×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

ومالك الطاعة لا يكون إلا بمعنى الإمام لأن الإمامة مشتقة من الإئتمام به والائتمام هو الاتباع والاقتداء والانقياد فإذا وجبت طاعته فلا بد من أن يستحق هذا المعنى.

وفيهم من استدل بذلك بأن قال: إنه صلى الله عليه وآله قال هذا القول فلو لم يرد به الإمامة على ما نقول لكان بأن يكون محيرا لهم وملبسا عليهم أقرب من البيان والحال حال بيان، فلا بد من حمله على ما ذكرناه، وإن يقال: إن القوم عرفوا قصده صلى الله عليه وآله في ذلك لأنهم لو لم يعرفوا مراده في إثبات الإمامة بما يقول لكان قوله هذا خارجا عن طريقة البيان، وزعم أن الذي له قاله معروف بالتواتر وإنما كتمه بعضهم وعدل عنه بغضا ومعاداة،... " (١).

يقال له: الوجه المعتمد في الاستدلال بخبر الغدير على النص هو ما نرتبه فنقول: إن النبي صلى الله عليه وآله استخرج من أمته بذلك المقام الاقرار بفرض طاعته، ووجوب التصرف بين أمره ونهيه، بقوله صلى الله عليه وآله: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟) وهذا القول وإن كان مخرجه مخرج الاستفهام فالمراد به التقرير، وهو جار مجرى قوله تعالى:

(ألست بربكم) (٢) فلما أجابوه بالاعتراف والاقرار رفع بيد أمير المؤمنين عليه السلام وقال عاطفا على ما تقدم: (فمن كنت مولاه فهذا مولاه) وفي روايات أخرى (فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره واخذل من خذله) فأتى عليه السلام بجملة يحتمل لفظها معنى

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٤٤.

(٢) الأعراف ١٧٢.

٢٦١
الجملة الأولى التي قدمها وإن كان محتملا لغيره، فوجب أن يريد بها المعنى المتقدم الذي قررهم به على مقتضى استعمال أهل اللغة وعرفهم في خطابهم، وإذا ثبت أنه صلى الله عليه وآله أراد ما ذكرناه من إيجابه كون أمير المؤمنين عليه السلام أولى بالإمامة من أنفسهم، فقد أوجب له الإمامة، لأنه لا يكون أولى بهم من أنفسهم إلا فيما يقتضي فرض طاعته عليهم، ونفوذ أمره ونهيه فيهم، ولن يكون كذلك إلا من كان إماما.

فإن قال: دلوا على صحة الخبر، ثم على أن لفظة " مولى " محتملة لأولى وأنه أحد أقسام ما يحتمله، ثم على أن المراد بهذه اللفظة في الخبر هو الأولى دون سائر الأقسام، ثم على أن الأولى يفيد معنى الإمامة.

قيل له: أما الدلالة على صحة هذا الخبر فما يطالب بها إلا متعنت (١) لظهوره وانتشاره، وحصول العلم لكل من سمع الأخبار به، وما المطالب بتصحيح خبر الغدير، والدلالة عليه، إلا كالمطالب بتصحيح غزوات الرسول الظاهرة المشهورة، وأحواله المعروفة، وحجة الوداع نفسها، لأن ظهور الجميع، وعموم العلم به بمنزلة واحدة.

وبعد، فإن الشيعة قاطبة تنقله وتتواتر به، وأكثر رواة أصحاب الحديث يروونه بالأسانيد المتصلة، وجميع أصحاب السير ينقلونه ويتلقونه عن أسلافهم خلفا عن سلف، نقلا بغير إسناد مخصوص، كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة، وقد أورده مصنفوا الحديث في جملة الصحيح، فقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار لأن الأخبار على ضربين أحدهما لا يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة كالخبر عن وقعة بدر وحنين

(١) المتعنت: طالب الزلة.
٢٦٢
والجمل وصفين، وما جرى مجرى ذلك من الأمور الظاهرة التي نقلها الناس قرنا بعد قرن بغير إسناد معين، وطريق مخصوص، والضرب الآخر يعتبر فيه اتصال الأسانيد كأكثر أخبار الشريعة، وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان معا مع تفرقهما في غيره من الأخبار، على أن ما اعتبر في نقله من أخبار الشريعة اتصال الأسانيد لو فتشت جميعه لم تجد رواته إلا الآحاد، وخبر الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتصلة الجمع الكثير فمزيته ظاهرة، ومما يدل على صحة الخبر إطباق علماء الأمة على قبوله، ولا شبهة فيما ادعيناه من الإطباق، لأن الشيعة جعلته الحجة في النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة، ومخالفوا الشيعة تأولوه على خلاف الإمامة على اختلاف تأويلاتهم، فمنهم من يقول أنه يقتضي كونه الأفضل، ومنهم من يقول: إنه يقتضي موالاته على الظاهر والباطن، وآخرون يذهبون فيه إلى ولاء العتق ويجعلون سببه ما وقع من زيد بن حارثة وابنه أسامة من المشاجرة، إلى غير ما ذكرناه من ضروب التأويلات والاعتقادات.

