×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

فأما الاشفاق والرحمة فليس يجوز أن يكون عليه السلام أشفق علينا وأرحم بنا بالاطلاق وفي كل أمر وحال، بل لا بد من أن يقيد ذلك بما يرجع إلى الدين، فإذا قيد به فقد عاد الأمر إلى فرض الطاعة، لأنه لا يكون بهذه الصفة إلا من وجبت طاعته، ولزوم الانقياد لآمره ونهيه، وكيف لا يجب طاعة من يقطع على أنه لا يختار لنا ويدعونا إلا إلى ما هو أصلح لنا في ديننا وأعود علينا وأدخل في حسن النظر لمعادنا، وكان صاحب الكتاب عبر عن التقرير لفرض الطاعة بلفظ آخر يقوم مقامه لأنه لا فرق بين أن يقول: إنه أولى بأن نطيعه وننقاد له، وبين أن يقول: إنه أولى بالإشفاق علينا، وحسن النظر فيما يرجع إلى ديننا، لأن الوصف الذي لا يثبت إلا لمفترض الطاعة كالوصف بفرض الطاعة، وهذه الصفة يعني الاشفاق وحسن النظر في الدين، حاصلة للإمام عندنا فكيف يقال إن اللفظ لا يليق بالإمامة، ويليق بمقتضى النبوة.

وقوله: (ليس بمقصود) لا يغني شيئا لأنا قد ذكرنا أن أحدا لم يجعله غير مقصود، وأبطلنا شبهة من حمله على خلاف التقرير بفرض الطاعة، وبينا أن الذي ذكره من الوجهين إما أن يكون بعض ما وجبت له فيه الطاعة والانقياد أو إثبات صفة لا تحصل إلا لمن تجب طاعته فكأن النبي صلى الله عليه وآله إذا صرنا إلى ما ذكره صاحب الكتاب قررهم في المقدمة (١) بإحدى الصفتين اللتين قد بينا أنهما لا تحصلان إلا لمفترض الطاعة، وإذا أوجب لغيره في الكلام مثل ما وجب له في المقدمة فقد حصلت له البغية، لأن من تجب طاعته على الخلق في سائر أمور الدين لا يكون إلا الإمام إذا لم يكن نبيا.

(١) قررهم أي النبي صلى الله عليه وآله في المقدمة وهي قوله: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم).
٣٠١
وقوله: " لا يطلق في النبي صلى الله عليه وآله إنه إمام كما لا يطلق إنه كذا وكذا " لا نحتاج إلى مضايقته فيه، وإن كان غير ممتنع إطلاق كون الرسول صلى الله عليه وآله إماما لنا بمعنى أنه يجب علينا الاقتداء به، والامتثال لأوامره، لأنا لم نسمه (١) القول بأن الرسول صلى الله عليه وآله قررهم في المقدمة بكونه إماما وإنما ذهبنا إلى أن التقرير وقع لفرض الطاعة التي تجب للرسول والإمام، ولا يختلف فيهما ولا خلاف بيننا وبينه في أن الرسول صلى الله عليه وآله تجب طاعته، ويصح أن يقرر بوجوبها أمته، فامتناع إطلاق لفظ الإمامة عليه لا يضرنا ولا يؤثر فيما قصدناه.

وقوله: " إذا لم يصح أن يراد بقوله: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم) معنى الإمامة فقد بطل ما ادعوه " فما رأيناه أبطل معنى الإمامة بشئ أكثر مما ذكروه من معنى الاشتراك، وقد بينا أنه يدخل في معنى الإمامة، وبما ذكره من امتناع إطلاق لفظ الإمام على الرسول صلى الله عليه وآله، وذلك غير مبطل لحصول معنى الإمامة في التقرير، لأنه اعتمد أن الرسول صلى الله عليه وآله وإن كان يقوم بما يقوم به الإمام، فإن الوصف بالإمامة لا يطلق عليه والمعنى حاصل له، فعلى هذا فما المانع من أن يكون التقرير وقع بفرض الطاعة وهو معنى الإمامة، لأن المراد بقولنا:

إنه بمعناها إن هذه الصفة لا تحصل بعد النبي صلى الله عليه وآله إلا لمن كان إماما قائما بما يقوم به الأئمة، وإن كان إطلاق الاسم يمتنع لما ذكره.

فأما حكايته عن كثير من شيوخه دفع التواتر بالمقدمة (٢) فليس

(١) لم نسمه: لم نكلفه.

(٢) أي دفعهم تواتر مقدمة حديث الغدير وهي (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم) وأن المتواتر عندهم (من كنت مولاه فعلي مولاه) الخ.

٣٠٢
بحجة، وقد دللنا فيما مضى على أن الشيعة تتواتر بالخبر بمقدمة الحديث وأكثر من رواة من العامة روى المقدمة أيضا (١) وإنما أغفلها من الرواة قليل من كثير، وبينا ما يصح أن يكون عذرا في ترك من ترك روايتها، وليس يجوز أن يجعل إغفال من أغفلها حجة في دفع رواية من رواها.

