×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

زوجات النبي (ص) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
كتاب زوجات النبي (ص) لـ سعيد أيوب (ص ١ - ص ٢٦)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

المقدمة

الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على محمد وآله صلى الله عليه وآله وسلم. النبي الأمي الذي أرسله الله شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

وبعد:

لا شك في أن ما يختزنه الماضي من أحداث جرت على امتداد المسيرة البشرية. قد تعرض لأمور وضعت الباحث عن الحقيقة في دائرة مضنية شاقة. وفي جميع الأحوال كان الباحث يصل إلى نقاط بحثه بمراكب العسر لا اليسر. وكانت الحقائق تظهر إما مختصرة ويقام بها حجة. وإما بها التباس لا ينسجم مع الفطرة ويتطلب بحثها جهداً جديداً.

وإما مشوهة يراد بها فتنة، ويعود ذلك لعدم الأمانة في النقل أو لسوء الحفظ أو لعدم الدقة في النسخ وتخزين المادة، وعلى امتداد المسيرة جمع السلف ودون الخلف وبحث الباحثون. وشاء الله تعالى في عصرنا الحاضر أن تتسع دائرة المعارف وأن تتراكم المعلومات تحت سقف الفهرسة والتخريج والبرامج. ليقف أصحاب العقول على الحقائق التي في بطون الماضي. وتقام الحجة ويحمل أولو الألباب مشاعل الفطرة التي تسوق الناس إلى صراط الله العزيز الحميد.

ومن العجيب أنه في ظل تدفق المعلومات، غير أن أجهزة ومؤسسات الصد عن سبيل الله ما زالت تقف في ظلمات الماضي، متاجرة

٦
بما فيه التباس بين الحق وبين الباطل، أو بما يراد من ورائه تشويه الدين الحق. والأعجب من ذلك إنهم على هذه الحال يدعون أنهم دعاة حقوق الإنسان وأصحاب التنوير والعصرية. إلى غير ذلك من الأسماء التي تتلحف بلحاف الزينة الشيطانية. وتسير بين الناس بعجلات الإغواء. رغبة في الحفاظ على مكاسب طريق الانحراف والفتن. والتي جمعوها على امتداد المسيرة من مستنقعات الوحل والدنس والعار.

إن المد الإسلامي في عصرنا الحاضر يعرض المعارف التي تنسجم مع الفطرة وتحترم العقل وتسوق الناس إلى الصراط المستقيم. الذي يحقق لسالكه سعادة الدنيا والآخرة. وأمام هذا المد خرجت جحافل الليل المغبر بحملات ضد الإسلام، الهدف من ورائها إعاقة العجلة الإسلامية، وهذه الحملات قام بها بعض من ينتسبون إلى الإسلام الذين وصفتهم الأحاديث الشريفة بأن ألسنتهم ألسنة العرب وسننهم سنن الذين من قبلهم من أهل الكتاب، أو إن ألسنتهم ألسنة العرب وقلوبهم قلوب العجم، كما شارك في هذه الحملات المتخصصون من أهل الكتاب، وحملت أجهزة الفاكس وصناديق البريد رسائل هؤلاء وهؤلاء، يدعون فيها إن الإسلام دين السيف ولا يعتمد الكلمة في دعوته، وهذا الادعاء يذهب هباء أمام أيسر تحقيق يقوم به أقل المسلمين شأناً، وادعوا أن تخلف المسلمين وفساد معاشهم وأخلاقهم يعود إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم، وقالوا لو كان الإسلام ديناً واقعياً وكانت القوانين الموضوعة فيه جيدة متضمنة لصلاح الناس وسعادتهم، لأثرت فيهم الآثار الجميلة.

ولا يختلف أصحاب البصائر والأفهام على إن الدين طريقة خاصة في الحياة تؤمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي وأن ينبوع دين الله فطرة الإنسان نفسه. والدين الخاتم طريقة اجتماعية تلازم الفطرة. وهذه الطريقة جعلها الله تعالى على عاتق الناس. ليتميز أهل الحق وأهل

٧
الباطل. فمن سلك طريق الدين نجا ومن لم يستقم سقط وهلك، وأجهزة ومؤسسات الصد عن سبيل الله خلطوا بين القوانين الدينية وبين حركة الناس تحت سقف الامتحان والابتلاء الإلهي، ولم يروا تحت هذا السقف إلا الذين فسدت أخلاقهم.