وما نعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر واعتقدت بطلانه، وامتنعت من قبوله، وما تجمع الأمة عليه لا يكون إلا حقا عندنا وعند مخالفينا، وإن اختلفنا في العلة والاستدلال.

فإن قال: فما في تأويل مخالفيكم للخبر ما يدل على تقبلهم له، أوليس قد يتأول المتكلمون كثيرا مما يقبلونه كأخبار المشبهة وأصحاب الرؤية فما المانع من أن يكون في الأمة من يعتقد بطلانه أو يشك في صحته.

قيل له: ليس يجوز أن يتأول أحد من المتكلمين خبرا يعتقد

٢٦٣
بطلانه، أو يشك في صحته، إلا بعد أن يبين ذلك من حاله ويدل على بطلان الخبر أو على فقد ما يقتضي صحته، ولم نجد مخالفي الشيعة في ماض ولا مستقبل يستعملون في تأويل خبر الغدير إلا ما يستعمله المتقبل لأنا لا نعلم أحدا منهم يعتد بمثله قدم الكلام في إبطاله، والدفع له إمام تأويله، ولو كانوا أو بعضهم يعتقدون بطلانه أو يشكون في صحته لوجب مع ما نعلمه من توفر دواعيهم إلى رد احتجاج الشيعة به وحرصهم على دفع ما يجعلونه الذريعة إلى تثبيته أن يظهر عنهم دفعه سالفا وآنفا، ويشيع الكلام منهم في دفع الخبر كما شاع كلامهم في تأويله لأن دفعة أسهل من تأويله، وأقوى في إبطال التعلق به، وأنفى للشبهة.

فإن قال: أليس قد حكي عن ابن أبي داود السجستاني (١) دفع الخبر، وحكى مثله عن الخوارج، وطعن الجاحظ في كتاب " العثمانية " (٢) فيه.

(١) هو أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ولد بسجستان ولاية واسعة من كور خراسان - سنة ٢٣٠ وطاف مع أبيه، أبي داود (صاحب السنن المشهور) في كثير من البلدان، وحضر معه على شيوخه ثم نزل بغداد أخيرا، فكان من كبار الحفاظ فيها، إلى حد أن قيل: إنه أحفظ من أبيه، كان يتهم الانحراف عن علي والميل عليه " فأراد أن يدفع عنه هذه الشبهة فجعل يقرأ على الناس فضائل علي عليه السلام إلى درجة أن ابن جرير الطبري استغرب ذلك لما بلغه فقال: " تكبيرة من حارس " وروى عنه أنه كان يقول: " كل من كان بيني وبينه شئ أو ذكرني بشئ فهو في حل إلا من رماني ببغض علي بن أبي طالب " كف بصره أخيرا وتوفي ببغداد سنة ٣١٦ ودفن فيها، له كتب منها التفسير والسنن والمسند، والناسخ والمنسوخ (أنظر تاريخ بغداد ٩ من ص ٤٦٤ - ٤٦٨، ومعجم البلدان: ٣ / ١٩٠).

(٢) العثمانية من رسائل الجاحظ، وقد نقضه أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي المتوفى سنة ٢٤٠ هـ وهو من أكابر علماء المعتزلة ومتكلميهم صنف سبعين كتابا في الكلام ومن كتبه كتاب " المقامات في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام و " نقض العثمانية " وقد لخص ابن أبي الحديد العثمانية ونقضها في شرح نهج البلاغة م ٣ / ٢٥٤ كما أن لابن أبي الحديد نقض عليها أيضا أشار إليه في م ١ / ١١٣ بقوله عن معاوية " وقد ذكرنا في " نقض العثمانية " على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلامية عنه " الخ.

٢٦٤
قيل له: أول ما نقوله إنه لا معتبر في باب الإجماع بشذوذ كل شاذ عنه، بل الواجب أن يعلم أن الذي خرج عنه ممن يعتبر قول مثله في الإجماع ثم يعلم أن الإجماع لم يتقدم خلافه، فابن أبي داود والجاحظ لو صرحا بالخلاف لسقط خلافهما بما ذكرناه من الإجماع خصوصا بالذي لا شبهة فيه من تقدم الإجماع، وفقد الخلاف وقد سبقهما ثم تأخر عنهما.

على أنه قد قيل: إن ابن أبي داود لم ينكر الخبر وإنما أنكر كون المسجد الذي بغدير خم متقدما، وقد حكي عنه التنصل من القدح في الخبر، والتبري مما قذفه به محمد بن جرير الطبري والجاحظ أيضا لم يتجاسر على التصريح بدفع الخبر، وإنما طعن في بعض رواته، وادعى اختلاف ما نقل من لفظه، ولو صرحا وأمثالهما بالخلاف لم يكن قادحا لما قدمناه.

