×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رؤية اللّه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فالحاصل أنّ الرؤية جنس تحتها نوعان، رؤية مع الاحاطة ورؤية لا مع الاحاطة، والرؤية مع الاحاطة هي المسماة بالادراك، فنفي الادراك يفيد نفيَ نوع واحد من نوعي الرؤية، ونفي النوع لا يوجب نفس الجنس، فلم يلزم من نفي الادراك عن الله تعالى نفي الرؤية عنه.

ثمّ قال: فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم(١) .

ويلاحظ عليه بأن ما ذكره الرازي كان افتراءً على اللغة للحفاظ على المذهب، وهذا أشبه بتفسير القرآن بالرأي، ولولا أنّ الرازي من أتباع المذهب الاشعري لما تجرأ بذلك التصرّف.

ونحن بدورنا نسأله: ما الدليل على أنّ الادراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الادراك الاحاطي، مع أننا نجد خلافه في الامثلة التالية، نقول: أدركت طعمهُ أو ريحهُ أو صوتهُ، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامة بها، أو أنه بمعنى مجرد الدرك بالادوات المذكورة من غير اختصاص بصورة الاحاطة، مثل قولهم أدرك الرسول، فهل هو بمعنى الاحاطة بحياته أو يراد منه إدراكه مرّة أو مرّتين، ولم يفسّره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي.

وحاصل الكلام: أنّ اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات الادراك كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلّي أي اللحوق والوصول، على الرؤية والسماع، سواء كان الادراك على وجه الاحاطة أو لا، وأما إذا تجرّدت

(١) الرازي، مفاتيح الغيب ١٣: ١٢٧.

٦١
اللفظة عن القرينة تكون بمعنى نفس اللحوق، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس/٩٠) ومعنى الاية: (حَتَّى إِذَا لَحِقَهُ الْغَرَقَ) ورأى نفسه غائصاً في الماء استسلم وقال: (آمَنْتُ...) .

وقال سبحانه: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لاَ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَى) (طه/٧٧)، أي لا تخاف لحوق فرعون وجيشه بك وبمن معك من بني إسرائيل.

وقال سبحانه: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) (الشعراء/٦١) فأثبت الرؤية ونفى الدرك، وما ذلك إلاّ لانّ الادراك إذا جُرّد عن المتعلّق لا يكون بمعنى الرؤية بتاتاً، بل بمعنى اللحوق.

نعم إذا اقترن بالبصر يكون متمحّضاً في الرؤية من غير فرق بين نوع ونوع، وتخصيصه بالنوع الاحاطي لاجل دعم المذهب افتراءٌ على اللغة.

* * *

٦٢
رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة النافين

٥
الاية الثانية: ولا يحيطون به علماً

قال سبحانه: (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) (طه/١٠٩-١١٠).

إنّ الاية تتركّب من جزئين:

الاوّل: قوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) .

الثاني: قوله: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) .

والضمير المجرور في قوله: (بِهِ) يعود إلى الله سبحانه.

ومعنى الاية

الله يحيطُ بهم لانه (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ويكون معادلاً لقوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ) ولكنّهم (لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) . ويساوي قوله (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ) .

٦٣
وأمّا كيفية الاستدلال فبيانُها أنّ الرؤية سواء أوَقعت على جميع الذات أم على جزئها، فهي نوع إحاطة علمية من البشر به سبحانه، وقد قال: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) .

ولكن الرازي لاجل التهرّب من دلالة الاية على امتناع رؤيته سبحانه قال: بأنّ الضمير المجرور يعود إلى قوله: (مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) أي لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم، والله سبحانه محيطٌ بما بينَ أيديهم وما خلفَهم.

