×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبع مسائل فقهيّة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٣ فارغة
كتاب سبع مسائل فقهيّة للشيخ جعفر السبحاني (ص ١ - ص ١٨)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

قال الله تبارك وتعالى:

( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ). التوبة/١٢٢

٤
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد رُسُله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يولي المسلمون أهميّة كبرى للعقيدة الصحيحة لأنّها تشكّل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيءُ دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّسَ رسُولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لإرساء أُسس التوحيد الخالص، ومكافحة الشرك والوثنية، ثم بنى عليها في الفترة المدنية صَرحَ النظامِ الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.

ولهذا ـ ونظراً للحاجةِ المتزايدة ـ رأينا أن نقدّم للأُمةِ الإسلاميّة الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدَّة من كتاب اللهِ العزيز، والسُنّةِ الشريفة الصحيحة، والعقل السليم، وما اتَّفق عليه علماءُ الأُمةِ الكرام، تُروي ظمأَ العطشانِ، وتلَبّي حاجةَ المشتاق، وتساعد على إيقاظ الأُمة، وتوحيد صفوفها، والله الموفِّق.


معاونيّة التعليم والبحوث الإسلاميّة

٥

الحقيقةُ بنت البحث


إنّ الفقه الإسلامي عطاءٌ كبير ورثة الخلف عن السلف عبر جهود جبّارة بذلها علماءُ الأُمّة وفقهاؤُها المتقدّمون والمتأخّرون.

وقد رامَ هؤلاءُ العلماء والفقهاء الوصولَ إلى التشريع الحقيقي الذي جاء به النبيّ (صلى الله عليه وآله) في الكتاب والسنّة، فمنهم من أصاب ومن أخطأ.

وهذا الجهد العظيم وإن خَلَّفَ تراثاً فقهيّاً وفكرياً عظيماً تعتزّ به الأُمّة، إلاّ أنّه إنتهى إلى الخلاف في جملة من المسائل بعد الإتفاق في أكثرها.

وحيث لم يكن حتميّاً أن تبقى المسائلُ الخلافية خلافيّةً إلى الأبد فمن الممكن أن يصل الفقهاءُ ـ لو بذلوا جهودهم في دراسة الخلافيّات بعيداً عن التقليد لأيّ مذهب من المذاهب ـ إلى وَحدة النظر، واتفاق الرأي فيها.

وقد أثبتت التجربةُ هذه الثمرةَ الحلوةَ، ولأجل ذلك عمدنا ـ في هذه الرسالة ـ إلى طرح مسائل سبع اختلفت فيها مواقف الفقهاء وأنظار

٦
العلماء على بساط البحث المجدّد، ورائدنا في هذه الدراسة: الكتاب والسنّة.

وأنا أُقدّم حصيلة جهودي هذه إلى فقهاء الأُمّة الذين يهمّهم مصير الأُمّة، وتشتاق نفوسهم إلى وحدتها وعزّتها.


١٠ رمضان المبارك / عام ١٤١٥ هـ
جعفر السبحاني           

٧

المسألة الأُولى
الاحتفال بمولد النبي (صلى الله عليه وآله)


لقد طال النزاع في الآونة الأخيرة عن طريق وسائل الإعلام وغيرها حول الاحتفال بمولد النبي الأكرم، وقد رفع بعضهم شعار البدعة فيه، بينما يراه الأكثرون أنّه من السنّة. وإليك دراسة الموضوع في ضوء الأدلّة.

حبّ النبي أصل في الكتاب والسنّة

قد عرفت أنّ العنصر المقوّم للبدعة هو عدم الدليل على جواز العمل، فلو كان هناك دليل خاص على جواز العمل، أو دليل عام يشمل المصاديق المحدثة فليس ذلك ببدعة، وقد ذكرنا لك أمثالا كثيرة، وفي

٨
ضوء ما ذكر نركّز في هذا الفصل على وجود دليل عام على الاحتفال بيوم ميلاده، وإن لم يكن هناك دليل خاص، وأمّا الدليل فكما يلي:

الحبّ والبغض خلّتان تتواردان على قلب الإنسان، تشتدّان وتضعفان، ولنشوئهما واشتدادهما أو ضعفهما عوامل وأسباب.

