×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 1) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

وإن كنت مدعي علم الاكتساب (١) فبين طريقه،... (٢) " فقد بينا ما الذي يعلم ضرورة من هذا الباب، وما الذي يعلم اكتسابا ونبهنا عليه، وجملته: أن المعلوم ضرورة من أن الناس لا يجوز أن يكون حالهم عند وجود الرؤساء المطاعين وانبساط أيديهم (٣)، ونفوذ أوامرهم ونواهيهم، وتمكنهم من الحل والعقد، والقبض والبسط، والاحسان والإساءة كحالهم إذا لم يكونوا، في الصلاح والفساد، وإنما المشتبه الذي يرجع فيه إلى طريقة الاستدلال هل هو هذه حالهم عند كل رئيس؟! أو هو أمر يجوز اختصاصه ببعض الرؤساء دون بعض؟ وهل غير الإمام يقوم مقام الإمام في ذلك أو ممن لا ينوب منابه فيه،؟ وهل هذه الحاجة مستمرة لازمة، أو هي منقطعة يجوز ارتفاعها؟، فهذه الوجوه وما قاربها هي التي يمكن أن يقع الاختلاف فيها، وتبين الدليل الصحيح منها (٤).

فأما ما قدمناه فلا طريق إليه من جهة الاستدلال لأنه في حيز الضرورات، وما هو معلوم بالعادات، وقد قدمنا أن من حمل نفسه على دفعه لم ينفصل ممن دفعه عما نعتقده في جميع العادات وغيرها.

وكيف لا يكون ما ذكرناه مستقرا في العقول، معلوما لسائر العقلاء ونحن نجد جميع حكماء الأمم يحضون (٥) عليه، ويوصون به، ويحذرون

(١) ما يحصل عليه بطلب وتعلم.

(٢) المغني ٢٠ ق / ٢٨١ وفيه " فبين طريقته ".

(٣) انبساط اليد: انطلاقها، وهو كناية عن التمكن من التصرف في الأمور.

(٤) في الأصل " ونبين بالدليل الصحيح منها ".

(٥) حضه على كذا: حرضه وحثه.

٦١
من التغافل عنه، والتقصير في القيام به، وهذا أردشير بن بابك (١)، وألفاظه ووصاياه في الحكمة، وما يتعلق بالأخذ بالحزم معروفة بقوله:

" الملك والدين أخوان توأمان (٢) لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه ".

ومن أمثالهم القديمة: " إن مثل الملك والدين مثل الروح والجسد، فلا انتفاع بالروح من غير جسد، ولا بجسد من غير روح ".

وأما حكماء العرب فقولهم في ذلك معروف شايع قال الأفوه الأودي:


لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهمولا سراة إذا جهالهم سادوا (٣)

(١) أردشير بن بابك من ملوك الفرس الساسانية ملك ١٤ أو ١٥ سنة استقامت له الأمور فيها، وملك البلاد وصال على الملوك، فانقادت إلى طاعته، وهو أول من رتب المراتب في الملك واقتدى به المتأخرون من الملوك والخلفاء، وحفظت عنه وصايا في الملك والسياسة، ثم تخلى عند الملك، وانقطع للعبادة وما ذكره الشريف في المتن جزء من وصيته لولده سابور عندما نصبه ملكا بعده، وتتمة ما ذكر في المتن " فالدين أس الملك. والملك حارسه، وما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.. " أنظر مروج الذهب ١ / ٢٤٨ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٧ / ١٢٤.

(٢) التوأم: المولود مع غيره في بطن والجمع توائم وتوام، في مروج الذهب " الدين والملك أخوان " ولم ينقص المعنى، وانظر عيون الأخبار لابن قتيبة ج ١ / ٣ ومحاضرات الأدباء للراغب الإصبهاني ١ / ١٠٤.

(٣) فوضى - بوزن سكرى -: أي متساوون لا رئيس لهم والسراة اسم جمع لأسرياء وسرواء وسرى، وهي جمع السري وهو من تكون له مروءة في شرف، ومراد الشاعر الرئيس.

٦٢

تهدى الأمور بأهل الحزم ما صلحتوإن تولت فللأشرار تنقاد (١)
فالبيت لا يبتنى إلا بأعمدةولا عماد إذا لم ترس أوتاد (٢)
فإن تجمع أوتاد وأعمدةوساكن بلغ الأمر الذي كادوا (٣)

فما يكون قول العقلاء والألباء (٤) فيه هذا القول، ووصيتهم به جارية على هذا الوجه كيف يمكن اختلاف العقلاء فيه، وأنه أمر يستغنى عنه أحيانا ويحتاج إليه أحيانا؟!!

وليس لأحد أن يقول: فلعل من حكيتم عنه ما ذكرتموه غالط ومتوهم لخلاف الواجب لأنا لم نحتج بقوله على وجه يقدح فيه مثل هذا الكلام وإنما أردنا أن اعتقاد الحاجة إلى الرؤساء وعموم النفع بهم شامل للعقلاء، وأنه مما لا يختص به أحد فاستشهدنا بقول من قد صحت حكمته، وتبينت (٥) معرفته بالسياسة وما يرجع إلى الأخذ بالحزم والتدبير ليكون أبلغ فيما قصدنا.

