×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الروض الفسيح في بيان الفوارق بين المهديّ والمسيح / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحة: ١ فارغة
كتاب الروض الفسيح للشيخ الاِلهيّ القمّي (ص ١ - ص ٢٩)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

الحمد لله الذي نصب لكلّ عصرٍ إمامَ هدىً، فلـم يدع أمر الخلق إليهم سُدىً، ووعد الصالحين من عباده أن يورثهم الثرى، بعدما مُلئت أطباقها ظلماً وجوراً، وصلّى الله وسلّم على سيّد المرسلين، وقائد الغرّ المحجّلين، محمّـد وعلى آله أُولي التقى والطاعة، لا سيّما المنتظر الموعود به قبل قيام الساعة.

وبعد:

فإنّ كثيراً ممّن يدّعي اتّباع السُنّة وملازمة الجماعة، قد دلع لسانه بإرجاف المؤمنين ورميهم بكلّ شناعة، منكراً عليهم اعتقادهم خروج المهديّ المنتظر الموعود به في آخر الزمان، عند انفراط الاَمر، وكثرة الهرج والمرج، وامتلاء الدنيا ظلماً وجوراً، وضربَ بالاَحاديث الصحيحة، والسنن الصريحة عرض الجدار، فويل لهم ممّا عملوا، وويل لهم ممّا يصنعون.

٢
وقد ازداد هذا الاَمر شدّةً عند جماعة من المنتمين إلى العلم ـ وهم خلوٌّ منه ـ حتّى تولّى كِبْرَ ذلك مشايخ سوءٍ(١) فضحهم الله على رؤوس الاَشهاد، وأخزاهم في الدنيا قبل المعاد.

وربّما تشبّث المنكِرون لاَمر المهديّ عليه الصلاة والسلام بما رواه ابن ماجة والحاكم عن أنس: «لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم».

وهذا من فرط جهلهم وضلالهم، إذ قد بلغ الفرق بينهما في الاشتهار مبلغ الشمس في رائعة النهار.

ولمّا كانت هذه الفتنة يستفحل أمرها زماناً، وتخمد نار ضلالتها أحياناً، رأيت أن أجمع في ذلك رسالة تكون وازعةً للجاهلين، ورادعةً للضالّين عن إنكار ما علم ثبوته بالتواتر، والخوض في ما لا يبلغه فكرهم القاصر، عسى الله أن يقطع بذلك دابرهم، ويكشف عن أهل الحقّ شرّهم، إنّه على ما يشاء قدير، وبالاِجابة جدير.

ورتّبتها على ثلاثة أبواب وخاتمة.

* * *

(١) كابن خلدون وأضرابه من المتقدّمين، ومحمّـد رشيد رضا، ومحمّـد فريد وجدي، ومحمّـد عبـد الله السمّان، وعبـد الله بن زيد المحمود رئيس المحاكم الشرعية بقَطَر، فإنّه كتب ـ بعد وقوع حادثة الحرم المكّي الشريف غرّة محرّم الحرام سنة ١٤٠٠ هـ على يد جهيمان بن سيف العتيبي وأنصاره ـ رسالةً في إنكار المهدي سمّاها «لا مهديّ يُنْتَظر بعد الرسول خير البشر» وقد استوفى الكلام في الردّ عليه الشيخ عبـد المحسن بن حمد العبّاد.

وأمثال هؤلاء الّذين يدّعون العلم بالسُنّة، كثيرون في كلّ صقع ومكان، فيقتحمون في ما ليس من شأنهم، فيخبطون خبط عمياء، في ليلة ظلماء، فيفضحون أنفسهـم، ويضلّون أقوامـاً آخرين، ولو سكتوا لكان خيراً لهـم وأقوم، والله الهادي إلى سواء السبيل.

