×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

عليه وآله مختصا به، وما لا يصح وما يجوز أن يوجبه لغيره في تلك الحال، وما لا يجوز وما يحتمله لفظ " مولى " ينقسم إلى أقسام منها ما لم يكن صلى الله عليه وآله عليه ومنها ما كان عليه ومعلوم لكل أحد أنه عليه السلام لم يرده، ومنها ما كان عليه ومعلوم بالدليل أنه لم يرده، ومنها ما كان حاصلا له صلى الله عليه وآله ويجب أن يريده لبطلان سائر الأقسام، واستحالة خلو كلامه من معنى وفائدة.

فالقسم الأول: هو المعتق (١) والحليف لأن الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة أو عشيرة فيحالفها على نصرته والدفاع عنه فيكون منتسبا إليها متعززا بها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله حليفا لأحد على هذا الوجه.

والقسم الثاني: ينقسم على قسمين أحدهما معلوم أنه لم يرده لبطلانه في نفسه كالمعتق (٢) والمالك والجار والصهر والحليف والإمام إذا عد من أقسام مولى، والآخر معلوم أنه لم يرده من حيث لم يكن فيه فائدة وكان ظاهرا شائعا وهو ابن العم.

(القسم) الثالث: الذي يعلم بالدليل أنه لم يرده هو ولاية الدين، والنصرة فيه والمحبة أو ولاء المعتق والدليل على أنه صلى الله عليه وآله لم يرد ذلك إن كل أحد يعلم من دينه صلى الله عليه وآله وجوب تولي المؤمنين ونصرتهم وقد نطق الكتاب به، وليس يحسن أن يجمعهم على الصورة التي حكيت في تلك الحال، ويعلمهم ما هم مضطرون إليه من دينه،! وكذلك هم يعلمون أن ولاء العتق لبني العم قبل الشريعة وبعدها، وقول عمر بن الخطاب في الحال على ما تظاهرت به الرواية لأمير المؤمنين عليه السلام (أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) (٣)

(١) أي بفتح التاء.

(٢) بكسر التاء.

(٣) قول عمر لعلي: " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " رواه جماعة من العلماء والمحدثين منهم الطبري في تفسيره ٣ / ٤٢٨، الرازي في تفسيره ٣ / ٣٣٦ أحمد في المسند ٤ / ٢٨١ الخطيب في تاريخه ٨ / ٢٩٠، المحب في رياضه ٢ / ١٦٩ ابن كثير في تاريخه ٢١٠ الشهرستاني في الملل والنحل ج ١ ص ١٦٣ وفيه (طوبى لك يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة) وابن الأثير في النهاية ج ٤ / ٢٢٨ مادة " ولا " نقل أوله، وفي الفتوحات الاسلامية للسيد أحمد زيني دحلان ٢ / ٣٠٦ قال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما " أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة ".

٢٨١
يبطل أن يكون المراد بالخبر ولاء العتق ولمثل ما ذكرناه في إبطال أن يكون المراد بالخبر ولاء العتق أو إيجاب النصرة في الدين استبعد أن يريد صلى الله عليه وآله قسم ابن العم لأن خلو الكلام من فائدة متى حمل على أحد الأمرين كخلوه منها إذا حمل على الآخر، فلم يبق إلا القسم الرابع الذي كان حاصلا له عليه السلام ويجب أن يريده وهو الأولى بتدبير الأمة وأمرهم ونهيهم، وقد دللنا على أن من كان بهذه الصفة فهو الإمام المفترض الطاعة، ودللنا أيضا فيما تقدم على أن من جملة أقسام مولى الأولى، فليس لأحد أن يعترض بذلك، وليس له أيضا أن يقول: قد ادعيتم في صدر الاستدلال إن النبي صلى الله عليه وآله أوجب أمرا كان له، وليس يجب ما ادعيتموه، بل لا يمتنع أن يريد بقوله: (فمن كنت مولاه) ما يرجع إلى وجوب الطاعة، ويريد بقوله (فعلي مولاه) أمرا آخر لم يكن عليه، ولا يتعلق بما تقدم، لأنا لا نفتقر في هذه الطريقة إلى أن نثبت أن النبي صلى الله عليه وآله أوجب ما كان حاصلا له، لأنه صلى الله عليه وآله لا بد أن يوجب بلفظة (مولى) على كل حال أحد ما يحتمله في اللغة من الأقسام، وقد علمنا بطلان إيجابه لما عدا الإمامة من سائر الأقسام بما تقدم ذكره، فوجب أن يكون المراد هو الإمامة وإلا فلا فائدة في الكلام، وليس له أن يقول: إن المراد هو إثبات الموالاة ظاهرا وباطنا لأن إبطال هذا الوجه يأتي عند الكلام على صاحب الكتاب مستقصى.

٢٨٢
طريقة أخرى: ويمكن أن يستدل من ذهب إلى أن اللفظ المحتمل لأمور كثيرة إذا أطلق يجب حمله على سائر محتملاته إلا ما منع منه الدليل على إيجاب الإمامة من الخبر بهذه الطريقة بعد أن يبين أن من أقسام مولى أولى، وإن أولى يفيد معنى الإمامة، وقد ذكرنا فيما تقدم فساد الاستدلال بطريقة الاحتمال، وأن الأصل الذي هي مبنية عليه لا يثبت صحته، وإذا قد فرغنا مما أردنا تقديمه إمام مناقضته فنحن نرجع إلى كلامه.