وبعد فكيف غلط هؤلاء فيما ذكرناه ولم يغلطوا في جميع ما وصوا به

(١) تهدى: ترشد، والحزم: ضبط الأمور.

(٢) الأعمدة جمع قلة لعمود البيت. وفي الكثرة: عمد - بفتحتين - وعمد - بضمتين - وقرئ بهما قوله تعالى (في عمد ممددة) وفي رواية العقد الفريد ج ١ / ٩ " إلا له عمد ".

(٣) كادوا - هنا -: أرادوا، لأن كاد قد تأتي في مكان أراد، أنشد الأخفش:


كادت وكدت وتلك خير إرادةلو عاد من لهو الصبابة ما مضى

قال بعضهم في تفسير قوله تعالى (أكاد أخفيها) أريد أخفيها، كما وضع يريد موضع يكاد في قوله سبحانه (يريد أن ينقض).

(٤) الألباء - بوزن أشداء - جمع لبيب - وهو العاقل، واللب: العقل.

(٥) ثبتت خ ل.

٦٣
من الحكم والآداب والتدبير والسياسة ونحن نجد جميع العقلاء يفزعون في هذه الأمور إلى كتب هؤلاء القوم ويستفيدون منها ما يسوسون به أمر معايشهم. وأكثر متصرفاتهم؟! وهل ادعاء (١) الغلط عليهم في هذا دون غيره إلا فرارا من لزوم الحجة؟.

وأما قوله: " وليس بأن يدعى إماما واحدا بأولى من جماعة، ولا معصوما بأولى من غيره... (٢) " فقد مضى ما فيه، وبينا أن الذي يثبت وجوب الرئاسة وحصول اللطف بهما في الجملة غير الذي به يثبت صفات الرؤساء وأعدادهم.

وأما قوله: " ولو أن قائلا قال بالمتقرر (٣) في العقول فزعهم إلى اختيار أنفسهم في نصب رئيس جامع للكلم فيجب أن يبطل (٤) بذلك إثبات الإمام بنص أو معجزة لكان أقرب مما ذكروه... (٥) " فقد سلف من الكلام عليه في هذا المعنى المتكرر ما يغني.

وبعد، فإنهم إنما فزعوا إلى اختيار أنفسهم عند جهلهم بأن لهم إماما يجب عليهم طاعته، وعند نفورهم عمن نصب لهم من الأئمة وعصيانهم لهم ففزعوا إلى نصب رئيس من حيث فوتوا أنفسهم الاتباع لمن نصب لهم. وهذا يؤكد ما ذكرناه من مثابرة (٦) العقلاء على أمر الرئاسة.

واعتقادهم وجوبها وحصول الضرر في الاخلال بها.

(١) في الأصل " ادعي ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٨.

(٣) في الأصل " بالمقرر " وأصلحناه من المغني.

(٤) غ " نبطل ".

(٥) المغني ٢٠ ق / ١ / ٢٨.

(٦) المثابرة: المواظبة على الأمر.

٦٤
فأما قوله: " ولو أن قائلا قال: المعلوم (١) أنهم ينصبون رئيسا عند الحوادث لا في كل حال، وأنهم مع سلامة أحوالهم قد لا يفعلون ذلك، فإذا وقعوا (٢) في محاربة ومنازعة (٣) فعلوه لكان، أقرب مما قالوه، (٤)... " فقد بينا أن الأمر الذي يحتاج فيه إلى إمام ليس مما يحدث في حال دون حال، بل هو عام في الأحوال فكيف يصح ما ذكروه؟.

وبعد، فكيف يجوز الاستغناء عن الإمام في حال الأمن وارتفاع الحاجة إلى الحرب والمنازعة وما جرى مجراهما ونحن نعلم أن حال الأمن لا يعدم فيها التظالم والتغالب، وامتداد يد القوي إلى الضعيف إلى سائر ما يستغنى عن ذكره من وجوه الفساد التي لا يمتنع الأمن منها ولا يحيل وقوعها (٥)؟ وإذا كان كل هذا متوقعا ممكنا ووجود من يهاب مكانه، وتخشى سطوته، أو يوقر في نفسه. ويستحيى من مجاهرته يرفع ذلك أو يقلله فقد بطل ما ظنه من اختصاص الحاجة إليه بحال دون أخرى، على أنه لا فرق بين من قال: إن الإمام قد يجوز أن يستغنى عنه في الأمن عند الاستغناء من الحرب وبين من قال: وقد يجوز أيضا أن يستغنى عنه في الحرب وغيرها مما يدعي أنه يحتاج إليه فيه، وما يصحح الحاجة إليه في الحرب والمنازعات بمثله يصحح الحاجة إليه في جميع الأحوال، وقوله:

" لأنهم مع سلامة الأحوال قد لا يفعلون ذلك " لا ينكر غير أنهم إذا لم يفعلوه أعقبهم من الضرر والانتشار (٦) ما هو معروف ولم يكن احتجاجنا

(١) المتعالم خ ل وكذلك في المغني.