٣

الباب الاَوّل
في الكلام عن حديث: «لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم»

وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الاَوّل
في ذكر مخرِّجيه والتعريف بحال رواته

فنقول وبالله تعالى التوفيق:

أخرج ابن ماجة في سننه، قال: حدّثنا يونس بن عبـد الاَعلى، حدّثنا محمّـد بن إدريس الشافعيّ، حدّثني محمّـد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يزداد الاَمر إلاّ شدّة، ولا الدنيا إلاّ إدباراً، ولا الناس إلاّ شُحّاً، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الناس، ولا المهديّ إلاّ عيسى بن مريم(١).

وفي رواية الحاكم: «ولا الدين» بدل «ولا الدنيا» ولا مهدي إلاّ عيسى ابن مريم(٢)..

قال الحاكم في المستدرك: فذكرتُ ما انتهى إليَّ من علّة هذا الحديث تعجّباً لا محتجّاً به في المستدرك على الشيخين(٣).

(١) سنن ابن ماجة ٢|١٣٤٠ ـ ١٣٤١ ح ٤٠٣٩.

(٢) المستدرك على الصحيحين ٤|٤٤١ ح ٨٣٦٣.

(٣) المستدرك على الصحيحين ٤|٤٤٢ ضمن ح ٨٣٦٣.

٤
وقد أخرجه ابن مندة في فوائده، والقضاعي في مسند الشهاب(١)، وأبو يوسف الميانجي من طريق ابن خزيمة وابن أبي حاتم وزكريّا الساجي بطريقهم عن يونس بن عبـد الاَعلى(٢).

والكلام عليه يقع تارةً في متن الحديث، وأُخرى في إسناده.

أمّا متنه:

فإنّه ورد من غير طريق محمّـد بن خالد الجَنَدي، مجرّداً عن هذه الزيادة المنكَرة، فقد أخرجه الطبراني والحاكم في المستدرك(٣)، كلاهما من طريق مبارك بن سحيـم، حدّثنا عبـد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالـك، قـال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لـن يزداد الزمان إلاّ شدّة، ولا يزداد الناس إلاّ شُحّاً، ولا تقوم الساعة إلاّ على شرار الناس»(٤).

وهذا اللفظ لم تذكر فيه تلك الزيادة المنكَرة الباطلة التي يدركها كلّ عاقل بالبداهة، فدلّ على أنّها من صنيع الجَنَدي(٥).

قال الاِمام المحدّث أبو الفيض أحمد بن محمّـد بن الصدّيق الحسنيّ

(١) مسند الشهاب ٢|٦٨ ح ١٩٨.

(٢) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطبوع ضمن موسـوعة الاِمـام المهدي ٧ عند أهل السُنّة ٢|٣٧٦ ـ: ٥٨٤.

(٣) انظر: المعجم الكبير ـ للطبراني ـ ١٩|٣٥٧ ح ٨٣٥، المستدرك على الصحيحين ٤|٤٤٢.

(٤) ورواه ابن السمعاني ـ كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٤٤١ ـ بلفظ: «لا يزداد الاَُمراء إلاّ شدّة»، وهو تصحيف ظاهر.

(٥) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطبوع ضمن موسـوعة الاِمـام المهدي ٧ عند أهل السُنّة ٢|٣٧٦ ـ: ٥٨٤.

٥
الغُماريّ المغربيّ في كتابيه إبراز الوهم المكنون و فتح الوهّاب(١): وتلك عادته، فقد زاد أيضاً زيادةً باطلةً في حديثٍ صحيحٍ متّفق عليه، وذلك ممّا يدلّ على القطع بكذبه، فقد ذكر ابن عبـد البرّ في ترجمة يزيد بن عبد الهاد من التمهيد: أنّ محمّـد بن خالد الجَنَديّ هذا روى عن المثنّى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه مرفوعاً: تُعمل الرحال إلى أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد الاَقصى، ومسجد الجَنَد.

قال ابن عبـد البرّ ـ عقب ذكر الحديث ـ: محمّـد بن خالد متروك، والحديث لا يثبت.

قال المحقّق الغُماري: يعني بهذه الزيادة التي زادها هذا الدجّال (محمّـد بن خالد الجَنَدي) من إعمال الرحلة إلى مسجد بلده الجَنَد.

