×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رؤية اللّه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

٩
رؤية الله في الاحاديث النبويّة

قد تعرّفت على موقف الكتاب من رؤيته سبحانه، وأنه كلّما يذكر الرؤية وسؤالها وطلبها كان يستعظم ذلك ويستفظعه اجمالاً، وعندما يطرحها تفصيلاً يعدّها أمراً محالاً، كما عرفت أنّ ما تمسّك به القائلون بجواز الرؤية من الايات لا يدلّ على ما يدّعون.

بقي الكلام في الروايات الواردة حول الرؤية في الصحاح والمسانيد، ودلالتها على المطلوب واضحة كما ستوافيك، لكن الكلام في حجية الروايات التي تعارض الذكر الحكيم وتباينه، فإذا كان الكتاب العزيز مهيمناً على سائر الكتب فلماذا لا يكون مهيمناً على السنن المرويّة عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، التي دوّنت بعد مضي ٣٤١ سنة من رحيله (صلى الله عليه وآله)ولم تُصَن عن دسّ الاحبار والرهبان، قال سبحانه: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة/٤٨) وقال

١٠١
تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل/٧٦).

ولا يعني ذلك، حذف السنة من الشريعة ورفع شعار حسبنا كتاب الله، بل يعني التأكّد من صحّتها ثمّ التمسّك بها في مقام العمل.

وإليك ما ورد في الصحاح حول الرؤية:

روى البخاري في باب «الصراط جسر جهنّم» بسنده عن أبي هريرة قال: قال أُناس: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «هل تُضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنّكم ترونه يوم القيامة، كذلك يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتّبعه، فيتّبع من كان يعبد الشمس، ويتّبع من كان يعبد القمر، ويتّبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الاُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا فإذا أتانا ربّنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربّنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم...» إلى أن يقول: «ويبقى رجلٌ مُقْبل بوجهه على النار فيقول: يا ربّ قد قَشَبَني ريحها، وأحرقني ذكاوها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو الله فيقول: لعلّك إن أعطيتُك أن تسألني غيره، فيقول: لا وعزّتك لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثمّ يقول بعد ذلك: يا ربّ قرّبني إلى باب الجنّة، فيقول: أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو فيقول: لعلّي إن أعطيتك

١٠٢
ذلك تسألني غيره، فيقول: لا وعزّتك لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق أنْ لا يسأله غيره، فيقرّبه إلى باب الجنّة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثمّ يقول: ربّي أدخلني الجنّة، ثمّ يقول: أوَليسَ قد زعمت أنْ لا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك (الله)، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها...» الحديث(١) .

ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، مع اختلاف يسير(٢) .

ورواه أيضاً عن أبي سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه: «حتى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد الله تعالى من برّ وفاجر أتاهم ربُّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كلّ أُمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنّا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئاً، مرّتين أو ثلاثاً، حتى أنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه، إلاّ أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاءً ورياءً إلاّ جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه...» الحديث(٣) .

وقد نقل الحديث في مواضع من الصحيحين بتلخيص، ورواه أحمد في مسنده(٤) .

(١) البخاري، الصحيح ٨: ١١٧ باب الصراط جسر جهنّم.

(٢) صحيح مسلم ١: ١١٣ باب معرفة طريق الرؤية.

(٣) صحيح مسلم ١: ١١٥ باب معرفة طريق الرؤية.

(٤) مسند أحمد بن حنبل ٢: ٣٦٨.

١٠٣

تحليل الحديث

إنّ هذا الحديث مهما كثرت رواته وتعدّدت نقلته لا يصحّ الركون إليه في منطق الشرع والعقل بوجوه:

١ ـ إنّه خبر واحد لا يفيد شيئاً في باب الاُصول والعقائد، وإن كان مفيداً في باب الفروع والاحكام، إذ المطلوب في الفروع هو الفعل والعمل، وهو أمر ميسور سواء أذعن العامل بكونه مطابقاً للواقع أو لا، بل يكفي قيام الحجّة على لزوم تطبيق العملة عليه، ولكن المطلوب في العقائد هو الاذعان وعقد القلب ونفي الريب والشك عن وجه الشيء، وهو لا يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين، إلاّ إذا بلغ إلى حدّ يورِث العلم والاذعان، وهو غير حاصل بنقل شخص أو شخصين.

