمسة عشر، تشهد القرائن بأنّهم مجبورون مضطّرون على هاتيك الفتيا!

ويشهد نفس السؤال ـ أيضاً ـ بذلك، حيث إنّ السائل يعلّمهم الجواب في ضمن السؤال بقول: «وإذا كان غير جائز، بل ممنوع منهيّ عنه نهياً شديداً»!

ويومئ إليه ـ أيضاً ـ ما في الجريدة، أنّه اجتمع إليهم أوّلاً، وباحثهم ثانياً، ومن بعد ذلك وجّه إليهم السؤال المزبور!

ولقد حدّثني بعض الثقات من أهل العلم ـ بعد رجوعه من المدينة ـ عن بعض علمائها، أنّه قال: إنّ الوهّابيّة أوعدوني وعالمين غيري بالقتل والنهب والنفي (على مساعدتهم)(١٠) في الجواب، فلم نفعل.

هذي المنازل بالغميم فنادهاواسكب سخيّ العين بعد جمادها(١١)

<=

أبي طالب عليهم السلام، وقد ورد البيت باختلاف في بعض ألفاظه في الديوان المطبوع ومصادر أُخرى هكذا:

كحلت بمنظرك العيون عمايةًوأصمّ نعيك كلّ أذن تسمع

انظر: ديوان دعبل: ٢٢٦، معجم الأدباء ١١/ ١١٠ و ٣/ ١٢٩ وفيه: «رزؤك» بدل «نعيك» ولم يسم قائله هنا، الحماسة البصرية ١/ ٢٠١.

(١٠) كذا في الأصل، والصواب: «إنْ لم نساعدهم».

(١١) مطلع قصيدة للشريف الرضيّ، يرثي بها سيّد الشهداء الإمام أبي عبدالله الحسين بن علي

=>

٤٦
٤٧

الفصل الأوّل
في توحيدالله في العبادة

إعلم أنّ من ضروريّات الدين، والمتّفق عليه بين جميع طبقات المسلمين، بل من أعظم أركان أصول الدين: اختصاص العبادة بالله رب العالمين.

فلا يستحقّها غيره، ولا يجوز إيقاعها لغيره، ومن عبد غيره فهو كافرُ مشرك، سواءً عَبَدَ الأصنامَ، أو عبد أشرف الملائكة، أو أفضل الأنام.

وهذا لا يرتاب فيه أحدُ ممّن عرف دين الإسلام.

وكيف يرتاب؟! وهو يقرأ في كل يوم عشر مّرات: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين)(١٢) .

ويقرأ: (قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين)(١٣) .

ويقرأ في سورة يوسف: (إن الحكم إلاّ لله أمر ألا تعبدوا إلا

<=

ابن أبي طالب عليهم السلام، في يوم عاشوراء سنة ٣٩١ هـ.

انظر: ديوان الشريف الرضي ١/ ٣٦٠.

(١٢) سورة الفاتحة ١: ٥.

(١٣) سورة الكافرون ١٠٩: ١ ـ ٦.

٤٨

إياة)(١٤) .

ويقرأ في سورة النحل:(وقال الذين أشركوا لو شاءالله ما عبدنا من دونه من شيءٍ نحن ولا آباؤنا ولا حرّمنا من دونه من شيءٍ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرّسل إلاّ البلاغ المبين)(١٥) .

ويقرأ في سورة التوبة: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)(١٦) .

ويقرأ في سورة البقرة:(أم كنتم شهداء إذْ حضرَ يعقوبَ الموتُ إذْ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون)(١٧) .

ويقرأ في سورة الأعراف: (وإلى عادٍ أخاهم هوداً ـ إلى قوله عزّ من قائل: ـ قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده)(١٨) .

ويقرأ في [ سورة ] الزمر:(والذين اتّخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلاّ ليقرّبونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ماهم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذبٌ كفار)(١٩) .

ويقرأ فيها:(ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركتَ ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين* بلِ الله فاعبدْ وكن

(١٤) سورة يوسف ١٢: ٤٠.

(١٥) سورة النحل ١٦: ٣٥.

