×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سيرتنا وسنتنا / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

عن سبع وتسعين سنة، محدّث مرو وشيخها ورئيسها، روى جامع الترمذي عن مؤلّفه.

بقية المصادر:

جامع الاصول لابن الاثير عن الترمذي، اسد الغابة ٢: ٢٢ بالاسناد، المختار في مناقب الأخيار خ. ذخاير العقبى ص ١٤٨، تيسير الوصول لابن الديبع ٣: ٢٧٧ نزهة الأبرار للأرزنجاني خ، نظم الدرر للزرندي ص ٢١٧ مطالب السؤول لابن طلحة ص ٧١، مشكاة المصابيح ٢: ١٧١، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٣٩، الخصايص الكبرى له ٢: ١٢٦، الصواعق لابن حجر ص ١١٥، الصراط السوطىّ للشيخاني مخطوط عندنا بخطّه، شرح بهجة المحافل ٢: ٢٣٦

معاجم التراجم:

تاريخ البخاري الكبير ٢ ق ١: ٢٩٦، ج ٢ ق ٢: ٩، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١ ق ٢: ٥٠٨، ج ٢ ق ١: ١٠٦، ج ٢ ق ٢: ٧٣، ج ٤ ق ١: ٥٢، تاريخ بغداد ١٤: ٢٣١ - ٢٣٤، المنتظم ٦: ٢٣٥، انساب السمعاني، اللباب ١: ٢١٧ ج ٣: ٣٩، ١٠٤، طبقات السبكي ٥: ٥٩، تذكرة الحفاظ للذهبي ٢: ٢١٠، ٣٠٥ ج ٤: ١٧٠ - ١٧٢، تكلمة ابن الصابوني ص ١٣، ٢٩، ١٧٤، معجم البلدان ٧: ٢٤٧، تاريخ ابن خلكان ٣: ١٢٤، تاريخ ابن كثير ١١: ١٦٦. ذيل طبقات الحنابلة لابي الفرج الحنبلي ٢: ٧٩، النجوم الزهراة ٥: ١١٠، ج ٦: ٢١٠، ٢١١، ج ٧: ٣٥، ٦٥٥، تهذيب التهذيب ٣: ٢٧٥، ج ٤: ١٨١، ج ٥، ٢٣٦، ج ٩: ٣٨٥ لسان الميزان ٢: ٢٥١، شذرات الذهب ٢: ١١٩، ٢٢٦، ٣٧٣، ج ٣: ٢، ١٤٠ ١٩٥، ٢٨٢، ٣٤٢، ج ٥: ٢٦، ٤٦، ٤٧، ٢٦٠، ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٩.

١٢١

اسناد آخر من مأتم يوم عاشوراء

أخرج الحافظ ابن عساكر في (تاريخ دمشق) نقلا عن أمّ الكتاب الموجود عندنا ولله الحمد - عند ترجمة الامام الحسين السبط سلام الله عليه قال: أخبرنا أبو محمّد ابن طاوس، أخبرنا أبو الغنائم بن أبي عثمان أخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا الحسين ابن صفوان البرذعي، أخبرنا عبد الله بن أبي الدنيا، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن هاني أبو عبد الرحمن النحوي، حدّثنا معدي بن سليمان، حدّثنا علىّ بن زيد بن جدعان قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: كلاّ يا ابن عباس، قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه زجاجة من دم فقال: ألا تعلم ما صنعت أمّتي من بعدي؟ قتل ابني الحسين وهذا دمه ودم أصحابه، ارفعها إلى الله عزّ وجلّ. قال: فكتب ذلك اليوم الّذي قال فيه ذلك وتلك الساعة. قال: فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتّى جاءهم الخبر بالمدينة أنّه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة.

وقال السيّد الشيخاني في (الصراط السوي) بعد روايته حديث أحمد المذكور: وفي رواية لأحمد: أنّ ابن العباس كان في قائلة فانتبه وهو يسترجع ففزع أهله، فقالوا: ما شأنك مالك؟ قال: رأيت النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتناول من الأرض شيئاً. فقلت: بأبي وامّي يا رسول الله ما هذا الذي تصنع؟ قال: دم الحسين، أرفعه إلى السماء.

اسناد الحافظ صحيح رجاله كلهم ثقات، الا وهم:

١- أبو محمّد هبة الله بن أحمد بن عبد الله بن علىّ بن طاوس المقري البغدادي المتوفّى ٥٣٦ كان ثقة صدوقاً، مقرئاً فاضلاً إماماً عالماًَ محققّاً متقناً صالحاً ورعاً. وثّقه الذهبي وابن الجوزي، وابن الجزري وغيرهم.

راجع المنتظم ١٠: ١٠١، طبقات القراء ٢: ٣٤٩، النجوم الزاهرة ٥: ٢٧٠ شذرات ٤: ١١٤.

١٢٢
٢- أبو الغنائم ابن أبي عثمان محمّد بن علىّ بن الحسن البغدادي المتوفّى ٤٨٣ قال ابن الجوزي في المنتظم ٩: ٥٤، حدّثنا عنه أشياخنا وكان ثقة ديّناً. وترجم له غيره وأثنى عليه.

