×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

رؤية اللّه في ضوء الكتاب والسنّة والعقل / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

الصفة، فإنّ أحداً من المسلمين لا يعطل الذات عن الوصف بالعلم والقدرة والحياة والسمع، نعم إن عنى من تعطيل الذات نفي وصفه سبحانه بالاوصاف الخبرية بمعانيها اللغوية، كاليد والرجل والنزول ووضع القدم في الجحيم، فإنّ هذا ليس تعطيلاً، بل مرجعه إلى التنزيه مع عدم التعطيل بجعلها كناية عن المعاني الاُخَر، تبعاً لاُسلوب الفصحاء والبلغاء والذكر الحكيم، كلام فصيح وبليغ، ليس فوقه شيء فلا يعدّ مثل ذلك تعطيلاً، نعم، من يحاول وصفه سبحانه بهذه الصفات بمعانيها اللغوية، ويقول: إنّ لله تبارك وتعالى يداً ورجلاً ونزولاً وحركةً بالمعنى الحقيقي ولكن لا تُعرَف كيفيتُها، يحاول الجمع بين المتضادّين، فإنّ مقتضى الحمل على المعاني اللغوية سيادة تلك المعاني على موردها، ومقتضى نفي الكيفية نفي معانيها اللغوية، فكيف يعدّون أنفسهم من المثبتين وأهل التنزيه من المعطلة.

ولا يقاس ذلك بوصفه سبحانه بالعلم والقدرة مع عدم العلم بالكيفية، لانّ الكيفية فيهما ليست مقوّمة لواقعهما، فالعلم بمعنى انكشاف الواقع، وأما كونه عَرَضاً أو جوهراً حالاًّ أو محلاًّ فليست مقومة لمفهومه حتى يرجع نفي الكيفية إلى نفي واقع العلم، وهذا بخلاف اليد، فإنّها بلا كيفية ليست يداً لغة.

وأظنّ أنّه لو انعقد مؤتمر علمي في جوٍّ هادئ واستعدّت الطائفتان للتأمُّل في براهين النافين والمثبتين لقلّ الخلاف وتقاربت الطائفتان.

نعم، إنّ خلافاً دام قروناً لا ينتهي بأُسبوع أو شهر أو بعقد مؤتمر

١٢١
أو مؤتمرين ولكن الرجاء تقريب الخطى وعدم تكفير إحدى الطائفتين للطائفة الاُخرى.

أوَليس الاولى لنا ألاّ نُقسّم رحمة ربّنا وعذابه وجحيمه بيننا كما قسّمه الاسكندري في تعليقته على الكشّاف، ونتركه إلى الله سبحانه فهو أعلم بمن هو في لظى أو شفه منه، أو قريب من الجنّة: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف/٣٢).

* * *

الثاني: إنّ أكثر الباحثين في الرؤية يبحثون في مفهوم الرؤية لغةً، ويحشدون كلمات أهل اللغة من القدامى والجدد، كما أنّهم يبحثون في واقع الرؤية علمياً، وهل هي بسقوط الشعاع من العين على الاشياء أو بالعكس، مع أنّا في غنى عن هذه المباحث، إذْ ليس البحث في المقام عن لغة الرؤية ولا في واقعها العلمي، وإنّما البحث في أمر اختلفت فيه كلمة الاُمّة، ألا وهو رؤية الله تعالى بالعين الاخرة، وليس البحث في هذا الاطار متوقفاً على دراسة مفهوم الرؤية وواقعها، وليس مفهومها أمراً مبهماً حتى نستمدّ في تفسيرها من كتب اللغة.

وإن شئت قلت: إنّ البحث كلامي مركّز على إمكان رؤية الله بالعين في الاخرة وعدمه.

نعم، من أراد الاستدلال على الجواز ببعض الاحاديث الماضية من أنّكم سترون ربّكم يوم القيامة... وشككنا في معنى الرؤية، كان

١٢٢
البحث عن مفهومها أمراً صحيحاً، وقد سبق منّا أنّ محلّ النزاع هو إمكان الرؤية بالعين التي نرى بها الاشياء في الدنيا، وأمّا الرؤية بحاسّة خامسة أو بالقلب أو بالرؤيا فليس مطروحاً في المقام، ولذلك استغنينا عن نقل كلمات أصحاب المعاجم كالعين للخليل، والجمهرة لابن دُريد، والمقاييس لابن فارس، واللسان لابن منظور، والقاموس للفيروز آبادي وغيرهم.