ولما كان ادعاؤهم إن القوانين الإسلامية لم تقو على إصلاح الناس ومحق الرذائل، إدعاء لا أساس له على مائدة الفطرة والبحث العلمي، قلنا إن نسأل: لماذا لم تصلح قوانين الغرب الناس هناك؟ وما القول في الديمقراطية وغيرها؟ التي تاجرت بكل شذوذ وانحراف وانتهت إلى دوائر الأيدز والمخدرات والانحلال ورفعت أعلام الفساد في الأرض ورايات التجويع والتخويف، ولماذا لم تصلح القوانين الاشتراكية أصحابها؟ وما القول في تفتت الدول الشيوعية وذهاب هيبتها، والجميع في الشرق والغرب عاشوا طويلاً تحت وهم إن قوانينهم من أحكم القوانين وأعظمها.

إن الانحطاط الذي نراه على رقعة العالم الإسلامي، جذوره مغروسة في قوانين الشرق والغرب، ولا علاقة لقوانين الدين الإسلامي به، إن جحافل الليل المغبر لا تتاجر في الحقيقة إلا بما صنعوا ولا يرفعون إلا أعلام دائهم، ولقد ادعوا أيضاً إن رسول الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم لم يقنع بما شرعه لأمته من زواج أربع نسوة، حتى تعدى إلى أكثر من عشرة نسوة، وقالوا إن تعدد الزوجات لا يخلو من الانقياد لداعي الشهوة، وهذا قول سقيم وتفكير غير مستقيم، ونحن في هذا الكتاب سنلقي بعض الضوء على تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحكمة التي من ورائه، كما نقدم نبذة من تراجم أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ومن خلال سيرتهن سنلقي ضوءا على حركة الدعوة الإسلامية، ونرجو من وراء ذلك أن يرى الباحث المتعمق المنصف أن الزواج لم يكن لداعي الشهوة كما قالت أجهزة ومؤسسات الصد، وإنما كان جزءا لا يتجزأ من حركة

٨
الدعوة وهي تقيم حجتها على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأسأل الله تعالى السداد والرشاد فإنه خير معين وهاد.

تأملات في حكمة تشريع الزواج من أربع نساء

من السنن الجارية في غالب الأمم القديمة اتخاذ الزوجات المتعددة. فهذا التعدد كان سنة جارية في الهند والصين والفرس ومصر.

وكان الروم واليونان ربما يضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدنا يصاحبونها. ومما لا شك فيه إن بعض الأمم كاليهود والعرب كان الرجل منهم ربما تزوج العشرة والعشرين وأزيد. ولقد ذكرت التوراة الحاضرة إن سليمان الملك تزوج مئات من النساء من قبائل وشعوب كثيرة. موآبية وعمونية وادومية وصيدونية وحيثيه ومصرية إلى غير ذلك (١) ولقد جرت سنة اتخاذ الزوجات في الأمم القديمة لحاجة رب البيت إلى الجمع وكثرة الأعضاء، وكان يقصد بهذه الرغبة في التكاثر. أن يهون له أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشته. وليكون ذلك وسيلة يتوسل بها إلى الترؤس والسؤدد في قومه. فبقدر التكاثر في البنين والتكاثر في الأقرباء بالمصاهرة يكون القرب بين بسط اليد والترؤس والسؤدد.

وعندما بعث النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم وجاء بالدين الفطري. قام الإسلام بتنظيم جميع نواحي الحياة الإنسانية. ولما كان المجتمع العائلي: الذي هو نفس الحياة الزوجية قاعدة للمجتمع. فإن الإسلام نظر إلى علاقة الرجل بالمرأة ووضع أمر الازدواج موضعه الطبيعي. فأحل النكاح وحرم الزنا والسفاح. وأقام الإسلام نظاماً للتربية يقوم على الرأفة والرحمة والعفة والحياء والتواضع، وبالجملة: نظم الإسلام الحياة من القاعدة إلى جميع نواحي الحياة الإنسانية. وجعل جميع

(١) سفر الملوك الأول ١١ / ١ - ٨.
٩
الحياة ذات أدب، وبسط الإسلام على معارفه رداء التوحيد لأن التوحيد هو العامل الوحيد الذي يحرس الأخلاق الفاضلة ويحفظها في ثباتها ودوامها، وما تهددت الإنسانية بالسقوط والانهدام إلا بابتعادها عن التربية الحقة. فهذا الابتعاد أبطل فضيلة التقوى وأرسى قواعد القسوة والشدة.