٣- أبو الحسين ابن بشران علىّ بن محمّد بن عبد الله بن بشران بن محمّد الأموى البغدادي المعدّل المتوفّى ٤١٥، ترجم له الخطيب في تاريخه ١٢: ٩٨، ٩٩ وقال بعد عدّ مشايخه: كتبنا عنه، وكان صدوقاً ثقة ثبتاً حسن الأخلاق، تام المروءة، ظاهر الديانة.

وقال ابن الجوزي في (المنتظم) ٨: ١٨ كان صدوقاً ثقة الخ، وتوجد ترجمته في الشذرات ٣: ٢٠٣.

٤- أبو علىّ الحسين بن صفوان بن إسحاق البرذعي(١) المتوفّى ٣٤٠ ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد ٨: ٥٤ وذكره مشايخه والرواة عنه فقال: كان صدوقاً.

وتوجد ترجمته في الشذرات وغيره.

٥- عبد الله بن محمّد بن عبيد أبو بكر القرشىّ المعروف بابن أبي الدنيا مولى بني اميّة المتوفّى ٢٨١ ترجم له الحافظ ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢ ق ٢: ١٦٣ وقال: كتبت عنه مع أبي، سئل أبي عنه فقال: بغدادي صدوق.

وتوجد ترجمته في تاريخ بغداد ١٠: ٨٩، والمنتظم ٥: ١٤٨ وقال: كان ذا مروءة ثقة صدوقاً، صنّف أكثر من مائة مصنّف في الزهد.

٦- عبد الله بن محمّد بن هانىء أبو عبد الرحمن النحوي النيسابوري صاحب الأخفش توفّي سنة ٢٣٦، قال الخطيب بعد عدّ مشايخه والرّواة عنه: وكان ثقه.

راجع تاريخ بغداد ١٠: ٧٢ - ٧٣، إنباه الرواة للقفطي ٢: ١٣١، بغية الوعاة ص٢٩٠.

١- البرذغي بالمعجمة ثم المهملة عند جمع، وعند آخرين بالمهملتين. بلده باذربايجان.

١٢٣
٧- معدي بن سليمان أبو سليمان صاحب الطعام، من رجال الترمذي وابن ماجة قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. وقال الشاذكوني كان من أفضل الناس. وكان يعدّ من الأبدال. وقال ابن حجر: صحّح الترمذىّ حديثه.

٨- علىّ بن زيد بن جدعان أبو الحسن البصري المتوفّى ١٢٩ ويقال غير ذلك تابعىّ ثقة، من رجال الصحاح الستّ غير البخارىّ، وهو في التاريخ. ذكرناه في مسند أنس، والبراء، والامام أمير المؤمنين (عليه السلام) حديث ٦١ من كتابنا الكبير الغدير.

خاتمة المطاف

تستجدّ الم آتم بتجدّد الأجيال، وتبقى خالدة مع الأبد لا تبلى جدّتها، ولا تنسى بمرّ الدّهور، وكرّ الملوين، ما دام الاسلام يعلو، واسم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يذكر، وسنّته تتبّع، وأعلام الدين ترفرف، وكتاب الله غير مهجور يتلى، وفي لسانه الناطق أية محكمة بودّ عترة المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) وذي قرباه، وأجر الرسالة واجب محتّم، وحبّ الآل فريضة لا منتدح عنها ولا محيص، ولا محيد ولا مهرب، وحقوق محمّد وآله صلوات الله عليه وعليهم لا تخصّ بجيل دون جيل، وبفينة دون فينة، وأجيال الامّة المسلمة فيها سواسية، والحزن بالحسين الشهيد دائم سرمد مادامت الجوانح بحبّه معمورة، والأضلاع بولائه مغمورة.

ومن واجب حملة الكتاب والسنّة التأسّي بنبيّها (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الأسوة والقدوة وقد قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) حياته كاسف البال، خاثر النفس، حليف الشجا والأسى، وما رؤي (صلى الله عليه وآله وسلم) مستجمعاً ضاحكاً حتّى توفّى(١) منذ رأى بني اميّة ينزون على منبره كما تنزو القردة.

١- أخرجه بهذا اللفظ الحافظ الكبير البيهقي في دلائل النبوة، والنسخة موجودة عندنا ولله الحمد. وذكره جمع من الاعلام آخذين منه.

١٢٤
وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتأذى من بكاء الحسين السبط، وقد جاء في الصحيح فيما أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبراني في (المعجم الكبير) من طريق يزيد ابن أبي زياد قال: خرج النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من بيت عائشة رضي الله عنها فمرّ على بيت فاطمة فسمع حسيناً يبكي رضي الله عنه فقال: ألم تعلمي أنّ بكائه يؤذيني.

تراه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتأذّى من بكاء ريحانته فما ظنّك به (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا وجده قتيلاً بالقتل الذريع، مرمّلاّ بالدماء، مجدّلاً على الرّمضاء مكبوباً على الثرى، معفّر الخدّين دامي الوريدين، محزوز الرأس من القفا، مسلوب العمامة والرداء، سفت الريح عليه السفا والعفا.