* * *

الثالث: لقد أخذنا على عاتقنا التمسّك بالادب الاسلامي في الدراسة والتحليل، ولكن ربّ حديث يسمعه الانسان من آخر ربّما يجرُّه إلى القسوة أو التجرؤ على المقابل، وبدوري لما كنت أتفحّص الكتب والتفاسير حولَ المسألة رأيت أُموراً من بعض المثبتين أشبه بالمهزلة، مع أنّ القائل يُعدّ من المفسّرين الكبار ويُكال له بصاع كبير، وإن كنت في ريب ممّا قلنا فاستمع إلى قول الالوسي:

قال: روى الدار قطني وغيره عن أنس من قوله (صلى الله عليه وآله): «رأيت ربّي في أحسن صورة»، ومن الناس من حملها على الرؤية المنامية، وإذا صحّ هذا الحمل فأنا ولله الحمد قد رأيتُ ربّي مناماً ثلاث مرّات، وكانت المرّة الثالثة عام ٤٦١٢هـ رأيته جلّ شأنه وله من النور ما له متوجّهاً جهة المشرق وكلّمني بكلمات أنسيتُها حين استيقظت، ورأيت مرّة في منام طويل كأنّي في الجنّة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى (عليه السلام) ثمّ إلى مقام

١٢٣
محمّد (صلى الله عليه وآله) فذهب بي إليها فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنّة(١) .

نحن لا نعلّق على كلامه بشيء سوى أنّها إمّا كانت أضغاث أحلام ليس لها شيء من الحقيقة ولا شيء من الواقع، أو أنّها كانت صور تفكير الرجل في يومه ونهاره حول تلك المسألة العقائدية فانعكس ما هو مخزون في نفسه على صفحات ذهنه في المنام.

أما آنَ للواعين من الاُمّة أن يُنزّهوا كتبهم من هذه الخرافات حتى لا يتّخذها المادّي الغاشم ذريعة للسخرية والتهكّم على الدين وأهله.

* * *

الرابع: إنّ النافين للرؤية يركّزون على الروايات المثبتة حسب ادّعائهم، ولكنّهم لا يركّزون على الروايات النافية، فإنّ هذه الروايات من غير فرق بين المثبتة والنافية وإن كانت روايات آحاد لا تفيد علماً في مجال العقائد، ولكن مقتضى الانصاف الاستدلال بالرواية المخالفة أيضاً، وإليك بعض ما ورد في هذا المضمار:

١ ـ روى البخاري في تفسير قوله (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) عن عبد الله بن قيس أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «جنّتان من فضّة آنيتهما وجنّتان من ذهب آنيتهما وما فيها وما بين القوم وبين أن ينظروا إلاّ رداء الكبرياء على وجهه في جنّة عدن»(٢) .

٢ ـ روى مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله (ص): هل رأيت

(١) الالوسي، روح المعاني ٩: ٥٢.

(٢) البخاري، الصحيح ٦: ١٤٥ تفسير سورة الرحمن (رقمها ٥٥).

١٢٤
ربّك؟ قال: «نور أنا أراه؟»(١) .

ودلالة الحديث على إنكار الرؤية واضحة، فإنّ الرسول ينكر الرؤية بأنّه سبحانه ليس نوراً حتى أراه.

نعم، رواه مسلم بصورة أُخرى أيضاً، روى عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لابي ذر: لو رأيت رسول الله (ص) لسألته، فقال: عن أيّ شيء كنت تسأله؟ قال: كنتُ أسأله هل رأيت ربّك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: «رأيتُ نوراً»(٢) .

ولعلّ المراد ما رأيت سبحانه وإنّما رأيت حجابه كما في الحديث التالي:

٣ ـ روى مسلم عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله (ص) بخمس كلمات فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفّض القسط ويرفعه، يُرفعُ إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل، حجابه النور».

وفي رواية أبي بكر... النار لو كشفها لاَحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه(٣) .

٤ ـ روى الطبري في تفسير قوله سبحانه حاكياً على لسان موسى عن ابن عباس قال: يقول: إنّا أوّل من يؤمن أنّه لا يراك شيء من خلقك(٤) .

(١) مسلم، الصحيح ١: ١١١ كتاب الايمان.

(٢و٢) مسلم، الصحيح ١: ١١١ كتاب الايمان.

(٤) الطبري، التفسير ٩: ٣٩ (المجلّد السادس).

١٢٥
نعم، من لا يروقه قول ابن عباس من الرواة، نقله وذيّله بقوله: يعني في الدنيا، وهذا تأويل للرواية منه.