(٢) غ " دفعوا ".

(٣) في الأصل " محادثة " وما أثبتناه من المغني.

(٤) المغني ٢٠ ق / ١ / ٢٨.

(٤) أي يجعله مستحيلا.

(٦) الانتشار: التفرق.

٦٥
بفعلهم حسب، وإنما احتجاجنا أنهم يفعلون ذلك. ويبادرون إليه لوجوبه في عقولهم. ومتى أغفلوه تبينوا عن مضرته، على أنهم إذا لم يفعلوا ذلك علموا من أنفسهم أنهم مهملون، وتاركون لما يجب في عقولهم، وأنهم مستعملون الهوى، ومتبعون له، كما يعلمون - إذا كانوا عقلاء وارتكبوا الظلم وما جرى مجراه في القبائح في العقول - أنهم فاعلون لما يقتضي عقولهم خلافه. وأنهم في ذلك عاملون على الهوى، ومائلون مع الطباع ولا يخل (١) ذلك بمعرفتهم بقبح ما صنعوه فكذلك حكمهم إذا أهملوا أمر الإمامة وتوانوا عن إقامة الرؤساء مثل ذلك.

فأما قوله: " لو أن قائلا قال: فزعهم إلى نصب رئيس كفزعهم إلى الاستبدال (٢) به إذا كرهوا منه أمرا (٣) ".

وقوله: " ولو أن قائلا قال: كل فرقة تفزع إلى رئيس غير الذي تفزع إليه سائر الفرق فيجب إثبات رئيس لكل فرقة (٤) لكان أقرب مما ذكروه، (٥)... " فقد تكرر منا الكلام عليه لتكراره له.

وجملته: أن يظن أن طريقتنا في إثبات الإمامة، وما نوجبها به هي طريقتنا إلى إثبات صفات الإمام التي يختص بها. وكون عليه نص من قبل الله تعالى، وهذا ظن منه بعيد.

وأما قوله: " ولو أن قائلا قال: المتقرر في العقول أنهم ينصبون

(١) يخل: يفسد.

(٢) غ " الاستدلال " ولا أرى له وجها.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٨.

(٤) غ " قرية ".

(٥) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٨.

٦٦
رئيسا عند ظنهم الحاجة إليه كما ينصبون وكيلا عند ذلك. ولذلك لو ظنوا الغنى عنه لم يتكلفوه، (١)... " فقد بينا أنهم عالمون بالحاجة إلى الإمام والرئيس لا ظانون، وأن حاجتهم إلى ذلك لا تختلف باختلاف الأوقات.

فإن الاستغناء عن الرؤساء لا يجوز أن يتخيله عاقل، وذلك كاف.

وأما قوله: " لا فرق بين من قال: المتقرر (٢) في العقول وجوب نصب الإمام لحصول الأمن وبين من قال: المتقرر في العقول وجوب * (٣) الصلاة والصيام. ورجع إلى ما ثبت (٤) في العقل من وجوب الخضوع للمعبود، وإذا كان ذلك لا يدل على وجوبهما بهذه الشرائط، لأن العقل إنما يقتضي الخضوع فقط ولا يقتضي الخضوع بهذين الفعلين [ على ما اختصا به من الشرائط ] (٥) فكذلك لو ثبت ما قالوه من نصب رئيس في العقل كما دل على ما قالوه لأنه لم يثبت نصبه على الصفة التي ذكروها فلا بد من رجوعهم إلى دليل سواه، (٦)... " فقد رضينا بما ذكره ومثل به من أمر الصلاة والصيام وما أشبههما من العبادات الشرعية، لأن العقل وإن دل على وجوب الخضوع للمعبود في الجملة فهو غير دال على استعمال ضرب من الخضوع مخصوص وإنما يرجع في ذلك إلى أدلة أخر، وكذلك القول في الإمامة عندنا، لأن العقل الدال على الحاجة إلى الرئاسة في

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٨.

(٢) غ " المتصور في العقل ".

(٣) ما بين النجمتين ساقط من مطبوعة المغني ولذا وقع محققه في حيرة لعدم ظهور الطرف الآخر من المقارنة.

(٤) في الأصل " يثبت ".

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من الأصل فأعدناه من المغني.

(٦) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٩.

٦٧
الجملة ووجوب إقامة الرؤساء لا يدل بنفس ما دل به على الحاجة إليهم في الجملة على صفاتهم المخصوصة، وأحوالهم المعينة، بل لا بد من إثبات ذلك من الرجوع إلى طريقة أخرى، وهي وإن كانت من جملة طرق العقل وأدلته فليست نفس ما دلنا على وجوب الرئاسة، فنسبة صاحب الكتاب - على ظنه - أن طريقتنا في وجوب الرئاسة وصفات الرؤساء وأعدادهم واحدة [ غير صحيحة ].