ما ظنّك به (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا رآه مذبوحاً عطشاناً ظامئاً وحيداً غريباً، تفتّت كبده من الظماء، ورضّت أعضاؤه بحوافر الخيول.

آه وألف آه، يا أسفي عليه.


الجسم منه بكربلاء مضرّجوالرأس منه على القناة يدار

سُبي أهله كالعبيد، وصُفّدوا بالحديد، يساقون في الفلوات، فوق أقتاب المطيّات تتلفح وجوههم حرُّ الهاجرات.

آه، أسفي على بنات محمّد.


أصواتها بحت وهنّ نوادبيندبن قتلاهنّ بالايماء

فكما دام حزن نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) مدى حياته، وكدّر صفو عيشه رزء ولده العزيز والأمر بعدُ لم يقع، كذلك حقيق علينا وعلى كلّ من صدّقه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدق في ولائه واستنّ بسننه، أن يدوم توجّعنا وتفجّعنا بالمصاب الفادح، ويكون البكاء والعويل على بضعة نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) سرمداً إلى يوم القيامة، وقد جاء فيما أخرجه الفقيه ابن المغازلي الواسطىّ في (المناقب) - وهو موجود عندنا ولله الحمد -: أنّ حول قبر الحسين اربعين ألف ملك شُعثاً غُبراً يبكون عليه إلى يوم القيامة.

١٢٥
وفي لفظ الشيخ الفقيه الحافظ أبي بكر الزاغوني(١) سبعين ألف ملك.

فاتّخاذ الله تبارك وتعالى مشهد الحسين الطاهر دار حزن وبكاء لملائكته إلى يوم القيامة.

وادّخار دمه في الملاء الأعلى منذ يوم رفعه إليه الحسين المفدّى بكفّيه يوم عاشوراء ولم تنزل منه قطرة كما يأتي حديثه.

وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم عاشوراء دمه ودم أصحابه في زجاجة ورفعها إلى السماء كما سمعت في مأتم عاشوراء.

كلّ هذه تومىء إلى أنّ أمد الحزن والبكاء على الحسين السبط يمتدّ إلى يوم العرض الأكر، والعبرات تسكب إلى يوم يقام للحسين العزيز مأتم عامّ جمع الله الخلق في صعيد واحد، يساهم فيه كلّ البريّة، إذ الرزيّة رزيّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو سيّد البشر، وذلك لمّا تحشر الصدّيقة أمّ القتيل فاطمة بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعها ثياب مصبوغة بدم، كما جاء فيما أخرجه الفقيه ابن المغازلي في المناقب. والحافظ الجنابذي الحنبلي ابن الأخضر(٢) في معالم العترة مرفوعاً من طريق أمير المؤمنين علىّ (عليه السلام) : تحشر ابنتي فاطمة ومعها ثياب مصبوغة بدم، فتتعلّق بقائمة من قوائم العرش وتقول: يا جبّار، احكم بيني وبين قاتل ولدي، فيحكم لابنتي وربّ الكعبة.

وهذا الحديث أخذه السيّد محمود الشيخاني المدني في كتابه (الصراط السوىّ) واستشهد به على صحّة قول سليمان بن يسار الهلالي(٣): وجد حجر

١- عبيد الله بن نصر بن السري الزاغوني أبو محمّد المؤدب المتوفي ٥١٤ وقد جاوز الثمانين، ترجم له الحافظ ابن الجوزي في المنتظم ٩: ٢٢٠ وقال: كان من حفاظ القرآن وأهل الثقة والصيانة والصلاح.

رواه عنه الحافظ الخوارزمي في المقتل ٢: ١٦٩.

٢- أبو محمّد عبد العزيز بن محمود الجنابذي البغدادي المتوفي ٦١١ كان حافظاً ثقة حجة نبيلا، ما رأينا في شيوخنا سفراً وحضراً مثله في كثرة مسموعاته، ومعرفته بمشايخه وحسن اصوله، وحفظه واتقانه وكان اميناً متديناً جميل الطريقة. الى آخر ما في الشذرات من الثناء عليه ج ٥: ٤٦، ٤٧.

٣- سليمان بن يسار المدني تابعي عظيم من رجال الصحاح الست، متفق على ثقته وعلمه وفقهه وامانته، توفى سنة ١٠٧ عن ٧٣ سنة.

راجع تاريخ البخاري الكبير٢ ق٢: ٤٢، طبقات ابن سعد٥: ١٣٠، الجرح والتعديل ٢ ق١: ١٤٩، تهذيب التهذيب ٤: ٢٢٨ - ٢٣٠.