أقول: إنّ الاية تحكي عن إحاطته العلمية سبحانه يوم القيامة بشهادةِ ما قبلَها (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) ، وعندئذ يكون المراد من الموصول في قوله سبحانه: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِم) هو الحياة الاُخروية الحاضرة، وقوله سبحانه: (وَمَا خَلْفَهُمْ) هو الحياة الدنيوية الواقعة خلف الحياة الاُخروية، وحينئذ لو رجع الضمير في قوله (وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) إلى الموصولين يكون مفادُ الاية عدم إحاطة البشر بما يجري في النشأتين، وهو أمر واضح لا حاجة إلى التركيز عليه، وهذا بخلاف ما إذا رجع إلى «الله»، فستكون الاية بصدد التنزيه ويكون المقصود أنّ الله يحيط بهم علماً وهؤلاء لا يحيطون كذلك، على غرار سائر الايات.

٦٤
رؤية الله في الذكر الحكيم

دراسة أدلة النافين

٦
الاية الثالثة: قال لن تراني

قال سبحانه: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلكِنْ أُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الاعراف/١٤٣). لقد استدلّ ـ بهذه الاية ـ كلٌّ من النافي والمثبت، رُغْم أنْ ليس لها إلاّ مدلول واحد، فكان بين القولين تناقض واضح، ومردّ ذلك إلى أن أحد المستدلّين لم يتجرّد عن هواه حينما استدلّ بالاية، وإنّما ينظر إليها ليحتجّ بها على ما يتبنّاه، وهذا من قبيل التفسير بالرأي الذي نهى النبي(صلى الله عليه وآله) عنه بالخبر المتواتر، وبالتالي قلّ من نظر إليها بموضوعية خالية عن كلّ رأي مسبق.

المفهوم الصحيح للاية

لا شكّ أنّنا إذا عرضنا الاية على عربي صميم لم يتأثّر ذهنه

٦٥
بالمناقشات الكلامية الدائرة بين النافين والمثبتين، وطلبنا منه أنْ يبيّن الاطار العام للاية ومفادها ومنحاها، وهل هي بصدد بيان امتناع الرؤية أو جوازها؟ فسيجيب بصفاء ذهنه بأنّ الاطار العام لها هو تعاليه سبحانه عن الرؤية، وأنّ سؤاله أمر عظيم فظيع لا يُمحى أثره إلاّ بالتوبة، فسيكون فهم ذلك العربي حجّة علينا لا يجوز لنا العدول عنها، والقرآن نزل بلسان عربيّ مبين ولم ينزل بلسان المتكلّمين أو المجادلين.

كما أنّ إذا أردنا أن نُفسّر مفاد الاية تفسيراً صناعياً فلا شكّ أنه يدلّ أيضاً على تعاليه عنها، وذلك لوجوه:

١ ـ الاجابة بالنفي المؤبد:

لمّا سأل موسى رؤية الله تبارك وتعالى أُجيب بـ (لَنْ تَرَانِي) ، والمتبادر من هذه الجملة أي قوله: (لَنْ تَرَانِي) هو النفي الابدي الدالّ على عدم تحقُّقها أبداً.

والدليل على ذلك هو تتبّع موارد استعمال كلمة «لن» في الذكر الحكيم، فلا تراها متخلّفة عن ذلك حتى في مورد واحد.

١ ـ قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) (الحج/٧٣).

٢ ـ (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) (التوبة/٨٠).

٣ ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) (محمّد/٣٤).

٤ ـ (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ اسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ

٦٦
لَهُمْ) (المنافقون/٦).

٥ ـ (وَلَنْ تَرَضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (البقرة/١٢٠).

٦ ـ (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِي عَدُوّاً) (التوبة/٨٣).

إلى غير ذلك من الايات الصريحة في أنّ «لن» تفيد التأبيد.

وربّما نوقش في دلالة (لَنْ) على التأبيد مناقشة ناشئة عن عدم الوقوف الصحيح على مقصود النحاة من قولهم «لن» موضوعة للتأبيد، ولتوضيح مرامهم نذكر أمرين ثمّ نعرض المناقشة عليهما.

١ ـ إنّ المراد من التأبيد ليس كونُ المنفي ممتنعاً بالذات، بل كونه غير واقع، وكم فرق بين نفي الوقوع ونفي الامكان، نعم ربّما يكون عدم الوقوع مستنداً إلى الاستحالة الذاتية.