٢ ـ إنّ الحديث مخالف للقرآن، حيث يثبت لله صفات الجسم ولوازم الجسمانية كما سيوافيك بيانه عن السيد الجليل شرف الدين (رحمه الله).

٣ ـ ماذا يريد الراوي في قوله: «فيأتي الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربُّكم»؟ فكأنّ لله سبحانه صوراً متعدّدة يعرفون بعضها وينكرون البعض الاخر، وما ندري متى عرفوا التي عرفوها، فهل كان ذلك منهم في الدنيا، أو كان في البرزخ، أم في الاخرة؟

٤ ـ ماذا يريد الراوي من قوله: «فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق،

١٠٤
فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه...»؟ فإنّ معناه أنّ المؤمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه، فكانت هي الاية الدالة عليه.

٥ ـ كفى في ضعف الحديث ما علّق عليه العلاّمة السيد شرف الدين (رحمه الله) حيث قال: إنّ الحديث ظاهر في أنّ لله تعالى جسماً ذا صورة مركبة تعرض عليها الحوادث من التحوّل والتغير، وانّه سبحانه ذو حركة وانتقال، يأتي هذه الاُمّة يوم حشرها، وفيها مؤمنوها ومنافقوها، فيرونه بأجمعهم ماثلاً لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل، فيقول لهم: أنا ربكم، فينكرونه متعوّذين بالله منه، ثمّ يأتيهم مرّة ثانية في الصورة التي يعرفون، فيقول لهم: أنا ربكم، فيقول المؤمنون والمنافقون جميعاً: نعم أنت ربّنا، وإنّما عرفوه بالساق إذ كشف لهم عنها، فكانت هي آيته الدالّة عليه، فيتسنّى حينئذ السجودُ للمؤمنين منهم دون المنافقين، وحين يرفعون رؤوسهم يرون الله ماثلاً فوقهم بصورته التي يعرفون لا يُمارونَ فيه، كما كانوا في الدنيا لا يُمارون في الشمس والقمر، ماثلين فوقهم بجرميهما النيّرين ليس دونهما سحاب، وإذا به بعد هذا يضحك الربّ ويعجب من غير معجب، كما هو يأتي ويذهب، إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان ممّا لا يجوز على الله تعالى، ولا على رسوله، باجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم(١) .

* * *

(١) كلمة حول الرؤية: ٦٥، وهي رسالة قيّمة في تلك المسألة، وقد مشينا في ضوئها، رحم الله مؤلّفها رحمة واسعة.

١٠٥
٢ ـ روى البخاري في كتاب الصلاة، باب مواقيت الصلاة وفضيلتها، عن قيس (ابن أبي حازم) عن جرير قال: كنّا عند النبي (صلى الله عليه وآله)فنظر إلى القمر ليلة ـ يعني البدر ـ فقال: «إنّكم ترون ربّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أنْ لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثمّ قرأ: وسبّح بحمد ربّك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب»(١) .

وحديث قيس بن أبي حازم مع كونه معارضاً للكتاب ضعيف سنداً وإن رواه الشيخان، ويكفي فيه وقوع قيس بن أبي حازم في سنده الذي ترجمه ابن عبد البرّ وقال: قيس بن أبي حازم الاخمسي جاهلي إسلامي لم ير النبي (صلى الله عليه وآله) في عهده وصدق إلى مصدِّقه وهو من كبار التابعين مات سنة ثمان أو سبع وتسعين وكان عثمانياً(٢) .