١٢٦
كتاب سيرتنا وسنتنا للعلامة عبد الحسين الأميني (ص ١٢٧ - ص ١٣٥)
١٢٧

ورزيّة أبكت نبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم) طيلة حياته. وأبكت امّهات المؤمنين والصحابة الأوّلين ونغصت عيش رسول الله فتراه (صلى الله عليه وآله وسلم) تارة يأخذ حسيناً ويضمّه إلى صدره ويخرجه إلى صحابته كاسف البال وينعاهم بقتله، وأخرى يأخذ تربته بيده ويشمّها ويقلبها ويقبّلها ويأتي بها الى المسجد مجتمع أصحابه وعيناه تفيضان، ويقيم مأتماً وراء مأتم في بيوت امّهات المؤمنين.

وذلك كلّه قبل وقوع تلك الرزيّة الفادحة، فكيف به (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك، فحقيق على كلّ من استنّ بسنّته (صلى الله عليه وآله وسلم) صدقاً أن يبكي على ريحانته جيلاً بعد جيل، وفينة بعد فينة مدى الدهر.

على أنّ وصمة هذه الحوبة والعار والشنار على امّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) قد شوّهت سمعتها وسوّدت صحيفة تاريخها، وأبقت لها شية المعرّة مع الأبد، ولم تذكر عن امّة من الامم الغابرة الّتي أسلمت وجهها لله أنّها صدرت منها لدة ما صدر عن امّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) من الجناية الوبيلة على بضعة نبيّها، وتمّت هي باسم الامّة في خلق السماوات كما جاء عن جبريل وغيره ممّن نعى منهم الحسين السبط، وصارت الامّة سبّة على نبيّها بين الامم، فترى رأس الجالوت لقي محمّد بن عبد الرحمن كما ذكره ابن سعد فقال: إنّ بيني وبين داود سبعين أباً، وإنّ اليهود تعظّمني وتحترمني، وأنتم قتلتم ابن بنت نبيّكم؟.

فعلى الامّة أن تبكي مدى الدهور حتّى تغسل درن ذلك الخزي القاتم، وتزيل دنس تلك المنقصة المخزية بدمعة العين، وتسلّي بها نبىّ الاسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المصاب الفادح.

٤- إقامة المأتم في بيوت أهله حيناً بعد حين، وإعلامهم بذلك النبأ العظيم.

٥- شمّ تربة كربلاء وتقبيلها متى ما أخذها بيده وتقليبها بها.

٦- صرّ التربة في الثياب، والتحفّظ عليها في البيوت بلسماً وذكرى لريحانة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كما فعلت السيّدة أمّ سلمة أمّ المؤمنين، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر

١٢٨
إليها وإلى صنيعتها من كثب.

٧- اتّخاذ يوم عاشورا يوم حزن وبكاء شُعثاً غُبراً بهيئة حزينة شوهد بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم ذاك.

ونحن قد أدركنا زعماء الدين، وأعلام الامّة، ووجوه الناس، ورجالات المذهب حتّى الملوك والوزراء والامراء منهم قبل نصف قرن - خمسين عاماً - وكانوا دائبين على رعاية تلك الهيئة أيّام عاشوراء، لم تك ترى أحداّ منهم إلاّ كاسف البال أشعثاً أغبراً باكي العينين، حزناً على الحسين الشهيد، ولما ألقى التمدّن المزيّف جرانه في المدن راحت تلك السنّة الحسنة المرضيّة لله ولرسوله ضحية الأوهام وتغيّرت البلاد ومن عليها، فغدا كلّ منهم يعزّ عليه التأسىّ بالنبىّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) والجري على سيرته وسنّته يوم عاشوراء استحياء من المجتمع المسيّر بيد الاستعمار الوبيلة، فتركت ونسيت كأن لم تكن.

٨- الحضور في كربلاء يوم عاشوراء بعين عبرى، وقلب مكمد محزون تأسياً بحضور رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيها يوم ذاك بتلك الحالة المشجية الّتي سمعت حديثها.

هذا حسيننا ومأتمه وتربته وكربلاؤه وأمّا:

السجدة وما يصح السجود عليه:

واتّخاذ الأرض مسجداً، فإنّ الواجب المتسالم عليه على المصلّي لدى جميع الامّة المسلمة على بكرة أبيهم أن يسجد على الأرض، ومرفوعة: جعلت لي الأرض مسجداً وطهورا. من المتّفق عليه، أصفق عليا أئمّة المذاهب، ولا مندوحة لدى الاختيار والامكان من السجود عليها، أو ما ينبت منها كما يأتي حديثه.

وأخذُ الصحابة الأوّلين حصاة المسجد عند حرارتها في الظهائر وتبريدها بتقليبها باليد كما سيوافيك حديثه، يومىء إلى عدم كفاية غيرها مهما يتمكّن المصلّي من السجود عليها ولو بالعلاج ورفع العذر.

١٢٩
وكذلك حديث افتراشه (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت يديه اللباس عند حرارة الحصاة وبرودتها والسكوت عن الافتراش على المسجد والسجود عليه يؤيّد إيجاب السجدة على التراب فحسب ليس إلاّ.

وأما حين عدم تيسّر السجود عليها والتمكّن منه لحرارة قارصة أو لايجاب عذر آخر فلا وازع عندئذ من السجود على غيرها، إذ الضرورات تبيح المحظورات.

والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل والخُمرة وأمثالها تسوّغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس.

والأنسب بالسجدة الّتي إن هي إلاّ التصاغر والتذلّل تجاه عظمة المولى سبحانه وتجاه كبريائه: أن تُتّخذ الأرض لديها مسجداً يعفّر المصلّي بها خدّه ويرغم أنفه لتُذكّر الساجد لله طينته الوضيعة الخسيسة الّتي خلق منها، وإليها يعود، ومنها يعاد تارة أخرى، حتّى يتّعظ بها، ويكون على ذكر من وضاعة أصله، ليتأتّى له خضوع روحىّ، وذلّ في الباطن، وانحطاط في النفس، واندفاع الجوارح إلى العبوديّة وتقاعس عن الترفّع والأنانيّة، ويكون على بصيرة من أنّ المخلوق من التراب حقيق وخليق بالذُّلّ والمسكنة ليس إلاّ.

ولا توجد هذه الأسرار قطّ وقطّ في المنسوج من الصوف والديباج والحرير، وأمثاله من وسائل الدّعة والراحة، ممّا يري للانسان عظمة في نفسه، وحرمة وكرامة ومقاماً لديه ويكوّن له ترفّعاً وتجبّراً واستعلاءاً وينسلخ عند ذلك من الخضوع والخشوع.

وها نحن نقدّم إلى القارئ جميع ما جاء في الصحاح الستّ، وغيرها من امّهات المسانيد والسنن، من سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الواردة فيما يصحّ السجود عليه، ونمضي على ضوئها ونتّخذها سنّة متّبعة، وطريقة حقّة لا محيد عنها، وهي على ثلاثة أقسام:

١٣٠

القسم الاول:

ما يدلّ على السجود الى الأرض:

١- جعلت لي الأرض مسجداّ وطهوراً.

وفي لفظ مسلم: جعلت لنا الأرض كلّها مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء.

وفي لفظ الترمذي: جُعلت لي الأرض كلّها مسجداً وطهوراً. عن علىّ، وعبد الله ابن عمر، وأبي هريرة، وجابر، وابن عبّاس، وحذيفة وأنس، وأبي أمامة وأبي ذرّ.

وفي لفظ البيهقىّ: جعلت لي الأرض طهوراً ومسجداّ.

وفي لفظ له أيضاً: جُعلت لي الأرض طيبة ومسجداً، وأيّما أدركته الصلاة صلّى حيث كان.(١)

٢- الأرض لك مسجد فحيثما أدركت الصلاة فصلّ، قاله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي ذرّ.(٢)

٣- ابن عباس: انّ النبىّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سجد على الحجر.

أخرجه الحاكم في المستدرك ٣: ٤٧٣ وصحّحه هو والذهبىّ.

٤- أبو سعيد الخدري قال: أبصرت عيناي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى أنفه وجبهته أثر الماء والطين.(٣)

٥- رفاعة بن رافع مرفوعاً: ثمّ يكبّر فيسجد فيمكّن جبهته من الأرض حتّى تطمئنّ مفاصله وتستوي.

أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢: ١٠٢.

١- صحيح البخاري ١: ٨٦، ١١٣، صحيح مسلم ٢: ٦٤، صحيح النسائي ٢: ٣٢ صحيح أبي داود ١: ٧٩، صحيح الترمذي٢: ١١٤، السنن الكبرى ٢: ٤٣٣، ٤٣٥.

٢- صحيح النسائي٢: ٣٢.

٣- صحيح البخاري١: ١٦٣، ١٩٨، ج ٢: ٢٥٤، ٢٥٤، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٥٩، سنن أبي داود١: ١٤٣، ١٤٤، السنن الكبرى ٢:١٠٤.

١٣١
٦- ابن عباس، وأنس وبريدة باسناد صحيح مرفوعاً: ثلاثة من الجفاء: يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته. وفي لفظ واثلة بن الأسقع: لا يمسح الرجل جبهته من التراب حتّى يفرغ من الصلاة.(١)

٧- جابر بن عبد الله قال: كنت أصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فآخذ قبضة من حصى في كفّي لتبرد حتّى أسجد عليه من شدّة الحرّ.

وفي لفظ لأحمد: كنّا نصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الظهر، وآخذ بيدي قبضة من حصى فأجعلها في يدي الأخرى حتّى تبرد ثمّ أسجد عليها من شدّة الحرّ.

وفي لفظ البيهقي: كنت أصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاة الظهر ف آخذ قبضة من الحصى في كفّي حتّى تبرد، وأضعها بجبهتي إذا سجدت من شدّة الحرّ.

فقال البيهقىّ: قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى في الكفّ ووضعها للسجود عليها وبالله التوفيق.

مسند أحمد١: ٣٢٧، السنن الكبرى ٢: ١٠٥.

٨- أنس بن مالك: كنّا نصلّي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه.

السنن الكبرى ٢: ١٠٦.

٩- خبّاب بن الأرتّ قال: شكونا الى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شدّة الرّمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يُشكنا.