٢ ـ إنّ المراد من التأبيد هو النفي القاطع، وهذا قد يكون غير محدّد بشيء وربّما يكون محدّداً بظرف خاص، فيكون معنى التأبيد بقاء النفي بحالة مادام الظرف باقياً.

إذا عرفت الامرين تقف على وهن ما نقله الرازي عن الواحدي من أنّه قال: ما نُقل عن أهل اللغة إنّ كلمة لن للتأبيد دعوى باطلة، والدليل على فساده قوله تعالى في حقّ اليهود (وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (البقرة/٩٥) قال: وذلك لانّهم يتمنّون الموت يوم القيامة بعد دخولهم النار، قال سبحانه: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف/٧٧) فإنّ المراد من (لِيَقْضِ عَلَيْنَا)

٦٧
هو القضاء بالموت(١) .

ووجه الضعف ما عرفت من أنّ التأبيد على قسمين، غير محدّد ومحدّد باطار خاص، ومن المعلوم أنّ قوله سبحانه (وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ) ناظر إلى التأبيد في الاطار الذي اتّخذه المتكلّم ظرفاً لكلامه وهو الحياة الدنيا، فالمجرمون ما داموا في الحياة الدنيا لا يتمنّون الموت أبداً، لعلمهم بأنّ الله سبحانه بعد موتهم يُقدّمهم للحساب والجزاء، ولاجل ذلك لا يتمنّوه أبداً قطّ.

وأمّا تمنّيهم الموت بعد ورودهم العذاب الاليم فلم يكن داخلاً في مفهوم الاية الاُولى حتى يُعدّ التمنّي مناقضاً للتأبيد.

ومن ذلك يظهر وهن كلام آخر وهو: أنه ربّما يقال: إنّ «لن» لا تدلّ على الدوام والاستمرار بشهادة قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً) إذ لو كانت (لَنْ) تفيد تأبيد النفي لوقع التعارض بينها وبين كلمة (الْيَوْمَ) لانّ اليوم محدّد معيّن، وتأبيد النفي غير محدّد ولا معيّن، ومثله قوله سبحانه على لسان ولد يعقوب: (فَلَنْ أَبْرَحَ الاَْرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) (يوسف/٨٠) حيث حدّد بقاءه في الارض بصدور الاذن من أبيه(٢) .

وجه الوهن: أنّ التأبيد في كلام النحاة ليس مساوياً للمعدوم المطلق، بل المقصود هو النفي القاطع الذي لا يشق، والنفي القاطع الذي لا يكسر ولا يشق على قسمين:

(١) الرازي، مفاتيح الغيب ١٤: ٢٢٧.

(٢) عباس حسن، النحو الوافي ٤: ٢٨١ كما في كتاب رؤية الله للدكتور أحمد بن ناصر.

٦٨
رؤيـــة اللّـــه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل للعلامة الشيخ جعفر السبحاني ص ٦٩ ـ ص ٩٩
٦٩
خُلق عليها، وقد بيّن سبحانه أنه خلق ضعيفاً.

٢ ـ تعليق الرؤية على أمر غير واقع:

علّق سبحانه الرؤية على استقرار الجبل وبقائه على الحالة التي كان عليها عند التجلّي، وعدم تحوّله إلى ذرّات ترابية صغار بعده، والمفروض أنه لم يبقَ على حالته السابقة، وبطلت هويّته، وصارت تراباً مدكوكاً، فإذا انتفى المعلّق عليه (بقاء الجبل على حالته) ينتفي المعلّق، وهذا النوع من التعليق في كلامهم، طريقة معروفة حيث يعلِّقون وجود الشيء على ما يعلم عدم وقوعه وتحقّقه، والله سبحانه بما أنه يعلم أنّ الجبل لا يستقر في مكانه ـ بعد التجلّي ـ فعلّق الرؤية على استقراره، لكي يستدلّ بانتفائه على انتفائه، قال سبحانه: (وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) (الاعراف/٤٠).