وقال الذهبي: قيس بن أبي حازم عن أبي بكر وعمر ثقة حجة كاد أنْ يكون صحابياً، وثّقه ابن معين والناس، وقال عليّ بن عبد الله بن يحيى بن سعيد: منكر الحديث ثمّ سمّى له أحاديث استنكرها، وقال يعقوب الدوسي: تكلّم فيه أصحابنا فمنهم من حمل عليه، وقال: له مناكير فالذين أطروه عدّوها غرائب، وقيل: كان يحمل على عليّ (رضي الله عنه)، إلى أن قال: والمشهور أنّه كان يقدّم عثمان، وقال اسماعيل: كان ثَبِتاً، قال:

(١) البخاري، الصحيح ١: ١١١-١١٥ الباب ٢٦و٣٥ من أبواب مواقيت الصلاة ط. مصر; ورواه مسلم في صحيحه، لاحظ صحيح مسلم بشرح النووي ٥: ١٣٦; وغيرهما.

(٢) ابن عبد البر، الاستيعاب ٣ برقم ٢١٢٦.

١٠٦
وقد كبر حتى جاوز المائة وخَرِف(١) .

وقد تقدّم أنّ العدل والتنزيه علويان، كما أنّ الجبر والتشبيه أُمويان، وهل يصحّ في ميزان النصفة الاخذ برواية رجل عثماني الهوى، معرضاً عن الامام علي (عليه السلام)، وعاش حتى خَرِف؟

أو أنّ الواجب ضربها عرض الحائط.

* * *

رؤية الله في روايات أئمة أهل البيت

إنّ أهل البيت أحد الثقلين(٢) ، الذين تركهما النبي بعد رحيله وأمر أنْ يُتمسّك بأقوالهم وأفعالهم، وحينما نراجع ما روي عنهم ودوّنه الاثبات من المحدّثين كالشيخ الصدوق (٦٣٠-٣٨١هـ) في كتاب التوحيد، نجد مرويّاتهم المسندة إلى آبائهم عن عليّ عن النبي، يعارض

(١) الذهبي، ميزان الاعتدال ٣: برقم ٦٩٠٨.

(٢) نقل مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم: قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثمّ قال:

«أمّا بعد: ألا أيّها النّاس، فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ثمّ قال: «وأهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي، أُذكّركم الله في أهل بيتي» هذا لفظ مسلم.

ورواه أيضاً بهذا اللفظ الدارمي في سننه ٢: ٤٣١-٤٣٢ باسناد صحيح، وغيرهما; وفي رواية الترمذي وقع بلفظ «وعترتي أهل بيتي» ففي سنن الترمذي ٥: ٦٦٣ برقم ٣٧٨٨ قال رسول الله (ص): «إنّي تاركٌ فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الاخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما».

١٠٧
ما رواه قيس بن أبي حازم، وإليك نماذج من أحاديثهم:

١ ـ روى الصدوق عن عبد الله بن سنان عن أبيه قال: حضرت أبا جعفر (محمّد الباقر)، (عليه السلام) فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له: يا أبا جعفر أيّ شيء تَعبد؟ قال: «الله»، قال: رأيته؟ قال: «لم تره العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان، لا يُعرف بالقياس، ولا يُدرك بالحواس، ولا يُشبِه بالناس، موصوف بالايات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك الله لا إله إلاّ هو»، قال: فخرج الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته(١) .

٢ ـ روى الصدوق عن أبي الحسن الموصلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: «ويلك ما كنت أعبد رباً لم أره»، وقال: كيف رأيته؟ قال: «ويلك لا تُدركه العيون بمشاهدة الابصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الايمان»(٢) .

٣ ـ أخرج الصدوق عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال: «إنّ الله عظيم، رفيع، لا يقدر العباد على صفته ولا يبلغُون كنهَ عظمته، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار، وهو اللطيف الخبير، ولا يوصف بكيف ولا أين ولا حيث، فكيف أصفه بكيف وهو الذي كيَّف

(١) الصدوق، التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، الحديث ٥، والسائل من الخوارج وهؤلاء كالاماميّة والمعتزلة يذهبون إلى امتناع الرؤية.

(٢) الصدوق، التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، الحديث٦، والسائل أحد أحبار إليهود القائلين بجواز الرؤية.