السنن الكبرى ٢: ١٠٥، ١٠٧، نيل الأوطار ٢: ٢٦٨.

١٠- عمر بن الخطّاب: مطرنا من الليل فخرجنا لصلاة الغداة فجعل الرجل يمرّ على البطحاء فيجعل في ثوبه من الحصباء فيصلّي عليه، فلما رأى رسول الله٦ ذاك قال: ما أحسن هذا البساط. فكان ذلك أوّل بدء الحصباء. وأخرج أبو داود عن ابن عمر: مطرنا ذات

١- اخرجه البزار والطبراني راجع مجمع الزوايد: ٨٣، ٨٤.

١٣٢
ليلة فأصبحت الأرض مبتلّة فجعل الرجل يأتي بالحصى في ثوبه فيبسط تحته. الحديث.

أبو داود ١: ٧٥، السنن الكبرى ٢: ٤٤٠.

١١- عياض بن عبد الله القرشي: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: أرفع عمامتك، وأومأ إلى جبهته.

السنن الكبرى ٢: ١٠٥.

١٢- علىّ أمير المؤمنين: إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن جبهته.

السنن الكبرى ٢: ١٠٥.

١٣- نافع: انّ عبد الله بن عمر كان إذا سجد وعليه العمامة يرفعها حتّى يضع جبهته بالأرض. السنن الكبرى ٢: ١٠٥.

١٤- عبادة بن الصامت انّه كان إذا قام الى الصلاة حسر العمامة عن جبهته.

السنن الكبرى ٢: ١٠٥.

١٥- أبو عبيدة: انّ ابن مسعود كان لا يصلّي أولا يسجد إلاّ على الأرض.

أخرجه الطبراني في الكبير وعنه في المجمع ٢: ٥٧.

١٦- ابراهيم أنّه كان يقوم على البردي ويسجد على الأرض. قلنا. ما البردي؟ قال الحصير.

أخرجه الطبراني في الكبير، وعنه في المجمع ٢: ٥٧.

١٧ - صالح بن حيوان السبائي: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول الله٦ عن جبهته.

السنن الكبرى ٢: ١٠٥، نصب الراية للزيلعي ١: ٣٨٦.

القسم الثاني:

فيما ورد على السجود على غير الأرض من دون أىّ عذر:

١٣٣
١- أنس بن مالك: أنّ جدّته مليكة دعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لطعام صنعته له فأكل منه ثمّ قال: قوموا فلأصلّي لكم، قال أنس: فقمت الى حصير لنا قد اسودّ من طول ما لُبس، فنضحته بماء، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصفّفت، واليتيم وراءه، والعجوز من ورائناالحديث.

اخرجه البخارىّ في صحيحه ١: ١٠١، وفي صحيح النسائي ٢: ٥٧ بلفظ: إنّ امّ سليم سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأتيها فيصلّي في بيتها فتتّخذه مصلّى فأتاها فعمدت إلى حصير فنضحته بماء فصلّى عليه وصلّوا معه.

وفي لفظ ابن ماجة في سننه ١: ٢٥٥ قال: صنع بعض عمومتي للنبىّ طعاماً فقال للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّي احبّ أن تأكل في بيتي وتصلّي فيه، قال: فأتاه وفي البيت فحل من هذه الفحول فأمر بناحية منه فكنس ورشّ فصلّى وصلّينا معه.

فقال: قال أبو عبد الله بن ماجة: الفحل هو الحصير الّذي قد اسودّ.

وفي سنن البيهقي ٢: ٤٢١: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقيل(١) عند أمّ سليم فتبسط له نطعاً فتأخذ من عرقِهِ فتجعله في طيبها، وتبسط له الخمرة ويصلّي عليها.

وفي السنن ٢: ٤٣٦ بلفظ:

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن الناس خلقاً، فربّما تحضره الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الّذي تحته فيكنس ثمّ ينضخ ثمّ يقوم فنقوم خلفه فيصلّي بنا. قال: و كان بساطهم من جريد النخل.

وفيه أيضاّ بلفظ:

إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل بيتاً فيه فحل فكسح ناحية منه ورشّ فصلّى عليه.

قال في هامش السنن: الفحل: حصير معمول من سعف فحال النخل.

وأخرجه الترمذىّ في الصحيح ٢: ١٢٨ملخصّاً: عن أنس قال: نضح بساط لنا فصلّى عليه.

١- من قال يقيل قيلولة. نام في القائلة أي: منتصف النهار.

١٣٤
٢- ابن عباس ٢: ١٢٦ قال الامام ابن العربي المالكي: الخمرة حصير الصلاة.

٣- أبو سعيد الخدرىّ: أنّه دخل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فرأيته يصلّي على حصير يسجد عليه.

صحيح مسلم ٢: ٦٢، ١٢٨(١).

٤- ميمونة أمّ المؤمنين: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي وأنا حذاؤه وربما أصابني ثوبه إذا سجد، وكان يصلّي على خمرة.

البخاري ١: ١٠١، مسلم ٢: ١٢٨، ابن ماجة ١: ٣٢٠، النسائي ٢: ٥٧ البيهقي ٢: ٤٢١.

