×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

من صفاته التي لا بد منها في العقل لأن العقل كان يجوز أن لا تقع العبادة بشئ من الشرائع فكيف يجعل من شروط كونه إماما في العقل ما يجوز في العقل ثبوته وانتفاؤه معا، وليس تجري هذه الصفة مجرى العصمة لأن تلك يجب كون الإمام عليها في العقل وقبل الشرع وبعده، غير أنا وإن لم نجعل كونه عالما بجميع الأحكام من الشروط العقلية في الإمامة، فإنا بعد العبادة بالشرائع، وثبوت كون الإمام إماما في جميع الدين نعلم بدليل العقل وقياسه أنه لا بد من أن يكون عالما بجميع الأحكام من الوجوه التي ذكرناها.

فإن أراد صاحب الكتاب بإضافة ذلك إلى العقل ما ذكرناه أولا فقد بينا إنا لا نجعل هذه الصفة من الشرائط العقلية الواجبة لتجويز العقل ارتفاع العبادة بالشرائع، وإن كان المراد ما ذكرناه ثانيا فليس يمنع من إضافته إلى العقل بمعنى إنا نعلم بالعقل وأدلته بعد استقرار الشرائع وجوب كون الإمام عالما بجميعها.

قال صاحب الكتاب: " فإن قالوا كيف يصح أن يقوم بذلك والقيام بالعمل لا يصح إلا مع العلم؟

قيل لهم: بأن يستدل حالا بعد حال ويجتهد فيعرف ما ينزل من النوازل التي يلزمه الحكم فيها وبأن يرجع في كثير منها (١) إلى الرأي والاجتهاد كالجهاد وغيره، وقد يجوز أيضا أن يقوم بذلك على حقه بأن يراجع العلماء ويستشيرهم فيحكم بما ثبت عنده من أصح الأقاويل، وقد يجوز أيضا من جهة العقل أن يكلف القبول من العلماء، وأن يحكم بذلك كما يقول كثير من الناس في حكم الحاكم وكما نقوله [ فيما كلف به كثير من

(١) غ " من ذلك ".
٢١
الناس ] (١) في باب الفتوى، وقد يجوز أيضا أن يستدرك علم ما فوض إليه [ من الأحكام ] (٢) بالرجوع إلى أخبار الآحاد أو إلى قول الأمة التي قد ثبت أنها حجة (٣)، وقد يجوز أن يكلف فيما فوض إليه أن ما علمه يحكم فيه وما لم يعلمه يتوقف فيه لأن جميع الذي ذكرناه مما يجوز في العقل ورود التعبد (٤) به.... " (٥).

يقال له: هذا كلام من يظن إنا إنما قبحنا ولاية الإمام وهو لا يعلم جميع الأحكام من حيث لم يكن له إلى العلم بها سبيل، وقد بينا أن وجود السبيل في هذا الموضع كعدمها إذا كان العلم بما أسند إلى المولى مفقود أو أنه لا بد من قبح هذه الولاية مع فقد العلم، فلا حاجة بنا إلى الكلام على ما عددته من وجوه العلم التي يجوز أن يرجع الإمام إليها، لأنه لو ثبت في جميعها أنه طريق إلى العلم، وموصل إلى المعرفة بالأحكام لم يخل بما اعتمدناه فكيف وأكثر ما أوردته لا يوصل عندنا إلى علم بكنه (٦) ولا إلى ظن صحيح.

وقد قدمنا الفرق بين التكليف والولاية، فليس لمتعلق أن يتعلق به.

ثم يقال له: فأجز قياسا على ما ذكرته أن يستكفي بعض حكماء ملوكنا أمر وزارته وتدبير مملكته، من لا يعلم شيئا من أحكام الوزارة

(١) التكملة من " المغني ".

(٢) ما بين المعقوفين من المغني.

(٣) غ " قد ثبت بالدليل أنه حجة " فعليه يكون الضمير إلى " قول الأمة " وعلى ما في المتن الضمير إلى الأمة ".

(٤) غ " التعبير به ".

(٥) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٥.

(٦) كنه الشئ: نهايته، ومنه قولهم: أعرفه كنه المعرفة.

٢٢
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٢٣ - ص ٣٩)
٢٣
أمر كتابته إلى من لا يحسنها، وإن كان لهما إلى التعرف سبيل من حيث كان في ذلك ضرر عليه وتفويت لمنافعه لأنه لا بد أن يستضر بما يتأخر من تدبير أمر مملكته، ويتمادى من تنفيذ أموره، وليس هذا حكم الإمامة لأن الأحكام التي يتولاها الإمام لا ضرر على الله تعالى في تأخرها ولا على أحد، وإذا كانت العبادة بها في الأصل غير واجبة بالعقل فتأخرها أولى بأن يجوزه العقل.

قيل له: ليس الأمر على ما ظننت، لأنه لو كان قبح هذه الولاية التي قدرناها يرجع إلى استضرار الملك، وفوت منافعه لوجب أن يحسن منه ولاية من ذكرنا حاله على بعض من لا يدخل عليه ضرر في تأخر أمر تدبيره، ولا يلحقه معه شئ من فوت منافعه، وليس هذا التقدير بمستبعد، لأنا نعلم أن رعايا الملك قد تختلف أحوالهم فيما يمس الملك من أمورهم فيكون فيهم من يستضر بتأخر أمر تدبيرهم وسياستهم، وفيهم من لا يكون هذا حكمه وإذا كان جميع العقلاء يستقبحون هذه الولاية وإن لم يعد منها ضرر على الملك كاستقباحهم الأولى (١) علمنا أنه لا معتبر بالضرر (وأنه ليس) (٢) علة القبح (٣) فقد علم المستكفي بما فوض إليه.