فنقول: أما الدلالة الأولى فقد رتبناها وشرحناها وهي على خلاف ما حكاه لأنا لا نقول: إن المراد بلفظة (مولى) لو لم يطابق المقدمة لم تكن للمقدمة فائدة، بل الدلالة على وجوب مطابقتها للمقدمة قد بيناها في كلامنا.

فأما الدلالة الثانية التي حكاها فليست دلالة تقوم بنفسها لأنه لو قيل للمستدل بها: لم زعمت أنه لا بد أن يبين في تلك الحال أمرا عظيما، ثم لم زعمت أنه ليس في أقسام مولى أمر عظيم يستحق أن يبين؟ وأن سائر ما يذكر لا يصح أن يراد لم يكن بد من الرجوع إلى طريقة التقسيم التي ذكرناها فأما الدلالة الثالثة وهي دلالة التقسيم، وقد مضت مرتبة وأما الدلالة الرابعة فتجري مجرى الثالثة في أنها متى لم يستند إلى دلالة كانت دعوى لأن أصحابنا إنما يقولون: لو لم يرد النبي صلى الله عليه وآله ما ذهبنا إليه لوجب أن يكون ملبسا محيرا إذا تبين وجه دلالة القول على الإمامة فلا بد إذا من بيان إيجاب القول للإمامة بالطريقة المتقدمة ليستقيم أن يقول إنه صلى الله عليه وآله لكان محيرا.

وأما المعرفة بقصده عليه السلام ضرورة فليس مما يعتمده أصحابنا في هذا الخبر وأمثاله ولا يمتنع عندنا أن يكون المراد معلوما بضرب من الاستدلال ولا يقولون أيضا: لو لم نعرف القصد من الكلام باضطرار لم

٢٨٣
يكن بيانا بل يقولون: لو لم يرد الإمامة مع إيجاب خطابه لها لكان ملغزا عادلا عن طريق البيان بل عن طريق الحكمة.

قال صاحب الكتاب: " واعلم أن المراد بالخبر - على ما ذهب إليه شيخانا (١) الإبانة عن فضل مقطوع به لا يتغير على الأوقات، لأن وجوب الموالاة على القطع يدل على أن من وجب ذلك له باطنه كظاهره وإذا أوجب النبي صلى الله عليه وآله موالاته عليه السلام ولم يقيده بوقت، فيجب أن يكون هذه حاله (٢) * في سائر الأوقات، ولو لم يكن هذا هو المراد لوجب أن لا يلزم سائر من غاب عن الموضع موالاته، ولما وجب بعد ذلك الوقت عليهم موالاته، وبطلان ذلك يبين أنه يقتضي الفضل الذي لا يتغير، وهذه منزلة عظيمة تفوق منزلة الإمامة، ويختص هو بها دون غيره، لأنه صلى الله عليه وآله لم يبين في غيره هذه الحالة كما بين فيه، ولأن الإمامة إنما تعظم من حيث كانت وصلة إلى هذه الحالة، فلو لم تكن هذه من أشرف الأحوال لم تكن الإمامة شريفة، ودلوا على أن المراد بمولى ما ذكروه بقوله تعالى: (إن الله مولى الذين آمنوا) (٣) وأن المراد بذلك موالاة الدين والنصرة فيه، وبقوله عز وجل (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) (٤) وأن المراد بذلك النصرة في الدين وبينوا أن الموالاة في اللغة وإن كانت مشتركة فقد غلب (٥) عرف الشرع في استعمالها

(١) يعني بشيخيه أبا علي الجبائي وأبا هاشم الكعبي، وقد تكرر ذكرهما في الكتاب.

(٢) ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٣) سورة محمد ١٢.

(٤) سورة التحريم ٤.

(٥) غ " فقد علم ".

٢٨٤
في هذا الوجه، قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (١).

قالوا: ويدل على أن هذا هو المراد قوله صلى الله عليه وآله: (اللهم وال من والاه) ولو لم يكن المراد بما تقدم ما ذكرناه لم يكن هذا القول لائقا به وقول عمر: (أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة) يدل على أن هذا هو المراد، لأنه ما أراد إلا هذا الوجه... " (٢) يقال له: أما الدلالة الأولى التي رتبناها وبينا كيفية الاستدلال بها فهي مسقطة لكلامك في هذا الفصل، ومزيلة للاعتراض به، لأنا قد بينا بما لا يتمكن من دفعه أن المراد بلفظة (مولى) يجب أن يكون موافقا للمقدمة، وأنه لا يسوغ حمله إلا على معناها، ولو صح أن يراد بلفظة (مولى) ما حكيته عن شيخيك، وكان ذلك من بعض أقسامها في اللغة، وليس بصحيح في الحقيقة، لكان حكم هذا المعنى حكم سائر المعاني التي تحتملها اللفظة في وجوب صرف المراد عنها، وحمله على ما تضمنته المقدمة على ما دللنا عليه، فلم يبق إلا أن يبين أنه غير قادح أيضا في دلالة التقسيم، والذي يبينه أنك لا تخلو فيما ادعيته من حمل الكلام على إيجاب الموالاة مع القطع على الباطن من أن تسنده إلى ما يقتضيه لفظة (مولى) ووضعها في اللغة أو في عرف الشريعة أو إلى إطلاق الكلام من غير تقييد بوقت، وتخصيص بحال، أو إلى أن ما أوجبه عليه السلام يجب أن يكون مثل ما وجب له وإذا كان الواجب له هو الموالاة على هذا الوجه وجب مثله فيما أوجبه فإن أردت الأول فهو ظاهر الفساد، لأن من المعلوم أن لفظة

(١) التوبة ٧١.