ولا شكّ أنّ حبّ الإنسان لذاته من أبرز مصاديق الحبّ، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وجبلي لا يخلو منه إنسان ومن هذا المنطق حبّ الإنسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحبّ نفسه يحب كذلك كلّ ما يمت إليه بصلة، سواء كان اتّصاله به جسمانياً، كالأولاد والعشيرة، أو معنوياً، كالعقائد والأفكار والآراء والنظريات التي يتبنّاها، وربّما يكون حبّه للعقيدة أشدّ من حبّه لأبيه وأُمّه، فيذبّ عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة أغلى عنده من كلّ شيء حتى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كانت للعقيدة هذه المنزلة العظيمة تكون لمؤسّسها ومغذّيها والدعاة إليها منزلة لا تقل عنها إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود، ولأجل ذلك كان الأنبياء والأولياء بل جميع الدعاة إلى الأمور المعنوية والروحية محترمين لدى جميع الأجيال، من غير فرق بين نبي وآخر، ومصلح وآخر، فالإنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالا عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم، بل تعشق النفوس الطيبة، طبقة الأنبياء والرسل، منذ أن شرّع الله الشرائع وبعث الرسل، فترى أصحابها يقدّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

٩

حبّ النبي في الكتاب

ولوجود هذه الأرضية في النفس الإنسانية والفطرة البشريّة، تضافرت الآيات والأحاديث على لزوم حبّ النبي وكلّ ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحي إليه فطرته، قال سبحانه: (قُلْ اِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَاِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبُّ اِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/٢٤).

وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَاِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) (المائدة/٥٦).

ويقول سبحانه: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف/١٥٧).

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

١ ـ الإيمان به.

٢ ـ تعزيره.

٣ ـ نصرته.

٤ ـ اتّباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.

وليس المراد من تعزيره; نصرته، لأنّه قد ذكره بقوله: (وَنَصَرُوهُ)وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما أنّه نبيّ الرحمة والعظمة، ولا يختصّ تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمّها وغيرها، تماماً كما أنّ الإيمان به والتبعيّة لكتابه لا يختصّان بحال حياته الشريفة.

١٠
هذه هي العوامل الباعثة إلى حبّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وهذه هي الآيات المرشدة إلى ذلك.

ولأجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحثّ على حبّه ومودّته.

حبّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) في السنّة

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :

١ ـ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده والناس أجمعين".

٢ ـ "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ الناس إليه من والده وولده".

٣ ـ "ثلاث من كنّ فيه ذاق طعم الإيمان: من كان لا شيء أحبّ إليه من الله ورسوله، ومن كان لئن يحرق بالنار أحبّ إليه من أن يرتدّ عن دينه، ومن كان يحبّ لله ويبغض لله".

٤ ـ "والله لا يكون أحدكم مؤمناً حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده".

٥ ـ "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من نفسه".

٦ ـ "من أحبّ الله ورسوله صادقاً غير كاذب، ولقى المؤمنين فأحبّهم، وكان أمر الجاهلية عنده كمنزلة نار أُلقي فيها، فقد طعَم طعْم الإيمان، أو قال: فقد بلغ ذروة الإيمان".

إنّ الذي يرى سعادته في ما جاء به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من شريعة

١١
ودين، هو الذي يذوق طعم الإيمان، وتذوّق طعم الإيمان لا يتحقّق إلاّ عندما يستنّ الإنسان بسنّة رسول الله، ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.

٧ ـ عن أبي رزين قال: قلت يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: "أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، ويكون الله ورسوله أحبّ إليك ممّا سواهما، وتكون أن تحرق بالنار أحبّ إليك من أن تشرك بالله شيئاً، وتحبّ غير ذي نسب لا تحبّه إلاّ لله، فإذا فعلت ذلك فقد دخل حبّ الإيمان في قلبك كما دخل قلب الظمآن حبّ الماء في اليوم القائظ".

٨ ـ "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما".

٩ ـ عن أنس أنّ رجلا سأل النبيّ (صلى الله عليه وآله) عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها؟" قال: لا شيء، إلاّ أنّي أُحبّ الله ورسوله، فقال: "أنت مع من أحببت". قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي (صلى الله عليه وآله) : "أنت مع من أحببت".

١٠ ـ أبو ذر قال: يا رسول الله الرجل يحبّ القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: "أنت يا أبا ذر مع من أحببت". قال: فإنّي أُحبّ الله ورسوله، قال: "فإنّك مع من أحببت"، قال: فأعاد(ها) أبو ذر، فأعادها رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

١١ ـ "من أحيا سنّتي فقد أحبّني ومن أحبّني كان معي في الجنّة".