وأخرج مسلم ١: ١٦٨ عن عائشة قالت: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ناوليني الخمرة من المسجد! قالت: قلت: إنّي حائض، فقال: إنّ حيضتك ليست في يدك.

٥- ابن عمر: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة ويسجد عليها.

أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط.

٦- أمّ سلمة أمّ المؤمنين: كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حصير وخمرة يصلّي عليها.

أخرجه أبو يعلى، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح، وعن أمّ حبيبة مثله صحيحاً كما في المجمع ٢: ٥٧.

٧- أنس: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة ويسجد عليها.

أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير بأسانيد بعضها صحيح، رجاله ثقات كما في المجمع ٢: ٥٧.

القسم الثالث:

فيما ورد من السجود على غير الأرض لعذر:

١- وأخرجه ابن ماجة في السنن ١: ٣٢١، والترمذي في جامعه ٢: ١٢٧ وليس فيها: يسجد عليه.

١٣٥
كتاب سيرتنا وسنتنا للعلامة عبد الحسين الأميني (ص ١٣٦ - ص ١٤٧)
١٣٦
على ثوبه(١) وأخرج البخارىّ في الصحيح ١: ١٠١ في باب السجود على الثوب في شدّة الحرّ: وقال الحسن: كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمّه.

لفت نظر:

هناك حديث حمله الفقهاء على هذه الصورة أيضاً مع أنّه ليس فيه ذكر عن السجدة على الثوب، ألا وهو:

عن ابن عبّاس: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي في كساء أبيض في غداة باردة يتّقي بالكساء برد الأرض بيده ورجله.

وفي لفظ أحمد: لقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم مطير وهو يتّقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد.

وعن ثابت بن صامت: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قام يصلّي في مسجد بني عبد الأشهل وعليه كساء ملتفّ به يضع يده عليه يقيه برد الحصا.

وفي لفظ: رأيته واضعاً يديه في ثوبه إذا سجد.(٢)

قال الشوكاني في نيل الأوطار: الحديث يدلّ على جواز الاتّقاء بطرف الثوب الّذي على المصلّي ولكن للعذر، إمّا عذر المطر كما في الحديث، أو الحرّ والبرد كما في رواية ابن أبي شيبة، وهذا الحديث مصرّح بأنّ الكساء الّذي سجد عليه كان متّصلاّ به. ا هـ.

ونحن لم نر هذا الحمل في محلّه إذ الحديث لا يدلّ بظاهره إلاّ على اتّقاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالكساء برد الأرض بيده ورجله فحسب، وليس فيه إيعاز قطّ إلى السجدة والجبهة، وسبيله سبيل حديث السيّدة عايشة: كان رسول الله إذا صلّى لا

١- أخرجه أبو يعلى، والطبراني في الكبير.

٢- سنن ابن ماجة١: ٤٣١، السنن الكبرى٢: ١٠٨، نصب الراية ١: ٣٨٦ نيل الاوطار ٢: ٢٦٩، ٢٧٠.

١٣٧
يضع تحت قدميه شيئاًَ إلاّ أنّا مطرنا يوماً فوضع تحت قدميه نطعاً.(١)

وهناك مرفوعة أخرجها أحمد في المسند ٤: ٢٥٤ عن محمّد بن ربيعة عن يونس ابن الحرث الطائفىّ عن أبي عون عن أبيه عن المغيرة بن شعبة قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي أو يستحبّ أن يصلّي على فروة مدبوغة.(٢)

والاسناد ضعيف بالمرّة، وبمثله لا يستدلّ في الأحكام، فيه يونس بن الحرث قال أحمد: أحاديثه مضطربة، وقال عبد الله بن أحمد: سألته عنه مرّة أخرى فضعّفه وعن ابن معين: لا شىء، وقال أبو حاتم: ليس بقوىّ، وقال النسائي: ضعيف. وقال مرّة: ليس بالقوىّ، وقال ابن أبي شيبة: سألت ابن معين عنه فقال: كنّا نضعّفه ضعفاً شديدا، وقال الساجي: ضعيف إلاّ أنّه لا يتّهم بالكذب.

تهذيب التهذيب ١١: ٤٣٧.

وفيه أبو عون عبيد الله بن سعيد الثقفي الكوفي قال أبو حاتم كما في الجرح والتعديل لابنه: هو مجهول. وقال ابن حجر: حديثه عن المغيرة مرسل.

على أنّ متن المرفوعة ساكت عن السجدة وحكمها، والملازمة بين الصلاة على الفروة والسجدة عليها منتفية.

القول الفصل:

هذا تمام ما ورد في الصحاح والمسانيد مرفوعاً وموقوفاً فيما يجوز السجود عليه برمّته، ولم يبق هناك حديث لم نذكره، وهي تدلّ بنصّها على أنّ الأصل في ذلك لدى القدرة والإمكان الأرض كلّها، ويتبعها المصنوع ممّا ينبت منها أخذاً

١- أخرجه الطبراني في الاوسط، والبيهقي ٢: ٤٣٦، وضعفه الهيثمي في المجمع ٢: ٥٧، لمكان ابراهيم بن اسحاق الضبي في اسناده.