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٤٦.

٢٨٥
(مولى) لا تفيد ذلك ذلك في اللغة ولا في الشريعة، وأنها إنما تفيد في جملة ما يحتمله من الأقسام تولي النصرة والمحبة من غير تعلق بالقطع على الباطن، أو عموم سائر الأوقات، ولو كانت فائدتها ما ادعيته لوجب أن لا يكون في العالم أحد مواليا لغيره على الحقيقة إلا أن يكون ذلك الغير نبيا أو إماما معصوما، وفي علمنا بإجراء هذه اللفظة حقيقة في المؤمن وكل من تولى نصرة غيره، وإن لم يكن قاطعا على باطنه دليل، على أن فائدتها ما ذكرناه دون غيره، وإن أردت الثاني فغير واجب أن يقطع على عموم القول بجميع الأوقات من حيث لم يقيد بوقت، لأنه كما لم يكن في اللفظ تخصيص بوقت بعينه، فكذلك ليس فيه ذكر قد استوعب الأوقات، فادعاء أحد الأمرين لفقد خلافه من اللفظ كادعاء الآخر لمثل هذه العلة، وقد بينا فيما مضى من الكتاب أن حمل الكلام على سائر الأوقات، والحمل على سائر محتملاته لفقد ما يقتضي التخصيص غير صحيح، وقد قال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) ولم يخصص بعضا دون بعض من الأوقات، كما لا تخصيص في ظاهر خبر الغدير، ولم يقل أحد إنه تعالى أوجب بالآية موالاة المؤمنين على الظاهر دون الباطن، وفي الأحوال التي يظهر منهم فيها الإيمان، وما يقتضي الموالاة، فلا ينكر أن يكون ما أوجب من الموالاة في خبر الغدير جاريا هذا المجرى، وليس لأحد أن يقول: متى حملنا ما أوجب من الموالاة في الخبر على الظاهر دون الباطن لم نجعله مفيدا لأن وجوب هذه الموالاة لجميع المؤمنين معلوم قبل الخبر، فيجب أن يكون المراد ما ذكرناه من الموالاة المخصوصة، وذلك أن الذي ذكره يوجب العدول عن حمله على الموالاة جملة لأنه ليس هو بأن يقترح إضافته إلى الموالاة المطلقة التي يحتملها اللفظ وزيادة فيها ليجعل للخبر فائدة أولى ممن أضاف إلى الموالاة ما نذهب إليه من إيجاب فرض
٢٨٦
الطاعة، وقال إنه عليه السلام إنما أراد من كان يواليني موالاة من يجب طاعته، والتدبر بتدبيره فيلوال عليا على هذا الوجه، واعتل في تمحله (١) من الزيادة أيضا طلب الفائدة للخبر، وإذا حاول دعوى من ادعى الموالاة المخصوصة غيرها وجب إطراحها، والرجوع إلى ما يقتضيه اللفظ، فإذا علمنا أن حمله على الموالاة المطلقة الحاصلة بين جميع المؤمنين يسقط الفائدة وجب أن يكون المراد ما ذهبنا إليه من كونه أولى بتدبيرهم وأمرهم ونهيهم.

وإن أردت القسم الثالث (٢) قلنا لك: لم زعمت أنه عليه السلام إذا كان ممن يجب له الموالاة على الظاهر والباطن وفي كل حال فلا بد أن يكون ما أوجبه في الخبر مماثلا للواجب له؟ أولستم تمنعونا مما هو آكد من استدلالكم هذا إذا أوجبنا حمل لفظة. " مولى " على ما تقتضيه المقدمة وأحلنا أن يعدل بها عن المعنى الأول وتدعون أن الذي أوجبناه غير واجب وأن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح بخلافه حتى يقول بعد المقدمة:

فمن وجب عليه موالاتي فليوال عليا، أو فمن كنت أولى به من نفسه فليفعل كذا وكذا، مما لا يرجع إلى المقدمة لحسن وجاز فألا التزمتم مثل ذلك في تأويلكم! لأنا نعلم أنه عليه السلام لو صرح بخلاف ما ذكرتموه حتى يقول فمن ألزمته موالاتي على الباطن والظاهر فليوال عليا في حياتي أو ما دام متمسكا بما هو عليه لجاز وحسن، وإذا كان جائزا حسنا بطل أن يكون الخبر مقتضيا لمماثلة ما أوجبه من الموالاة فيما وجب له منها.

(١) المماحلة: المماكرة والمكايدة.

(٢) وهو ولاية الدين والنصرة فيه والمحبة، أو ولاء المعتق - بكسر التاء - وقد علم بالدليل أنه صلى الله عليه وآله لم يرده في حديث الولاية.