٥ ـ روى الطبري في تفسير قوله (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ) عن قتادة أنّه قال: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ...) وهو أعظم من أن تدركه الابصار(١) .

٦ ـ روى مسروق قال: قلت لعائشة: يا أُمّ المؤمنين هل رأى محمّد ربّه، فقالت: سبحان الله لقد وقف شعري ممّا قلت، ثمّ قرأت (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(٢) .

٧ ـ روى الشعبي قال: قالت عائشة: من قال: إنّ أحداً رأى ربّه فقد أعظم الفِرية على الله، قال الله: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ)(٣) .

وأضاف الطبري وقال: قال قائل هذه المقالة معنى الادراك في هذا الموضع هو الرؤية، وأنكروا أن يكون الله ليُرى بالابصار في الدنيا والاخرة(٤) .

ويظهر من الطبري أنّ القائلين بالرؤية حاولوا منذ زمن قديم تأويل لفظ الادراك في الاية بالاحاطة.

فقد نُقل عن عطية العوفي أنّهم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارُهم به من عظمته، وبصره يحيط بهم فذلك قوله (لاَ تُدْرِكُهُ

(١و٢) الطبري، التفسير ٧: ٢٠٠ (المجلد الخامس).

(٣و٤و٥) الطبري، التفسير ٧: ١٩٠ (المجلد الخامس).

١٢٦
الاَْبْصَارُ)(١) .

وأنا أجلّ عطية العوفي تلميذ ابن عباس وجابر بن عبد الله الانصاري عن هذا التفسير الذي لا يوجد له أصل في اللغة، وهذه هي الكلمة الدارجة بين أهل الرجال في أصحاب الرسول، يقولون: أدركَ رسول الله أو لم يُدركه، فلا يُراد من الاوّل أنّه واكب حياته منذ بعثتهِ حتى رحيله، بل يراد منه أنّه رآه مرّة أو مرّتين، أو أياماً قلائل، وربّما يقال: إنّه أدرك رسول الله وهو صبيّ فيعدّونه من الصحابة.

* * *

الخامس: إنّ للامام عبده وتلميذه صاحب المنار كلمات حول الرؤية، قد حاولا بإخلاص جمع كلمة المسلمين في هذه المسألة، فمن أراد فليرجع إلى تفسيره(٢) ، وله كلام في تفسير قوله (صلى الله عليه وآله): «لو كشفه لاَحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»، قال: والمعنى أنّ النور العظيم هو الحجاب الذي يحول بينه وبين خلقه وهو بقوّته وعظمته ملتهب كالنار، ولذلك رأى موسى (عليه السلام) عند ابتداء الوحي ناراً في شجرة توجه همّهُ كله إليها، فنودي الوحيُ من ورائها، وفي التوراة أنّ الجبل كان في وقت تكليم الربّ لموسى (عليه السلام) وايتائه الالواح مغطّى بالسحاب.

ورأى النبي الخاتم الاعظم (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج نوراً من غير نار، وربّما كان هذا أعلى، ولكنّه كان حجاباً دون الرؤية أيضاً، فقد سأله

(٢) الامام عبده، المنار ٩: ١٤٠ وما بعدها.

١٢٧
أبو ذر (رضي الله عنه) وقال: هل رأيت ربك؟ فقال: «نوره، إنّي أراه؟» وفي رواية أُخرى: «رأيت نوراً» ومعناهما معاً رأيت نوراً منعني من رؤيته، لا أنّه تعالى نور، وأنّه لذلك لا يرى، وهذا يتلاقى ويتّفق مع قوله «حجابه نور» ولذلك جعلنا أحاديث النور شاهداً واحداً في موضوعنا، وهي تدلّ على عدم رؤية ذات الله عزّ وجلّ وامتناعها(١) .

السادس: إنّ القائلين بالرؤية على فرقتين: فرقة تعتمد على الادلّة العقلية دون السمعية، وفرقة أُخرى على العكس.

فمن الاُولى سيف الدين الامدي (١٥٥-٣١٦) يقول: لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعيّة، وهي ممّا يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يذكر إلاّ على سبيل التقريب(٢) .

ومن الثانية، الرازي في غير واحد من كتبه فقال: إنّ العمدة في جواز الرؤية ووقوعها هو السمع، وعليه الشهرستاني في نهاية الاقدام(٣) .