وأما اقتصار أمير المؤمنين في الاحتجاج على ذكر ما عدا المقدمة من الخبر فإنه لا يدل أيضا على بطلانها لأنه عليه السلام احتج من الخبر بما يكون الاعتراف به اعترافا بالجميع على عادة الناس في أمثال هذه الاحتجاجات، وقد تقدم الكلام في هذا وذكرنا أيضا أن طريقة التقسيم (٢) غير مفتقرة إلى المقدمة، وإنما يحتاج إليها في الطريقة الأولى التي اعتمدناها، وطريق إثباتها واضح بما أوردناه، ويمكن أن يستدل على الإمامة بالخبر من وجه آخر لا يفتقر إلى المقدمة وهو أن يقال: قد ثبت أن من جملة ما يحتمله لفظة " مولى " من الأقسام معنى الإمام بما دللنا عليه من قبل، ووجدنا كل من ذهب إلى أن لفظ خبر الغدير يحتمل معنى الإمامة، وأن لفظة " مولى " يقتضيها في جملة أقسامها يذهب إلى أن الإمامة هي المرادة بالخبر، وهذه طريقة قوية يمكن أن تعتمد.

قال صاحب الكتاب: " على أن ذلك لو صح وثبت أن المراد به ما قالوه لم يجب فيما تعقبه من الجملة أن يراد به ذلك، بل يجب أن يحمل

(١) من رواة المقدمة ابن عقدة - كما في أسد الغابة ١ / ٣٦٧، والنسائي في مواضع من خصائص أمير المؤمنين وأحمد في المسند ٤ / ٣٧٢، والبزاز كما في مجمع الزوائد ٩ / ١٠٧ والطبراني.

(٢) أي تقسيم معاني " مولى " كما تقدم مع بيان الطريقة التي اعتمدها المرتضى تحت قوله: طريقة أخرى في الاستدلال بخبر الغدير. كما في المجمع أيضا ٩ / ١٠٦ والحاكم في المستدرك ١٠٩ / ٥٣٣.

٣٠٣
على ما يقتضيه لفظه، فإن كل لفظه يقتضي ما ذكروه فلا وجه لتعلقهم بالمقدمة، وإن كان لا يقتضي ذلك لم يصر مقتضيا له لأجل المقدمة، وإنما قدم صلى الله عليه وآله ذلك ليؤكد ما يريد أن يبين لهم من وجوب موالاته عليه السلام وموالاة أمير المؤمنين عليه السلام، لأن العادة جارية فيمن يريد أن يلزم غيره أمرا عظيما في نفسه أن يقدم مثل (١) هذه المقدمات تأكيدا لحق الرجل الرئيس السيد الذي يريد إلزام قومه أمرا، فيقول لهم: ألست القائم بأموركم والذاب عنكم (٢) والناصر لكم، والمنعم عليكم، فإذا قالوا: نعم فيقول عنده: فافعلوا كيت وكيت، وإن كان ما أمرهم به ثانيا لا يتصل بما أمرهم أولا ولا يكون لتقديم ذلك حكمة، وعلى هذا الوجه قال النبي صلى الله عليه وآله: (إنما أنا لكم مثل الوالد فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط ولا بول) (٣) فقدم صلى الله عليه وآله عند إرادته بيان ما يختص بحال الخلوة، ما يدل على إشفاق وحسن نظر فكذلك القول فيما ذكرناه، ولو أن الذي ذكرناه صرح به لكان خارجا من العبث صلى الله عليه وآله ليسلم من العيب بأن يقول: ألست أولى بكم في بيان الشرع لكم، وما يجب عليكم، وما يحل عليكم، وما يحرم فإذا كنت كذلك في باب الدين فمن يلزمه موالاتي باطنا وظاهرا بالإعظام والمدح والنصرة فليوال عليا على هذا الحد لكان الكلام حسنا مستقيما يليق بعضه ببعض، وإنما كان يجب ما ذكروه لو كان متى حملت الجملة الثانية على ما قلناه نبت (٤) عن الجملة

(١) غ " قبل هذه ".

(٢) " الذاب عنكم " ساقطة من المغني، كما أن فيه " القيم " مكان " القائم ".

(٣) مسند أحمد ٢ / ٢٤٧ بحروف ما في المتن ورواه بالمضمون عامة أرباب السنن في كتب الطهارة من سننهم.

(٤) نبت: تباعدت، وفي " المغني " انتفت، والمنافرة: التجافي والتباعد.

٣٠٤
الأولى ونافرتها، فأما إذا كانت الحال ما ذكرناه فهو مستقيم لا خلل فيه،... " (١).

يقال له: قد مضى في جملة ما قدمناه من الكلام ما يبطل معاني فصلك هذا، فأما نفيك لأن يكون الكلام مقتضيا لما ذكرناه لأجل المقدمة، وقولك: (يجب أن يحمل على ما يقتضيه لفظه من غير مراعاة للمقدمة) فغير صحيح لأنك أن أردت بذلك الاقتضاء على سبيل الاحتمال لا على الإيجاب فاللفظ ليس يصير لأجل المقدمة مقتضيا فغير ما كان مقتضيا له، وإن أردت بالاقتضاء الإيجاب، فقد بينا أن بورود المقدمة لا بد من تخصيص اللفظ الوارد من بعدها بمعناها، وضربنا له الأمثال، ومما يبين صحة ما ذكرناه أن قول القائل: عبدي حر وله عبيد كثير لفظه محتمل مشترك بين سائر عبيده، فإذا قال بعد أن يقرر بمعرفة بعض عبيده ممن يسميه ويعينه: فعبدي حر، كان كلامه الثاني محمولا على سبيل الوجوب على العبد الذي قدم تعيينه وتعريفه، وصار قوله: فعبدي حر إذا ورد بعد المقدمة مقتضيا على سبيل الإيجاب لما لو لم يحصل لم يكن مقتضيا له على هذا الوجه، وإن كان يقتضيه على طريق الاحتمال.