فأما قوله: " إن العقلاء قد يفعلون (١) ما هو واجب وما ليس بواجب، فمن أين أنه واجب؟ وقد يفعلون (٢) ما يحسن وما لا يحسن، فمن أين أنه حسن؟ وقد يفعلون (٢) ما يشتركون في معرفته وسببه، وما يفترقون فيه، فمن أين أن جميعهم قد وقفوا على وجوب سببه (٣)؟ وهذا يبين أن فعلهم ليس بحجة إلا إذا كان عن معرفة، (٤)... " فقد بينا أن تعلقنا لم يكن بفعلهم فقط، بل بما يعلمونه من وجوب ذلك الفعل عليهم، وما في تركه من الاستضرار (٥)، وفي فعله من الصلاح، وأنه مما لا يختلف حاله مع كون المكلفين على ما هم عليه بل العلم بوجوده مستمر غير منقطع. وإذا كنا قد فرغنا من ذلك فقد سقط ما ذكره في هذا الفصل لأنهم إذا كانوا قد فعلوه مع العلم بوجوبه فقد زاد ذلك على إثبات حسنه لأن الواجب في العقول لا يكون إلا حسنا، وبان أيضا أنهم مشتركون في

(١) في المغني " فأما قولهم: إن العقلاء يعقلون ذلك فقد يعقلون ما هو واجب ".

الخ.

(٢) في المغني " يعقلون ".

(٣) وفيه " وجوب سببه ".

(٤) المغني ٢٠ / ٢٩.

(٥) استفعال من الضرر.

٦٨
معرفة سبب وجوبه، وقد تقدم فصلنا بين ما يعلم من ذلك باضطرار وما يعلم باكتساب فلا وجه لا عادته.

فأما قوله: " لأن العقلاء مختلفون فمنهم من ينصب رئيسا ومنهم من يعول على ما يعلمه من حال جميعهم في بذل النصفة (١) من أنفسهم، ومنهم من يبطل الرئيس ويعزله، ويعود إلى طريقة الشورى (٢)... " فقد عرفنا وعرف من يفزع إلى نصب الرؤساء من العقلاء ويثابر على أمر الرئاسة. ويحذر من التفريط فيها، والاهمال لأمرها. وليس يعرف من الذي يعول على بذل النصفة من نفسه، ويظن الاستغناء عن الرؤساء والأئمة، وقد كان يجب عليه إذا ادعى ذلك أن يشير إلى من لا يمكن جحد مكانه، ولا يعول على محض الدعوى، وقوله " ومنهم من يعزل الرئيس ويعود إلى الشورى (٣) " لسنا نعلم بأي طريق يقدح في مذهبنا، لأن رجوع من يرجع إلى الشورى لم يخرج به عن طريقة من يعتقد الحاجة إلى الرؤساء، ولزوم إقامتهم. لأن الشورى إنما هي زمان الفحص عن المستحق الأمر الرئاسة، وذلك يؤكد أمر الحاجة إلى الإمام، اللهم إلا أن يريد بلفظ الشورى الاهمال والاستغناء عن الإمام، فإذا كان يريد ذلك فهو غير مفهوم من هذه اللفظة مع الاصطلاح الواقع على معناها، وقد مضى الكلام على فساد ذلك - إن كان أراده - مستقصى (٤).

(١) النصفة والنصف - محركتين - بمعنى واحد أي العدل، يعني ومنهم من يرى أنه إذا علم من الناس التناصف فلا حاجة للإمامة حينئذ كما يذهب إلى ذلك الأصم من المعتزلة، وفي مطبوعة المغني " ومنهم من يقول لا لما نعلمه من حال جميعهم " ولا وجه له.

(٢) في المغني " إلى طريقته الأولى " ولا معنى لذلك.

(٣) المغني ٤٠ ق ١ / ٢٩.

(٤) استقصى في المسألة وتقصى: بلغ الغاية.

٦٩
فأما قوله: " واعلم أن الذي يفعله العقلاء لا مدخل له في باب الإمامة لأنهم يفعلون ما يتصل باجتلاب المنافع، ودفع المضار.

والاستعانة بالغير عند الحاجة تدخل في هذا الباب، ولا فرق بين الاستعانة بوكيل يقوم بأمر الدار والضيعة (١) والاستعانة بأمير (٢) يقوم بحفظ البلد " - إلى قوله -: " فلا فرق بين من يدعي نصب الإمام بهذه الطريقة وبين من يدعي جميع ما يتعلق باجتلاب المنافع ودفع المضار، ويجعله أصلا في هذا الباب، (٣)... " فليس كما ادعاه من أن الحاجة إلى الإمام بخصوصه في اجتلاب المنافع ودفع المضار الدنيوية، بل الذي ذكره إن كان حاصلا فيها فقد يتعلق بها أمر ما يرجع إلى الدين، واللطف في فعل الواجبات، والاقلاع من المقبحات.