٢٨٧
فإن قيل: كيف يصح أن تجمعوا بين الطعن على ما ادعيناه من إيجاب النبي صلى الله عليه وآله في الخبر من الموالاة مثل ما وجب له، وبين القطع على أن لفظة " مولى " يجب مطابقتها لما قدره الرسول صلى الله عليه وآله لنفسه في المقدمة من وجوب الطاعة وعمومها في سائر الأمور، وجميع الخلق والطريق إلى تصحيح أحد الأمرين طريق إلى تصحيح الآخر؟

قلنا: إنا لم نوجب مطابقة لفظ " مولى " لمعنى المقدمة في الوجوه المذكورة من حيث يجب أن يكون ما أوجبه عليه مطابقا لما أوجبه له على ما ظنه مخالفونا وتعلقوا به في تأويل الخبر على الموالاة باطنا وظاهرا، وإنما أوجبنا ذلك من حيث صرح النبي صلى الله عليه وآله في المقدمة بتقريرهم بما يجب له من فرض الطاعة بلا خلاف، ثم عطف على الكلام بلفظ محتمل له يجري مجرى المثال الذي أوردناه في الشركة وأن من قدم ذكر شركة مخصوصة وعطف عليها محتملا لها كان ظاهر الكلام يفيد المعنى الأول، وجرى ما يأوله مخالفونا مجرى أن يقول القائل من غير تقدم مقدمة تتضمن ذكر شركة مخصوصة: من كنت شريكه ففلان شريكه، فكما أن ظاهر هذا القول لا يفيد إيجابه شركة فلان في كل ما كان شريكا فيه لغيره وعلى وجهه، ولم يمتنع أن يريد إيجاب شركته في بعض الشرك الذي بينه وبين غيره وعلى بعض الوجوه، ولم يجر هذا القول عند أحد من أهل اللسان في وجوب حمل المعنى الثاني على الأول مجرى أن يقول: فمن كنت شريكه ففلان شريكه بعد وقوله فلان وفلان حتى يذكر جميع شركائه - شركائي - في كذا وكذا وعلى وجه كذا فيذكر متاعا مخصوصا، وشركة مخصوصة، ولا يجري قوله: من كنت شريكه في كذا على وجه كذا ففلان شريكه، فكذلك ما ذكروه لا وجه فيه لإيجاب مثل ما كان للرسول صلى الله عليه وآله من الموالاة المخصوصة.

٢٨٨
فإن قيل: جميع ما ذكرتموه إنما يبطل القطع على أن الرسول صلى الله عليه وآله أوجب من الموالاة مثل ما كان له ولا شك في أنه مفسد للمذهب الذي حكاه صاحب الكتاب عن أبي علي وأبي هاشم وشرع في نصرته وتقويته، فبأي شئ ينكرون على من جوز أن يريد عليه السلام ذلك ولم يقطع على عدم جواز غيره وسوى في باب الجواز بين هذه المنزلة وبين المنزلة التي تعود إلى معنى الإمامة لأنه لا مانع في جميع ما ذكرتموه من التجويز، ودلالة التقسيم لا يتم لكم دون أن تبينوا أن شيئا من الأقسام التي يجوز أن يراد باللفظة لا يصح أن يكون المراد من الخبر سوى القسم المقتضي لمعنى الإمامة، وهذا آكد ما يسأل عنه على هذه الطريقة!.

والجواب عنه: أنه إذا ثبت أن القسم المقتضي للإمامة جائز أن يكون مرادا ووجدنا كل من جوز كون الإمامة مراده في الخبر يقطع على إيجابها وحصولها، لأن من خالف القائلين بالنص لا يجوز أن يكون الإمامة ولا معناها مرادة من الخبر ومن جوز أن تكون مرادة كالقائلين بالنص قطع عليها فوجب أن يكون ما ذهبنا إليه هو المقطوع به من هذه الحجة لأن ما عدا ما ذكرناه من القولين خارج عن الإجماع.

فأما قول صاحب الكتاب - فيما حكيناه من كلامه في هذا الفصل " إن المراد (بالخبر - على ما ذهب إليه شيخانا - الإبانة عن فضل مقطوع به لا يتغير على الأوقات) (١) لو لم يكن ما ذكره لوجب أن لا يلزم من غاب عن الموضع موالاته، ولما وجبت عليهم الموالاة بعد ذلك الوقت " فغير لازم، لأن الصحيح عندنا أن موالاته عليه السلام إنما وجبت في الحال وبعدها على من حضر وغاب لأن الرسول صلى الله عليه وآله أوجب له الإمامة

(١) ما بين الحاصرتين من " المغني ".
٢٨٩
بالقول وإلا يجب موالاته على سائر الوجوه فليس في وجوب الموالاة على ما ذكر دلالة على صحة تأويله، ولو قال من خالف طريقة صاحب الكتاب أيضا ليس يمتنع أن يكون ما أوجبه من الموالاة يلزم من غاب وفيما بعد الحال على الحد الذي يلزم لجماعة المؤمنين ما داموا متمسكين بالإيمان وما يقتضي التبجيل والتعظيم، ولا يكون في ذلك دلالة على الموالاة المخصوصة التي ادعيت لم يمكنه دفع كلامه، اللهم إلا أن يقول: إنني عنيت أن موالاته تلزم من غاب على كل حال وبغير شرط، وكذلك في المستقبل من الأوقات وهذا إذا ادعاه غير مسلم له، وهو مدفوع عنه أشد الدفاع ولا سبيل عندنا إلى تثبيت هذه المنزلة بالخبر إلا بعد أن يثبت ما نذهب إليه من إيجابه إمامته عليه السلام.