١٠٨
الكيف حتى صار كيفاً، فعرفت الكيف بما كيف لنا من الكيف، أم كيف أصفهُ بأين وهو الذي أيَّن الاينَ حتى صار أيناً، فعرفت الاينَ بما أيّن لنا من الايْن، أم كيف أصفه بحيث وهو الذي حيّث الحيث حتى صار حيثاً، فعرفت الحيث بما حيّثَ لنا من الحيث، فالله تبارك وتعالى داخل في كلّ مكان، وخارج من كلّ شيء، لا تدركه الابصار، وهو يدرك الابصار لا إله إلاّ هو العليّ العظيم وهو اللطيف الخبير»(١) .

٤ ـ أخرج الصدوق عن ابراهيم بن أبي محمود قال: قال عليّ بن موسى (عليهما السلام) في قول الله عزّ وجلّ (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) : «يعني مشرقة تنتظر ثواب ربّها»(٢) .

* * *

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ

وَهُوَ شَهِيدٌ)

(سورة ق/٣٧)

(١) الصدوق، كتاب التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، الحديث ١٤.

(٢) الصدوق، كتاب التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، الحديث ١٩، وتعرفت على القرينة القطعية التي يرفع بها الابهام عن وجه الاية أعني التقابل فلاحظ.

١٠٩

١٠
الرؤية القلبيّة

كان المرتقب من أئمة الحديث والكلام الاشارة إلى قسم آخر من الرؤية الذي لا يتوقّف على الاعين والابصار، ينالُها الامثل فالامثل من المؤمنين، قال سبحانه: (كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ l لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ l ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِين) (التكاثر/٥-٧)، فمن علم عين اليقين يرى لهيب الجحيم من هذه النشأة لا بعين مادية ولا بصر جسماني، إنّما هي رؤية أخبر عنها الكتاب ولا تتوقف على الجهة والمقابلة ولا التجسيم والمشابهة، وليس المراد من الرؤية في الاية العلمَ القطعي، فإنّ العلم إن كان قطعياً غير الرؤية، قال سبحانه: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) (الانعام/٧٥).

قال العلاّمة الطباطبائي: إنّه تعالى يُثبت في كلامه قسماً من الرؤية والمشاهدة وراء الرؤية البصرية الحسية، وهي نوع شعور في الانسان، يشعر بالشيء بنفسه من غير استعمال آلة حسية أو فكرية، وفي ضوء

١١٠
ذلك إنّ للانسان شعوراً بربّه غير ما يعتقد بوجوده من طريق الفكر واستخدام الدليل، بل يجد وجداناً من غير أن يحجبه عنه حاجب ولا يجرّه إلى الغفلة عنه اشتغاله بنفسه ومعاصيه التي اكتسبها، والذي يتجلّى من كلامه سبحانه إنّ هذا العلم المسمّى بالرؤية واللقاء يتمّ للصالحين من عباد الله يوم القيامة، فهناك مواطن التشرّف بهذا التشريف، وأمّا في هذه الدنيا والانسان مشتغل ببدنه ومنغمر في غمرات حوائجه الطبيعية وهو سالك لطريق اللقاء فهو بعدُ في طريق هذا العلم لم يتم له حتى يلقى ربه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الاِْنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ) (الانشقاق/٦).

فهذا هو العلم الضروري الخاص الذي أثبته الله تعالى لنفسه وسمّاه رؤية ولقاء، ولا يهمّنا البحث عن أنها على نحو الحقيقة أو المجاز، والقرآن أول كاشف عن هذه الحقيقة على هذا الوجه البديع، فالكتب السماوية السابقة على ما بأيدينا ساكتة عن اثبات هذا النوع من العلم بالله وتخلو عن الابحاث المأثورة عن الفلاسفة الباحثين عن هذه المسائل، فإنّ العلم الحضوري عندهم كان منحصراً في علم الشيء بنفسه حتى يكشف عنه في الاسلام، فللقرآن المنّة في تنقيح المعارف الالهية(١) .

هذا التفسير للرؤية القلبية ممّا أفاده أُستاذُنا العلاّمة الطباطبائي(رحمه الله)، ولكن ربّما يفسّر بالعلم القطعي الضروري الذي لا يتردّد

(١) الطباطبائي، الميزان ٨: ٢٥٢-٢٥٣.