ألا ترى أنا قد دللنا على أن بوجود الرؤساء وانبساط أيديهم. وقوة سلطانهم يرتفع كثير من الظلم والبغي، ويخف أكثر ما يجري عند فقدهم من الفساد والانتشار؟ وكل ذلك يبين أن للرئاسة دخولا (٤) في الدين قويا، وكيف يدفع تأثير الرئاسة في أمر الدين مع ما ذكرناه من تقليلها لوقوع كثير من المقبحات، وتكثيرها لفعل الواجبات؟

وليس لأحد أن يقول: لو كانت الرئاسة إما تجب من حيث كانت لطفا في واجبات العقول لم يجب على الناس إقامة الرؤساء، لأنه لا يجب عليهم أن يلطفوا لغيرهم في فعل الواجبات عليه، فإذا كان غرض من

(١) قال الأزهري: " الضيعة عند الحاضرة النخل والكرم والأرض والعرب لا تعرف الضيعة إلا الحرفة والصناعة ".

(٢) غ " أمين ".

(٣) المغني ٢٠ / ٣٠.

(٤) دخلا، خ ل.

٧٠
كتاب الشافي في الإمامة (ج١) للشريف المرتضى (ص ٧١ - ص ٨٨)
٧١
من العقلاء يستغني عن أن يكون له رئيس يأخذ على يده ويمنعه عن كثير مما يتسرع (١) بطباعه وهواه إليه من القبائح. وحكم سائر من يجوز عليه فعل القبيح من المكلفين حكم صاحب الضياع والأموال التي لا يتسع لتدبيرها والقيام بها، وكما أن من هذه حاله إذا ترك إقامة الوكيل والاستعانة به كان مفرطا مذموما موبخا (٢) وأعقبه ذلك غاية الضرر فكذلك حال المكلفين متى خلوا من الرؤساء والأمراء.

وقوله: " فلا فرق بين من يدعي نصب إمام بهذه الطريقة... " إن أراد نصب الإمام المختص بالصفات التي يذكرها فقد تقدم أنا بهذه الطريقة وحدها لا نثبته، وإن أراد نصب رئيس في الجملة فهو الصحيح وقد أوضحناه.

فأما قوله: " على أنا قد بينا أن ما يكون طريقا لاجتلاب المنافع يحسن ولا يجب، وما يكون طريقا لدفع المضار قد يجب، وأن ذلك متعلق بغالب الظن، إلى آخر كلامه... (٣) " فقد تقدم آنفا (٤) ما يبطل ما ادعاه من اختصاص نصب الرؤساء بدفع المضار الدنياوية، واجتلاب المنافع العاجلة، ودلنا على أن للرئاسة تعلقا وكيدا بالدين بما لا يمكن دفعه.

فأما قوله: " وربما اجتمعوا على رئيس كافر، وربما اجتمعوا على رئيس مؤمن، ويحل ذلك محل اختلافهم في أغراضهم وشهواتهم، وما هذا حاله لا يجعل أصلا في باب الديانات، (٥)... " فليس ننكر ما ذكره

(١) يتسرع: يبادر.

(٢) التوبيخ: التهديد والتأنيب.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ٣١.

(٤) آنفا: سالفا.

(٥) المغني ٢٠ / ق ١ / ٣١.

٧٢
من جواز اجتماع الناس على رئيس كافر، ولا نمنع من أن تستقيم أحوالهم على رئاسته بعض الاستقامة، وليس ذلك بقادح في قولنا. لأنا نمنع من أن ينصب الله إماما كافرا لأمر يرجع إلى حكمته لا أن رئاسة الكافر لا يجوز أن تكون، إذ في المعلوم أن قوما يستقيمون عندها فيه [ و ] هذا - كما نقوله نحن وأنتم جميعا - لا يمتنع أن يعلم الله تعالى من بعض عباده أنه لا يؤمن إلا بأن يفعل - تعالى (١) - بعض القبائح. فنقول: إن ذلك لا يجوز أن يفعله، بل لا يحسن فكذلك القول في رئاسة الكافر، وكل هذا لا يمنع من صحة ما ذكرناه في وجوب الرئاسة على الجملة بل يؤكده.

فإن قيل: ما تقولون لو علم الله تعالى أن سائر المكلفين لا يصلحون ولا يستقيم حالهم إلا عند رئاسة كافر، أو عند رئاسة من ليست له هذه الصفات المخصوصة التي تدعونها للأئمة؟.

قيل له: إذا علم الله ذلك أسقط عن المكلفين ما الإمامة لطف فيه من التكليف، أو لم يخلقهم في الابتداء، ويجري مجراه أن يعلم الله سبحانه أن بعض المكلفين لا يصلح في شئ من تكاليفه، ولا يكون شئ من الأفعال الحسنة لطفا له، بل يعلم أن صلاحه ولطفه في فعل قبيح يفعله سبحانه، فكما أنا نوجب إسقاط التكليف عن هذا أو أن لا يخلق فكذلك نوجبه فيمن تقدم.