(١٦) سورة التوبة ٩: ٣١.

(١٧) سورة البقرة ٢: ١٣٣.

(١٨) سورة ا لأعراف ٧: ٦٥ ـ ٧٠.

(١٩) سورة الزمر ٣٩: ٣.

٤٩

من الشاكرين)(٢٠) .

ويقرأ فيها:(قل الله أعْبُدُ مُخْلصاً لهُ ديني)(٢١) .

ويقرأ في سورة النساء:(واعبدوا الله وال تشركوا به شيئاً)(٢٢) .

ويقرأ في سورة هود:(ألاّ تعبدوا إلاّ الله إنني لكم منه نذيرٌ وبشير)(٢٣) .

ويقرأ في سورة العنكبوت:(يا عبادي الذين آمنوا إنّ أرضي واسعة فإيّاي فاعبدون)(٢٤) .

إلى غير ذلك من الآيات الفرقانيّة، والأحاديث المتواترة(٢٥) .

لكنّ العبادة ـ كما هو المفسّر في لسان المفسّرين، وأهل العربيّة، وعلما الإسلام ـ: غاية الخضوع؛ كالسجود، والركوع، ووضع الخدّ على التراب والرماد تواضعاً، وأشباه ذلك، كما يفعله عبّاد الأصنام لأصنامهم(٢٦) .

(٢٠) سورة الزمر ٣٩: ٦٥ و ٦٦.

(٢١) سورة الزمر ٣٩: ١٤.

(٢٢) سورة السناء ٤: ٣٦.

(٢٣) سوره هود ١١: ٢.

(٢٤) سورة العنكبوت ٢٩: ٥٦.

(٢٥) انظر ذلك في تفسير الآيات الكريمة المتقدّمة ـ على سبيل المثال ـ وغيرها في مختلف التفاسير، ولاحظ كتاب «التوحيد» للشيخ الصدوق، والكافي ١/ ٥٧ ـ ١٢٧ كتاب التوحيد.

(٢٦) انظر ذلك ـ على سبيل المثال ـ في تفسير آية(إيّاك نعبدُ وأيّاك نسْتعين) في: التبيان ١/ ٣٧ ـ ٣٩، مجمع البيان ١/ ٢٥ ـ ٢٦، الصافي ١/ ٧١ ـ ٧٢، كنز الدقائق ١/ ٥٤ ـ ٥٦، نور الثقلين ١/ ١٩ ـ ٢٠، آلاء الرحمن ١/ ٥٦ ـ ٥٩، البيان: ٤٥٦ ـ ٤٨٣، الجامع لأحكام القرآن ١/ ١٤٥، جامع البيان ١/ ١٦٠، الدرّ المنثور ١/ ٣٧، التفسير الكبير

=>

٥٠

وأمّا زيارة القبور والتمسّح بها وتقبيلها والتبرّك بها، فليس من ذلك في شيء كما هو واضحُ، بل ليس فيها شيء من الخضوع فضلاً عن كونها غاية الخضوع.

مع أنّ مطلق الخضوع ـ كما عرفت ـ ليس بعبادة، وإلاّ لكان جميع الناس مشركين حتّى الوهّابيّين! فإنّهم يخضعون للرؤساء والأمراء والكبراء بعض الخضوع، ويخضع الأبناء للآباء، والخدم للمخدومين، والعبيد للموالي، وكلّ طبقة من طبقات الناس للّتي فوقها، فيخضعون إليهم بعض الخضوع، ويتواضعون لهم بعض التواضع.

هذا، وقد قال الله عزّ من قائل في تعليم الحكمة:(واخفض لهما جناح الذّلّ من الرحمة)(٢٧) .

أترى الله حين أمر بالخضوع للوالدين أمر بعبادتمها؟!

ويقول سبحانه:(لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيِّ ولا تجْهَروا له بالقول...) إلى آخرها(٢٨) .

أليس هذا خصوعاً وتواضعاً؟!

أترى الله سبحانه أمر بعبادة نبيّة؟!

أوليس التواضع من الأخلاق الجميلة الزكيّة، وهو متضمّن لشيء من الخضوع لا محالة؟!