والحاصل: أنّ المعلّق عليه هو وجودُ الاستقرار بِغَضّ النظرِ عن كونهِ أمراً ممكناً أو مستحيلاً، والمفروض انّه لا يستقر، فبانتفائه ينتفي ما علّق عليه وهو الرؤية.

وبالامعان فيما ذكر تستغني عن جلّ ما ذكره المتكلّمون من المعتزلة والاشاعرة حول المعلّق عليه(١) .

ولارادة نموذج من كلامهم نأتي بما ذكره الرازي، قال: إنه تعالى علّق رؤيته على أمر جائز، والمعلّق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية

(١) القاضي عبد الجبار، شرح الاُصول الخمسة: ٢٦٥; والشريف الجرجاني، المواقف ٨: ١٢١; والرازي، مفاتيح الغيب ١٤: ٢٣١، ولا حاجة لنقل كلماتهم في المقام.

٧٠
في نفسها جائزة بدليل قوله: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) واستقرار الجبل أمرٌ جائزُ الوجود في نفسه، فثبت أنه تعالى علّق رؤيته على جائز الوجود في نفسه...(١) .

ويلاحظ على كلامه أنّ المعلّق عليه ليس إمكانُ الاستقرار وكونه أمراً ممكناً مقابل كونه أمراً مُحالاً عليه حتى يكون أمراً حاصلاً ويلزم منه وجود المعلّق، أعني الرؤية، مع أنّ المفروض عدمها، بل المعلّق عليه بقاء الجبل على ما كان عليه، إذ لو كان المعلّق عليه امكان الاستقرار يلزم نقض الغرض وتحقّق الرؤية لموسى (عليه السلام) بل المعلّق عليه هو بقاء الجبل على حالته التي كان عليها حين التكلّم، والمفروض أنّه لم يبقَ عليها، بل دُكَّ وصار تراباً مستوياً بالارض، فبانتفاءه انتفى المعلَّق، أعني الرؤية.

٣ ـ تنزيهه سبحانه بعد الافاقة عن الرؤية:

تذكر الاية أن موسى لما أفاق فأوّلُ ما تكلّم به هو تسبيحه سبحانه وتنزيهه وقال: (سُبْحَانَكَ) وذلك لانّ الرؤية لا تنفكّ عن الجهة والجسمية وغيرهما من النقائص، فنزّه سبحانه عنها، فطلبها نوع تصديق لها.

ومن مصاديق التفسير بالرأي ما ربّما يقال: إنّ المراد ـ من التنزيه هنا ـ هو تنزيه الله وتعظيمه واجلاله عن أنْ يتحمّل رؤيته مَنْ كتب عليه

(١) الرازي، مفاتيح الغيب ١٤: ٢٣١.

٧١
الفناء، حتى لا يتعارض مع ما ورد من إثبات الرؤية عن الله ورسوله في دار الاخرة، وليست الرؤية من النقائص على ما يدّعيه نفاتها، فهي ليست نقصاً في المخلوق، بل هي كمال، وكلّ كمال اتّصف به المخلوق وأمكن أنْ يتّصف به الخالق فالخالق أولى(١) .

يلاحظ عليه: بأنه من أين وقف على اختصاص النفي بمن كتب عليه الفناء، مع اطلاق الاية، ولماذا لا يجعل الموضوع لعدم تحمّلها الوجود الامكاني القاصر المحفوظ في كلتا الدارين.

وما ذكره في آخر كلامه من أنّ كلّ كمال اتّصف به المخلوق وأمكن أن يتّصف به الخالق فالخالق أولى به صحيح من حيث الضابطة والقانون، لكنّه باطل من حيث التطبيق على المورد، فإنّ ما يوصف به المخلوق على قسمين: فمنه ما يكون كمالاً له ككونه عالماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً، فالله أولى بأن يوصف به، ومنه ما لا يكون كمالاً له ككونه مرئياً للغير، فلا يوصف به سبحانه، ولو افترضنا كونه كمالاً للاوّل، لكنّه يكون موجباً للنقص في الثاني لاستلزامه التجسيم والتشبيه والجهة والحاجة إلى المكان، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وكان الاولى للكاتب وأشباهه أن لا يخوضوا غمار هذه المسائل التي تحتاج إلى قدر كبير من التفكّر والعناية الخاصّة.