١٢ ـ "والذي نفس محمد بيده ليأتين على أحدكم يوم ولا يراني، ثمّ لئن يراني أحبّ إليه من أهله وماله معهم".

١٢
١٣ ـ "إنّ أحدكم سيوشك أن يحبّ ينظر إليّ نظرة بما له من أهل وعيال".

١٤ ـ من أشدّ أُمّتي لي حُباً أُناس يكونون بعدي، يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله".

١٥ ـ "أشدّ أُمّتي لي حبّاً قوم يكونون بعدي يودّ أحدهم أنّه فقد أهله وماله وأنّه رآني".

١٦ ـ "إنّ أُناساً من أُمّتي يأتون بعدي يودّ أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله".

١٧ ـ "من دعا بهؤلاء الدعوات في دبر كلّ صلاة مكتوبة حلّت له الشفاعة منّي يوم القيامة: اللّهمّ اعط محمد الوسيلة، واجعل في المصطفين محبّته، وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكر داره".

١٨ ـ "من قال في دبر كلّ صلاة مكتوبة: "اللّهمّ اعط محمد الدرجة والوسيلة، اللّهمّ اجعل في المصطفين محبّته وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكره" من قال تلك في دبر كلّ صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة، ووجبت له الشفاعة".

وقد روي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبي (صلى الله عليه وآله) أفضل من عتق الرقاب، وحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل من عتق الأنفس أو قال: من ضرب السيف في سبيل الله عزّوجلّ(١).

١- راجع للوقوف على هذه الأحاديث ونظائرها جامع الأصول ج ١ نقلا عن صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ـ وكنز العمال ج ٢ و ٦ و ١٢.

١٣

اختلاف الأُمّة في درجات حبّهم للنبي (صلى الله عليه وآله)

وليست الأُمّة المؤمنة في ذلك شرعاً سواء، بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حبّ الله تعالى.

قال الامام القرطبي: "كلّ من آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله) إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة غير أنّهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظّ الأوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظّ الأدنى، كم كان مستغرقاً في الشهوات، محجوباً في الفضلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ (صلى الله عليه وآله) اشتاق إلى رؤيته بحيث يؤثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الأُمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه"(١).

مظاهر الحبّ في الحياة

إنّ لهذا الحبّ مظاهر، إذ ليس الحبّ شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الإنسان وتصرّفاته، بل انّ من خصائص الحبّ أن يظهر أثره على جسم الإنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهودة وملموسة.

فحبّ الله ورسوله الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه، والاستنان بسنّته، والإتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محبّاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أشدَّ الحبّ، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه

١- فتح الباري لابن حجر ١: ٥٠ ـ ٥١.

١٤
ولا يرضيه، فمن ادّعى حباً في نفسه وخالفه في عمله، فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادّين.

ولنعم ما قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحبّ الإلهي كاذباً:


تعصي الإله وأنتَ تظهر حبّههذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبّك صادقاً لأطعتهإنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع(١)

للحبّ مظاهر وراء الاتباع

نعم لا يقتصر أثر الحبّ على هذا، بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظّمه ويزيل حاجته، ويذبّ عنه، ويدفع عنه كلّ كارثة ويهيئ له ما يريحه ويسرّه إذا كان حيّاً.

وإذا كان المحبوب ميّتاً أو مفقوداً حزن عليه أشدّ الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب (عليه السلام) عندما افتقد ولده الحبيب يوسف (عليه السلام) فبكاه حتى ابيضّت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود، هشَّ له وبشَّ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً.

بل يتعدّى أثر الحبّ عند فقد الحبيب وموته هذا الحدّ، فنجد المحبّ يحفظ آثار محبوبه، وكلّ ما يتّصل به، من لباسه وأشيائه، كقلمه ودفتره وعصاه ونظّارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده، ويحترم جنازته

١- سفينة البحار، مادة "حب".

١٥
ومثواه، ويحتفل كلّ عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظّمه حبّاً به ومودّة له.

إلى هنا ثبت، أنّ حبّ النبي وتكريمه أصل من أُصول الإسلام لا يصحّ لأحد إنكاره، ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحبّ الكامن في القلب من دون أن يرى أثره على الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم، القيام بكلّ ما يعدّ مظهراً لحبّ النبي، شريطة أن يكون عملا حلالا بالذات، ولا يكون منكراً في الشريعة، نظير:

١ ـ تنظيم السنّة النبويّة; وإعراب أحاديثها، وطبعها، ونشرها بالصور المختلفة، والأساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم.