ولازم ذلك ابتعاد العلوم المفيدة واقتراب النواقص التي تحيط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة، ومما لا شك فيه إن المعارف الحقة والعلوم المفيدة التي تسوق الإنسان إلى صراط الله المستقيم. لا تكون في متناول البشر إلا عندما تصلح أخلاقه. ولا تصلح الأخلاق إلا بالتربية التي يقوم عمودها الفقري على التوحيد.

ولما كان تعدد الزوجات سنة جارية على امتداد المسيرة البشرية.

فإن الإسلام شرع التعدد وجعل له ضوابط وشروط. والإسلام لم يشرع تعدد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كل رجل. وإنما نظر في طبيعة الأفراد وما ربما يعرضهم من العوارض الحادثة، فالتعدد له أسبابه وتشريعه حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني.

ولقد اعتنى الدين في تهذيبه للأخلاق أن لا تختزن الشهوة في الرجل أو المرأة لأن ذلك يدعو إلى التعدي إلى الفجور والفحشاء. فوضع الإسلام الضوابط التي معها يرتفع هذا الحرمان ومنها الصوم أو الزواج.

ونظراً لأن المرأة الواحدة ربما اعتذرت فيما يقرب من ثلث أوقات المعاشرة والمصاحبة. كأيام العادة وبعض أيام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك. رفع الإسلام الحاجة الغريزية بالتعدد وفقاً لشروطه. ولم يقصد من وراء التعدد رفع الحاجة الغريزية فحسب. وإنما اعتمدت الشريعة في مقاصدها تكثير نسل المسلمين وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم. عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد.

وكما ذكرنا إن التعدد لم يشرع على نحو الإيجاب والفرض على كل

١٠
رجل. وإنما تقوم قاعدته على العدل. فالإسلام استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها. وعلى هذه الخلفية أباح التعدد حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني. وقيد التعدد بما يرتفع معه جميع هذه المفاسد وهو وثوق الرجل بأنه سيقسط بينهن ويعدل. فمن وثق من نفسه بذلك ووفق له. فهو الذي أباح له الدين تعدد الزوجات. قال صاحب تفسير الميزان:

إن الإسلام شرع الازدواج بواحدة. وأنفذ التكثير إلى أربع. بشرط التمكن من القسط بينهن مع إصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد، وشرط الإسلام على من يريد من الرجال التعدد أن يقيم العدل في معاشرتهن بالمعروف وفي القسم والفراش. وفرض لهن نفقتهن ثم نفقة أولادهن، ولا يتيسر الإنفاق على أربع نسوة مثلاً ومن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك. لا يتيسر ذلك إلا لبعض أولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم، أما هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم. ولا كرامة عندهم إلا ترضية بطونهم وفروجهم. ولا مفهوم للمرأة عندهم إلا أنها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذته. فلا شأن للإسلام فيهم.

إن الإسلام جاء بمعارف أصلية وأخلاقية وقوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء. ولما أن كانت الحياة الزوجية هي قاعدة المجتمع، ولما كانت هذه الحياة ربما تتعرض لبعض العوارض، ولما كان الإسلام يقصد من وراء تكثير النسل عمارة الأرض بين مجتمع مسلم عمارة صالحة. فإن الإسلام حدد لكل داء دواؤه. لأن فساد بعض الأجزاء يوجب تسرب الفساد إلى الجميع. فالتعدد دواء لداء معين. ولا يكون صحياً إلا إذا قام على العدل والقسط وتدثر بدثار الأخلاق الفاضلة والأدب، وانطلق إلى هدف الإسلام وغايته.