إذا لم تستطع أمراً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع

(١) الدكتور أحمد بن ناصر، رؤية الله تعالى: ٤٧-٤٨.

٧٢

٤ ـ توبته لاجل طلب الرؤية:

إنّ موسى (عليه السلام) بعدما أفاق، أخذ بالتنزيه أولاً والتوبة والانابة إلى ربّه ثانياً، وظاهر الاية أنه تاب من سؤاله، كما أنّ الظاهر من قوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) إنه أوّل المصدّقين بأنه لا يرى بتاتاً.

وللباقلاني أحد دعاة مذهب الامام الاشعري كلاماً في تفسير التوبة، أشبه بالتفسير بالرأي، قال:

يحتمل إنّ موسى تاب لاجل أنه ذكر ذنوباً له قد قدّم التوبة منها، فجدّد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى، أو تاب من ترك استئذانه منه سبحانه في هذه المسألة العظيمة(١) .

لكن كلّ ما ذكره وجوه لا يتحمّلها ظاهر الاية، وإنّما تورّط فيها لاجل دعم المذهب، وهذا هو الذي ندّد به النبيّ الاكرم وقال: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»، ومثله قول الرازي في تفسير قوله: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) بأنه لا يراك أحدٌ في الدنيا، أو أوّل المؤمنين، بأنه لا يجوز السؤال منك إلاّ باذنك(٢) .

* * *

شبهة المخالفين

قد تقدّم أنّ الاية استدلّ بها النافون والمثبتون، وقد تعرّفت على

(١) الباقلاني (ت/٤٠٣)، التمهيد: ٢٧٠-٢٧١.

(٢) الرازي، مفاتيح الغيب ١٤: ٢٣٥ بتلخيص، لاحظ خاتمة المطاف تجد فيها كلمات السلف الصالح في تفسير التوبة.

٧٣
استدلال النافين، وليس استدلال المثبتين للرؤية استدلالاً علمياً، وإنّما يرجع محصّل كلامهم إلى ابداء شبهتين هما:

الشبهة الاُولى: لو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها الكليم (عليه السلام)

إنّ الاية دالة على أنّ موسى (عليه السلام) سأل الرؤية، ولا شكّ أنّ موسى(عليه السلام) يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها علمنا أنّ الرؤية جائزة على الله تعالى(١) .

والاستدلال بطلب موسى إنّما يكون متقناً إذا تبيّن أنه (عليه السلام) طلبها باختيار ومن غير ضغط من قومه، فعندئذ يصلح للتمسّك به ظاهراً، وأنّى للمستدلّ اثبات ذلك، مع انّ القرائن تشهد على أنه سأل الرؤية على لسان قومه حيث كانوا مصرّين على ذلك على وجه يأتي بيانه، وتوضيحه يتوقّف على بيان أُمور:

١ ـ أنه سبحانه ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الرؤية أولاً(٢) .

٢ ـ أنه سبحانه أتْبعها بذكر قصة العجل وما دار بين موسى وأخيه وقومه ثانياً(٣) .

٣ ـ ثمّ نقل اختيار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقاته سبحانه وقال: (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةَ قَالَ

(١) مفاتيح الغيب ١٤: ٢٢٩.

(٢) الاعراف: الاية ١٤٣.

(٣) الاعراف: الايات ١٤٨-١٥٤.

٧٤
رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الاعراف/١٥٥).

والاجابة الحاسمة تتوقّف على توضيح أمر آخر وهو: هل كان سؤال موسى الرؤية مستقلاً عن طلب القوم الرؤية، أم لا صلة له بطلبهم؟ من غير فرق بين القول بوقوع الطلبين في زمان واحد أو زمانين، بل المهم، وجود الصلة بين السؤالين وعدمها، وكون الثاني من توابع السؤال الاوّل.