وأما قوله عليه السلام: (إنما أنا لكم مثل الوالد) إلى آخر الخبر، فغير معترض على كلامنا لأنه صلى الله عليه وآله لم يورد في الكلام الثاني لفظا يحتمل معنى الكلام المتقدم، وأراد به خلاف معناه، والذي أنكرناه في خبر الغدير غير هذا لأنه لو لم يرد بلفظة " مولى " معنى أولى لكان قد أورد لفظا محتملا لما تقدم من غير أن يريد به معنى المتقدم، وفساد ذلك ظاهر، وليس ينكر أن يكون صلى الله عليه وآله لو صرح بما ذكره صاحب

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٥١.
٣٠٥
الكتاب على سبيل التقدير مفيدا فكلامه خارج عن العبث إلا أنه متى لم يصرح بذلك وأورد اللفظ المحتمل فلا بد من أن يكون مراده ما ذكرناه كما أن القائل إذا أقبل على جماعة وقال لهم: ألستم تعرفون ضيعتي الفلانية، ثم قال: فاشهدوا أن ضيعتي وقف، لا يجوز أن يفهم من لفظه الثاني إذا كان حكيما إلا وقفه للضيعة التي قدم ذكرها، وإن كان جائزا أن يصرح بخلاف ذلك، فيقول بعد تقريره بمعرفة الضيعة: فاشهدوا أن ضيعتي التي تجاورها وقف، فيصرح بوقفه غير الضيعة التي سماها أو عينها، وهذه الجملة تأتي على كلامه.

قال صاحب الكتاب بعد أن ذكر التعلق بإمساك أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين عن الاحتجاج بالنص من خبر يوم الغدير في المواقف التي وقع التنازع في الإمامة فيها فقد مضى الكلام عليه مستوفى: " وقد قال شيخنا أبو هاشم: (إن ظاهر الخبر يقتضي إثبات حال ما أثبته صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام في الحال وذلك لا يتأتى في الإمامة (فيجب حمله على ما ذكرناه (١)) ومتى قالوا: إن الظاهر وإن اقتضى الحال فإنا نحمله على بعد موت النبي صلى الله عليه وآله لم يكونوا بذلك أولى ممن حمله على الوقت الذي بويع فيه ويكون ذلك أولى لما ثبت بالدليل من صحة إمامة أبي بكر، وقال: متى قالوا:

تثبت له الإمامة في الحال لكنه إمام صامت، قيل لهم: فيجب أن لا يصير ناطقا بهذا الخبر لأنه إنما دل على كونه إماما صامتا، ومتى قالوا: إنه يدل على كونه إماما ناطقا، فيجب أن يكون كذلك في الوقت، وبين أنه لا يمكنهم القول بأنه إمام (٢) مع أنه لا يقوم بما إلى الأئمة في حال حياته "

(١) ما بين المعقوفين من " المغني ".

(٢) كلمة " إمام " كانت مطموسة في " المغني " فقال المحقق: لعلها " ثابتا "، ولا يستقيم المعنى حتى لو كانت كما عللها.

٣٠٦
وقال: " لا فرق بين من استدل بذلك على النص وبين من قال: إن قوله صلى الله عليه وآله لأبي بكر: (اتركوا لي أخي وصاحبي، صدقني حيث كذبني الناس) وهو نص على إمامته بعد وفاته إلى غير ذلك مما روي نحو قوله صلى الله عليه وآله (لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) وقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) إلى غير ذلك مما اشتهرت (١) فيه الرواية.... " (٢).

يقال له: إن الكلام في إلزامنا حمل الخبر على إيجاب الإمامة في الحال فقد مضى مستقصى والذي يبطل قول من ألزمنا وجوب النص به بعد عثمان ما تقدم أيضا عند كلامنا في النص الجلي (٣)، وهو أن الأمة مجمعة على أن إمامة أمير المؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان لم تحصل له بنص من الرسول صلى الله عليه وآله تناول تلك الحال، واختص بها دون ما تقدمها، ويبطله أيضا أن كل من أثبت لأمير المؤمنين عليه السلام النص على الإمامة بخبر الغدير أثبته على استقبال وفاة الرسول صلى الله عليه وآله من غير تراخ عنها.

فأما الأخبار التي أوردها على سبيل المعارضة فالإضراب عن ذكرها، وترك تعاطي الانتصاف من المستدلين بخبر الغدير لها أستر على موردها، وأول ما في هذه الأخبار أنها لا تساوي ولا تداني خبر الغدير في باب الصحة والثبوت، ووقوع العلم لأنا قد بينا فيما تقدم تواتر النقل بخبر الغدير ووقوع العلم به لكل من صحح الأخبار وأنه مما أجمعت الأمة

(١) نفس المصدر السابق.

(٢) غ " مما اشتهر في الرواية ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٥٢.

٣٠٧
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٣٠٨ - ص ٣٢٥)
٣٠٨
رواية الخبر بأن راويه عبد الملك بن عمير وهو من شيع بني أمية، وممن تولى القضاء لهم، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت أيضا، ظنينا في نفسه وأمانته.