أما الخوارج فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعا لهذا الخبر، أو امتناعا من قبوله، وهذه كتبهم ومقالاتهم موجودة معروفة وهي خالية مما ادعي، والظاهر من أمرهم حملهم الخبر على التفضيل وما جرى مجراه من ضروب تأويل مخالفي الشيعة، وإنما آنس (١) بعض الجهلة بهذه الدعوى على الخوارج ما ظهر منهم فيما بعد من القول الخبيث في أمير المؤمنين عليه السلام فظن أن رجوعهم عن ولايته يقتضي أن يكونوا جاحدين لفضائله

(١) آنس - بالمد وهي هنا بمعنى أبصر.
٢٦٥
ومناقبه، وقد أبعد هذا المدعي غاية البعد، لأن انحراف الخوارج إنما كان بعد التحكيم للسبب المعروف، وإلا فاعتقادهم لإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وفضله وتقدمه قد كان ظاهرا، وهم على كل حال بعض أنصاره وأعوانه، وممن جاهد معه الأعداء، وكانوا في عداد الأولياء إلى أن كان من أمرهم ما كان، وقد استدل على صحة الخبر بما تظاهرت به الرواية من احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام به في الشورى على الحاضرين (١) في جملة ما عدده من فضائله ومناقبه، وما خصه الله تعالى به حين قال: (أنشدكم الله هل فيكم أحد أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيده فقال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه غيري؟) فقال: القوم: اللهم لا.

قالوا: وإذا اعترف به من حضر الشورى من الوجوه، واتصل أيضا بغيرهم من الصحابة ممن لم يحضر الموضع كما اتصل به سائر ما جرى، ولم يكن من أحد نكير ولا إظهار شك فيه مع علمنا بتوفر الدواعي إلى إظهار ذلك لو كان الخبر بخلاف ما حكمنا به من الصحة، فقد وجب القطع على صحته، هذا على أن الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدعيه أمير المؤمنين عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله لا سيما (٢) في ذلك المقام الذي ذكرناه، لأنه عليه السلام كان أنزه وأجل قدرا من ذلك.

قالوا: وبمثل هذه الطريقة يحتج خصومنا في تصحيح ما ذكره

(١) احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشورى تجده مفصلا في الغدير ١ / ١٥٩ فما بعدها.

(٢) في الأصل " سيما " والمظنون أن " لا " ساقطة من سهو القلم، فإن " سيما " لا تستعمل إلا مع الجحد خصوصا إذا أريد ترجيح ما بعدها على ما قبلها حيث لا يستثنى بها إلا ما أريد تعظيمه.

٢٦٦
أبو بكر يوم السقيفة وأسنده إلى الرسول صلى الله عليه وآله من قول: (الأئمة من قريش) وفيما جرى مجراه من الأخبار.

فإن قال: كيف يصح احتجاجكم بهذه الطريقة وغاية ما فيها أن يكون الحاضرون للشورى صدقوا بخبر الغدير، وشهدوا بصحته وأن يكون من عداهم من الصحابة الذين لم يحضروا وبلغهم ما جرى أمسكوا عن رده، وإظهار الشك فيه على سبيل التصديق أيضا، وليس في جميع ذلك حجة عندكم، لأنكم قد رددتم فيما مضى من الكتاب على من جعل تصديق الصحابة بخبر الإجماع وإمساكهم عن رده حجة في صحته.

قيل له: إنما رددنا على من ذكرت من حيث لم يصح عندنا أو لا إطباق الصحابة على الخبر المدعى في الإجماع (١) ثم لما سلمنا للخصوم ما يدعونه من إطباق الصحابة أريناهم أنه لا حجة فيه على مذاهبهم وأصولهم لأنهم يجيزون على كل واحد منهم عقلا الغلط، واعتقاد الباطل بالشبهة، فلا أمان قبل صحة ما يدعونه من السمع من وقوع ما جاز عليهم، وأبطلنا ما يتعلقون به من عادة الصحابة في قبول الصحيح من الأخبار ورد السقيم، وبينا أنهم لم يقولوا في ذلك إلا على دعوى لا يعضدها برهان، وأنهم رجعوا في أن الخطأ لا يجوز عليهم إلى قولهم أو ما يجري مجرى قولهم، وهذا لا يمنعنا من القطع على صحة ما يجمع عليه الأمة على مذاهبنا لأنا لا نجيز على كل واحد منهم الخطأ والضلال كما أجازوه من طريق العمل وإنما وإنما نجيزهما على من عدا الإمام، لأن العقل قد دلنا على وجود المعصوم في كل زمان، ومنعنا من اجتماع الأمة على الباطل إنما هو

(١) يريد بالخبر (لا تجتمع أمتي على ضلال) وقد تقدم وانظر الملل والنحل ج ١ / ص ١.
٢٦٧
لأجله فمن يسلك طريقتنا يجب أن نمنعه من الثقة بالاجماع وتمسكه به.