فأما قوله: " وهذه منزلة عظيمة تفوق منزلة الإمامة " فغلط منه لأن الإمامة لا تحصل إلا لمن حصلت له هذه المنزلة وقد تحصل هذه المنزلة لمن ليس بإمام فكيف تفوق منزلة الإمامة وهي مشتملة عليها مع اشتمالها على غيرها من المنازل العالية، والرتب الشريفة، وما ننكر أن يكون المنزلة التي ادعاها من أشرف المنازل غير أنها لا تفوق منزلة الإمامة ولا تساويها لما ذكرناه، وقد دللنا فيما سلف من الكتاب على أن الإمام لا يكون إلا معصوما مأمون الباطن، وليس له أن يقول إنكم عولتم في حصول الموالاة على الباطن للإمام على دعوى.

فأما ما ذكره من الآيات مستشهدا به على أن المراد بلفظة " مولى " الموالاة في الدين فإنما يكون طاعنا على من أنكر احتمال اللفظة لهذا الوجه في جملة محتملاتها.

فأما من أقر بذلك وذهب إلى أن المراد في خبر الغدير خلافه فليس

٢٩٠
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٢٩١ - ص ٣٠٧)
٢٩١
وآله، فأي حجة له في قوله وخصومه يقولون في جوابه: إن عمر لم يرد بكلامه إلا ما ذهبنا إليه من وجوب فرض الطاعة والرئاسة ويكونون في ظاهر الحال منتصفين منه، هذا إذا لم يدلوا على صحة قولهم في اقتضاء الخبر للإمامة وفرض الطاعة ببعض ما تقدم فيكونوا أسعد حالا من صاحب الكتاب وأظهر حجة.

قال صاحب الكتاب: " ويدل على ذلك منه أنه صلى الله عليه وآله أثبت له هذا الحكم في الوقت لأنه في حال ما أثبت نفسه مولى لهم أثبته مولى من غير تراخ ولا يصح أن يحمل ذلك على الإمامة، لأن المتعالم من حاله أنه في حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله لا يكون مشاركا للرسول في الأمور التي يقوم بها الإمام كما هو مشارك له في وجوب الموالاة باطنا وظاهرا، فحمله على هذا الوجه هو الذي يقتضيه الظاهر وقولهم: إنه إمام في الوقت مع سلبهم إياه معنى الإمامة والتصرف في الحال لا وجه له، ويعود الكلام فيه إلى غباوة (١) وكذلك إذا قالوا إنه إمام صامت ثم يصير ناطقا لأن ظاهر الخبر يقتضي له مثل ما يقتضي للرسول، فإن أريد بذلك الإمامة وجب أن يكون له أن يتصرف فيما إلى الإمام برأيه واجتهاده من دون مراجعة الرسول، وليس ذلك بقول لأحد ومتى قالوا: يفعل ذلك بالمراجعة فليس له في ذلك من الاختصاص إلا ما لغيره... " (٢).

يقال له: من أين قلت إن الذي أوجبه الرسول صلى الله عليه وآله في خبر الغدير يجب أن يكون ثابتا في الحال؟ فإن قالوا: لو لم أوجب ذلك إلا من حيث أراكم توجبون عموم فرض الطاعة لسائر الخلق وفي سائر

(١) في الأصل والمخطوطة " عبارة " وهو تصحيف " غباوة " كما في المغني.

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٤٧.

٢٩٢
الأمور وتتعلقون بالمقدمة، وأن النبي صلى الله عليه وآله لما قرر الأمة بفرض طاعته عليهم في كل أمر وجب مثله لمن أوجب له مثل ما كان واجبا لنفسه ومن المعلوم أن فرض طاعة النبي صلى الله عليه وآله على الخلق لم يكن مختصا بحال دون حال، بل كان عاما في سائر الأحوال التي من جملتها حال الخطاب بخبر الغدير فساوى ما ذكرتموه.

قيل له: أما إذا صرت إلى هذا الوجه وأوجبت ما ادعيته من هذه الجهة فأكثر ما فيه أن يكون ظاهر الخطاب يقتضيه، وما يقتضيه ظاهر الخطاب قد يجوز الانصراف عنه بالدلائل، ونحن نقول: إنا لو خلينا والظاهر لأوجبنا عموم فرض الطاعة لسائر الأحوال وإذا منع من ثبوت ما وجب بالخبر في حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله امتنعنا له وأوجبنا الحكم فيما يلي هذه الأحوال بالخبر، لأنه لا مانع من ثبوت الإمامة وفرض الطاعة فيها لغير الرسول صلى الله عليه وآله، وإذا كان اللفظ يقتضي سائر الأحوال فخرج بعضها بدلالة نفي البعض.

ومما نجيب به أيضا عن كلامه أنه قد ثبت كون النبي صلى الله عليه وآله مستخلفا لأمير المؤمنين عليه السلام بخبر الغدير، والعادة جارية فيمن يستخلف أن يحصل له الاستحقاق في الحال ووجوب التصرف بعد الحال ألا ترى أن الإمام إذا نص على خليفة له يقوم بالأمر بعده اقتضى ظاهر استخلافه الاستحقاق (١) في الحال، والتصرف بعدها بالعادة الجارية في أمثال هذا الاستخلاف (٢) فيجب بما ذكرناه أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مستحقا في تلك الحال، وما وليها من أحوال حياة الرسول

(١) الاستخلاف خ ل.