والحقّ أنّ من حاول اثبات الرؤية بالدليل العقلي فقد حرم عن نيل مرامه، فإنّ الادلّة العقلية التي أقامتها الاشاعرة في غاية الوهن، فإنّهم استدلّوا على الجواز بوجهين: أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي وأنّه لا

(١) الامام عبده، المنار ٩: ١٩٠.

(٢) الامدي، غاية المرام في علم الكلام: ١٧٤.

(٣) الرازي، معالم الدين: ٦٧; والاربعون: ١٩٨; والمحصل: ١٣٨; الشهرستاني، نهاية الاقدام: ٣٦٩.

١٢٨
يترتّب على القول بالرؤية شيء محال، والاخر يرجع إلى الجانب الايجابي وهو أنّ مصحّح الرؤية في الاشياء هو الوجود، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق(١) .

أظنّ أنّ كلّ من له أدنى معرفة بالمسائل العقلية يدرك ضعف الاستدلال، إذ كيف لا يترتّب على الرؤية بالعين تشبيه وتجسيم، مع أنّ الرؤية بالمعنى الحقيقي لا تنفكّ عن الجهة للمرئي، مضافاً إلى أنّ واقع الرؤية عبارة عن انعكاس الاشعة على الاشياء، فاثبات الرؤية بلا هذه اللوازم نفي لموضوعها، وأوضح ضعفاً ما ذكره من أنّ المجوِّز للرؤية هو الوجود، وهو مشترك بين الواجب والممكن، إذ المجوّز ليس الوجود بلا قيد، بشهادة أنّ النفسيّات كالحسد والبخل والعشق والفرح لا تُرى بالعين، ورؤيتها بغيرها كحضورها عند النفس خارج عن محطّ البحث، بل المصحّح هو الوجود الواقع في إطار الجهة وطرفاً للاضافة بين العين وطرفاً للاضافة بين البصر والمبصر، ومثل ذلك يساوي الوجود الامكاني المادي.

ولضعف هذا النوع من الاستدلال نرى أنّ الشريف الجرجاني بعدما أطال البحث حول البرهان العقلي قال: إنّ التعويل في هذه المسألة على الدليل العقلي متعذّر، فلنذهب إلى ما ذهب إليه الشيخ أبو منصور الماتريدي من التمسّك بالظواهر النقلية(٢) .

* * *

(١) الامام الاشعري، اللمع: ٦١-٦٢.

(٢) الشريف الجرجاني، شرح المواقف ٨: ١٢٩.

١٢٩
السابع: إنّ المنكرين للرؤية يفسّرون قوله سبحانه: (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) بالانتظار، وكلامهم حقّ في الجملة، لكنّ أغلب من يذكر هذا التفسير لا يفرّق بين المعنى بالمراد الاستعمالي والمعنى بالمراد الجدّي.

وقد عرفت أنّ المعنى بالمراد الاستعمالي غير المعنى بالمراد الجدّي، فقد أُريد من الجملة حسب الاستعمال الرؤية وأُريد منها الانتظار جدّاً، فمثلاً تقول: إنّي أنظر إلى الله ثمّ إليك، فالمعنى الابتدائي هو الرؤية، ولكن المعنى الجدّي هو الانتظار.

وهناك خلط آخر في كلامهم، حيث لا يفرّقون بين النظر المستعمل المتعدّي بـ «إلى» والمتعدّي بنفسه، فلذلك يستدلّون على أنّ الناظر في الاية بمعنى الانتظار بقوله تعالى: (مَا يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً) (يس/٤٩) وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ) (الاعراف/٥٣) وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمَامِ) (البقرة/٢١٠) مع انّ الاستشهاد في غير محلّه، لانّ كون اللفظة بمعنى الانتظار فيما إذا تعدّت بنفسها غير منكر، وإنّما البحث فيما إذا كانت متعدية بـ «إلى»، فعلى ذلك يجب التركيز في اثبات كونها بمعنى الانتظار على الايات والاشعار التي استعملت وتعدّت بـ «إلى» وأُريد بها الانتظار.

* * *

الثامن: يقع بعض السَطَحيين في تفسير المقطع الاوّل من آيات سورة «النجم» (١-١٨) في خطأين: خطأ في إثبات الجهة لله سبحانه، وخطأ في إثبات الرؤية للنبي، وإليك الايات، ثمّ الاشارة إلى

١٣٠
مواضع الاشتباه، أعني قوله سبحانه:

(وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّة فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالاُْفُقِ الاَْعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى * أَفَتَُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (النجم/١-١٨).

إنّ الجمل التالية: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) إلى قوله: (فَأَوْحى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) يؤكّد على شدّة اقتراب النبي من جبرئيل، أي على بُعد ما بين القوسين أو أدنى، وهو تعبير عن منتهى القرب.