فإن قال: جميع ما ذكرتموه إنما يصح في متن الخبر أعني هو قوله صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) دون المقدمة المتضمنة للتقرير لأن أكثر من روى الخبر لم يروها (١) والإطباق من العلماء على القبول واستعمال التأويل غير موجود فيها لأنكم تعلمون خلاف خصومكم فيها وإنشاد أمير المؤمنين عليه السلام أهل الشورى لم يتضمنها في شئ من الروايات، ودليلكم على إيجاب الإمامة من الخبر متعلق بها فدلوا على صحتها.

قيل له: ليس ينكر أن يكون بعض من روى خبر الغدير لم يذكر المقدمة إلا أن من أغفلها ليس بأكثر ممن ذكرها ولا يقاربه، وإنما حصل الاخلال بها من آحاد من الرواة، ونقلة الشيعة كلهم ينقلون الخبر بمقدمته، وأكثر من شاركهم من رواة أصحاب الحديث أيضا ينقلون المقدمة ومن تأمل نقل الخبر وتصفحه علم صحة ما ذكرناه، وإذا صح فلا نكير في إغفال من أغفل المقدمة، لأن الحجة تقوم بنقل من نقلها، بل ببعضهم.

فأما إنشاد أمير المؤمنين عليه السلام أهل الشورى وخلوه من ذكر المقدمة فلا يدل على نفيها أو الشك في صحتها لأنه عليه السلام قررهم من الخبر بما يقتضي الاقرار بجميعه على سبيل الاختصار، ولا حاجة به إلى أن يذكر القصة من أولها إلى آخرها وجميع ما جرى فيها لظهورها، ولأن الاعتراف بما اعترف به منها هو اعتراف بالكل، وهذه عادة الناس

(١) يريد بالمقدمة قوله صلى الله عليه وآله: (ألست أولى بكم من أنفسكم؟).
٢٦٨
فيما يقررونه، ألا ترى أن أمير المؤمنين لما أن قررهم في ذلك المقام بخبر الطائر في جملة الفضائل والمناقب اقتصر على أن قال: (أفيكم رجل قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم ابعث إلي بأحب خلقك يأكل معي، غيري) ولم يذكر إهداء الطائر (١) وما تأخر عن هذا القول من كلام الرسول وكذلك لما أن قررهم صلوات الله عليه بقول الرسول صلى الله عليه وآله فيه لما ندبه لفتح خيبر ذكر بعض الكلام دون بعض ولم يشرح القصة وجميع ما جرى فيها وإنما اقتصر عليه السلام على القدر المذكور اتكالا على شهرة الأمر وأن في الاعتراف ببعضه اعترافا بكله، ولا ينكر أن يكون هذه علة من أغفل رواية المقدمة من الرواة، فإن أصحاب الحديث كثيرا ما يقولون فلان يروي عن الرسول صلى الله عليه وآله كذا فيذكرون بعض لفظ الخبر والمشهور منه على سبيل الاختصار، والتعويل على ظهور الباقي، فإن الجميع يجري مجرى واحدا، وسنبين فيما بعد بعون الله ما يفتقر من الأدلة على إيجاب الإمامة من خبر الغدير إلى المقدمة وما لا يفتقر إليها إن شاء الله.

وأما الدليل على أن لفظ (مولى) تفيد في اللغة أولى فظاهر لأن من كان له أدنى اختلاط باللغة وأهلها يعرف أنهم يضعون هذه اللفظة مكان أولى كما أنهم يستعملونها في ابن العم، وما المنكر لاستعمالها في الأولى إلا

(١) إجمال حديث الطائر أنه أهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله طائر مشوي بين رغيفين فقال صلى الله عليه وآله: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك) وفي رواية (وإلى رسولك يأكل معي من هذا) فجاء علي عليه السلام... الحديث وقد رواه جماعة من أصحاب المسانيد والسنن باختلاف يسير ومعنى واحد منهم الترمذي ٢ / ٢٩٩، والخطيب في التاريخ ٣ / ١٧١ و ٩ / ٣٦٩ والحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٠ و ١٣١ وأبو نعيم في الحلية ٦ / ٣٣٩ وابن الأثير في أسد الغابة ٤ / ٣٠ وقال: " وقد رواه عن أنس غير واحد ".
٢٦٩
كالمنكر لاستعمالها في غيره من أقسامها، ومعلوم أنهم لا يمتنعون من أن يقولوا في كل من كان أولى بالشئ أنه مولاه، فمتى شئت أن تفحم المطالب بهذه المطالبة فأعكسها عليه ثم طالبه بأن يدل على أن لفظة مولى تفيد في اللغة ابن العم والجار أو غيرهما من الأقسام، فإنه لا يتمكن إلا من إيراد بيت شعر أو مقاضاة إلى كتاب أو عرف لأهل اللغة، وكل ذلك موجود ممكن لمن ذهب إلى أنها تفيد الأولى، على أنا نتبرع بإيراد جملة تدل على ما ذهبنا إليه فنقول: قد ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى (١) ومنزلته في اللغة منزلته، في كتابه في القرآن المعروف بالمجاز لما انتهى إلى قوله (مأواكم النار هي مولاكم) (٢) أولى بكم، وأنشد بيت لبيد عاضدا لتأويله:


فغدت كلا الفرجين تحسب أنهمولى المخافة خلفها وأمامها (٣)

وليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة، ولو غلط فيها أو وهم لما جاز أن يمسك عن النكير عليه والرد لتأويله غيره من أهل اللغة ممن أصاب ما غلط فيه على عادتهم المعروفة في تتبع بعضهم لبعض، ورد بعض على بعض فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنه لم يظهر من أحد من أهل اللغة رد له، كأنه قول للجميع، ولا خلاف بين المفسرين في أن قوله

(١) أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء من العلماء باللغة والشعر والأدب، وأيام العرب وأخبارها قال فيه الجاحظ: " لم يكن في الأرض أعلم بجميع العلوم منه " وهو أول من صنف في غريب الحديث توفي سنة ٢٠٩.

(٢) الحديد ١٥.

(٣) البيت من المعلقة، ويروى " فعدت " بالعين المهملة، أي أنها خائفة من كلا جانبيها، من خلفها وأمامها، والفرج: الواسع من الأرض، والفرج أيضا:

الثغر، والثغر موضع المخافة، ومولى المخالفة معناه ولي المخالفة، أي الموضع الذي فيه المخالفة، (أنظر شرح المعلقات العشر للتبريزي ص ١٥٠).

٢٧٠
تعالى (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا) (١) إن المراد بالموالي من كان أملك بالميراث وأولى بحيازته وأحق به.

وقال الأخطل (٢):


فأصبحت مولاها من الناس بعدهوأحرى قريش أن تهاب وتحمدا

وقال أيضا مخاطبا بني أمية:


أعطاكم الله جدا تنصرون بهلا جد إلا صغير بعد محتقر
لم تأشروا فيه إذ كنتم مواليهولو يكون لقوم غيركم أشروا (٣)

وقال غيره:

(١) النساء ٣٣.

(٢) الأخطل: غياث برغوث التغلبي، لقب بالأخطل لبذاءة لسانه، وروي أنه هجا رجلا من قومه فقال له إنك لأخطل، نشأ في أطراف الحيرة ثم اتصل بالأمويين فكان شاعرهم المفضل، وكان أحد الشعراء الثلاثة المتفق على أنهم أشعر أهل زمانهم جرير والفرزدق والأخطل توفي سنة ٩٠. والبيت من قصيدة له في مدح يزيد بن معاوية وقد أجاره من النعمان بن بشير حين هجا الأخطل الأنصار فأراد النعمان الانتصاف منه مطلعها:


صحا القلب إلا من ضغائن فاتنيبهن أمير مستبد فأصعدا

(ديوان الأخطل ص ٨٤).

(٣) هما من قصيدة للأخطل في مدح عبد الملك بن مروان مطلعها:


خف القطين فراحوا منك أو بكرواوأزعجتهم نوى في صرفها غير

وهي كما في ديوانه ص ٩٨ أربعة وثمانون بيتا، ويروى أن عبد الملك لما أنشده الأخطل هذه القصيدة أمر غلامه أن يغمره بالحلل، وأمر له بجفنة كانت بين يديه فملئت له دراهم، وقال: إن لكل قوم شاعرا، وإن شاعر بني أمية الأخطل. (أنظر معاهد التنصيص ١ / ٢٧٢ - ٢٧٦ وديوان الأخطل ص ١٦٣).

٢٧١

كانوا موالي حق يطلبون بهفأدركوه وما ملوا وما تعبوا

وقال العجاج (١):


الحمد لله الذي أعطى الخيرموالي الحق أن المولى شكر

وروي في الحديث: (أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل) (٢) كل ما استشهدنا به لم يرد بلفظ مولى فيه إلا معنى أولى دون غيره، وقد تقدمت حكايتنا عن المبرد قوله: " إن أصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق ومثله المولى " وقال في هذا الموضع بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا) (٣) " والولي والمولى معناهما سواء وهو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم ".

وقال الفراء (٤) في كتاب " معاني القرآن ": الولي والمولى في كلام

(١) العجاج: هو أبو الشعثاء بن رؤبة السعدي، والعجاج لقب له، ولد في الجاهلية، وقال الشعر فيها ثم أسلم، من الشعراء المجيدين، وهو أول من رفع الرجز وشبهه بالقصيدة، توفي حدود سنة ٩٠، والبيت ثاني بيت من أرجوزته في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان عبد الملك بن مروان وذلك لما وجهه إلى أبي فديك عبد الله بن ثور القيسي الحروري فقتله وأصحابه فقال العجاج:


قد جبر الدين الإله فجبروعور الرحمن من ولي العور
فالحمد لله الذي أعطى الحبرموالي الحق أن المولى شكر

وعور: أفسد، وولى: جعله وليا له، وقيل: العور: الحق فعلى المعنى الأول يكون ضمير " من " للمقتول وعلى الثاني للقاتل، والحبر: السرور، يقال هو في حبرة من العيش أي مسرة (وانظر ديوان العجاج ج ١ ص ٤).