١١

تأملات في حكمة تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم

مما سبق يرى الباحث المتدبر أن الإسلام شرع للمسلمين الازدواج بواحدة. وأنفذ التكثير إلى أربع بشرط القسط بينهن وإصلاح جميع المحاذير المتوجهة إلى التعدد، فهذا على مستوى القاعدة ويعم جميع المسلمين، والتعدد على مستوى القاعدة غير التعدد على مستوى القمة وأقصد بها النبوة، لأن النبي توفرت فيه جميع الشروط التي تجعله يسوق الناس إلى صراط الله الحميد، فهو أول شخص يخلص الدين لله ويسلم بما يدعو الآخرين إليه. وعلى هذه الخلفية لا يمكن بحال أن ينطلق التعدد من داعي الشهوة أو يقود إلى داعي الشهوة كما قال بعضهم.

ويضاف إلى ما ذكرنا أن الرسول مؤيد بالعصمة. مصون من الخطأ والغفلة في تلقي الوحي من الله وحفظه وتبليغه. والله تعالى يصونه من الخطأ في جميع أمور الدين وتشريع القوانين. وعلى هذه الخلفية لا يجوز لمقولة داعي الشهوة أن تطرح على مائدة البحث.

إن الإسلام أنفذ التكثير إلى أربع بشرط القسط بينهن، وفي هذا الباب كان للنبي صلى الله عليه وآله مختصات منعت عنها الأمة. وكان التعدد بالنسبة للنبي صلى الله عليه وآله وسيلة من وسائل تشريع القوانين.

ومن باب التعدد خرجت أحاديث عن أمهات المؤمنين تبين حركة الرسول وسكونه في بيته. ورويت الأحاديث الذي تبين قمة العدل والقسط بين النساء. وتبين حسن معاشرتهن ورعاية جانبهن. ورويت أحاديث الإخبار بالغيب وفيها حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أزواجه من الفتن وبين لأمته الأعمال التي تحقق سعادة الدارين. وهذه الأحاديث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتحدث بها وهو يبكي في فراشه. أو وهو يبكي في وجود جبريل عليه السلام.

١٢
إن ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صحته وسكونه وبكائه وما شرعه للمرأة وللطفل وللأسرة. يستند أول ما يستند على تعدد الرواة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وعلى خلفية تعدد الرواة يمكن للباحث المنصف أن يفهم الحكمة التي وراء تعدد الزوجات في هذا الشأن.

وبالنظر في المسيرة النبوية وفي تراجم الرجال. نجد أن الكفار والمشركين والمنافقين لم يعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتعدد زوجاته على الرغم من أنهم كانوا يتربصون به الدوائر. وعدم إحتجاجهم يعود إلى معرفتهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم له مختصات منعت عنها الأمة. وإن حكم الزيادة على الأربع كصوم الوصال وغيره من الأمور التي تختص بالنبي وعلموها وشاهدوها زمن البعثة.

والباحث في حركة الدعوة يعلم أن مسألة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ترتبط بآيات متفرقة كثيرة في القرآن الكريم.

وللوقوف على الحكمة التي وراء التعدد يجب البحث في كل جهة من الجهات التي أشار إليها القرآن وبينتها السنة المطهرة، وعلى سبيل المثال ذكر القرآن أن الله تعالى هو الذي زوج رسوله صلى الله عليه وآله امرأة زيد. وقد كان زيد هذا يدعى ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نحو التبني. وكانت زوجة المدعو ابناً في ذلك الحين كزوجة الابن الصلبي لا يتزوج بها الأب. فكان حكم الله تعالى وطلق زيد زوجه. وتزوج بها النبي صلى الله عليه وآله ونزل فيها آيات.

وكما أخبر القرآن بأن الله تعالى هو الذي زوج رسوله. بين القرآن أن الله تعالى حرم على رسوله بعد اللاتي اخترن الله ورسوله. ولا أن يطلق بعضهن ويتزوج مكانها من غيرهن. وبالجملة: أخبر القرآن الكريم إن الله تعالى هو الذي أمر بالزواج. وإنه تعالى زوج % إحداهن من رسوله. وإنه

١٣
جل شأنه هو الذي حرم على الرسول الزيادة والتبديل. فما لهؤلاء لا يفقهون حديثاً.