أوترى الله نهى يصنع بأنبيائه وأوليائه نظير ما أمر أن يصنع بسائر المسلمين من التواضع والخضوع؟!

وقد كان الصحابة يتواضعون للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم،

<=

١/ ٢٤٢، ومادّة (عبد) في: لسان العرب ٣/ ٢٧٣.

(٢٧) سورة الإسراء ١٧: ٢٤.

(٢٨) سورة الحجرات ٤٩: ٢.

٥١

ويخضعون له، وذلك من المسلّمات بين أهل السير والأخبار.

بل روى البخاري في صحيحه:

* «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالهاجرة إلى البطحاء، فتوضّأ، ثمّ صلّى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة.

قال شعبة: وزاد فيه عون: عن أبيه، عن أبي جحيفة، قال: كان تمرّ(٢٩) من ورائها المرأة.

وقام الناس فجعلوا يأخذون يده(٣٠) فيمسحون بها وجوههم.

قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب رائحة من المسك»(٣١) .

زيارة القبور

وأمّا الأخبار الدالّة على زيارة القبور فنذكر عدّة منها، وإن كان لا حاجة إلى ذكرها لوضوح المسألة، حتّى أنّ الوهّابيّين ـ أيضاً ـ غير مانعين عن أصل الزيارة.

* فروى البخاري عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنّه «خرج يوماً فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت، ثمّ انصرف إلى المنبر...» إلى آخره(٣٢) .

(٢٩) في المصدر: يمرّ.

(٣٠) في المصدر: يديه.

(٣١) صحيح البخاري ٤/ ٢٢٩، والعنزة ـ بالتحريك ـ: هي أطول من العصا وأقصر من الرمح، فيها سنان كسنان الرمح، وربّما في أسفلها زجّ كزُجّ الرمح. انظر: القاموس المحيط ٢/ ١٨٤، لسان العرب ٥/ ٣٨٤.

(٣٢) صحيح البخاري ٢/ ١١٤، سنن أبي داود ٣/ ٢١٦ ح ٣٢٢٣ إلى كلمة «انصرف».

٥٢

* وروى فيه عن أنس، قال: «مرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتّقي الله واصبري...» إلى آخره(٣٣) ولم ينهها عن زيارة القبر.

* وروى الدارقطني في السنن وغيرها، والبيهقي، وغيرهما، من طريق موسى بن هلال العبدي، عن عبدالله العمري، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»: من زار قبري وجبت له شفاعتي»(٣٤) .

* وعن نافع، عن سالم، عن ابن عمر، مرفوعاً، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أنّه قال: «من جاءني زائراً ليس له حاجة إلاّ زيارتي، كان حقّاً عليً أن أكون له شفيعاً يوم القيامة»(٣٥) .

* وعن ليث ومجاهد، عن [ ابن ] عمر، مرفوعاً، قال صلّى الله عليه وسلّم: «من حجّ وزار قبري بعد وفاتي، كان كمن زارني في حياتي»(٣٦) .

(٣٣) صحيح البخاري ٩/ ٨١ باختلاف يسير في بعض الألفاظ، وفي ٢/ ٩٣ إلى كلمة «واصبري» باختلاف يسير في بعض الألفاظ أيضاً، وانظر: الأنوار في شمائل النبيّ المختار ١/ ٢٠٠ ح ٢٣٩ والمصادر الأخرى التي في هامشه.

(٣٤) سنن الدار قطني ٢/ ٢٧٨ ح ١٩٤، شعب الإيمان ٣/ ٤٩٠ ح ٤١٥٩، مجمع الزوائد ٤/ ٢، الصلات والبشر: ١٤٢، الدرّ المنشور ١/ ٥٦٩، كنز العمال ١٥/ ٦٥١ ح ٤٢٥٨٣، الكنى والأسماء ٢/ ٦٤، الكامل ٦/ ٢٣٥٠، والنظر: الغدير ٥/ ٩٣ ـ ٩٦ ح ١ ومصادره.