(٢) سنن الترمذي ١ / ٢٠٤ أبواب النكاح، وفي نهاية ابن الأثير ج ٤ / ٢٢٩ مادة (ولا) عن الهروي، وقال بعد نقل الحديث: " وليها " أي والي أمرها.

(٣) سورة محمد ١١.

(٤) الفراء: أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي من أئمة اللغة والأدب ومن تلامذة الكسائي، قال فيه ثعلب: " لولا الفراء ما كانت اللغة، ولد بالكوفة ونشأ بها، ثم انتقل إلى بغداد فعهد إليه المأمون تأديب ولديه، توفي سنة ٢٠٧ في طريق مكة، والفراء - بتشديد الراء - لأنه كان يفري الكلام بحثا وتحقيقا، ويقال لأبيه الأقطع لأن يده قطعت يوم فخ وكان مع الحسين بن علي بن الحسين بن الحسن بن علي عليهم السلام.

٢٧٢
العرب واحد وفي قراءة عبد الله بن مسعود: (إنما موليكم الله ورسوله) مكان (وليكم).

وقال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في (١) كتابه في القرآن المعروف ب (المشكل): " والمولى في اللغة ينقسم على ثمانية أقسام، أولهن المولى المنعم المعتق ثم المنعم عليه المعتق والمولى الولي والمولى الأولى بالشئ " وذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها وبيت لبيد " والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف " واستشهد على كل قسم من أقسام المولى بشئ من الشعر لم نذكره لأن غرضنا سواه.

وقال أبو عمرو غلام ثعلب في تفسير بيت الحارث بن حلزة (٢):

الذي هو:

(١) أبو بكر الأنباري محمد بن القاسم بن محمد نسبة إلى الأنبار، كان من أعلم أهل زمانه بالأدب واللغة، ومعرفة أيام العرب، ومن أكثرهم حفظا للأشعار وشواهد القرآن حتى قيل: كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا للقرآن وثلاثمائة ألف شاهد من شواهده توفي ببغداد سنة ٣٢٨.

(٢) يعني أبا عمرو بن العلاء.

(٣) الحارث بن حلزة اليشكري شاعر جاهلي من أهل بادية العراق، ومن أصحاب المعلقات، ومطلع معلقته:


آذنتنا ببينها أسماءرب ثاو يمل منه الثواء

ارتجلها بين يدي عمر بن هند ملك الحيرة، وأكثر من الفخر بها حتى ضرب به المثل فقيل: (أفخر من الحارث بن حلزة).

٢٧٣
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٢٧٤ - ص ٢٩٠)
٢٧٤

قيل له: إنما يحكم في اللفظ بأنه مستعمل في اللغة على وجه الحقيقة بأن يظهر استعماله فيها من غير أن يثبت ما يقتضي كونه مجازا من توقيف من أهل اللغة أو ما يجري مجرى التوقيف، فأصل الاستعمال يقتضي الحقيقة وإنما يحكم في بعض الألفاظ المستعملة بالمجاز لأمر يوجب علينا الانتقال عن الأصل.

وأما الذي يدل على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى، فهو أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به ولغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الأول، يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة ومفهما لهم وله عدة عبيد: ألستم عارفين بعبدي فلان؟ ثم قال عاطفا على كلامه: فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله تعالى، لم يجز أن يريد بقوله: عبدي بعد أن قدم ما قدمه إلا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، ومتى أراد سواه كان عندهم ملغزا خارجا عن طريقة البيان ويجري قوله: فاشهدوا أن عبدي حر، عند جميع أهل اللسان مجرى قوله: فاشهدوا أن عبدي فلانا حر إذا كرر مجرى تسميته وتعيينه، وهذه حال كل لفظ محتمل عطف على لفظ مفسر على الوجه الذي صورناه، فلا حاجة بنا إلى تكثير الأمثلة منه.

فإن قال: وكيف يشبه المثال الذي أوردتموه خبر الغدير وإنما تكررت فيه لفظة عبدي غير موصوفة على سبيل الاختصار بعد أن تقدمت موصوفة وخبر الغدير لم يتكرر فيه لفظة واحدة، وإنما وردت لفظة مولى فادعيتم أنها تقوم مقام أولى المتقدمة.

قيل له: إنك لم تفهم موقع التشبيه بين المثال وخبر الغدير وكيفية

٢٧٥
الاستشهاد به لأن لفظة عبدي وإن كانت متكررة فيه فإنها لما وردت أولا موصولة بفلان جرت مجرى المفسر المصرح الذي هو ما تضمنته المقدمة في خبر الغدير من لفظ أولى، ثم لما وردت من بعد غير موصولة حصل فيها احتمال واشتباه لم يكن في الأول فصارت كأنها لفظة أخرى تحتمل ما تقدم وتحتمل غيره، وجرت مجرى لفظة مولى من خبر الغدير في احتمالها لما تقدم ولغيره، على أنا لو جعلنا مكان قوله: فاشهدوا أن عبدي حر أشهدوا أن غلامي أو مملوكي حر لزالت الشبهة في مطابقة المثال للخبر، وإن كان لا فرق في الحقيقة بين لفظة عبدي إذا تكررت وبين ما يقوم مقامها من الألفاظ في المعنى الذي قصدناه.