ومن الآيات القرآنية التي أمر فيها الله تعالى رسوله بالازدواج. قوله تعالى (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك. وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك. وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين. قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم. لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفوراً رحيماً. ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء. ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليماً حليماً. لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيباً (١).

قال صاحب تفسير الميزان: أحل الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سبعة أصناف من النساء: (الصنف الأول) ما في قوله (أزواجك اللاتي آتيت أجورهن) والمراد بالأجور: المهور (الثاني) ما في قوله (وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك) أي: من يملكه من الإماء الراجعة إليه من الغنائم والأنفال.

وذكر ابن كثير في تفسيره: إن الله أباح له التسري مما أخذ من المغانم. وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما وملك مارية القبطية أم ابنه إبراهيم وكانت من السراري رضي الله عنها (٢).

قال صاحب الميزان: (والثالث والرابع) ما في قوله (وبنات عمك

(١) سورة الأحزاب آيات ٥٠ - ٥٢.

(٢) تفسير ابن كثير ٣٩٩ / ٣.

١٤
وبنات عماتك) قيل: يعني نساء قريش (والخامس والسادس) ما في قوله (وبنات خالك وبنات خالاتك) قيل: يعني نساء بني زهرة. وقوله (اللاتي هاجرن معك) قال في المجمع: هذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات ثم نسخ شرط الهجرة في التحليل. (والسابع) ما في قوله تعالى (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها) وهي المرأة المسلمة التي بذلت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بمعنى: إن ترضى أن يتزوج بها من غير صداق ومهر. فإن الله أحلها له إن أراد أن يستنكحها. وقوله تعالى (خالصة لك من دون المؤمنين) إيذاناً بأن هذا الحكم. أي حلية المرأة للرجل ببذل النفس، من خصائصه صلى الله عليه وآله وسلم لا يجرى في المؤمنين. وقوله تعالى بعده (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم) تقرير لحكم الاختصاص وقوله تعالى (لكيلا يكون عليك حرج) تعليل لقوله في صدر الآية (إنا حللنا لك) أو لما في ذيلها من حكم الاختصاص.

وذكر ابن كثير: قال قتادة في قوله (خالصة لك من دون المؤمنين) ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (١).

وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء) بالسياق يدل على أن المراد به أنه صلى الله عليه وآله وسلم على خيرة من قبول من وهبت نفسها له أو رده.

وقال ابن كثير: إن المراد بقوله (ترجي) أي تؤخر في (من تشاء منهن) أي من الواهبات (وتؤوي إليك من تشاء) أي من شئت قبلتها ومن شئت رددتها (٢).

(١) المصدر السابق ٥٠٠ / ٣.

(٢) المصدر السابق ٥٠١ / ٣.

١٥
وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك) أي: ومن طلبتها من اللاتي عزلتها ولم تقبلها. فلا إثم عليك ولا لوم. أي: يجوز لك أن تضم إليك من عزلتها ورددتها من النساء اللاتي وهبن أنفسهن لك بعد العزل والرد، ويمكن أن يكون إشارة إلى أن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يقسم بين نسائه. وأن يترك القسم فيؤخر من يشاء منهن ويقدم من يشاء. ويعزل بعضهن من القسم. فلا يقسم لها أو يبتغيها فيقسم لها بعد العزل. وهو أفقه لقوله بعده (ذلك أدنى أن تقر أعينهن..) الآية وذلك لسرور المتقدمة بما قسمت له. ورجاء المتأخرة أن تتقدم بعد وذكر ابن كثير في معنى الآية (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن) أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم فإن شئت قسمت وإن شنت لم تقسم. لا جناح عليك في أي ذلك فعلت. ثم مع هذا أن تقسم لهن اختيار منك لا أنه على سبيل الوجوب. فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلتك في ذلك.

واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن (١).