١١١
إليه الريب، كما سننقله عن الشيخ الصدوق توضيحاً للروايات الصادرة عن أئمة أهل البيت حول الرؤية القلبية، فإليك ما روى عنهم ـ صلوات الله عليهم ـ:

إنّ في روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تصريحاً بصحّة الرؤية القلبية، واللائح منها زيادة اليقين بظهور عظمته وقدرته، وإليك البيان:

١ ـ أخرج الصدوق عن يعقوب بن اسحاق، قال: كتبت إلى أبي محمّد (الحسن العسكري) (عليه السلام) أسأله كيف يعبد ربّه وهو لا يراه؟ فوقّع(عليه السلام): «يا أبا يوسف جلّ سيدي ومولاي والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يُرى»، قال: وسألته هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربّه؟ فوقّع (عليه السلام): «إنّ الله تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ»(١) .

٢ ـ أخرج الصدوق عن ابن أبي نصر (البزنطي) عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «لما أُسري بي إلى السماء بلغ بي جبرئيل مكاناً لم يطأه جبرئيل قطُّ، فكشف لي فأراني الله عزّ وجلّ من نور عظمته ما أُحب»(٢) . وفي ضوء ذلك فالرؤية القلبية شهود نور عظمته في النشأتين، وهو غير ما نقلناه عن العلاّمة الطباطبائي.

٣ ـ أخرج الصدوق عن عبيد بن زرارة عن أبيه قال: قلت لابي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك الغشية التي كانت تصيب رسول الله إذا نزل عليه الوحي، فقال: «ذاك إذا لم يكن بينه وبين الله أحد، ذاك إذا تجلّى الله له»، قال: ثمّ قال: «تلك النبوّة يا زرارة وأقبل يتخشّع»(٣) .

(١و٢و٣) الصدوق، كتاب التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، الحديث ٢،٤،١٥.

١١٢
٤ ـ أخرج الصدوق عن محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام): هل رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربّه عزّ وجلّ، فقال: «رآه بقلبه، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى) ، أي لم يره بالبصر(١) ولكن رآه بالفؤاد».

٥ ـ أخرج الصدوق عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في جواب سؤال شخص عن رؤية الله يوم القيامة، فقال في ذيل الجواب: «وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عمّا يصفه المشبّهون والملحدون»(٢) .

ثمّ إنّ للمحدّث الاكبر الشيخ الصدوق (٦٣٠-٣٨١هـ) الذي طاف البلاد شرقاً وغرباً وجمع أحاديث الرسول وعترته، كلاماً في الرؤية القلبية، وحكى أنّ محدّثين كبيرين من محدّثي الشيعة كأحمد بن محمّد بن عيسى القمي (المتوفى بعد سنة ٢٨٠هـ) ومحمّد بن أحمد بن يحيى رووها في جامعهما ولكن لم ينقلها في كتاب التوحيد، يقول:

والاخبار التي رُويت في هذا المعنى وأخرجها مشايخنا ـ رضي الله عنهم ـ في مصنّفاتهم عندي صحيحة، وأنا تركت ايرادها في هذا الباب خشيةَ أنْ يقرأها جاهلٌ بمعانيها فيكذب بها فيكفر بالله عزّ وجلّ وهو لا يعلم(٣) .

(١) ما جاء في الرواية أحد الاحتمالات في تفسير الاية، ولكن الظاهر أنّ فاعل «رأى» هو البصر والمرئي آثاره وآياته بشهادة قوله سبحانه بعده (لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)، والرواية تحتاج إلى دراسة، ومحمّد بن الفضيل الراوي للحديث مرمي بالغلوّ كما ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الرضا (عليه السلام)برقم ٣٥ فلاحظ.

(٢و٣) الصدوق، كتاب التوحيد، باب ما جاء في الرؤية، الحديث١٧-٢٠.

١١٣
ثمّ إنّ شيخنا الصدوق فسّر الرؤية القلبية بما يلي:

ومعنى الرؤية الواردة في الاخبار: العلم، وذلك أنّ الدنيا دار شكوك وارتياب وخطرات، فإذا كان يومُ القيامة كُشف للعباد من آيات الله وأُموره في ثوابه وعقابه، ما يزول به الشكوك، وتُعلم حقيقة قدرة الله عزّ وجلّ، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ) (ق/٢٢) فمعنى ما روى في الحديث أنه عزّ وجلّ يرى أي يعلم عِلماً يقينياً كقوله عزّ وجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّل) (الفرقان/٤٥) وقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) (البقرة/٢٥٨) وقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ) (الفيل/١) وأشباه ذلك من رؤية القلب وليست من رؤية العين(١) .