فأما ما طوله من الخاطر والتنبيه على النظر، إلى آخر كلامه في ذلك... (٢) فليس مما نتعلق به ولا نعتمده، وقد أوضحنا عن وجه

(١) الضمير في فعل يرجع إلى الله تعالى على سبيل الافتراض ولذلك قال رحمه الله بعد ذلك: " لا يجب أن يفعله بل لا يحسن ".

(٢) من ص ٣١ ق ١ فما بعدها.

٧٣
الحاجة إلى الإمام بما يغني عن غيره. وقد كنا قلنا فيما قبل: أنه ليس يجوز أن يوجب إقامة إمام لأمر يجوز أن يقوم غيره فيه مقامه، والتنبيه على النظر فيما يجوز عندنا أن يستغنى فيه عن الإمام وإن كان بعض أصحابنا تعلق بذلك تقريبا.

فأما ما ذكره وأطنب فيه (١) أيضا من شكر النعمة، وتعاطيه (٢) إفساد قول من يدعي: أن الإمام يحتاج إليه لبيان كيفية الشكر لله تعالى فمما لا نرتضيه ولا نعتمده.

وقوله في آخر كلامه: " إن هذا التعليل لو صح [ لهم ] لما كان يوجب في كل عصر حجة لا محالة (٣)، لأن بيان الرسول الواحد إذا انتشر بالتواتر في كيفية الشكر أغني عن حجة [ بعده ]... (٤) " باطل لا يفسد بمثله المذهب الذي حكاه لأن ما بينه الرسول عن كيفية الشكر ليس مما يجب نقله لا محالة، ولو وجب نقله لم يجب على وجه التواتر الموجب للحجة لأنه لا يمتنع أن يعرض الناقلون أو أكثرهم عن النقل لداع يدعوهم إلى الإعراض، كما أنهم في الأصل لم ينقلوا ما نقلوه إلا لداع دعاهم إلى النقل، وإذا كان ذلك عليهم جائزا وغير ممتنع سقطت الحجة بالنقل وثبتت الحاجة إلى إمام مؤد لما وقع من بيان الرسول لأنه لو كان الأمر بخلاف ما ذكرناه، وعلى ما ظنه خصومنا لم يكن لله تعالى على من لم يشاهد زمن النبي حجة إذا كان النقل بالصورة التي ذكرناها، وهذا يبطل

(١) أطنب فيه: بالغ في وصفه مدحا أو قدحا.

(٢) تعاطى كذا: خاض فيه.

(٣) المحالة: الحيلة والمراد هنا لا بد.

(٤) المغني: ٢٠ ق ١ / ٣٥.

٧٤
قوله: " إن التواتر يقوم مقام الإمام في بيان مراد الرسول (١) ".

فأما ما ذكره في السموم القاتلة، والأغذية المتبقية (٢) فمما لا نعتمده أيضا في وجوب الحاجة إلى الأئمة ولو كان ذلك مما لا يستفاد بالتجربة والاختبار لما وجب الحاجة إلى الإمام في كل زمان، بل كان لا يمتنع أن ينبه عليه في الابتداء إمام واحد ويستغني من يأتي من بعده عن بيان الإمام لذلك بالنقل، وليس يجري هذا الوجه مجري ما ذكرناه قبل هذا الفصل في باب العبادات وشكر المنعم، وأنه غير ممتنع على الخلق أن يكتموا ما نبه الرسول عليه من ذلك لداع وغرض، وبين الأمرين فرق واضح. لأن ما يعلمه الناس من السموم القاتلة. والأغذية المصلحة. وما جرى مجراهما مما به قوام أبدانهم هم كالملجئين إلى نقله وإعلام أولادهم وأخلافهم (٣) ومن يأتي بعدهم، مضرته ليجتنبوا منه المضر ويتناولوا المصلح. ويبعد بل يستحيل أن يكون لعاقل داع إلى كتمان ما جرى هذا المجرى، وليس بمستحيل ولا ممتنع أن يعرض الناس عن نقل العبادات وكثير من التكليفات لأغراض معقولة فلهذا جاز أن يستغنى عن المبين في كل وقت لأحوال السموم والأغذية وإن لم يجز أن يستغنى عنه في باب الدين والعبادات.

وأما قوله: " ويقال لهم: إن وقوع القتل بالسم ليس بواجب، وقد كان يجوز أن تتعلق الشهوة به فيصير غذاء، وأن تجري العادة فيه بخلاف ذلك فلا يكون قاتلا فما الذي يمنع أن يخلي الله المكلفين من حجة

(١) ما بين القوسين معنى كلام القاضي لا حروفه.

(٢) في الأصل " المقيئة " وأصلحناه من المغني.

(٣) أخلافهم من يخلفهم، والخلف - بسكون اللام - القرن بعد القرن.