وأمّا إسناده:

* ففيه: يونس بن عبـد الاَعلى الصَدَفي.

وقد طعن الناس فيه مع كونه من رجال مسلم وابن ماجة والنسائي بسبب تفرّده بهذا الحديث عن الشافعي.

فأورده الذهبيّ في الضعفاء وقال: وثّقه أبو حاتم وغيره ونعتوه بالحفظ إلاّ أنّه تفرّد عن الشافعي بذاك الحديث «لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم» وهو منكر جدّاً(٢).

(١) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطبوع ضمن موسـوعة الاِمـام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ٢|٣٧٨ ـ: ٥٨٦، فتح الوهّاب بتخريج أحاديث الشهاب ٢|١٠٩.

(٢) ميزان الاعتدال ٧|٣١٧ ح ٩٩١٧.

٦
وقال أيضاً في تذكرة الحفّاظ ـ بعد نقل توثيقه ـ: قلت: له حديث منكر عن الشافعيّ(١)، ثمّ ساقه بإسناده.

وقال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب(٢): قال مسلمة بن قاسـم: كـان حافظاً، وقد أنـكروا عليه تفرّده بروايته عن الشـافعيّ حديث «لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم» أخرجه ابن ماجة عنه(٣)، وكذا الذهبيّ يدّعي أنّ يونس دلّسه(٤).

وذكر الحلواني في رسائله الخمس عن بعضهم: أنّه رأى الشافعي في المنام وهو يقول: كذب عليَّ يونس بن عبد الاَعلى، ليس هذا من حديثي(٥).

* وفي إسناده أيضاً: محمّـد بن خالد الجَنَدي، وقد رموه بنكارة الحديث وضعفه.

قال الحافظ شمس الدين الذهبيّ بترجمته في ميزان الاعتدال: قال الاَزدي: منكر الحديث(٦). انتهى.

وقال الحاكم وأبو حاتم وأبو الحسين الآبري وابن الصلاح في أماليه والحافظ في التقريب: مجهول(٧).

(١) تذكرة الحفّاظ ٢|٥٢٧.

(٢) تهذيب التهذيب ٦|٢٧٨.

(٣) سنن ابن ماجة ٢|١٣٤٠ ـ ١٣٤١ ح ٤٠٣٩.

(٤) سير أعلام النبلاء ١٢|٣٥١.

(٥) ذكـره في رسـائله الخمـس المسـمّاة: منظومة القطـر الشهدي في أوصاف المهـدي عليه السلام ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السنة ٢|١١٨ ـ: ٤٥.

(٦) ميزان الاعتدال ٣|٥٣٥.

(٧) تقريب التهذيب ٢|١٥٧ رقم ٦.

٧
وقال ابن عبـد البرّ: متروك.

وقال ابن تيميّة: لا يحتجّ به.

وحكى الاِمام الحافظ الكنجي في البيان عن الشافعي أنّه قال: كان فيه تساهل في الحديث.

قال: وقد ذكر الشافعيّ في كتاب الرسالة ـ وكتابه أصل ـ قال: اتّفقوا على أنّ الحديث لا يقبل إذا كان الراوي معروفاً بالتساهل في روايته(١). انتهى.

فظهر بذلك أنّ ما ذكره الحافظ عماد الدين ابن كثير في النهاية(٢)من كونه شيخ الشافعي، وأنّه ليس بمجهولٍ ـ كما زعم الحاكم ـ بل قد حُكي عن ابن معين أنّه ثقة؛ ليس بشيء، لاَنّهم قد ردّوا على ابن معين توثيقه، ولم يقبلوه منه.

قال الآبري: وإنْ وثّقه يحيى فهو غير معروف عند أهل الصناعة من أهل العلـم والنقـل، وقد اختلفوا في إسناد حديثـه هذا ـ كما ذكره المحقّق ابن الصدّيق في الردّ على ابن خلدون ـ.