(٣٥) ورد الحديث باختلاف يسير في: المعجم. الكبير ١٢/ ٢٩١ ح ١٣١٤٩، مجمع الزاوئد ٤/ ٢، الصلات والبشر: ١٤٢، الدرّ المنصور ١/ ٥٦٩، كنز العمّال ١٥/ ٢٥٦ ح ٣٤٩٢٨، وانظر: الغدير ٥/ ٩٧ ـ ٩٨ ح ٢ ومصادره.

(٣٦) سنن الدار قطني ٢/ ٢٧٨ ح ١٩٢، شعب الإيمان ٣/ ٤٨٩ ح ٤١٥٤، السنن الكبرى ٥/ ٢٤٦، المعجم الكبير ١٢/ ٤٠٦ ح ١٣٤٩٧، الصلات والبشر: ١٤٣، الدرّ المنثور

=>

٥٣

* وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً»(٣٧) .

* وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من حجّ [ البيت ] ولم يزرني فقد جفاني»(٣٨) .

* وعن أبي هريرة، مرفوعاً، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم، قال: «من زارني بعد موتي فكأنّما زارني حيّاً»(٣٩) .

* وعن أنس، مرفوعاً، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، [ قال]: «من زارني ميّتاً كمن زارني حيّاً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة»(٤٠) .

* وعن ابن عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «من زارني في مماتي كان كمن زارني في حياتي، ومن لم يزرني فقد

<=

١/ ٥٦٩، كنز العمّال ٥/ ١٣٥ ح ١٢٣٦٨ و ١٥/ ٦٥١ ح ٤٢٥٨٢، وفيها: «فزار» بدل «وزار»، وانظر: الغدير ٥/ ٩٨ ـ ١٠٠ ح ٣ ومصادره.

(٣٧) ورد الحديث باختلاف يسير في: شعب الإيمان ٣/ ٤٨٩ ذح ٤١٥٣، كنز العمّال ٥/ ١٣٥ ح ١٢٣٧١، كما ورد مضمونه في: السنن الكبرى ٥/ ٢٤٥، شعب الإيمان ٣/ ٤٨٨ ح ٤١٥٢ و ٤٨٩ ح ٤١٥٧، الصلات والبشر: ١٤٣، الدّر المنثور ١/ ٥٦٩، وانظر: الغدير ٥/ ١٠٠ ـ ١٠١ ح ٥ ومصادره.

(٣٨) الدر المنثور ١/ ٥٦٩، الصلات والبشر: ١٤٣، كنز العمال ٥/ ١٣٥ ح ١٢٣٩٦، الكامل ٧/ ٢٤٨٠، والنظر: الغدير ٥/ ١٠٠ ح ٤ ومصادره.

(٣٩) ورد الحديث باختلاف في سنده وبعض الفاظه في: مجمع الزوائد ٤/ ٢، الصلات والبشر: ١٤٢ و ١٤٣، الدّر المنثور ١/ ٥٦٩، كنز العمّال ٥/ ١٣٥ ح ١٢٣٧٢، المواهب اللدنّية ٨/ ٢٩٨و ٢٩٩، وانظر: الغدير ٥/ ١٠١ ـ ١٠٢ ح ٦ ومصادره، وقد روي فيها عن حاطب بن أبي بلتعة مرفوعاً، وص ١٠٥ ـ ١٠٦ ح ١٤ وفيه: عن ابن عمر مرفوعاً.

(٤٠) الصلات والبشر: ١٤٣، كشف الخفاء ٢/ ٣٢٨ ـ ٣٢٩ح ٢٤٨٩، وانظر: الغدير ٥/ ١٠٤ ح ١٠ ومصادره.

٥٤

جفاني»(٤١) .

إلى غير ذلك من الأحاديث التي يجوز مجموعها حدّ المتواتر.

* وفي «الموطّأ» أنّ ابن عمر كان يقف عند قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فيسلّم عليه وعند أبي بكر وعمر(٤٢) .

* وسئل نافع: هل كان [ ابن ] عمر يسّلم على قبر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم؟

فقال: رأيته مائة مرّة أو أكثر يسلّم على النبيّ وعلى أبي بكر(٤٣) .