فإن قال: ما تنكرون من أن يكون إنما قبح أن يريد القائل الذي حكيتم قوله بلفظة عبدي الثانية والتي تقوم مقامها من عدا المذكور الأول الذي قررهم بمعرفته من حيث تكون المقدمة إذا أراد ذلك لا معنى لها ولا فائدة فيها، ولأنه أيضا لا تعلق لها بما عطف عليها بالفاء التي تقتضي التعلق بين الكلامين، وليس هذا في خبر الغدير لأنه إذا لم يرد بلفظة مولى أولى وأراد أحد ما يحتمله من الأقسام لم تخرج المقدمة من أن تكون مفيدة ومتعلقة بالكلام الثاني لأنها تفيد التذكير بوجوب الطاعة، وأخذ الاقرار بها ليتأكد لزوم ما يوجبه في الكلام الثاني لهم ويصير معنى الكلام إذا كنت أولى بكم وكانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا وكذا، فإنه من جملة ما آمركم بطاعتي فيه، وهذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم فافترق الأمران، وبطل أن يجعل حكمهما واحدا.

قيل له: لو كان الأمر على ما ذكرت لوجب أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدمته وإن قلت وتعلق بين المعطوف والمعطوف

٢٧٦
عليه أن يحسن ما ذكرناه وحكمناه بقبحه، ووافقنا عليه، ونحن نعلم أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال: ألستم تعرفون صديقي زيد الذي كنت ابتعت منه عبدي فلانا الذي من صفته كذا وأشهدناكم على أنفسنا بالمبايعة؟ ثم قال عقيب قوله: فاشهدوا أنني قد وهبت له عبدي أو رددت عليه عبدي لم يجز أن يريد بالكلام الثاني إلا العبد الذي سماه وعينه في صدر الكلام، وإن كان متى لم يرد ذلك يصح إن يحصل فيما قدمه فائدة ولبعض كلامه تعلق ببعض لأنه لا يمتنع أن يريد بما قدمه من ذكر العبد تعريف الصديق، ويكون وجه التعلق بين الكلامين أنكم إذا كنتم قد شهدتم بكذا وعرفتموه، فاشهدوا أيضا بكذا، وهو لو صرح بما قدمناه حتى يقول بعد المقدمة فاشهدوا أنني قد وهبت له أو رددت إليه عبدي فلانا الذي كنت ملكته منه، ويذكر من عبيده غير من تقدم ذكره لحسن وكان وجه حسنه ما ذكرناه فثبت أن الوجه في قبح حمل الكلام الثاني على معنى غير الأول (١) مع احتماله له خلاف ما ادعاه السائل، وأنه الذي ذهبنا إليه.

فأما الدليل على أن لفظة أولى تفيد معنى الإمامة فهو إنا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ إلا فيمن كان يملك تدبير ما وصف بأنه أولى به (٢) وتصريفه وينفذ فيه أمره ونهيه، ألا تراهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية، وولد الميت أولى بميراثه من كثير من أقاربه، والزوج أولى بامرأته، والمولى أولى بعبده، ومرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه ولا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين

(١) على غير، خ ل.

(٢) بتدبيره، خ ل.

٢٧٧
من أنفسهم) (١) المراد به أنه أولى بتدبيرهم، والقيام بأمورهم، من حيث وجبت طاعته عليهم، ونحن نعلم أنه لا يكون أولى بتدبير الخلق وأمرهم ونهيهم من كل أحد منهم إلا من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم.

فإن قالوا: اعملوا على أن المراد بلفظة " مولى " في الخبر ما تقدم من معنى ولي من أين لكم أنه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم، وأمرهم ونهيهم، دون أن يكون أراد أنه أولى بأن يوالوه ويحبوه أو يعظموه ويفضلوه، لأنه ليس يكون أولى بذواتهم، بل بحال لهم وأمر يرجع إليهم، فأي فرق في ظاهر اللفظ أو معناه بين أن يريد بما يرجع إليهم تدبيرهم وتصريفهم وبين أن يريد أحد ما ذكرناه؟

قيل له: سؤالك يبطل من وجهين، أحدهما إن الظاهر من قول القائل: فلان أولى بفلان، أنه أولى بتدبيره، وأحق بأن يأمره وينهاه، فإذا انضاف في ذلك القول بأنه أولى به من نفسه زالت الشبهة في أن المراد ما ذكرناه، ألا تراهم يستعملون هذه اللفظة مطلقة في كل موضع حصل فيه تحقق بالتدبير، واختصاص بالأمر والنهي كاستعمالهم لها في السلطان ورعيته، والوالد وولده، والسيد وعبده؟ وإن جاز أن يستعملوها مقيدة في غير هذا المعنى إذا قالوا: فلان أولى بمحبة فلان أو بنصرته أو بكذا وكذا منه إلا أن مع الإطلاق لا يعقل عنهم إلا المعنى الأول ولذلك نجدهم يمتنعون من أن يقولوا في المؤمنين أن بعضهم أولى ببعض من أنفسهم، ويريدون فيما يرجع إلى المحبة والنصرة وما أشبههما ولا يمتنعون من القول بأن النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام أو من اعتقدوا أن له فرض طاعته عليهم أولى بهم من أنفسهم، ويريدون أنه أحق بتدبيرهم