(٢) الاستحقاق خ ل.

٢٩٣
للإمامة، والتصرف في الأمة بالأمر والنهي بعد وفاته، ومتى أحسنا الظن بمن قال في أمير المؤمنين عليه السلام: إنه إمام صامت في حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله حملنا قوله من طريق المعنى على هذا الوجه وإن كان غالطا في إطلاقه لفظ الإمامة، لأنه لما رأى أن الخبر يقتضي لأمير المؤمنين عليه السلام استحقاق الأمر والاختصاص به في الحال من غير تصرف فيه ذهب إلى أنه الإمام، وجعل صموته عن الدعاء والقيام بالإمامة من حيث رأى أن التصرف لا يجب له في الحال، وأنه متأخر عنها صمتا وإنما غلط في الوصف بالإمامة من حيث كان الوصف بها يقتضي ثبوت التصرف في الحال، فمن لم يكن له التصرف في حال من الأحوال لا يكون إماما فيها، وقد أجاب قوم من أصحابنا بأن قالوا: إن الخبر يوجب لأمير المؤمنين عليه السلام فرض الطاعة في الحال على جميع الأمة حتى يكون له عليه السلام أن يتصرف فيهم بالأمر والنهي، ومنهم من خصص وجوب فرض طاعته، فقال: إن الكلام أوجب طاعته على سبيل الاستخلاف فليس له أن يتصرف بالأمر والنهي والرسول حاضر، وإنما له أن يتصرف في حال غيبته أو حال وفاته، وامتنع الكل من إجراء اسم الإمامة عليه وإن كان مفترض الطاعة على الوجه الذي ذكرناه، وقالوا: إنما يجري اسم الإمامة على من اختص بفرض الطاعة مع أنه لا يد فوق يده، فأما من كان مطاعا وعلى يده يد فإنه لا يكون إماما ولا يستحق هذه التسمية كما لا يستحقها جميع أمراء النبي صلى الله عليه وآله وخلفائه في الأمصار وإن كانوا مطاعين، ويقولون: إن التسمية بالإمامة وإن امتنع منها في الحال فواجب إجراؤها بعد الوفاة لزوال العلة المانعة من إجرائها والوجه الأول أقوى الثلاثة وهو الذي نختاره.

فإن قيل: كيف يصح أن يكون ما اقتضاه الخبر غير ثابت في الحال

٢٩٤
مع ما يروى من قول عمر: " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " وظاهر قوله: أصبحت يقتضي حصول الأمر في الحال قلنا ليس في قول عمر أصبحت مولاي، ما يقتضي حصول الإمامة في الحال وإنما يقتضي ثبوت استحقاقها في حال التهنئة وإن كان التصرف متأخرا وليس يمتنع أن يهنأ الانسان بما يثبت له استحقاقه في الحال وإن كان التصرف فيه يتأخر عنها لأن أحد الملوك والأئمة لو استخلف على رعيته من يقوم بأمرهم إذا غاب عنهم أو توفي لجاز من رعيته أن يهنئوا ذلك المستخلف بما ثبت له من الاستحقاق وإن لم يغب الملك ولا توفي وهذه الجملة تأتي على كلامه في الفصل.

قال صاحب الكتاب بعد سؤال أورده وأجاب عنه لا يسئل عن مثله: " فإن قيل: كيف يجوز أن يريد صلى الله عليه وآله ذلك! وقد تبين من حاله من قبل بل من حال غيره ما يوجب الموالاة؟ وكيف يجمع الناس لمثل ذلك والحال ما قلنا؟ " ثم قال: " قيل له: قد بينا أن هذه المرتبة تفوق مرتبة الإمامة، وأن الإمامة إنما يشرف للوصول بها إلى هذه المنزلة فلا يمتنع أن يجمع له صلى الله عليه وآله لذلك الناس وليظهر هذه المنزلة له، ولو قيل: إن جمعه عليه السلام الناس عند هذا الخبر يدل على ما قلناه لأنه من أشرف المنازل لكان أقرب، وقد بينا أن في الخبر من إبانة فضله ما لم يظهر لغيره، وهو القطع على أن باطنه كظاهره فيما يوجب الموالاة، وأنه لا يتغير على الدوام، وذلك لم يثبت لغيره ولا يثبت بسائر الأخبار له، لأن المروي في هذا الباب من الأخبار لا يخلو من وجهين، أما أن يقتضي الفضل (١) في الحال، وأما أن يقتضي علاقة

(١) غ " الفعل ".
٢٩٥
العاقبة وإما أن يقتضي ما ذكرناه فغير حاصل إلا في هذا الخبر على أنه لو كان حاصلا في غيره كان لا يمتنع أن يجمع الناس له ليؤكد هذا الأمر، ويبين الحال فيه بيانا شافيا ظاهرا كما أن من خالفنا في الإمامة فإنهم يزعمون أنه يدل على الإمامة، وإن كان غيره من الأخبار قد دل على ذلك، على أن الذي يروون من جمع الناس ومن المقدمات الكثيرة التي يذكرونها في هذا الباب، ليس بمتواتر، وإنما يرجع فيه إلى الآحاد فكيف يصح الاعتماد عليه فيما طريقه العلم؟... " (١).