* * *

هذه مسألة رؤية الله، وهذه أقوال الاُمّة فيها، وهذا خلافهم الممتدّ من العصور الاُولى إلى عصرنا هذا، وهي مسألة كلامية اختلفت فيها أنظار الباحثين ولكلٍّ دليله وبرهانه، والنافي للرؤية ينفي لاستلزامها إثبات التجسيم والتشبيه، مضافاً إلى تضافر الايات على نفيها بدلالات مختلفة، والمثبت إنّما يُثبتها اغتراراً ببعض الظواهر والروايات الواردة في الصحاح.

ولكن ليس لكلّ من الطائفتين تكفير الاُخرى، لانّ النافي يستند

(١) الصدوق، كتاب التوحيد: ١٢٠ باب ما جاء في الرؤية.

١١٤
إلى أدلّة مشرقة تقنع كلّ من نظر إليها بلا نظر مسبق، وقول المثبت وإن كان يستلزم الجهة والتجسيم، لكنّه يقول بها مع التبرّي عن تواليها، متحصناً بقوله: «بلا كيف»، فتكون المسألة مسألة كلامية كسائر المسائل الكلامية.

غير أنّ مفتي السعودية عبد العزيز بن باز غالى في الموضوع، وذلك في الفتوى الصادرة في ٨/٠٧٤١ هـ المرقم ٧١٧/٢ جواباً على سؤال وجّهه عبد الله بن عبد الرحمن يتعلّق بجواز الاقتداء والائتمام بمن لا يعتقد بمسألة الرؤية في يوم القيامة، فأفتى: بأن من ينكر رؤية الله سبحانه وتعالى في الاخرة لا يصلّى خلفه، وهو كافر عند أهل السنة والجماعة، وأضاف أنه قد بحث هذا الموضوع مع مفتي الاباضية في عُمان الشيخ أحمد الخليلي، فاعترف بأنّه لا يؤمن برؤية الله في الاخرة، ويعتقد أنّ القرآن مخلوق، واستدلّ لذلك بما ذكره ابن القيم في كتابه «حادي الارواح»: ذكر الطبري وغيره أنه قيل لمالك: إنّ قوماً يزعمون أنّ الله لا يُرى يوم القيامة، فقال مالك (رحمه الله): السيف السيف.

وقال أبو حاتم الرازي: قال أبو صالح كاتب الليث: أملى عليّ عبد العزيز بن سلمة الماجشون رسالة عمّا جحدت الجهمية فقال: لم يزل يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول الله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ l إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) .

وذكر ابن أبي حاتم عن الاوزاعي أنه قال: إنّي لارجو أنْ يحجب الله عزّ وجلّ جهماً وأصحابه عن أفضل ثوابه، الذي وعده أولياءه حين يقول: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ l إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) .

١١٥
إلى أن نُقل عن أحمد بن حنبل وقيل له في رجل يحدّث بحديث عن رجل عن أبي العواطف أنّ الله لا يُرى في الاخرة فقال: لعن الله من يحدّث بهذا الحديث اليوم، ثمّ قال: أَخْزى الله هذا.

وقال أبو بكر المروزي: من زعم أنّ الله لا يُرى في الاخرة فقد كفر، وقال: من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي، والجهمي كافر، وقال ابراهيم بن زياد الصائغ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الرؤيةُ من كذب بها فهو زنديق، وقال: من زعم أنّ الله لا يُرى فقد كفر بالله، وكذّب بالقرآن، وردّ على الله أمره، يستتاب فإن تاب وإلاّ قُتل....