قال عياض: زيارة قبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سنّة أجمع عليها المسلمون(٤٤) .

* وروى بريدة، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»(٤٥) .

* وعن بريدة، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا خرج إلى المقابر قال: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والسلمين».

(٤١) مختصر تاريخ دمشق ٢/ ٤٠٧، وفاء الوفا ٤/ ١٣٤٦ ـ ١٣٤٧ ح ١٤ و ١٦، وانظر: الغدير ٥/ ١٠٤ ـ ١٠٥ ح ١٢ ومصادره، وقد روي فيها عن أميرالمؤمنين الإمام عليّ عليه السلام مرفوعاً بدلأ من ابن عبّاس.

(٤٢) المؤطّأ ١/ ١٦٦ح ٦٨، شعب الإيمان ٣/ ٤٩٠ ح ٤١٦١، الدّر المنثور ١/ ٥٧٠، وفاء الوفا ٤/ ١٣٥٨.

(٤٣) حقيقة التوسّل والوسيلة: ١١١، وقال في الهامش: أخرجه الإمام عبدالله بن دينار عن ابن عمر.

(٤٤) شرح الشفا ٣/ ٥١١، وفاء الوفا ٤/ ١٣٦٢.

(٤٥) صحيح مسلم ٢/ ٦٧٢ ح ٩٧٧، سنن النسائي ٨/ ٣١٠ ـ ٣١١ و ج ٤/ ٨٩، سنن الترمذي ٣/ ٣٧٠ ح ١٠٥٤، سنن أبي داود ٣/ ٢١٨ ح ٣٢٣٥، السنن الكبرى ٤/ ٧٧، المعجم الكبير ٢/ ١٩ ح ١١٥٢ و ٩٤ ح ١٤١٩، المصنّف ٣/ ٣٤٢.

٥٥

رواه مسلم(٤٦) .

* وعن ابن عباس، أنّ النبي [ كان ] يخرج إلى البقيع آخر الليل فيقول: «السلام عليكم...» الخبر.

رواه مسلم(٤٧) .

التبرُّك بالقبور

وأما التبرّك بالقبور وتقبيلها والتمسّح بها:

فقد نقل عبدالله بن أحمد بن حنبل في كتاب «العلل والسؤالات» قال: سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله يتبرّك بمسّه وتقبيله، ويفعل بالقبر ذلك رجاء ثوابِ الله، فقال: لا بأس به(٤٨) .

ونقل عن مالك التبرّك بالقبر(٤٩) .

وروي عن يحيى بن سعيد ـ شيخ مالك ـ أنّه حينما أراد الخروج إلى العراق جاء إلى المنبر وتمسّح به(٥٠) .

ونقل السبكي روايةً ليحيى بن الحسن، عن عمر بن خالد، عن أبي نباتة، عن كثير بن يزيد، عن المطّلب بن عبدالله، قال: أقبل

(٤٦) صحيح مسلم ٢/ ٦٧١ ح ٩٧٥، وسنن النسائي ٤/ ٩٤.

(٤٧) صحيح مسلم ٢/ ٦٦٩ ح ٩٧٤ عن عائشة، وسنن الترمذي ٣/ ٣٦٩ ح ١٠٥٣ عن ابن عبّاس.

(٤٨) العلل ومعرفة الرجال ٢/ ٤٩٢ ح ٣٢٤٣، وعنه في وفاء الوفا ٤/ ١٤٠٤، وانظر مؤدّاه أيضاً في ص ١٤٠٣.

(٤٩) انظر مؤدّاه في وفاه الوفا ٤/ ١٤٠٧.

(٥٠) وفاء الوفا ٤/ ١٤٠٣.

٥٦
٥٧

الفصل الثاني
في توحيد الله سبحانه في الأفعال

إعلم أنّ من ضروريّات دين الإسلام، والمُجمع عليه بين جميع الفرق المنتحلة لدين سيّد الأنام، بل ومن أعظم أركان التوحيد: توحيد الله عزّ وجلّ في تدبير العالم، كالخلق والرزق والإماتة والإحياء، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى تدبير العالم، كتسخير الكواكب، وجعل الليل والنهار، والظلم والأنوار، وإجراء البحار، وإنزال الأمطار، وغير ذلك ممّا لا نحصيه ولا نحيط به.