يقال له: إن أحدا لا يسألك عن السؤال الذي أوردته على نفسك في هذا الفصل، على أن الموالاة الواجبة بالخبر هي الموالاة المخصوصة التي ادعيتها، بل على أن يكون الموالاة المطلقة التي تجب لجماعة المؤمنين، فإذا سألت عن ذلك فليس يقال لك أيضا: إن الموالاة لا يجوز أن يكون المراد لأجل أن إيجابها قد تقدم بيانه من قبل، بل الذي يقال إنها لا يجوز أن يكون المراد في خبر الغدير من قبل أن وجوه موالاة المؤمنين بعضهم لبعض في الدين قد كان معلوما لكل أحد من دينه عليه السلام، وليس يصح أن يدخل في مثله شبهة، فلو جاز مع ما ذكرناه أن يكرر عليه السلام بيانه وإيجابه لم يمتنع قول من حمل الخبر على أن المراد به من كنت ابن عمه فعلي ابن عمه، وإن كان ما يفيده هذا القول معلوما لا يدخل في مثله شبهة، ولو صح أن يكون المراد ما توهمه من الموالاة المخصوصة لحسن أن يجمع صلى الله عليه وآله الناس لأن فيه فائدة معقولة غير أنا قد بينا أن الخطاب لا يقتضيه وادعاؤه لا يصح على أنه لو كان حاصلا في غيره لم يمتنع أن يجمع الناس له ليؤكد الأمر، فإن أراد بما يؤكد الموالاة

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٤٩.
٢٩٦
المطلقة العامة فإن تأكيدها لا يحسن لما ذكرناه، كما لا يحسن أن يريد قسم ابن العم على جهة التأكيد والإمامة، وإن كان أصحابنا يقولون: إن بيان إيجابها متقدم ليوم الغدير فليس يجري مجرى ما هو معلوم من دينه عليه السلام من وجوب الموالاة بين المؤمنين فلهذا حسن تأكيدها وتكرير بيانها، وإن لم يحسن في غيرها من المعلوم الظاهر الذي لا تعترض الشبهة فيه فأما المقدمة المتضمنة للتقرير فقد بينا أن الخبر متواتر بها، وأن أكثر من روى الخبر رواها وذكرنا ما يمكن أن يكون وجها في إغفال من أغفلها، وكذلك القول في جمع الناس فإنه أيضا ظاهر منقول فأما الكلام الزائد على قوله (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم أو بالمؤمنين من أنفسهم) على اختلاف الرواية فما ينكر أن يكون أكثر الروايات خالية منه، واعتمادنا في خبر الغدير غير مفتقر إليه، على أن من تعلق بعدم الفائدة وأبطل أن يكون المراد الموالاة في الدين إنما ينصر بذلك طريقة التقسيم، لأن الطريقة الأولى لا يحتاج في إبطال قول من ادعى إثبات الموالاة في الدين بالخبر إلى ذكر الفائدة، بل سقط قوله بما يوجبه الكلام من حمل المعنى على ما طابق المقدمة، وطريقة التقسيم غير مفتقرة إلى شئ من المقدمات وجمع الناس فلو صح أنه صلى الله عليه وآله لم يجمع أحدا ولا قدم كلاما لقطعنا على أنه لم يرد الموالاة في الدين التي تجب لسائر المؤمنين لما تقدم بيانه، ولأوجبنا أن يكون المراد ما ذهبنا إليه إذا بطلت سائر الأقسام.

قال صاحب الكتاب: " فإن قيل: كيف يجوز أن يكون المراد ما ذكرتموه مع تقديمه صلى الله عليه وآله: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم) وقد علمتم أن الجملة التابعة للمقدمة لا بد من أن يراد بها ما أريد بالمقدمة وإلا كانت في حكم اللغو، فإذا كان مراده صلى الله عليه وآله بقوله: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم) وجوب الطاعة والانقياد فما عطف

٢٩٧
عليه من قوله (فمن كنت مولاه) مثله فكأنه قال: فمن كنت أولى به فعلي أولى به، وهذا تصريح بما ذكرناه! قيل له: لا نسلم أن المراد بالمقدمة (٣) معنى الإمامة (١) بل المراد بها معنى النبوة أو المراد بها معنى الاشفاق والرحمة وحسن النظر، يبين ذلك أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه صلى الله عليه وآله أولى بهم في أمر يشاركونه فيه، وذلك لا يليق بالإمامة، ويليق بمقتضى النبوة لأنه صلى الله عليه وآله بين لهم الشرع الذي بقيامهم به يصلون إلى درجة الثواب فيكون البيان من قبله والقيام به من قبلهم، لكنه لما لم يتم إلا ببيانه صلوات الله عليه كانت منزلته في ذلك أبلغ فصلح أن يكون أولى وكذلك متى أريد بذلك الرأفة والرحمة والاشفاق وحسن النظر، لأنه فيما يرجع إلى الدين هو أحسن نظرا لأمته منهم لأنفسهم، ومتى حمل الأمر على ما قالوه خالف الظاهر، فإن قالوا: قد دخل فيما ذكرتموه وجوب الطاعة وذلك يصحح ما قلناه، قيل لهم: إنه وإن كان كذلك فليس هو المقصود وإن كان تابعا له، وإنما قدحنا بما ذكرناه في قولكم لأنكم جعلتموه المقصود، وعلى هذا الوجه لا يطلق في الرسول صلى الله عليه وآله أنه إمام على ظاهر ما يقولون في إمام الزمان، وإنما يطلق ذلك بمعنى الاتباع، لأن الإمامة عبارة عن أمور مخصوصة لا زيادة فيها ولا نقصان، فلا يجب وإن كان النبي صلى الله عليه وآله يقوم بما يقوم به الإمام أن يوصف بذلك على الوجه الذي ذكرناه، كما لا يوصف بأنه أمير وساع وحاكم، وإن كان يقوم بما يقوم به جميعهم، وليس يمتنع في اللفظ أن يفيد معنى من المعاني إذا انفرد فإذا كان داخلا في غيره لم يقع الاسم عليه، وهذا كثير في الأسماء وإذا لم يصح أن يراد بقوله: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم)