تحليل لهذه الفتيا

١ ـ إنّ هذه الفتوى لا تصدر عمّن يجمع بين الرواية والدراية، وإنّما متفرّعة على القول بأنّ الله مستقرّ على عرشه فوق السماوات، وأنّه ينزل في آخر كلّ ليلة نزول الخطيب من درجات منبره(١) ، وأنّ العرش تحته سبحانه يَئِط أَطيط الرحل تحت الراكب(٢) ، ويفتخر بتلك العقيدة ابن زفيل في قصيدته النونية ويقول:

بل عطّلوا منه السماوات العُلى والعرشُ أخلَوهُ من الرحمان(٣)
ومثل تلك العقيدة تنتج أنّ الله تعالى يُرى كالبدر يوم القيامة،

(١) نقله وسمعه السياح الطائر الصيت ابن بطوطة عن ابن تيمية. لاحظ رحلته: ١١٣ ط دار الكتب العلمية.

(٢) أحمد بن حنبل، السنّة: ٨٠.

(٣) من قصيدة ابن زفيل النونية، والمراد منه هو ابن القيم، لاحظ السيف الصقيل للسبكي.

١١٦
والرؤية لا تنفكّ عن الجهة والمكان، تعالى عن ذلك كلّه.

٢ ـ إنّ النبيّ الاكرم (صلى الله عليه وآله) كان يقبل إسلام من شهد بوحدانيّته سبحانه ورسالة النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يُرَ أنّ النبي الاكرم يأخذ الاقرار بما وراء ذلك، مثل رؤية الله وما شابهه، وهذا هو البخاري يروي في صحيحه أنّ الاسلام بني على خمس، وليس فيه شيء من الاقرار بالرؤية، وهل النبي ترك ما هو مقوّم الايمان والاسلام.

٣ ـ إنّ الرؤية مسألة اجتهادية تضاربت فيها أقوال الباحثين من المتكلّمين والمفسّرين، وكلّ طائفة تمسّكت بلفيف من الايات، فتمسّك المثبتُ بقوله سبحانه: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وتمسّك النافي بقوله سبحانه: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) .

فكيف يكون إنكارُ النافي ردّاً للقرآن، ولا يكون إثبات المثبت ردّاً له؟

فإذا جاز التأويل لطائفة لما يكون مخالفاً لعقيدته، فكيف لا يسوّغ لطائفة أُخرى؟

وليست رؤية الله يوم القيامة من الاُمور الضرورية التي يلازم إنكارها إنكار الرسالة ولا إنكار القرآن، بل كلّ طائفة تقبل برحابة صدر المصدرين الرئيسيين أعني الكتاب والسنّة، ولكن تناقش في دلالتهما على ما تدّعيه الطائفة الاُخرى، أو تناقش سند الرواية وتقول: إنّ القولَ بالرؤية عقيدة موروثة من اليهود والنصارى، أعداء الدين، وقد دسّوا هذه الروايات بين أحاديث المسلمين، فلم يزل مسلمة اليهود

١١٧
والنصارى يتحيّنون الفرص لتفريق كلمة المسلمين وتشويه تعاليم هذا الدين، حتى تذرّعوا بعد وفاة النبي بشتّى الوسائل إلى بذر بذور الفساد، فأدخلوا في الدين الحنيف ما نسجته أوهام الاحبار والرهبان.

٤ ـ إنّ الاعتقاد بشيء من الاُمور من الظواهر الروحيّة لا تنشأ جذوره في النفس إلاّ بعد تحقّق مبادئ ومقدّمات توجد العقيدة، فما معنى قول من يقول في مقابل المنكر للرؤية: السيف السيف، بدل أنْ يقول: الدراسة الدراسة، الحوار الحوار.

أليس شعار «السيف السيف» ينمُّ عن طبيعة عدوانيّة قاسية، ونفسية خالية من الرحمة والسماحة؟ وأنا أجلّ أمام دار الهجرة عن هذه الكلمة.

٥ ـ إنّ مفتي الديار النجدية لم يعتمد إلاّ على نقول وفتاوى ذكرها ابن القيم في كتابه «حادي الارواح إلى بلاد الافراح» دون أنْ يرجع إلى تفسير الايات واحدة واحدة، أو يناقش المسألة في ضوء السنّة.

فما أرخص مهمّة الافتاء ومؤهّلات المفتي في الديار حيث يكتفي في تكفير نصف الاُمّة بالرجوع إلى كتاب ابن القيم فقط.