٢- وأخرجه أبو داود١: ١٠٦ والبيهقي في السنن٢: ٤٢٠ بالاسناد المذكور.

١٣٨
بأحديث الخمرة الفُحل والحصير والبساط، ولا مندوحة عنها عند فقدان العذر، وأمّا في حال العذر وعدم التمكّن منها فيجوز السجود على الثوب المتّصل دون المنفصل، لعدم ذكره في السنّة.

وأمّا السجدة على الفراش والسجاد والبسط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير وأمثالها والثوب المتّصل فلا دليل يسوّغها قطّ، ولم يرد في السنّة أىّ مستند لجوازها وهذه الصحاح الستّ وهي تتكفّل بيان أحكام الدين ولا سيّما الصلاة الّتي هي عماده لم يوجد فيها ولا حديث واحد، ولا كلمة إيماء وإيعاز إلى جواز ذلك.

وكذلك بقيّة اصول الحديث من المسانيد والسنن المؤلّفة في القرون الأولى الثلاثة ليس فيها أىّ أثر يمكننا الاستدلال به على جواز ذلك من مرفوع أو موقوف من مسند أو مرسل.

فالقول بجواز السجود على الفرش والسجاد والالتزام بذلك، وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة، وأمر محدث غير مشروع، يخالف سنّة الله وسنّة رسوله، ولن تجد لسنّة الله تحويلا. وقد أخرج الحافظ الكبير الثقة أبو بكر ابن أبي شيبة باسناده في المصنّف في المجلّد الثاني عن سعيد بن المسيّب وعن محمّد بن سيرين: أنّ الصلاة على الطنفسة محدث، وقد صحّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: شرّ الامور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة. هذا، وأمّا:

السجدة على تربة كربلاء

واتّخاذها مسجداً فانّ الغاية المتوخّاة منها للشيعة إنّما هي تستند إلى أصلين قويمين، وتتوقّف على أمرين قيّمين، أوّلهما:

استحسان اتّخاذ المصلّي لنفسه تربة طاهرة طيّبة يتيقّن بطهارتها، من أىّ أرض أخذت، ومن أىّ صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلّها في ذلك شرع سواء

١٣٩
سواسية لا امتياز لاحداهنّ على الاخرى في جواز السجود عليها، وإن هو إلاّ كرعاية المصلّي طهارة جسده وملبسه ومصلاّه، يتّخذ الملم لنفسه صعيداً طيّباً يسجد عليه في حلّه وترحاله، وفي حضره وسفره، ولا سيّما في السفر، إذا الثقّة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها ويتّخذها مسجداً لا تتأتّى له في كلّ موضع من المدن والرساتيق والفنادق والخانات وباحات النزل والساحات، ومحالّ المسافرين، ومحطّات وسائل السير والسفر، ومهابط فئات الركاب، ومنازل الغرباء، أنّى له بذلك وقد يحلّ بها كلّ إنسان من الفئة المسلمة وغيرها، ومن أخلاط الناس الّذين لا يبالون ولا يكترثون لأمر الدين في موضوع الطهارة والنجاسة.

فأىّ وازع من أن يستحيط المسلم في دينه، ويتّخذ معه تربة طاهرة يطمئنّ بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته، حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة والأوساخ الّتي لا يتقرّب بها إلى الله قطّ، ولا تجوّز السنّة السجود عليها، ولا يقبله العقل السليم، بعد ذلك التأكيد التامّ البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه، والنهي عن الصلاة في مواطن منها: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمّام ومعاطن الابل(١) والأمر بتطهير المساجد وتطييبها.(٢)

وكأن هذه النظرة الصائبة القيّمة الدينيّة كانت متّخذة لدى رجال الورع من فقهاء السلف في القرون الأولى، وأخذاً بهذه الحيطة المستحنة جداّ كان التابعىّ الفقيه الكبير الثقة العظيم المتّفق عليه مسروق بن الأجدع(٣) يأخذ في أسفاره لبنة

١- سنن ابن ماجة ١: ٢٥٢، ومسانيد وسنن اخرى.

٢- سنن ابن ماجة١:٢٥٦، ومصادر اخرى.

٣- مسروق بن الاجدع عبد الرحمن بن مالك الهمداني أبو عائشة المتوفى ٦٢ تابعي عظيم من رجال الصحاح الست، يروي عن ابي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. كان فقيهاً عابداً ثقة صالحاً، كان في أصحاب ابن مسعود الذين كانوا يعلمون الناس السنة، وقال حين حضره الموت كما جاء في طبقات ابن سعد: اللهم لا اموت على أمر لم يسنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا أبو بكر ولا عمر.

راجع تاريخ البخاري الكبير ٤ ق ٢: ٣٥، طبقات ابن سعد٦: ٥٠ - ٥٦، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٤ ق ١: ٣٩٦، تهذيب التهذيب ١٠: ١٠٩ - ١١١.

١٤٠