ومن المعلوم المقرّر في محلّه أنّ الجرح مقدّم على التعديل، ومَن جرحه قد ذكر سبب جرحه ـ وهو مخالفته وانفراده بما عارض القطعي، مع جهالته ـ، ولم يأتِ ابن معين ـ مع انفراده بتوثيقه ـ بما يثبت عدالته، ولا بما يرفع جهالته، فقول من جرحه مقدّم على جميع الاَقوال ـ كما أفاده المحقّق المذكور ـ.

(١) البيان في أخبار صاحب الزمان: ٢٨ ـ ٢٩.

(٢) البداية والنهاية ١|٣٢.

٨
هذا، مع شهادة الاَئمّة بجهالته وسقوطه ونكارة حديثه، بل جزم في إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون بأنّه: كذّاب وضّاع.

قلت:

وناهيك بكلام هذا الاِمام المتتبّع الخرّيت المتضلّع في معرفة الاَحاديث وطرقها قولاً فصلاً وحُكْماً جزماً، والله يؤتي الحكمة من يشاء.

* وفي إسناده أيضاً: أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي، مولاهم.

قال ابن عبـد البرّ في التمهيد: أبان بن صالح ضعيف.

وقال ابن حزم في المحلّى: أبان ليس بالمشهور ـ كما بترجمته في تهذيب التهذيب ـ.

وقال العظيم آبادي في عون المعبود: متروك الحديث(١).

قلت:

وسيأتي في كلام الحافظ الذهبي بيان الانقطاع بين يونس بن عبـدالاَعلى وبين الشافعيّ، وكذا بين أبان بن صالح وبين الحسن.

على أنّه اختلف عليه ـ أعني الجَنَدي ـ في حديث الترجمة، فتارةً

(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود ١١|٣٦٢.

٩
جعله عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس كما تقدّم.

وتارةً جعله عن أبان بن أبي عيّاش، عن الحسن مرسلاً.

قال الحاكم(١)

: قال صامت بن معاذ: عدلتُ إلى الجَنَد ـ مسيرة يومين من صنعاء ـ فدخلت على محدّث لهم فطلبت هذا الحديث فوجدته عنده، عن محمّـد بن خالد الجَنَدي، عن أبان بن أبي عيّاش، عن الحسن، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، مثله.

قال البيهقي: فرجع الحديث إلى محمّـد بن خالد الجَنَدي ـ وهو مجهـول ـ، عـن أبان بن أبي عيّاش ـ وهو متروك ـ، عـن الحسن، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهو منقطع.

قال: والاَحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصحّ ألبتّة(٢).

فانكشف ووهى ـ كما قال الذهبيّ في الميزان(٣) بعد حكايته هذه العلّة عن البيهقيّ ـ.

قلت:

وفي إسـناده أبـان بـن أبي عيّاش، وهـو ضـعيف متروك لا يحتجّ به ـ كما بترجمته في تهذيب التهذيب(٤) ـ.

(١) المستدرك على الصحيحين ٤|٤٤١.

(٢) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطبوع ضمن موسـوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ٢|٩٣٧ ـ: ٥٧٨.

(٣) ميزان الاعتدال ٣|٥٣٥.

(٤) تهذيب التهذيب ١|٦٥ ـ ٦٧.

١٠
قال الفلاّس وابن سعد: متروك الحديث.

وقال البخاريّ: كان شعبة سيّيَ الرأي فيه.

وقال أحمد بن حنبل: متروك الحديث، ترك الناس حديثه منذ دهر.

وقال أيضاً: لا يُكتب عنه، قيل: كان له هوىً؟ قال: كان منكر الحديث.

وكذا قال وكيع.

وقال ابن معين: ليس حديثه بشيءٍ؛ وقال مرّة: ضعيف؛ وقال مرّة: متروك الحديث.

وكذا قال النسائي والدارقطني وأبو حاتم.

وقال النسائي أيضاً: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه.

وقال أبو عوانة: لا أستحلّ أن أروي عنه شيئاً.

وقال ابن حبّان: لعلّه حدّث عن أنس بأكثر من ألفٍ وخمسمائة حديثٍ، ما لكثير شيءٍ منها أصل.