والظاهر بل المقطوع به هو الاوّل، ويدلّ على ذلك أمران:

الاوّل: سياق الايات ليس دليلاً قطعياً

إنّ ذهاب موسى بقومه إلى الميقات كان قبل تحقُّق قصة العجل، لقوله سبحانه: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتِ فَعَفَوْنَا عَنْ ذلِكَ) (النساء/١٥٣)، فإن تخلل لفظة «ثم» حاك عن تأخّرها عن الذهاب، ومع ذلك كلّه فقد جاء ذكر ذهابهم إلى الميقات في سورة الاعراف بعد ذكر قصة العجل، وهذا لو دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ السياق ليس دليلاً قطعياً لا يجوز مخالفته، فكما جاز تأخير المتقدّم وجوداً في مقام البيان فكذلك يجوز تكرار ما جاء في أثناء القصة في آخره لنكتة سنوافيك بها.

فما نقله الرازي عن بعضهم من أنهم خرجوا إلى الميقات ليتوبوا

٧٥
عن عبادة العجل فقالوا في الميقات: (أَعْطِنَا مَا لَمْ تُعطِهِ أَحَداً قَبْلنَا...)(١) ليس بشيء، وقد عرفت تصريح الاية على تقدّم سؤالهم الرؤية على عبادته.

الثاني: استقلال السؤالين غير معقول

انّ لاحتمال استقلال السؤالين صورتين:

الاُولى: أن يتقدّم موسى بسؤال الله الرؤية لنفسه ثمّ يَحدث ما حدث، من خروره صعقاً وإفاقته وإنابته ثمّ إنّه بعدما سار بقومه إلى الميقات سأله قومه أن يُرِي الله لهم جهرة، فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.

الثانية: عكس الصورة الاُولى، بأن يسير موسى بقومه إلى الميقات ثمّ يسألونه رؤية الله جهرة فيحدث ما حدث ثمّ هو في يوم آخر أو بعد تلك الواقعة يسأل الرؤية لنفسه فيُخاطب بقوله: (لَنْ تَرَانِي وَلكِن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) .

انّ العقل يحكم بامتناع كلتا الصورتين عادة حسب الموازين العادية.

أما الاُولى، فلو كان موسى متقدّماً في السؤال وسمع من الله ما خاطبه به بقوله (لَنْ تَرَانِي) كان عليه أن يذكّر قومه بعواقبِ السؤال، وأنه سألها ربّه ففوجئ بالغشيان، مع أنه لم يذكرهم بشيء مما جرى عليه

(١) الرازي، مفاتيح الغيب ١٤: ٢٣٩.

٧٦
حين طلبهم، ولو ذكّرهم لما سكت عنه الوحي.

أمّا الثانية: فهو كذلك، لانه لو كان قد تقدّم سؤال قومه الرؤية وقد شاهد موسى ما شاهد حيث اعتبر عملهم سفهياً فلا يصحّ في منطق العقل أن يطلب الكليم ذلك لنفسه بعد ذلك مستقلاً.

وكل ذلك يؤكد عدم وجود ميقاتين ولا لقاءين ولا سؤالين مستقلّين، وإنّما كان هناك ميقات واحد ولقاء واحد وسؤالان بينهما ترتّب وصلة، والدافع إلى السؤال الثاني هو نفس الدافع إلى السؤال الاوّل، وعندئذ لا يدلّ سؤال موسى الرؤية على كونها أمراً ممكناً لاندفاعه إلى السؤال من قبل قومه.

وتوضيح ذلك: أنّ الكليم لمّا أخبر قومه بأنّ الله كلّمه وقرّبه وناجاه، قال قومه: لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعتَ، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقاته وسأله سبحانه أن يكلِّمه، فلما كلّم الله وسمع القوم كلامه قالوا: (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً) فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وإلى هذه الواقعة تشير الايات التالية:

١ ـ (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) (البقرة/١٥١).