٧٥
إذا كانت الحالة هذه، إلى آخر كلامه (١)... " فإنه لا يقدح في طريقة جعل الإمام مبينا لهذه الأمور، لأنهم إنما أوجبوا الحجة إليه من هذا الوجه بطبائع الانسان، وسائر الناس وعاداتهم على ما هي عليه، وما قدره صاحب الكتاب لا يصح إلا بانتقاض العادات، وخروج الناس عن طبائعهم المعروفة، ولهم أن يقولوا: إن تقديرك لو وقع لارتفعت الحاجة إلى الإمام في هذا الوجه وإن لم يرتفع من وجه آخر، كما أنا لو قدرنا عصمته جميع الخلق، وامتناع وقوع القبيح منهم لم يكن لهم حاجة إلى الإمام على بعض الوجوه ولم يمنع ذلك من القضاء بحاجتهم إليه إذا لم يكن هذه حالهم.

فأما قوله: " وبعد فإن ذلك يوجب الاستغناء بالرسول إذا بين بيانا يشتهر بطريقة التواتر هذه الأمور التي ذكروها، كما يستغنى الآن عن الإمام في وجوب الصلوات، فإن الفرض أن يستقبل القبلة (٢) ويصلي بطهارة إلى غير ذلك... (٣) " فقد بينا ما يصح أن يستغنى فيه بالتواتر وما لا يصح أن يستغنى بذلك فيه وفصلنا بين الأمرين.

فأما الإمام فليس يستغنى عنه في وجوب الصلوات إلى سائر ما ذكره على ما ظنه. لأن أصحابنا قد ذكروا وجوه الحاجة إليه في ذلك.

فمنها تأكيد العلوم وإزالة الشبهات.

ومنها أن يبين ذلك ويفصله، وينبه على مشكله وغامضه.

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٦.

(٢) غ " الكعبة ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٦.

٧٦
ومنها كونه من وراء الناقلين ليأمن المكلفون من أن يكون شئ من الشرع لم يصل إليهم.

ولو وجب أن يطلق الاستغناء عن الإمام في هذه الأمور من حيث كان لنا طريق يوصل إلى العلم بها من غير جهة لوجب على صاحب الكتاب وأهل مذهبه أن يطلقوا الاستغناء عن الرسول في جميع ما أداه إلينا مما علمناه قبل أدائه بالعقل، ومن أطلق بذلك خرج من جملة المسلمين.

وليس يمكن أن يمتنع منه ويحتج فيه إلا بمثل ما احتججنا به.

فأما قوله: " واعلم أن الذي أوجب هذا الخلاف الشديد (١) الذي هو أصل الكلام مع الإمامية (٢) " إلى قوله: " لأن الرسول [ صلى الله عليه ] كما تغني مشاهدته وسماع كلامه في معرفة الأمور من قبله عن غيره في وقته فكذلك يجوز أن يستغنى بما يتواتر عنه من الأخبار في سائر ما يحتاج إليه عن إمام بعده بالصفة التي ذكروها (٣)... " فقد مضى الكلام في أن التواتر لا يغني عن ذلك. والفصل بينه في الاستغناء به بعد الرسول وبين استغنائنا بمشاهدة الرسول وسماع كلامه في معرفة الأمور عن غيره واضح، لأنا نأمن في حال مشاهدته وسماع كلامه على من يكتم بعض ما يجب أداؤه، ويعرض عنه بشبهة وسهو. وما جرى مجراهما، فنستغني في حال مشاهدته بكلامه وبيانه لما ذكرناه، وليس كذلك الحال بعد وفاته، لأنا قد بينا أن الإعراض عن النقل بشبهة أو تعمد غير مأمون على

(١) نتج هذا الخلاف الشديد خ ل.

(٢) غ " في الإمامة ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٧.

٧٧
الناقلين، فكيف يجوز أن يحمل إحدى الحالين على الأخرى مع تباعد بينهما.

فأما قوله: " ولذلك ارتكب بعضهم عند هذا الالزام القول بإبطال التواتر،... (١) " فهو سهو منه عجيب، لأنا لا نبطل - بحمد الله - التواتر، وهو عندنا الحجة في ثبوت السمعيات، وكيف نبطله وبه نحتج في النص على أعيان الأئمة، ومعجزات الأنبياء؟، فإن كان يظن إذا جوزنا على المتواترين الإعراض عن النقل بشبهة أو تعمد فقد أبطلنا التواتر، فقد وقع بعيدا، لأن الناقلين إنما يكونون متواترين إذا نقلوا أو أخبروا على وجه مخصوص، وعندنا أنهم إذا نقلوا الخبر على وجه التواتر كان نقلهم حجة، وتجويز الإعراض عن النقل عليهم لا يقدح في صحة التواتر، ولا يكون تجوزه عليهم مبطلا له.

فأما قوله: " وبعضهم ارتكب القول بجواز الكتمان على الخلق العظيم (٢)، وارتكب بعضهم إبطال الاجماع (٣) لأنهم رأوا مع القول بصحة هذه الأدلة أنه لا يصح تعلقهم بما قدمنا في أنه لا بد من حجة في كل

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٧.