(١) المراد بها معنى الطاعة والانقياد وإنما المراد، خ ل.
٢٩٨
معنى الإمامة فقد بطل ما أدعوه على أن كثيرا ممن تقدم من شيوخنا ينكر أن تكون هذه المقدمة ثابتة بالتواتر ويقول: إنها من باب الآحاد والثابت هو قوله صلى الله عليه وآله: (من كنت مولاه) إلى آخر الخبر وهو الذي كرره أمير المؤمنين عليه السلام في مجالس عدة عند ذكر مناقبه،... " (١).

يقال له: أول ما نقوله إنا لا نعلم أحدا تقدم أو تأخر ممن تكلم في تأويل خبر الغدير خالف في أن مراد النبي صلى الله عليه وآله بالمقدمة هو التقرير لوجوب فرض طاعته على الأمة في سائر الأمور من غير تخصيص لبيان شرع من غيره كما لم يخالف أحد في أن قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) (٢) المراد به أولى بتدبيرهم، وبأن يطيعوه وينقادوا لأوامره، ومعلوم أن التقرير الواقع بالمقدمة في خبر الغدير مطابق لما أوجبه الله تعالى للرسول صلى الله عليه وآله في الآية، وموافق لمعناها، ومع هذا فقد أجاب صاحب الكتاب عن غير ما سأل عنه لأنه ألزم نفسه في السؤال أن يكون المراد فرض الطاعة من غير إضافة إلى إمامة أو غيرها، وفرض الطاعة لا يختلف في الإمام والنبي صلى الله عليه وآله.

وقال في الجواب: " إنا لا نسلم إن المراد بالمقدمة معنى الإمامة بل معنى النبوة "، وهذا عدول ظاهر عما سأل نفسه عنه على أنه قد فسر ما ذهب إليه، وادعى أن المراد ببعض ما يشتمل عليه وجوب الطاعة لأن بيان الشرع أحد ما يطاع فيه النبي صلى الله عليه وآله ولا خلاف في أن طاعته واجبة في كل ما يأمر به، وينهى عنه، سواء كان بيان شرع أو

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٥٠ و ١٥١.

(٢) الأحزاب ٦.

٢٩٩
غيره، وإنما وجب أن يطيعوه في بيان الشرع من حيث كانت طاعته واجبة عليهم في كل أمر على العموم.

وبعد، فإن صاحب الكتاب ادعي أن ظاهر اللفظ يقتضي أنه أولى بهم في أمر يشاركونه فيه، وفسر ذلك بما لا اشتراك فيه لأن النبي صلى الله عليه وآله وإن كان مبينا للشرع والأمة قائمة بما بينه لهم فلم تشاركه الأمة في صفة واحدة، لأن البيان الذي يختص هو عليه السلام به لا يشاركه فيه الأمة، وليس يكون قيامهم بالشرع مشاركة له في البيان،.

فإن قنع صاحب الكتاب لنفسه بما ذكره فمثله في مقتضى الإمامة، لأن الإمام من حيث وجبت طاعته يقيم في الأمة الأحكام ويأمرهم وينهاهم فيكون الأوامر من جهته والامتثال من جهتهم، وقد دللنا فيما تقدم على أن تصرف الإمام لطف في فعل الواجبات والامتناع من المقبحات، وهذا مثل ما ذكره من الاشتراك، لأن الامتناع من القبيح وفعل الواجب من جهة المكلفين، وما هو لطف فيهما من جهته وقد دللنا أيضا على أن الإمام حجة في بيان الشرع وإن كان يخالف النبي صلى الله عليه وآله من حيث كان النبي مبينا للشرع ومبتدئا بغير واسطة من البشر، وما نطق صاحب الكتاب بحمل نفسه على القول بأن التقرير اختص ببيان الشرع مع هذه المزية المخصوصة لأن شبهته في ذلك الاشتراك في الصفة، وقد بينا أنها تدخل في مقتضى الإمامة من الوجوه الثلاثة (١) التي لو لم يثبت منها إلا ما لا خلاف فيه من وجوب طاعة الإمام، ولزوم الدخول تحت أحكامه مما يقتضي الاشتراك على الوجه الذي ذكره لكان فيه كفاية في رفع كلامه.

(١) وهي الأوامر من جهة الإمام، والامتثال من جهة الأمة، وكون تصرف الإمام لطف لهم في الأمر بالحسن والنهي عن القبيح.
٣٠٠