٢ ـ نشر المقالات والكلمات; وتأليف الكتب المختصرة والمطوّلة حول حياة النبي وعترته، وإنشاء القصائد بشتّى اللغات والألسن في حقّهم، كما كان يفعله المسلمون الأوائل.

فالأدب العربي بعد ظهور الإسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ممّا يعبّر به أصحابها عن حبّهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) . فهذا هو كعب بن زهير ينشئ قصيدة مطوّلة في مدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) منطلقاً من إعجابه وحبّه له (صلى الله عليه وآله) ، فيقول في جملة ما يقول:


بانت سعاد فقلبي اليوم متبولمتيّم إثرها لم يُفْد مكبول
نُبِّئتُ أنّ رسول الله أوعدنيوالعفوُ عند رسول الله مأمول

١٦
ويقول:


مهلا هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إنّ الرسول لنور يستضاء بهمهند من سيوف الله مسلول(١)

وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، ولم ينكر عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) .

وهذا هو حسّان بن ثابت الأنصاري يرثي النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:


بطيبة رسم للرسول ومَعْهَدمُنير وقد تعفو الرسوم وتحمد

إلى أن قال:


يدلّ على الرحمان من يقتدي بهوينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحقّ جاهداًمعلم صدق إن يطيعوه يَسْعَدوا(٢)

وهذا هو عبد الله بن رواحة ينشئ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:


خلّوا بني الكفار عن سبيلهخلّوا فكلّ الخير في رسوله
يا ربّ إنّي مؤمن بقيلهأعرف حقّ الله في قبوله(٣)

هذه نماذج ممّا أنشأه الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبيّ الأكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الأشعار والقصائد حول النبي

١- السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٥١٣.

٢- السيرة النبوية لابن هشام ٢: ٦٦٦.

٣- المصدر نفسه ٢: ٣٧١.

١٧
الأكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلّدات. فإنّ مدح النبيّ كان الشغلَ الشاغل للمخلصين والمؤمنين منذ أن لبّى الرسول دعوة ربّه، ولا أظنّ أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة، ونال من المدح بمقدار ما ناله الرسول (صلى الله عليه وآله) من المدح بمختلف الأساليب والنظم.

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائلَ النبيّ ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة، مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهّرة في هذا المجال، فشكر الله مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

٣ ـ تقبيل كلّ ما يمتّ إلى النبيّ بصلة; كباب داره، وضريحه وأستار قبره، انطلاقاً من مبدأ الحبّ الذي عرفت أدلّته. وهذا أمر طبيعي وفطري، فبما أنّ الإنسان المؤمن لا يتمكّن بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله) من تقبيل الرسول (صلى الله عليه وآله) (١) فيقبّل ما يتّصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار، بل يقصد تقبيل صاحب الجدار، يقول:


أمرّ على الديار ديار ليلىأُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حبّ الديار شغفن قلبيولكن حبّ من سكن الديارا

١- دخل أبو بكر حجرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثمّ أكبّ عليه يُقبّله ثمّ بكى فقال: بأبي أنت يا نبيّ الله لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متّها. (لاحظ صحيح البخاري ٢: ١٧ كتاب الجنائز)
١٨
كتاب سبع مسائل فقهيّة للشيخ جعفر السبحاني (ص ١٩ - ص ٣٥)
١٩

وقال القسطلاني: "ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه السلام) ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياله بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عظيم.. فرحم الله امرئاً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشدّ علّة على من في قلبه مرض وأعيا داء"(١).

إذا عرفت ما ذكرناه فلا نظنّ أن يشكّ أحد في جواز الاحتفال بمولد النبي الأكرم، احتفالا دينياً فيه رضا الله ورسوله، ولا تصحّ تسميته بدعة، إذ البدعة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنّة، وليس المراد من الأصل; الدليل الخاص، بل يكفي الدليل العام في ذلك.

ويرشدك إلى أنّ هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبي، وجدانك الحرّ، فانّه يقضي بلا مرية على أنّها إعلاء لمقام النبي وإشادة بكرامته وعظمته، يتلقاها كلّ من شاهدها عن كثب، على أنّ المحتفلين يعزّرون نبيّهم ويكرمونه ويرفعون مقامه اقتداء بقوله سبحانه: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الانشراح/٤).

السنّة النبويّة وكرامة يوم مولده

١ ـ أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أُنزل عليّ"(٢).

١- المواهب اللدنية ١: ١٤٨.

٢- مسلم ٢: ٨١٩.

٢٠