وقال شعبة: ردائي وخماري فـي المـساكين صـدقة إن لم يكن ابن أبي عيّاش يكذب في الحديث.

وقال أيضاً: لاََنْ يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان.

وفي تلخيص المستدرك(١): عن الحاكم قال: حدّثني به ـ يعني حديث (لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم) ـ عبـد الرحمن بن يزداد المزكّي ببخارى من أصله، ثنا عبـد الرحمن بن أحمد الرشديني بمصر، ثنا المفضّل الجَنَدي، ثنا صامت بن معاذ، ثنا يحيى بن السكن، ثنا محمّـد بن خالد

(١) تلخيص المستدرك ٤|٤٤١.

١١
الجَنَدي، فذكره.

قال الذهبي: يحيى بن السكن ضعّفه صالح جزرة وقال: ليس بقوي الحديث(١).

وكذا ضعّفه الدارقطني(٢).

والله الموفّق والمستعان.

* * *

(١) ميزان الاعتدال ٧|١٨٣ رقم ٩٥٣٣.

(٢) لسان الميزان ١|٢٩.

١٢

الفصل الثاني
في الكلام على أصل الحديث وبيان درجته

إعلم ـ هدانا الله وإيّاك إلى صراطه المستقيم ومنهجه القويمِ ـ أنّ الجهابذة النقّاد من أئمّة الحديث لم يعتمدوا على هذا الحديث المنحول إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقيموا له وزناً، بل أجمعوا على ضعفه، وأطبقوا على تركه ـ وإنْ تأوّله بعضهم بما لا ينجع ـ فذِكره مُغنٍ عن بيان رتبته وحاله، لكن لا بأس بإيراد طرفٍ من كلامهم فيه.

قال أبو بكر بن زياد: هذا الحديث غريب.

وقال القرطبي في التذكرة وكذا الطيبي ـ كما في المرقاة ـ: الاَحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في التنصيص على خروج المهديّ من عترته من وُلْد فاطمة، ثابتةٌ أصحّ من هذا الحديث، فالحكم لها دونه(١). انتهى.

وقال العلاّمة الحافظ شمس الدين الذهبي بترجمة محمّـد بن خالد الجَنَديّ من ميزان الاعتدال: في حديثه «لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم» وهو خـبر منكـر أخرجـه ابـن ماجـة، ووقع لنا موافقةً من حديث يونس بن عبـد الاَعلى ـ وهو ثقة ـ تفرّد به عن الشافعي، فقال في روايتنا: «عن» هكذا بلفظ «عن الشافعي»(٢).

وقال في جزءٍ عتيق بمرّة عندي من حديث يونس بن عبد الاَعلى

(١) التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة ٢|٦١٧، مرقاة المفاتيح ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ١|٤٧٥ ـ: ٥|١٨٦.

(٢) ميزان الاعتدال ٣|٥٣٥.

١٣
قال: «حُدِّثْتُ عن الشافعي» فهو على هذا منقطع.

على أنّ جماعة رووه عن يونس، قال: «حدّثنا الشافعيّ» والصحيح أنّه لم يسمعه منه.

قال: وأبان بن صالح صدوق وما علمت به بأساً، لكن قيل: إنّه لم يسمع من الحسن، ذكره ابن الصلاح في أماليه.

وذكر الشيخ تقيّ الدين ابن تيّميّة في منهاج السُنّة: أنّ هذا الحديث ضعيف(١)٤.

قال: وقد اعتمد أبو محمّـد ابن الوليد البغدادي وغيره عليه، وليس ممّا يُعتَمد عليه، ورواه ابن ماجة، عن يونس، عن الشافعي، والشافعي رواه عن رجلٍ من أهل اليمن يقال له محمّـد بن خالد الجَنَديّ، وهو ممّن لا يُحتجّ به، وليس في مسند الشافعي، وقد قيل: إنّ الشافعي لم يسمعه من الجَنَديّ، وإنّ يونس لم يسمعه من الشافعي. انتهى.