وفي الختام، أنّ ما نقله عن ابن القيم يعرب عن جهله المطبق في مسألة الرؤية، فإنّ نفي الرؤية شعار أئمة أهل البيت، وشعار الامام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خطبه وكلماته قبل أن يتولّد الجهم وأذنابه، ولاجل ذلك اشتهر: «العدل والتنزيه علويّان، والجبر والتشبيه أُمويّان».

١١٨

الخاتمة

لقد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها، وهي أصفى من أنْ تُكدِّر صفوها الشُبه، ومن قرأ فصول هذا الكتاب بامعان وتأمُّل لوقف على أنّ الحقّ مع النافين للرؤية وأنّه ليس للمثبتين دليل لا عقلي ولا نقلي.

أمّا العقل: فهو مخالف مع القول بالرؤية، فلا يجتمع التنزيه من الجهة مع القول بالرؤية، كما لا تنفكّ الاحاطة بالربّ بعضاً أو كلاًّ عن القول بها.

وأمّا النقل: فليس إلاّ ظهورات بدائية تزول بعد التأمّل.

غير أنّ هناك مطالب متفرّقة لا يجمعها فصل واحد نشير إليها، منفصلة عمّا مضى من البحث:

الاوّل: أنّ أكثر من طرح مسألة الرؤية فإنّما بحث عنها بدافع روحي، وهو إثبات عقيدته والتركيز على نحلة طائفته، ولذلك ربّما انتهى البحث والدراسة عند بعضهم إلى الخروج عن الادب الاسلامي.

وهذا هو العلاّمة الزمخشري يُشبّه أهل الحديث والحنابلة القائلين بالرؤية بما في شعره ويقول:

جَماعةٌ سمُّوا هواهم سنةً وجماعةٌ حمر لعمري مؤكفة
قد شبّهوه بخَلْقِهِ وتخوّفوا شنعَ الورى وتستّروا بالبَلْكَفَة(١)
إنّ ما ذكره في البيت الثاني وإن كان حقّاً فإنّ القول بالرؤية لا ينفكّ عن التجسيم والتشبيه، والقول بأنّه جسم بلا كيف أو أنّه يُرى بلا كيف

(١) الكشاف ١: ٥٧٦ ط مصر، في تفسير قوله: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسى لِمِيقَاتِنَا) .

١١٩
مهزلة لا قيمة لها، لما عرفت من أنّ الكيفيّة محقّقة لمفهوم الرؤية بالبصر، كما أنّها محقّقة لمفهوم اليد والرِجل، فاليد بالمعنى اللغوي بلا كيفية أشبه بأسد لا رأس له ولا بطن ولا ذنب.

ولكن بيته الاوّل لا يناسب أدب الزمخشري الذي تربّى في أحضان الاسلام والمسلمين وخالط القرآن جسمه وروحه.

ولمّا أثار هذا الشعر حفيظة الاشاعرة وأهل الحديث قابلوه بمثل ما قال، فقد قال أحمد بن المنير الاسكندري في حاشيته على الكشّاف باسم الانتصاف:

وجماعة كفروا برؤية ربّهم حقّاً ووَعْدُ الله ما لن يَخلُفُه
وتلقَّبُوا عدليّةً قُلنا أجل عَدَلوا بربّهمُ فحسبُهُم سَفَه
وتلقَّبوا الناجينَ كلاَّ إنّهُم إنْ لم يكونُوا في لَظى فَعَلى شَفَه
إنّ البادي وإن كان أظلم ولكنّهما كليهما خرجا عن مقتضى الادب الاسلامي، فالمسلم مادام له حجّة على عقيدته ولم يكن مقصراً في سلوكها لا يُحكم عليه بشيء من الكفر والفسق ولا العقاب ولا العذاب.

وقد نصره تاج الدين السبكي بقوله:

عجباً لقوم ظالمين تلقّبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفه
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفه
وتلقّبوا عدلية قلنا نعم عدلوا بربّهم فحسبهم سفه(١)
فيا لله ماذا يعني تاجُ الدين السبكي من قوله: تعطيل الذات مع نفي

(١) الالوسي، روح المعاني ٩: ٥٢.

١٢٠