والضمائر كلُّها إلاّ المجرور في (إِلَى عَبْدِهِ) يرجع إلى جبرئيل الذي كُني عنه بشديد القوى، وأين هو من قربه (صلى الله عليه وآله)منه سبحانه.

ومن التفسير الخاطئ هو إرجاع الضمير في قولنا ثمّ دنا فتدلّى إلى النبي، وتفسير الاية بقرب النبي من الله على أقرب ما يمكن، وبالتالي تصوّر أنّ لله جهةً وقرباً وبعداً، وبذلك يتّضح خطأ مَنْ فسّر الاية على نحو أثبت لله جهة وقرباً.

* * *

إنّ المرئي في قوله: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأى) حسب الايات المتقدّمة هو الاُفق الاعلى، والدنوّ والتدلّي والوحي، وحسب الاية اللاّحقة هو آيات الربّ حيث قال: (لَقَدْ رَأى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)

١٣١
ومن تلك الايات هو جبرئيل الذي هو شديد القوى، وأين الاية من الدلالة على رؤية النبي ربّه.

ومن التفسير الخاطئ جعل المرئي في قوله: (مَا رَأى) هو الربّ، ومن حسن الحظّ أنّ السنّة أيضاً تفسّر الاية برؤية جبرئيل.

عن مسروق قال: كنت متّكئاً عند عائشة فقالت: يا أبا عائشة ثلاث من تكلّم بواحدة منهنّ فقد أعظم على الله الفِرية، قلت: ما هُنّ؟ قالت: من زعم أنّ محمّداً (ص) رأى ربّه فقد أعظم على الله الفرية، قال: وكنت متّكئاً فجلست، فقلت: يا أُمّ المؤمنين أنظريني ولا تعجليني! ألم يقل الله عزّ وجلّ: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالاُْفُقِ الْمُبِينِ) و (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى) ؟ فقالت: أنا أوّل هذه الاُمّة سأل عن ذلك رسول الله (ص) فقال: «إنّما هو جبرئيل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرّتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الارض»، فقالت: أوَلَمْ تسمع أنّ الله يقول: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ؟ أوَلم تسمع أنّ الله يقول: (وَمَا كَانَ لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب أَوْ يُرْسِل رَسُولاً فَيُوحِي بِإذْنهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) ؟ قالت: ومن زعم أنّ رسول الله (ص) كتم شيئاً من كتاب الله فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) قالت: ومن زعم أنّه يُخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية والله يقول: (قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَالاَْرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهَ)(١) .

* * *

(١) النووي، شرح صحيح مسلم ٣: ٨.

١٣٢
التاسع: إنّ للشيخ الجصّاص الحنفي (م/٣٧٠) كلاماً رائعاً في تفسير قوله سبحانه: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارَ) وقد فسّر الروايات الدالّة على الرؤية بالعلم الضروري الذي لا يشوبه شبهة ولا تُعرض فيه الشكوك، ولاجل ايقاف القارئ على كلام ذلك المفسّر الكبير الذي هو من السلف الصالح نذكر نصّ كلامه:

قوله تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَْبْصَارَ) يقال: إنّ الادراك أصله اللحوق، نحو قولك: أدرك زمان المنصور، وأدرك أبا حنيفة، وأدرك الطعام، أي لحق حال النُضْج، وأدرك الزرع والثمرة، وأدرك الغلامُ إذا لحق حال الرجال، وإدراك البصر للشيء لحوقه له برؤيته إيّاه، لانّه لا خلاف بين أهل اللغة إنْ قال القائل أدركت ببصري شخصاً معناه: رأيته ببصري، ولا يجوز أن يكون الادراك الاحاطة، لانّ البيت محيط بما فيه وليس مدركاً له، فقوله تعالى: (لاَ تُدْرِكُهُ الاَْبْصَارُ) معناه: لا تراه الابصار، وهذا بمدح ينفي رؤية الابصار كقوله تعالى: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) وما تمدح الله بنفيه عن نفسه فإنّ إثبات ضدّه ذَمّ ونَقْص فغير جائز إثبات نقيضه بحال، كما لو بطل استحقاق الصِفة بلا تأخذه سِنَة ولا نوم لم يبطل إلاّ إلى صفة نقص، فلمّا تمدح بنفي رؤية البصر عنه لم يجز إثبات ضدّه ونقيضه بحال، إذكان فيه

١٣٣