وقال ابن قيّم الجوزيّة في كتابه المنار المنيف في الصحيح والضعيف: قد اختلف الناس في المهديّ على أربعة أقوال:

أحدها:

أنّه المسيح بن مريم، وهو المهديّ على الحقيقة، واحتجّ أصحاب هذا بحديث محمّـد بن خالد الجَنَدي المتقدّم، وقد بيّنّا حاله وأنّه لا يصحّ(٢).

وقال الاِمام الصغاني: موضوع، كما في الفوائد المجموعة

(١) منهاج السُنّة ٤|٢١١.

(٢) المـنار المـنيف في الصـحيح والضـعيف ـ المطـبوع ضمن موسـوعة الاِمام المهدي ٧ عند أهل السُنّة ١|٢٨٩ ـ ١٤٨.

١٤
للشوكانيّ(١).

وقال القاري في مرقاة المفاتيح: إعلم أنّ حديث «لا مهديّ إلاّ عيسى ابن مريم» ضعيف باتّفاق المحدِّثين كما صرَّح به الجزريّ(٢).

هذا، وجزم الاِمام المحدِّث العلاّمة أبو الفيض شهاب الدين أحمد بن الصدّيق الحسنيّ الغُماريّ المغربيّ في كتابه القيّم الموسوم بـ: إبراز الوهم المكنون بأنّ الحديث باطل موضوع، مختلَق مصنوع، لا أصل له من كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من كلام أنس، ولا من كلام الحسن البصري(٣).

ثمّ خاض في تبيين ذلك وإيضاحه من ثمانية وجوهٍ، استوفى فيها الكلام على هذا الحديث بأطرافه، بما لم يتكلّم فيه أحد بمثله، ولا تجده في كـتاب كـما صرّح هو بذلك، وحقٌّ ما قال وقد مرّ بيان بعضها، فلنذكر ما بقي منها، وهو وجهان:

الاَوّل:

أنّ ممّا يدلّ على بطلان هذا الخبر معارضته للمتواتر المفيد للقطع، فقد قرّر علماء الاَُصول أنّ من شرط قبول الخبر عدم مخالفته للنصّ القطعيّ على وجهٍ لا يمكن الجمع بينهما بحالٍ.

وقد ذكروا للجمع بين هذا الخبر وبين أحاديث المهديّ أوجهاً ذكر بعضَها الطاعنُ [يعني ابن خلدون] وبعضَها غيرهُ كالقرطبيّ في التذكرة(٤)

(١) الفوائد المجموعة: ٥١٠ ـ ٥١١.

(٢) مرقاة المفاتيح ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ١|٤٥٧ ـ ٥|١٨٦.

(٣) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطبوع ضمن موسـوعة الاِمـام المهدي ٧ عند أهل السُنّة ٢|٣٧٦ ـ: ٥٨٤.

(٤) التذكرة: ٦١٧.

١٥
والآبيّ في شرح مسلم، وابن حجر الهيتميّ في الصواعق المحرقة(١) وصاحب ينابيع المودّة وغيرهم، وكلّها بعيدة لا حاجة تلجئ إليها مع بطلان الخبر، إذ لا تعارض بين متواتر وباطل(٢). انتهى.

قلت:

وقد عقدنا الفصل الثالث لذِكر تلك الوجوه والجواب عنها تحذيراً للقاصر من الاغترار بها والركون إليها، كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.

الثاني:

أنّ ممّا يوجب القطع ببطلانه أيضاً كون ذكر المهديّ وخبره لم يرد إلاّ من جهة الشارع، فكيف يخبر بأمر أنّه سيقع ـ وهو الصادق الذي لا ينطق عن الهوى ـ ثمّ ينفيه؟!

والاَخبار لا يتصوّر وقوعها على خلاف ما أخبر به الصادق، ونفي المهديّ يلزم منه وقوع الخبر على خلاف ما أخبر به أوّلاً من وجوده، واللازم باطل، وهذا ممّا قرّروا به أنّ النسخ لا يدخل الاَخبار التي هي من هذا القبيل، وهذا متّفق عليه بين علماء الاَُصول.