وبالجملة: لا كلام بين طوائف أهل الإسلام، أنّ المدبِّر لهذا النظام، هوالله الملك العلاّم، وحده وحده.

وكيف يرتاب مسلم في ذلك؟! وهو يقرأ في كلّ يوم مراراً من الفرقان العظيم: (اللهُ الصَّمَدُ)(٥٦) .

ويقرأ قوله عزّ من قائل: (وخلق كلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكلِّ شَيْءٍ عَليم)(٥٧) .

(٥٦) سورة الإخلاص ١١٢: ٢.

(٥٧) سورة الأنعام ٦: ١٠١.

٥٨

وقوله سبحانه: (ألا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْر)(٥٨) .

وقوله تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقٌكٌم مِنَ السُّماءِ وَالأرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ وَمَن يُخرَجُ الحَيُّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فقُلْ أفلا تَتَّقُونَ)(٥٩) .

وقوله عزّ اسمه: (إنَّ الله لَهُ مُلْكٌ السِّمواتِ وَالأَرْضِ يُحْيي وَيُميتُ وَما لَكُم مِن دُونِ اللهِ مِن وِليٍّ ولا نَصيرٍ)(٦٠) .

وقوله عظم سلطانه: (قالوا يا نوح قَدْ جادَلْتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إن كُنتَ مِنَ الصّادِقينَ * قالَ إنّما يَأتِيكُم بِهِ اللهُ إن شاءَ)(٦١) .

وقوله جلّ شأنه: (أمْ جَعَلُوا للهِ شُركاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كٌلِّ شيْءٍ)(٦٢) .

و قوله عزّ جبروته: (الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثمّ يُحْيِين)(٦٣) .

وقوله جلّ وعزّ: (وَلئِن سَألْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأرض

(٥٨) سورة الأعراف ٧: ٥٤.

(٥٩) سورة يونس ١٠: ٣١.

(٦٠) سورة التوبة ٧: ١١٦.

(٦١) سورة هود ١١: ٣٢ و ٣٣.

(٦٢) سورة الرعد ١٣: ١٦.

(٦٣) سورة الشعراء ٢٦: ٧٨ ـ ٨١.

٥٩

وسخّرَ الشّمس والقمر ليقولنَّ الله)(٦٤) .

وقوله عمّ إحسانه: (ولئن سألتهم من نّزّل من السّماء مآءً فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولنّ الله)(٦٥) .

وقوله جلّت قدرته: (الله الّذي خلقكم ثمّ رزقكم ثم رزقكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم)(٦٦) .

وقوله تعالى شأنه: (خلقَ السّمواتِ بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميدَ بكم وبثّ فيها من كلّ دابّةٍ وأنزلنا من السّماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ كريمٍ * هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الّذين من دونه بل الظّالمون في ضلالٍ مبين)(٦٧) .

وقوله تعالى: (الله خالق كلّ شيءٍ وهو على كلّ شيءٍ وكيلٌ * له مقاليد السّمواتِ والأرض)(٦٨) .

وقوله تعالى من قائل: (وأنّ إلى ربّك المنتهى * وأنّه هو أضحك وأبكى * وأنّه هو أمات وأحيا * وأنّه خلق الزّوجين الذّكر والأنثى * من نطفةٍ إذا تمنى * وأنّ عليه النّشأةَ الأخرى * وأنّه هو أغنى وأقنى)(٦٩) .

‎ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

(٦٤) سورة العنكبوت ٢٩: ٦١.

(٦٥) سورة العنكبوت ٢٩: ٦٣.

(٦٦) سورة الروم ٣٠: ٤٠.

(٦٧) سورة لقمان ٣١: ١٠ و ١١.

(٦٨) سورة الزمر ٣٩: ٦٢ و ٦٣.

(٦٩) سورة النجم ٥٣: ٤٢ ـ ٤٨.

٦٠