(٢) علق محقق المغني على هذه الجملة بقوله: " الأولى أن تحذف هذه الكلمة أو يضاف إليها ما تكمل به جملة " والجملة كاملة وهي أن بعضهم يرى أن الخلق وإن عظموا كثيرة يجوز عليهم كتمان ما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وآله لأمر ما.

(٣) الاجماع في اللغة: العزم، وفي الشرع اتفاق العلماء، في وقت من الأوقات على شئ والاجماع - عند السنة - حجة كالنص المتواتر، وهو معتبر عند الشيعة بل أحد مصادر الفقه الأربعة وهي الكتاب والسنة والعقل والاجماع، لأن الاجماع يكشف عن رضاع المعصوم باعتبار أن أقوال التابعين تدل على قول المتبوع وأن المجمعين علماء أتقياء والتقوى تمنع من القول بلا علم فاللازم أن نؤمن بأن المجمعين ما أجمعوا إلا لوجود دليل معتبر عندهم وهو حجة بالرغم من جهل المنقول إليه العلم به، وقاعدة اللطف تقتضي أن إجماع العلماء لو كان خطأ لوجب أن يظهر الله سبحانه لهم الحق ليقربهم من الطاعة ويبعدهم من المعصية إلى غير ذلك من الأقوال، ولكن بعضهم يرى أن عد الاجماع من الأدلة فيه نوع من التسامح وما هو إلا راو وحاك لحكم من الكتاب والسنة والراوي لا يجوز الأخذ بقوله إلا بعد الوثوق والاطمئنان بالصدق وعدم الخطأ ولذا نرى أن بعضهم ضرب ببعض الاجماعات عرض الجدار إذا قام عنده الدليل بما يعارضها.

٧٨
وقت، (١).... " فإنا لم نرتكب ما حكاه، بل ذهبنا إليه واعتقدناه للأدلة الباهرة التي قد ذكرنا بعضها.

وإنما يقال: ارتكب كذا وكذا فيما لا دليل عليه، وفيما يضطر المرتكب لزوم المحجة إلى ارتكابه. ولم نجوز الكتمان من حيث نضطر ليصح لنا ما ذكرناه، بل لأن الاعتبار كشف لنا عن جوازه عليهم.

فأما الاجماع فليس بباطل عندنا لأن الدليل قد دلنا على أن في جملة المجمعين معصوما. حجة لله تعالى، فليس يجوز أن ينعقد الاجماع على باطل من هذا الوجه، لا كما يدعيه المخالفون.

ثم يقال له: لكنك وأصحابك ارتكبتم أن الخلق لا يجوز عليهم الكتمان، وتجاوزتم ذلك إلى الجماعات، وادعيتم أيضا أن الأمة لا تجتمع على باطل بشبهة ولا تعمد (٢) ليسلم لكم ما تريدون نصرته من الاستغناء عن الأئمة والحجج بعد الرسول صلى الله عليه وآله. ولأنكم رأيتم أن في تجويز ذلك على الأمة ونفي وجود الأئمة انسلاخا عن الدين، وخروجا عن الاسلام. وطريقنا إلى ارتفاع الثقة بشئ من العبادات

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٧.

(٢) يشير إلى ما روي " لا تجتمع أمتي على ضلالة " أنظر الملل والنحل ١ / ١٣.

٧٩
والشرع فحملتم نفوسكم على دفع المعلوم الجائز في العقول ليصح لكم مذاهبكم الفاسدة.

فأما قوله: " ثم دعا ذلك بعضهم إلى إنكار العقليات أو بعضها لكي يثبت له إثبات حجة في الزمان فأبطلوا الحجج الصحيحة لكي يثبتوا ما لا أصل له (١)، * وما لو ثبت لكان فرعا على هذه الحجج، لأن إثبات الإمام لا يمكن إلا بطريقة العقل أو التواتر... (٢) * " فواضح البطلان، وكيف يبطل أدلة العقل من تقاضى خصومه إليها. ويعول في حجاجهم ودفع مذاهبهم عليها لولا يرى صاحب الكتاب أن معتمدنا من أول كلامنا إلى هذه الغاية في إثبات الرئاسة على محض دلالة العقل فكيف يتوهم المحتج بالعقل اعتقاد بطلانه؟، والذين أنكروا العقليات في الحقيقة وأبطلوها من حيث لا يشعرون هم الذين نفوا الحاجة إلى الرؤساء مع شهادة العقل بالحاجة إليهم.

فأما قولهم: " * ثم أداهم ذلك إلى إثبات أشخاص * (٣) لا أصل لهم لكي يصلح (٤) ما ادعوه فاثبتوا في هذا الزمان إماما مختصا بنسب واسم من غير أن يعرف منه (٥) عين أو أثر... " فمبني على مجرد دعوى ومحض الاقتراح (٦)، وقد دللنا على أن الإمامة واجبة في كل زمان بما لا حيلة

(١) سقط ما بين النجمتين من المغني.

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ٣٧.

(٣) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٤) غ " ينجح ".

(٥) غ " فيه ".

(٦) الاقتراح سؤال الشئ من غير روية أو ارتجال الكلام من غير تدبر.

٨٠