وروي أنه كان يمر على أصحاب الحسين بن علي عليهما السلام وهم جرحى فيجهز عليهم فلما عوتب على ذلك قال: إنما أريد أن أريحهم، وفيهم من حكى رواية الخبر بالنصب وجعل أبا بكر وعمر على هذه الرواية مناديين مأمورين بالاقتداء بالكتاب والعترة، وجعل قوله: (اللذين من بعدي) كناية عن الكتاب والعترة، واستشهد على صحة تأويله بأمره صلى الله عليه وآله في غير هذا الخبر بالتمسك بهما والرجوع إليهما في قوله: (إني مخلف فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (١) وأبطل من سلك هذه الطريقة في تأويل الخبر اعتراض الخصوم بلفظ " اقتدوا " وأنه خطاب للجميع لا يسوغ توجهه إلى الاثنين بأن قال: ليس ينكر أن يكون اقتدوا باللذين متوجها إلى جميع الأمة وقوله (من بعدي أبا بكر وعمر) نداء لهما على سبيل التخصيص لهما لتأكيد الحجة عليهما وشرح هذه الجملة موجودة في مواضعه من الكتب، وإن كان مخالفونا يدفعون ورود الرواية بالنصب أشد دفع،

(١) حديث الثقلين رواه طائفة من علماء السنة لا يحصون كثرة حتى أفرد السيد ناصر حسين في تتميم العبقات لوالده السيد حامد حسين اللكهنوي مجلدا كاملا وضم إليه حديث السفينة فكان حصيلة بحثه أن من رواه من الصحابة ٢٤ ومن التابعين ١٩ ثم ذكر طبقات العلماء من رواته من القرن الثاني إلى القرن الرابع عشر، وقد ترجمه وحققه ونظمه الأستاذ المحقق السيد علي الحسيني الميلاني فأخرجه للناس في مجلدين فخمين وعززهما بثالث صغير في حديث السفينة إخراجا فيه يسر ما الناظر ولا يكد الخاطر أحسن الله جزاءه ووفقه لإخراج ما بقي من أجزاء هذه الموسوعة القيمة التي قل أن يكون لها نظير.
٣٠٩
ويدعون أنه مما خرج على سبيل التأويل من غير رجوع إلى رواية، ومما يمكن أن يعتمد في إبطال خبر الاقتداء أنه لو كان موجبا للنص على الوجه الذي عارض به أبو هاشم لأحتج به أبو بكر لنفسه في السقيفة، ولما جاز أن يعدل إلى روايته " أن الأئمة من قريش " ولا خفاء على أحد في أن الاحتجاج بخبر الاقتداء أقطع للشغب وأخص بالحجة، وأشبه بالحال لا سيما والتقية والخوف عنه زائلان، ووجوه الاحتجاج له معرضة، وجميع ما يدعيه الشيعة بالنص الذي تذهب إليه عن الرجل منتفية، ولوجب أيضا أن يحتج به أبو بكر على طلحة لما نازعه فيما رواه من النص على عمر، وأظهر الإنكار لفعله فكان احتجاجه في تلك الحال بالخبر المقتضي لنص رسول الله صلى الله عليه وآله على عمر ودعائه الناس إلى الاقتداء به، والاتباع له أولى وألزم من قوله: (أقول: يا رب وليت عليهم خير أهلك) وأيضا لو كان هذا الخبر صحيحا لكان حاظرا (١) مخالفة الرجلين وموجبا لموافقتهما في جميع أقوالهما وأفعالهما، وقد رأينا كثيرا من الصحابة قد خالفهما في كثير من أحكامهما وذهبوا إلى غير ما يذهبان إليه، وقد أظهروا ذلك، فيجب أن يكونوا بذلك عصاة مخالفين لنص الرسول صلى الله عليه وآله وقد كان يجب أيضا أن ينبه الرجلان من يخالفهما على مقتضى هذا الخبر، ويذكر أنهم بأن خلافهما محظور ممنوع منه، على أن ذلك لو اقتضى النص بالإمامة على ما ظنوا لوجب أن يكون ما رووه عنه عليه السلام من قوله:

(أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) (٢) موجبا لإمامة الكل، وإذا لم

(١) حاظرا: مانعا.

(٢) هذا الحديث مروي من طريق جعفر بن عبد الواحد الهاشمي وإليك ما نقله الذهبي في ميزان الاعتدال ج ١ / ٤١٣ في جعفر هذا قال: " جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي، قال الدارقطني: يصنع الحديث، وقال أبو زرعة: روى أحاديث لا أصل لها، وقال ابن عدي: يسرق الحديث ويأتي بالمناكير، ثم ساق له ابن عدي أحاديث، وقال كلها بواطيل، وبعضها سرقه من قوم - إلى أن قال - ومن بلاياه عن وهب بن جرير عن أبيه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم (أصحابي كالنجوم ومن اقتدى بشئ منها اهتدى ".

٣١٠
يكن هذا الخبر موجبا للإمامة فكذلك الآخر، وقد رووا أيضا عنه عليه السلام أنه قال: (اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد) (١) ولم يكن في شئ من ذلك نص بإمامة ولا فرض طاعة فكيف يظن هذا في خبر الاقتداء وحكم الجميع واحد في مقتضى ظاهر اللفظ.

وبعد، فلو تجاوزنا عن هذا كله، وسلمنا رواية الأخبار وصحتها، لم يكن في شئ منها تصريح بنص ولا تلويح إليه.