وقال صاحب الميزان: وقوله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك) ظاهر الآية لو فرضت مستقلة في نفسها غير متصلة بما قبلها: تحريم النساء له صلى الله عليه وآله وسلم إلا من خير هن فاخترن الله. ونفي التبدل بهن يؤيد ذلك. لكن لو فرضت متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى (إنا أحللنا لك) الآية. كان مدلولها تحريم ما عدا المعدودات. وفي بعض الروايات عن بعض أئمة أهل البيت إن المراد بالآية: محرمات النساء المعدودة في قوله تعالى من سورة النساء آية ٢٣ (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم) الآية، وقوله تعالى (ولا أن تبدل بهن من أزواج) أي: أن تطلق بعضهن

(١) المصدر السابق ٥٠١ / ٣.
١٦
وتزوج مكانها من غيرهن، وقوله (إلا ما ملكت يمينك) يعني: الإماء.

وهو استثناء من قوله في صدد الآية (لا يحل لك النساء) (١).

وذكر ابن كثير في تفسيره: (لا يحل لك النساء من بعدا أي من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك. وبنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات والواهبة. وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك.

وهذا مروي عن أبي بن كعب ومجاهد. وروي عن رجل من الأنصار قال.

قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قال: قلت: قول الله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد) فقال: إنما أحل له ضرباً من النساء.

فقال تعالى (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك) إلى قوله تعالى (إن وهبت نفسها للنبي) ثم قيل له (لا يحل لك النساء من بعد).

وروى ابن كثير عن أبي النضر عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء (٢) إلا ذات محرم) (٣)، وذكر ابن كثير لدى قوله تعالى (ولا أن تبدل بهن من أزواج) قال: نهاه عن الزيادة عليهن إن طلق واحدة منهن واستبدال غيرها بها، إلا ما ملكت يمينه (٤).

مما سبق يعلم الباحث المتدبر. أن الأمر لله. أحل سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينكح ما شاء من أصناف النساء الوارد ذكرهن في الآية. وأحل له أن ينكح بغير مهر وهي الهبة ولا تحل الهبة إلا

(١) تفسير الميزان / العلامة الطباطبائي ٣٣٥ / ١٦.

(٢) أي ما شاء من اللاتي أحل الله له.

(٣) تفسير ابن كثير ٥٠٣ / ٣.

(٤) المصدر السابق ٥٠٣ / ٣.

١٧
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أما غير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلا يصلح نكاح إلا بمهر، وكان تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعدد ترى حكمته عند النظر في حركة الدعوة. ويتأمل حركة المجتمع وحياة القبائل في عهد البعثة. نجد إن المخاطر قد أحاطت بالدعوة من كل اتجاه. وكان على الداعي صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ بالأسباب لدفع لهذه العقبات.

ولقد اختلفوا في عدد زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال البعض: تزوج بخمس وعشرين امرأة وخطب خمس وعشرين. وقال البعض: تزوج خمس وعشرين امرأة. وكان في ملك يمينه إحدى وعشرين امرأة. وقال البعض: تزوج بخمس عشرة امرأة وقال البعض الآخر: تزوج بثلاث عشرة امرأة غير ما كان في ملك يمينه.

وهذا الاختلاف يعود أصله لعدم التدبر في السيرة وفي الأحاديث وفي حركة الدعوة عموماً. وعلى أكتاف اللاعلم واللاتدبر واللابصيرة صعد أعداء الدين واعترضوا على الإسلام بهذا وبغيره بعد أن أضافوا إلى ما تلقفوه إضافات جعلته أكثر تشوهاً.

ومما لا يخفى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر برواية الحديث. لأنه يوضح متشابه القرآن ويبين مجمله ويخصص عامه ويفيد مطلقه. ويخبر بما يستقبل الناس من أحداث لكي يأخذوا بأسباب الحياة الكريمة. ومما لا يخفى أيضاً أن رواية الحديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تسر المسار الطبيعي. ففي مرحلة ثم التضييق على الرواية وفي مرحلة منع الناس من تدوين العلم وردعوا عن جمع السنن والآثار وربما حظر عليهم الحديث عن رسول الله مطلقاً. وحبس أعلام الصحابة في المدينة لكيلا يذيعوا الأحاديث في الآفاق (١). ولا يخفى ما قد

(١) أنظر كتابنا / معالم الفتن، كتابنا / إبتلاءات الأمم.
١٨
ترتب على هذا من المفاسد التي تتلافى أبداً. من ذلك شيوع القصص.