(١) الأحزاب ٦.
٢٧٨
وأمرهم ونهيهم، والوجه الآخر أنه إذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله أراد بما قدمه من كونه أولى بالخلق من نفوسهم أنه أولى بتدبيرهم وتصريفهم من حيث وجبت طاعته عليهم بلا خلاف وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين عليه السلام في الكلام الثاني جاريا ذلك المجرى لأنه صلى الله عليه وآله بتقديم ما قدمه يستغني عن أن يقول: فمن كنت أولى به في كذا وكذا فعلي أولى به فيه، كما أنه بتقديم ما قدمه استغنى عن أن يصرح بلفظة أولى إذ أقام مقامها لفظة مولى والذي يشهد بصحة ما قلناه إن القائل من أهل اللسان إذا قال: فلان وفلان - وذكر جماعة - شركائي في المتاع الذي من صفته كذا، ثم قال عاطفا على كلامه: فمن كنت شريكه فعبد الله شريكه، اقتضى ظاهر لفظه أن عبد الله شريكه في المتاع الذي قدم ذكره، وأخبر أن الجماعة شركاؤه فيه، ومتى أراد أن عبد الله شريكه في غير الأمر الأول كان سفيها عابثا ملغزا.

فإن قال (١): إذا سلم لكم إنه عليه السلام أولى بهم بمعنى التدبير ووجوب الطاعة من أين لكم عموم وجوب فرض طاعته في جميع الأمور التي تقوم بها الأئمة؟ ولعله أراد أنه أولى بأن يطيعوه في بعض الأشياء دون بعض.

قيل له: الوجه الثاني الذي ذكرناه في جواب سؤالك المتقدم يسقط هذا السؤال ومما يبطله أيضا أنه إن أثبت له عليه السلام فرض طاعته على جميع الخلق في بعض الأمور دون بعض وجبت إمامته، وعموم فرض طاعته، لأنه معلوم أن من وجبت على جميع الناس طاعته، وامتثال تدبيره، لا يكون إلا الإمام، ولأن الأمة مجمعة على أن من هذه صفته هو

(١) فإن قيل، خ ل.
٢٧٩
الإمام، ولأن كل من أوجب لأمير المؤمنين من خبر الغدير فرض الطاعة على الخلق أوجبها عامة في الأمور كلها على الوجه الذي يجب للأئمة ولم يخص شيئا دون شئ، وبمثل هذه الوجوه نجيب من سأل فقال:

كيف علمتم عموم القول لجميع الخلق مضافا إلى عموم إيجاب الطاعة لسائر الأمور ولستم ممن يثبت للعموم صيغة في اللغة فتتعلقون بلفظة " من " وعمومها؟ وما الذي يمنع على أصولكم من أن يكون أوجب طاعته على واحد من الناس أو جماعة من الأمة قليلة العدد؟ لأنه لا خلاف في عموم تقرير النبي صلى الله عليه وآله للأمة وعموم قوله صلى الله عليه وآله بعد: (فمن كنت مولاه) وإن لم يكن للعموم صيغة، وقد بينا أن الذي أوجبه ثانيا يجب مطابقته لما قدمه في وجهه وعمومه في الأمور فكذلك يجب عمومه في المخاطبين بمثل تلك الطريقة، ولأن كل من أوجب من الخبر فرض الطاعة وما يرجع إلى معنى الإمامة ذهب إلى عمومه لجميع المكلفين، كما ذهب إلى عمومه في الأفعال.

طريقة أخرى في الاستدلال بخبر الغدير، وقد يستدل على إيجاب الإمامة من الخبر بأن يقال: قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وآله أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام أمرا كان واجبا له لا محالة، فيجب أن يعتبر ما يحتمله لفظة " مولى " من الأقسام (١) وما يصح منها كون النبي صلى الله

(١) قال ابن الأثير في النهاية ٤ / ٢٢٨ مادة " ولا " تكرر ذكر المولى في الحديث وهو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو: الرب، والمالك، والسيد، والمنعم والمعتق - بكسر التاء -، والناصر والمحب، والتابع، والجار، وابن العم، والحليف، والعقيد (أي المعاقد وهو المعاهد) والصهر، والعبد، والمعتق - بفتح التاء - والمنعم عليه، وكل من ولي أمرا أو قام به فهو مولاه ووليه " قال: " وقد تختلف مصادر هذه الأسماء، فالولاية - بالفتح - في الولاية والنسب والمعتق - بكسر التاء - والولاية - بالكسر - في الإمارة والولاء المعتق، والموالاة من والى القوم.
٢٨٠