قال الزركشي: إنْ كان مدلول الخبر ممّا لا يمكن تغيّره، بأن لا يقع إلاّ على وجه واحد كصفات الله تعالى وخبر ما كان من الاَنبياء والاَُمم وما يكون من الساعة وآياتها كخـروج الدجّـال، فلا يـجوز نسـخه بالاتّفاق كما قاله أبو إسحاق المروزي وابن برهان في الاَوسط؛ لاَنّه يفضي إلى الكذب.

(١) الصواعق المحرقة: ٢٥١.

(٢) إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطـبوع ضمن موسـوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ٢|٣٨٠ ـ: ٥٥٨.

١٦
قال ابن الصدّيق: والعجب ممّن أورد هذا الحديث من العلماء وأجاب عنه بأنواعٍ من طرق الجمع بين مختلف الآثار، كيف خفي عليه بطلانه من جهة ما قرّرناه إن خفي عليه ذلك من جهة الاِسناد وما فيه من العلل الظاهرة والخفيّة؟! فإنّ العقل قاطع ببطلانه كما عرفت ممّا قرّرناه لك(١).

وإذا أمعن المنصف في كلام هذا الاِمام البحر العلم، لَعَلِم أنّه نطق بالحقّ وآثر الصدق، كيف لا؟! وهو الخبير الخرّيت في هذا العلم الشريف (ولا يُنَبِّئُكَ مِثلُ خَبير)(٢).

وقد حذا شيخ الاَزهر الشيخ محمّـد الخضر حسين المغـربي حذو هذا الاِمام فقال(٣): هذا حديث موضوع؛ ثمّ أورد كلام الحاكم وابن عبد البرّ والاَزدي في الجَنَدي المذكور وقال: آخُذُ في مثل هذا بقول ابن حزم: إذا كان في سند الحديث رجل مجروح بكذب أو غفلة أو مجهول الحال لا يحلّ عندنا القول به، ولا تصديقه، ولا الاَخذ بشيءٍ منه.

* * *

(١) انظر: إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام المهديّ عليه السلام عند أهل السُنّة ٢|٣٨٠ ـ ٣٨١ ـ: ٥٨٨ ـ ٥٨٩.

(٢) سورة فاطر ٣٥: ١٤.

(٣) في مقال تحت عنوان «نظرة في أحاديث المهدي»، مجلّة الهداية الاِسلاميّة (المحرّم سنة ١٣٦٩) ومجلّة التمدّن الاَسلامي ـ المطبوعة ضمن موسوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ٢|٢١٣ ـ: الجزء ٣٥ ـ ٣٦ من المجلّد ١٦.

١٧

الفصل الثالث
في إيراد ما ذكروه من وجوه الجمع بين حديث «لا مهديّ إلاّ عيسى بن مريم» وبين أحاديث المهديّ عليه الصلاة السلام والجواب عنها

وقد تقدّم آنفاً أنّ الحديث موضوع، وأحاديث المهدي متواترة كما سيأتي إن شاء الله تعالى فلا تعارض بينهما، فلا وجه حينئذٍ لتجشّم تلك الوجوه التي لا ترجع إلى محصّل.

لكن لمّا ذكرها جماعة في كتبهم وتداولوها آثرنا ذكرها هنا والجواب عنها ليسفر القناع عن وجهها، ويُعلم ما فيها، فإنّه قد يعوِّل عليها ويستأنس بها بعض مَن لا فطنة له، وهو غافل عن حقيقتها، فكان التنبيه على ذلك من المهمّات.

فنقول وبالله التوفيق:

قد ذكروا للجمع في هذا المقام ثلاثة أوجه:

الاَوّل:

أنّه لا مهديّ في الحقيقة سوى عيسى بن مريم وإن كان غيره مهديّاً أيضاً، لحكمه بكتاب الله، وقتله اليهود والنصارى، ووضعه الجزية، وإهلاك أهل الملّة في زمانه(١).