٢ ـ (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) (البقرة/٥٥).

٣ ـ (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) (النساء/١٥٣).

٧٧
٤ ـ (وَاخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) (الاعراف/١٥٥).

إلى هذه اللحظة الحساسة لم يتكلّم موسى (عليه السلام) حول الرؤية ولم ينبس بها ببنت شفة ولم يطلب شيئاً، وإنّما طلب منه سبحانه أن يحييهم حتى يدفع عن نفسه اعتراض قومه إذا رجع إليهم، وهو القائل: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ) .

فلو كان هناك سؤال فإنّما كان بعد هذه المرحلة وبعد اصابة الصاعقة السائلين، وعودتهم إلى الحياة بدعاء موسى، وعندئذ نتساءل هل يصح للكليم أن يطلب السؤال لنفسه وقد رأى بأُمّ عينيه ما رأى؟ كلا، وكيف يصحّ له أن يسأله وقد وصف السؤال بالسفاهة، فلم يبق هناك إلاّ احتمال آخر، وهو انّه بعدما عاد قومه إلى الحياة أصرّوا على موسى وألحّوا عليه أن يسأل الرؤية لنفسه لا لهم حتى تحلّ رؤيته لله مكان رؤيتهم فيؤمنوا به بعد اخباره بالرؤية(١) ، وهذا هو المعقول والمرتقب من قوم موسى الذين عرفوا بالعناد واللجاج، وبما أنّ موسى لم يُقْدِم على السؤال إلاّ باصرار منهم لكي يسكتهم، لذلك لم يتوجه إلى الكليم أيُّ تَبَعة ولا مؤاخذة، بل خوطب بقوله (لَنْ تَرَانِي وَلكِنْ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ

(١) أو لتستمعوا النصّ باستحالة ذلك من عند الله كما سيوافيك في كلام الزمخشري.

٧٨
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) .

وللامام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) هنا كلام حول سؤال موسى:

قال عليّ بن محمّد بن الجهم: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا عليّ بن موسى (عليهما السلام)، فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أليس من قولك انّ الانبياء معصومون؟ قال: بلى، فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله أن قال له: فما معنى قول الله عزّ وجلّ (وَلَمَّا جَاءَ مُوسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) لا يعلم أنّ الله ـ تعالى ذكره ـ لا تجوز عليه الرؤية حتى يسأله هذا السؤال؟

فقال الرضا (عليه السلام): «إنّ كليم الله موسى بن عمران (عليه السلام) علم أنّ الله تعالى عن أن يُرى بالابصار، ولكنّه لما كلّمه الله عزّ وجلّ وقرّ به نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ الله عزّ وجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف ثمّ اختار منهم سبعمائة ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سينا، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى (عليه السلام) إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه الله تعالى ذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لانّ الله عزّ وجلّ أحدَثَه في الشجرة، ثمّ جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نؤمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلامَ الله حتى نرى الله جهرةً، فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عزّ وجلّ عليهم

٧٩
صاعقةً فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم لانّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة الله إيّاك، فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا: إنّك لو سألت الله أن يريك أن تنظر إليه لاجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته، فقال موسى (عليه السلام): يا قوم إنّ الله لا يُرى بالابصار ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى (عليه السلام): يا ربّ إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جلّ جلاله إليه: يا موسى إسألني ما سألوك فلن أُؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (عليه السلام): (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكِ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلكِنْ أُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ (بآية من آياته) جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) منهم بأنّك لا تُرى».

فقال المأمون: لله درّك يا أبا الحسن، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة(١) .

وللزمخشري في المقام تفسير رائع قال: ما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلاّلاً وتبرأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابدّ، ولن نؤمن حتى نرى الله جهرةً، فأراد

(١) الصدوق، التوحيد: ١٢١ برقم ٢٤ باب ما جاء في الرؤية.

٨٠