والقصص هو إخبار الناس بقصص الماضين. وعمل ذلك مذموم شرعاً لأنه يصرف الناس عن الاشتغال بالعلوم الدينية والنافعة. ولم يعهد ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومع انتشار القصص وضع القصاصون الحديث في قصصهم. وكانوا إذا دخلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوام والرعاع. أكثر جسارة على وضع الحديث، ومما وضعوه أحاديث تنافي عصمة الأنبياء فجعلتهم يخطؤون. وذلك أنهم عتموا على جوانب الوحي والدعوة. وأظهروا جوانب الشهوات من حب النساء والأموال والرآسة إلى غير ذلك (١).

ومما نسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسب ويلعن ويجلد. ونسبوا إليه أنه كان يسهو في الصلاة وأنه كان ينسى آيات القرآن الكريم، وأنه خطب إحدى زوجاته وهي في سن السادسة وبنى بها وهي في سن التاسعة. وجميع ذلك تحت عنوان إنه بشر يغضب وينسى ويبحث عن الجمال والمتعة. قاتلهم الله وتحت عنوان الشجاعة أظهروا حركة السيف وعتموا على الكلمة (٢).

وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة. أن يبرروا أخطاء الأمراء الذين ضيعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات وبالجملة: كان القصص مدخلاً للكذابين. وكان النواة الأولى لاختلال منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال. وتحت هذا السقف لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقييمية إلا بعد عناء شديد.

ومما لا شك فيه أن رواية الحديث الشريف نهضت في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، إلا أن أهل الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان

(١) المصدر السابق.

(٢) المصدر السابق.

١٩
تصدوا لهذه النهضة وعارضوها بما بين أيديهم من حديث نخر فيه القصص إلى أقص مدى، وعلى امتداد المسيرة بعد ذلك كان كل فريقاً يمسك بحبله، وعلى امتداد حبل بني أمية ظهرت العقائد الفاسدة من جبرية وقدرية ومرجئة. ورفعت أعلام الملك وكانت حركة الملوك عند الخطأ تبرر ويلتمس لها الأعذار من مخزون عتيق يعود فضل ولادته إلى القصاصين (١)، وعلى امتداد حبل الإمام علي بن أبي طالب. كان الحديث الشريف وعلومه. والقرآن الكريم وعلومه. حجة على المسيرة لكيلا يكون للناس على الله حجة، ولا يغني هذا أن الكذابين لم تمتد أيديهم إلى هذا الوعاء، فربما امتدت أيديهم ولكن بعيداً عن العبادات وعلوم المتشابه والمحكم من الآيات.

وعلى امتداد المسيرة نشط العلماء وجمعوا السنن والآثار النبوية ودونوهما، ثم جاء من بعدهم علماء سهروا من أجل تنقية الأحاديث مما علق بها، ورغم عمليات التنقية إلا أن وعاء الحديث لم يسلم من وجود الأحاديث الإسرائيلية والأحاديث التي أشرف على طهيها القصاصون، وتوالى العلماء من أجل إنجاز هذه المهمة. ولكن المهمة لم تصل إلى غايتها. وذلك لأن الدولة كانت قد خلقت رموزاً ممنوع الاقتراب منها، والفرق والأحزاب والمجتمع خلقوا أصنافاً لا يمسها أحد بسوء أو نقد.

فمن اقترب من كتاب ما أو من جامعه، يكون قد أساء إلى الدولة. ومن الدولة انتقلت الإساءة إلى المواطنين. ولما كان المجتمع قد تشرب حالة العداء لكل من يقترب من رمز من الرموز، فإن مجهود العلماء في هذا الباب لم يحقق الكثير وما حققوه يستحقوا عليه الثناء.

وشاء الله تعالى أن يقيم حجته ولو كره الوضاعون الذين أدخلوا في حركة الدعوة ما ليس منها. وتاجروا بقصص لا تفيد الدعوة ولم يقم على

(١) المصدر السابق.
٢٠