أما خبر الخلة وما يدعونه من قوله عليه السلام (اتركوا لي أخي وصاحبي) فلا شبهة على عاقل في بعدهما عن الدلالة على النص.

فأما خبر الاقتداء فهو كالمجمل لأنه لم يبين في أي شئ يقتدى بهما ولا على أي وجه ولفظة بعدي مجملة ليس فيها دلالة على أن المراد بعد وفاتي دون بعد حال أخرى من أحوالي ولهذا قال بعض أصحابنا: إن سبب هذا الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله كان سالكا بعض الطريق وكان أبو بكر وعمر متأخرين عنه جائيين على عقبه فقال النبي صلى الله

(١) هذا الحديث كما في فيض القدير ج ٢ / ٥٦ من حديث عبد الملك بن عمير عن ربعي عن حذيفة بن اليمان، وعبد الملك لم يسمعه من ربعي وربعي لم يسمعه من حذيفة، ا هـ وعبد الملك بن عمير هذا كان قاضيا بالكوفة أيام عبيد الله بن زياد وهو الذي مر على عبد الله بن يقطر رسول الحسين عليه السلام وقد رماه ابن زياد من أعلى قصر الإمارة فرآه يجود بنفسه وقد تهشمت عظامه فذبحه بيده فلما ليم على ذلك قال: أردت أن أريحه!!
٣١١
عليه وآله لبعض من سأله عن الطريق الذي يسلكه في اتباعه واللحوق به (اقتدوا باللذين من بعدي) وعنى بسلوك الطريق دون غيره، وهذا القول وإن كان غير مقطوع به فلفظ الخبر محتمله كاحتماله لغيره، وأين الدلالة على النص والتسوية بينه وبين أخبارنا، ونحن حيث ذهبنا في خبر الغدير وغيره إلى النص لم نقتصر على محض الدعوى بل كشفنا عن وجه الدلالة، واستقصينا ما يورد من الشبه، وقد كان يجب على من عارضنا بهذه الأخبار وادعاء إيجابها للنص أن يفعل مثل ما فعلناه أو قريبا منه، وليس لأحد أن يتطرق إلى إبطال ما ذكرناه من التأويلات بأن يدعي أن الناس في هذه الأخبار بين منكر ومتقبل، فالمنكر لا تأويل له، والمتقبل يحملها على النص ويدفع سائر التأويلات لأن هذا القول يدل على غفلة شديدة من قائله أو مغالطة، وكيف يكون ادعاؤه صحيحا ونحن نعلم أن كل من أثبت إمامة أبي بكر من طريق الاختيار وهم أضعاف من أثبتها من طريق النص ينقلون هذه الأخبار من غير أن يعتقدوا فيها دلالة على نص عليه.

قال صاحب الكتاب: " وقد قال شيخنا أبو الهذيل (١) في هذا الخبر أنه لو صح لكان المراد به الموالاة في الدين وذكر أن بعض أهل العلم حمله على أن قوما نقموا على علي عليه السلام بعض أموره فظهرت مقالاتهم له، وقولهم فيه، فأخبر عليه السلام بما يدل على منزلته وولايته وفعاله وأفعالهم عما خاف فيه الفتنة، وقد قال بعضهم في سبب ذلك: إنه وقع بين أمير المؤمنين عليه السلام وبين أسامة بن زيد كلام، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أتقول هذا لمولاك، فقال: لست مولاي، وإنما

(١) أبو الهذيل: محمد بن الهذيل العبدي بالولاء المعروف بالعلاف كان شيخ البصريين في الاعتزال ومن أكبر علمائهم توفي في سامراء سنة ٢٦ أو ٢٧ أو ٢٣٥ بعد أن أشرف على المائة وقد كف بصره وخرف في آخر عمره.
٣١٢
مولاي رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله (من كنت مولاه فعلي مولاه) يريد بذلك قطع ما كان من أسامة وتبيان (١) أنه بمنزلته في كونه مولى له، وقال بعضهم مثل ذلك في زيد بن حارثة، وأنكروا (٢) أن خبر الغدير بعد موته، والمعتمد في معنى الخبر على ما قدمناه لأن كل ذلك لو صح وكان الخبر خارجا فلم يمنع من التعلق بظاهره وما يقتضيه لفظه، فيجب أن يكون الكلام في ذلك دون بيان السبب الذي وجوده كعدمه، في أن وجود الاستدلال بالخبر يتغير،... " (٣).

يقال له: أما الذي يبطل ما حكيته عن أبي الهذيل فهو جميع ما تقدم من كلامنا.

فأما التعلق بذكر السبب وما ادعى من ملاحاة زيد بن حارثة أو أسامة ابنه فالذي يفيده ما قدمناه أيضا من اقتضاء الكلام لمعنى الإمامة، وأن صرفه عن معناها يخرجه عن حد الحكمة، وقد ذكر أصحابنا في ذلك وجوها:

منها، أن زيد بن حارثة قتل بمؤتة (٤) وخبر الغدير كان بعد منصرف

(١) غ " وبيان ".

(٢) غ " وذكروا ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٥٤.