(١) انظر: المنار المنيف في الصحيح والضعيف ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام

=

١٨
وأنت خبير بأنّه لو صحّ هذا فإنّ المهديّ المنتظر عليه الصلاة والسلام يكون أَوْلى بكونه المهديّ على الحقيقة كما هو كذلك؛ لاَنّه الذي يملاَ الله تعالى به الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، وهذا أعظم أمر يقع في آخر الزمان.

ومعلومٌ أنّ عيسى عليه السلام يكون مقتفياً لشرع الاِسلام الذي يحيي المهديّ معالمه بعدما اندرست، ويرفع أعلامه بعدما انتكست، والحكم بكتاب الله تعالى، وقتل أهل الاِلحاد إنّما يكون بيد المهديّ عليه السلام، وعيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه يساعده في ذلك، لا استقلال ابن مريم به كما قد يظهر من كلام بعضهم.

فالمهديّ حقّ، والمهديّ هو من يفعل ذلك، وليس ذاك إلاّ المهديّ الموعود من آل محمّـد صلى الله عليه وآله وسلم.

فظهر أنّه أفضل من المسيح بن مريم عليهما الصلاة والسلام ـ كما سيأتي في كلام الحافظ الكنجي أيضاً ـ فضلاً عن أبي بكر وعمر، فقد أخرج نعيم بن حمّاد عن محمّـد بن سيرين أنّه ذكر فتنةً تكون، فقال: إذا كان ذلك فاجلسوا في بيوتكم حتّى تسمعوا على الناس بخيرٍ من أبي بكر وعمر، قيل: أفيأتي خيرٌ من أبي بكر وعمر؟! قال: قد كان يُفضّل على بعض.

وفي المصنّف لابن أبي شيبة، عن ابن سيرين، قال: يكون في هذه الاَُمّة خليفة، لا يفضّل عليه أبو بكر وعمر كما في العرف الوردي(١).

المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ١|٢٨٩ ـ: ١٤٨.

(١) مصنّف ابن أبي شيبة ١٥|١٩٨ ح ١٩٤٩٦، عن أبي أُسامة، عن عوف، عن محمد ـ وهو ابن سيرين ـ، رسالة العرف الوردي المطبوعة ضمن كتاب الحاوي ١|١٠٣.

١٩

الثاني:

أنّ المراد بذلك أنّه لا مهديّ كاملاً معصوماً إلاّ ابن مريم عليهما السلام.

وفيه: أنّ المهدي عليه الصلاة والسلام معصوم أيضاً كالمسيح بن مريم.

أمّا على مذهب أهل الحقّ فظاهر غاية الظهور.

وأمّا على مذهب مخالفيهم: فإن أُريد عصمته في الاَحكام فإنّ ذلك حاصل له.

قال الشيخ محيي الدين ابن عربي في الفتوحات المكّيّة(١): إنّه يحكم بما ألقى إليه مَلَك الاِلهام من الشريعة، وذلك بأن يلهمه الشرع المحمّـدي فيحـكم به كمـا أشـار إليه حـديث: «المهـديّ يقفـو أثـري لا يخطئ» فعرَّفَنا صلى الله عليه وآله وسلم أنّه مُتَّبِع لا مبتدع، وأنّه معصوم في حُكْمه، إذ لا معنى للمعصوم في الحكم إلاّ أنّه لا يخطئ، وحكم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يخطئ، فإنّه (لا ينطق عن الهوى * إن هو إلاّ وحي يوحى)(٢) وقد أخبر عن المهديّ أنّه لا يخطئ، وجعله ملحقاً بالاَنبياء في ذلك الحكم.

قلت:

وقضية كونه خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يثبت له ما كان ثابتاً له صلى الله عليه وآله وسلم في الجملة، ومنه العصمة في الاَحكام، وهذا ظاهر جليّ، فلا وجه لتخصيص العصمة بعيسى بن مريم.

للفتاوي ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ١|٣٨٤ ـ

(١) الفتوحات المكّيّة ـ المطبوع ضمن موسوعة الاِمام المهدي عليه السلام عند أهل السُنّة ١|١١١ ـ ج ٣ الباب ٣٦٦.

(٢) سورة النجم ٥٣: ٤ و ٥.

٢٠