(٤) مؤتة - بضم الميم وسكون الهمزة بعدها تاء فوقانية - قرية من أرض البلقاء كانت بها الوقعة المذكورة التي استشهد بها جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم وهي اليوم تابعة للكرك من بلاد الأردن تبعد عن الطريق العام بحوالي ٤٠ كيلو متر وقد مررت بها عام ١٣٩٤ وأنا في طريقي إلى الحج وزرت مرقد جعفر عليه السلام وهو في مسجد جميل قد فرش بالسجاد الفاخر ومرقد زيد قريبا منه وعليه قبة صغيرة جميلة ومثلها القبة على قبر عبد الله بن رواحة وقريب من مراقدهم زرت المسجد الذي عليه على أرضه الوقعة وهو فخم البناء ومفروش بالسجاد الفاخر أيضا.

٣١٣
النبي صلى الله عليه وآله عن حجة الوداع وبين الوقتين زمان طويل فكيف يمكن أن يكون سببه ما ادعوه وهذا الوجه أيضا يختص بذكر زيد بن حارثة وما تقدم وتأخر من الوجوه يعم التعلق بزيد وأسامة ابنه.

ومنها: أن أسباب الأخبار يجب الرجوع فيها إلى النقل كالرجوع في نفس الأخبار ولا يحسن أن يقتصر فيها على الدعاوي والظنون، وليس يمكن أحدا من الخصوم أن يسند ما يدعيه من السبب إلى رواية معروفة، ونقل مشهور، والمحنة بيننا وبينهم في ذلك ولو أمكنهم على أصعب الأمور أن يذكروا رواية في السبب لم يمكن الإشارة فيه إلى ما يوجب العلم وتتلقاه الأمة بالقبول على الحد الذي ذكرناه في خبر الغدير، وليس لنا أن نحمل تأويل الخبر الذي هو صفة على سبب أحسن أحواله أن يكون ناقله واحدا لا يوجب خبره علما ولا يثلج صدرا (١).

ومنها، أن الذي يدعونه في السبب لو كان حقا لما حسن من أمير المؤمنين عليه السلام أن يحتج به في الشورى على القوم في جملة فضائله ومناقبه، وما خصه الله تعالى به، لأن الأمر لو كان على ما ذكروه لم يكن في الخبر شاهد على فضل، ولا دلالة على تقدم، ولوجب أن يقول له القوم في جواب احتجاجه: وأي فضيلة لك بهذا الخبر علينا، وإنما كان سببه كيت وكيت مما تعلمه ونعلمه وفي احتجاجه عليه السلام به وأضرابهم عن رد الاحتجاج دلالة على بطلان ما يدعونه من السبب.

ومنها، أن الأمر لو كان على ما ادعوه في السبب لم يكن لقول عمر

(١) المراد اطمئنان النفس، يقال: ثلجت نفسه أي اطمأنت.
٣١٤
ابن الخطاب في تلك الحال على ما تظاهرت به الروايات الصحيحة " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " معنى لأن عمر لم يكن مولى الرسول صلى الله عليه وآله من جهة ولاء العتق ولا جماعة المؤمنين.

ومنها، أن زيدا أو أسامة ابنه لم يكن بالذي يخفى عليه أن ولاء العتق يرجع إلى بني العم فينكره، وليس منزلته منزلة من يستحسن أن يكابر فيما يجري هذا المجرى ولو خفي عليه لما احتمل شكه فيه ذلك الإنكار البليغ من النبي صلى الله عليه وآله الذي جمع له الناس في وقت ضيق وقدم فيه من التقرير والتأكيد ما قدم.

ومنها، أن السبب لو كان صحيحا لم يكن طاعنا على تأويلنا لأنه لا يمتنع أن يريد النبي صلى الله عليه وآله ما ذهبنا إليه مع ما يقتضيه السبب من ولاء العتق، وإنما يكون السبب طاعنا لو كان حمل الخبر على موجبه ينافي تأويلنا وأكثر ما تقتضيه الأسباب أن يجعل الكلام الخارج عليها مطابقا لها، فأما أن لا يتعداها فغير واجب.

ومنها، أن كلام النبي صلى الله عليه وآله يجب أن يحمل على ما يكون مفيدا عليه، ثم على ما يكون أدخل في الفائدة لأنه صلى الله عليه وآله أحكم الحكماء، وإذا كان هذا واجبا لم يحسن أن يحمل خبر الغدير على ما ادعوه لأنه إذا حمل عليه لم يفد من قبل أنه معلوم لكل أحد علما لا يخالج فيه الشك أن ولاء العتق لبني العم.

قال صاحب الكتاب بعد كلام قد تقدم كلامنا عليه: (وأما من استدل بأن ذكر القسمة فيما يحتمله لفظة " مولى " من ملك الرق، والمعتق، وابن العم، والعاقبة، وأبطل كل ذلك، وزعم أنه ليس بعده إلا الإمامة، فإنه يقال له: ومن أين أن هذه اللفظة تفيد الإمامة في لغة

٣١٥
أو شرع أو تعارف ليتم لك إدخاله في القسمة؟ لأنه إنما يدخل في القسمة ما يفيده القول ويحتمله دون غيره، فإن قال: لأن لفظة الإمام تقتضي الإئتمام به والاقتداء، ووجوب الطاعة، ولفظة " مولى " تطلق على ذلك في التفصيل فيجب دخول الإمامة تحته، فيقال له: ومن أين أن وجوب الطاعة يستفاد بمولى، أولست تعلم أن طاعة الوالد على الولد واجبة، ولا يقال له إنه مولى؟ وإذا ملك بعقد الإجارة الأجير يلزمه طاعته ولا يقال ذلك فيه، وقد استعمل أهل اللغة في الرئيس المقدم لفظة " الرب " ولم يستعملوا لفظة " المولى " إلا إذا أرادوا به النصرة، فإن قال: قد ثبت إنهم يقولون في السيد: إنه مولى العبد لما ملك طاعته، ولزمه الانقياد له وذلك قائم في الإمام فوجب أن يوصف بذلك قيل له: لم يوصف المولى بذلك لما ذكرته، وإنما يوصف لأنه يملك بيعه وشراءه، والتصرف فيه بحسب التصرف في الملك وذلك لا يصح في الإمام،... " (١).

يقال له: قد بينا أن لفظة " مولى " تفيد في اللغة من كان أولى بالتدبير، وأحق بالشئ الذي قيل إنه مولاه واستشهدنا من الاستعمال بما لا يمكن دفعه، غير أن ما يستعمل هذه اللفظة فيه على ضربين، أحدهما لا يصح مع التخصص بتدبيره والتحقق بالتصرف فيه وصفه بالطاعة كسائر ما يملك سوى العبيد، فإنه قد يوصف المالك للأموال وما جرى مجراها من المملوكات بأنه مولى لها على الحد الذي وصف الله تعالى به الورثة المستحقين للميراث، والمختصين بالتصرف فيه، في قوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم) (٢) وإن كان دخول لفظ الطاعة ووجوبها في ذلك ممتنعا، والضرب الآخر يصح مع

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٥٥.

(٢) النساء ٧.

٣١٦
التحقق به والتملك له وصفه بالطاعة ووجوبها كالوصف للسيد بأنه مولى العبد، وولي المرأة في الخبر الذي أوردناه متقدما بأنه مولاها ورجوع كلا الوجهين إلى معنى واحد وهو التحقق بالشئ والتخصص بتدبيره، ولا معتبر بامتناع دخول لفظ الطاعة في أحدهما دون الآخر إذا كانت الفائدة واحدة.

فأما إلزامه إجراء لفظة " مولى " على الوالد والمستأجر للأجير من حيث وجبت طاعتهما فغير ممتنع أن يقال في الوالد: أنه مولى ولده بمعنى أنه أولى بتدبيره، كما أنه قد يستعمل فيه ما يقوم مقام مولى من الألفاظ فيقال: إنه أحق بتدبير ولده وأولى به، وكذلك القول في المستأجر لأنه يملك تصرف الأجير إلا أن إطلاق ذلك من غير تفسير وضرب من التفصيل ربما لم يحسن، ليس لأن اللغة لا تقتضيه لكن لأن لفظة " مولى " قد كثر استعمالها بالاطلاق في مالك العبد ومن جرى مجراه فصار تقييدها في الوالد واجبا إزالة للبس والابهام، ومثل هذا كثير في الألفاظ، وليس هو بمخرج لها عن حقائقها وأصولها.

ثم يقال له: إذا قلت: إن لفظة " مولى " تفيد الموالاة في الدين التي يحصل بين المؤمنين، فهلا أطلقت على الوالد أنه مولى ولده والمستأجر أنه مولى أجيره إذا كان الجميع مؤمنين وذهبت في اللفظة إلى معنى الموالاة؟

فإن قلت: إني أطلق ذلك لا أحتشم منه، قلنا لك: ونحن أيضا نطلق ما سمتنا (١) إطلاقه فيهما، ويزيد المعنى الذي ذهبنا إليه، لأن قلة الاستعمال إذا لم تكن مانعة لك من إطلاق اللفظ على المعنى الذي اخترته

(١) سمتنا: كلفتنا.
٣١٧
لم تكن مانعة - وأدلتنا ثابتة - لنا، وإذا ثبت الإطلاق كنت مناقضا إلا أن تعتذر بمثل ما اعتذرنا به.

فأما الرئيس السيد فلا شبهة في إجراء لفظة " مولى " عليه وقد حكينا ذلك فيما تقدم عن أهل اللغة، وليس هو مما يقل استعماله في كلامهم، بل ظهوره بينهم كظهور استعمال لفظة " رب " في الرئيس، ودفع ما جرى هذا المجرى قبيح.

فأما إنكاره استعمال لفظة " مولى " في مالك العبد من حيث ملك طاعته، وقوله: (إنما وصف بمولى من حيث ملك بيعه وشراه والتصرف فيه) فهو إنكار متضمن للاقرار، وإن لم يشعر به، لأنا نعلم أن المالك من العبد التصرف بالبيع والاستخدام وغيرها من وجوه المنافع لا يصح أن يكون مالكا لذلك إلا ويجب على العبد طاعته فيه، والانقياد له في جميعه، فقد صار مالك التصرف غير منفصل من مالك الطاعة ووجوبها بل المستفاد بمالك التصرف معنى وجوب الطاعة والانقياد فيما يرجع إلى العبد وإنما انفصل التصرف المستحق على العبد من الذي ليس لمملوك ولا مستحق بهذه المزية، وهذا يبين أن الذي أباه صاحب الكتاب لا بد له من الاعتراف به.

ثم يقال له: إذا كان وصف مولى العبد إنما أجري من حيث ملك بيعه وشراه لا من حيث وجبت طاعته عليه فيلزمك أن تجري هذا الوصف في كل موضع حصل فيه هذا المعنى، فتقول في المالك للثوب والدار والبهيمة والضيعة: إنه مولى لجميع ذلك، وتطلق القول من غير تقييده فإن فعلت واطلقت ما سمينا لك إطلاقه ذهابا إلى أن أصل اللفظة في الوضع ومعناها يقتضيانه، ولم تحفل بقلة الاستعمال جاز لنا أن نطلق أيضا في

٣١٨
الوالد أنه مولى ولده وكذلك في الأجير ونذهب إلى معنى اللفظة وما يقتضيه وضعها، ولا نجعل قلة الاستعمال مؤثرا فليس ما سمتنا إطلاقه بأقل في الاستعمال مما ألزمناك أن تطلقه وإن أبيت الإطلاق فليس لك بد من أن تصير إلى ما ذكرناه، وإلا كنت مناقضا ويسقط على كل حال إلزامك الذي ظننت أنك تتوصل به إلى إبطال قولنا في إجراء لفطة " مولى " على من وجبت طاعته، على أن استدلالنا بخبر الغدير على إيجاب الإمامة لا يفتقر إلى أن لفظة " مولى " تجري على الإمام، ومالك الطاعة بغير واسطة، لأنا قد بينا احتمالها للأولى، وهذا مما لا يمكن صاحب الكتاب ولا أحدا دفعه فإنه ظاهر في اللغة، وقد ذكرنا فيما تقدم من كلامنا في الشواهد عليه ما في بعضه كفاية، وإذا احتملت أولى من غير إضافة، وقد علمنا أن الأولى في اللغة هو الأحق بلا خلاف، وقد يجوز أن يستعمل لفظة أحق وأولى مضافتين إلى الطاعة كما يجوز استعمالها في غير الطاعة من ضروب الأشياء وإذا جاز ذلك وثبت أن مقدمة خبر الغدير تضمنت التقرير بوجوب الطاعة وكان معنى (أولى بكم) أولى بتدبيركم، ووجوب الطاعة عليكم بغير خلاف أيضا، وكنا قد دللنا فيما تقدم على أن ما أوجبه في الكلام الثاني (١) يجب أن يكون مطابقا لمقتضى المقدمة الأولى حتى كأنه قال عليه السلام من كنت أولى به في تدبيره وأمره ونهيه فعلي أولى به في ذلك، فقد وضح ما قصدناه من الدلالة على النص بالإمامة من غير حاجة إلى أن لفظة " مولى " تجري على ملك الطاعة بنفسها هذا على الطريقة الأولى، فأما على طريقة التقسيم فهي أيضا غير مفتقرة إلى ذلك، لأنه إذا بطل أن يكون مراده صلى الله عليه وآله بلفظة " مولى " سائر ما يحتمله اللفظة سوى

(١) الكلام الثاني في قوله صلى الله عليه وآله (من كنت مولاه فعلي مولاه) والمقدمة الأولى قوله صلى الله عليه وآله (أولست أولى بكم منكم بأنفسكم).
٣١٩
أولى وبطل أن يريد بأولي شيئا مما يجوز أن يضاف إلى هذه اللفظة سوى ما يقتضي الإمامة، والتحقق بالتدبير لما تقدم ذكره، فقد وضح وجه الاستدلال بالطريقتين معا.

قال صاحب الكتاب: (وقد ذكر أبو مسلم أن هذه الكلمة مأخوذة من الموالاة بين الأشياء يعني اتباع بعضها بعضا، ولذلك يقولون فيمن يختصون به من أقربائهم إذا أخبروا عنهم هذا لي ولمن يلين (١) وكان المعنى في كون المؤمن مواليا لأخيه أن يكون متابعا له ثم تصرفوا في الاستعمال قرينة على أن التعارف في ذلك هو بمعنى النصرة ومتابعة البعض للبعض فيما يتصل بأمر الدين، وذلك لا يليق بالإمامة لأن الوجه الذي له يكون مولى لهم يقتضي أن يختصوا بمتابعته ويكون المتابعة من أحد الطرفين واشتقاق اللفظ يقتضي المتابعة من كلا الطرفين وذلك يليق بالموالاة في الدين، وإنما يقال في الإمام أنه مولى لا من جهة الإمامة، بل من جهة الدين لأنه إذا اختص بالإمامة لزمته النصرة وسائر ما يختص به ويتعلق بالدين (٢) وعلى هذا الوجه يقال في سائر رعيته أنهم موال له كما يقال فيه أنه مولى لهم، وقد بينا أن المعاني التي يختص بها الإمام وتفيدها الإمامة لا يعلم إلا بالشرع لأن العقل لا يميز ذلك من غيره، وإنما نعرف ذلك شرعا فلا يمكن أن يقال: إن لفظة " مولى " تفيده من جهة اللغة إلا على وجه التشبيه، ولا يمكن أن يقال: إنها لفظة شرعية ولا للتعارف فيها مدخل فكيف يمكن ما ذكروه من إدخال ذلك في القسمة فضلا على أن يقولوا: إنه الظاهر من الكلام ومن عجيب الأمور في هذا المستدل أنه ذكر في الخبر

(١) غ " ولمن يليني فكأن " وفي المخطوطة " ولمن يليهم ".

(٢) غ " لتعلق " وقال المعلق: " كذا بالأصل " واكتفى بذلك وخفي عليه المراد!

٣٢٠