وبعد، فلو قبح ما ذكرناه في الشاهد لما يعود به من الضرر لوجب أن لا يستقبحه من العقلاء إلا من علم بحصول الضرر فيه على المولي، ولوجب أن يكون استقباحهم له من كثرة ما يعود به من الضرر عليه أكثر، ولومهم عليه أعظم حتى يكون الاستقباح تابعا للضرر يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه، وكل هذا مما يعلم خلافه، على أنه لا فرق

(١) وهي قبح توليه من يعود الضرر بولايته على المولي.

(٢) التكملة لاستقامة المعنى.

(٣) في الأصل " وأن علة القبح " ولا يستقيم المعنى إلا بحذف " وإن ".

٢٤
بين من جعل قبح استكفاء الأمر من لا يعلمه ولا يضطلع به راجعا إلى ما يعود به من الضرر وبين المجبرة إذا ادعت أن جميع القبائح كالظلم والكذب وتكليف ما لا يطاق إنما استقبحها العقلاء في الشاهد لما يلحق فاعلها من الضرر أما باستحقاق العقاب، أو باللوم والتهجين من العقلاء، وتطرقت بذلك إلى حسنها من فعل الله تعالى من حيث لم يجز عليه الاستضرار.

فأما قولك: " يجوز أن يكلف القبول من العلماء كما يقال في الفتوى، ويقوله كثير من الناس في حكم الحاكم " فإن العامي إنما يسوغ (١) في العقل أن يكلف القبول من غيره من حيث لم يكن متوليا للحكم فيما جهله ولا منصوبا للقضاء فيه، فجاز أن يرجع فيما لا يعلمه إلى غيره، لأن ذلك فرضه، وليس هذا حكم الإمام لأنه الحاكم في سائر الدين، والمنصوب للقضاء في جميعه، ولو كان (٢) بمنزلة العامي في سقوط ولاية الحكم عنه لجاز أن يتساوى منزلتهما في التعبد بالرجوع إلى العلماء.

فأما الحاكم فليس يجوز أن يجهل شيئا مما نصب للحكم فيه ومن نصب حاكما لا معرفة عنده بالحكم كان سفيها وكل ما يجهله الحكام المتولون من قبل الإمام فهو خارج من ولايتهم، وموقوف على حكم الإمام أو حكم غيره ممن له معرفة به.

قال صاحب الكتاب: " فإن قالوا لو جاز في الإمام ما ذكرتم لجاز في الرسول مثله.

قيل لهم: إنا نجيز من جهة العقل كثيرا مما ذكرناه بأن يتعبده الله

(١) خ " إنما ساغ ".

(٢) خ " ولو كان يجوز له ما يجوز للعامي ".

٢٥
تعالى في الأحكام بأن يجتهد أو بأن يحكم بما تقرر عنده في عقله أو بأن يتوقف في كثير من ذلك إلى ما شاكله وإنما نمنعه الآن لا لأن العقل (١) كان لا يجوز التعبد به بل لأن الدلالة في الشرع دلت على خلافه... " (٢).

يقال له: إذا أجزت ذلك في الرسول كإجازتك إياه في الإمام كان الكلام في الأمرين عليك واحدا، وما ذكرنا من الأدلة المتقدمة يتناول الخلاف في الموضعين لأن الرسول إذا كان حاكما في سائر الدين، وإماما في جميعه وجب من كونه عالما بالأحكام ما أوجبناه في الإمام.

فأما قولك: " يحكم بما تقرر في عقله ويتوقف في مواضع "، فإن أردت أنه يفعل ذلك فيما لله تعالى فيه حكم مشروع نصبه للحكم به وجعله الإمام فيه، فهذا مما لا يجوز وهو الذي بينا فساده بكل الذي تقدم، وإن أردت أنه يتوقف أو يرجع إلى العقل فيما ليس فيه حكم مشروع نصب حاكما به وممضيا له بل العبادة فيه هي التوقف أو الرجوع إلى العقل فهذا مما لا نأباه لأنا إنما نوجب أن يعلم جميع الأحكام المشروعة التي جعل إماما فيها وحاكما بها مما لا حكم فيه، أو فيه حكم ليس من جملة الشرع الذي هو إمام فيه لأهله خارج عما أوجبناه والى معنى هذا الجواب نرجع إذا سئلنا عن سبب ما روي من توقف النبي صلى الله عليه وآله في بعض الأحكام كقصة المجادلة وما أشبهها لأن الذي يتوقف صلى الله عليه وآله فيه لم يكن له حكم في شرعه فيجب علمه به وفرضه فيه هو ما صنعه عليه السلام من التوقف وانتظار الوحي وليس هذا حكم ما أنكرناه

(١) في الأصل " في العقل " وأصلحنا العبارة عن " المغني ".

(٢) المغني ٢٠ / ١ / ١٠٥.

٢٦
من فقد علم الإمام بالأحكام المشروعة المبينة (١) التي هو إمام فيها.

قال صاحب الكتاب: " وبعد، فإنه يقال لهم: أيجب في حكمة العقل (٢) أن لا يقع من الإمام الخطأ فيما يقوم به، فإن قالوا بذلك لزمهم أن يكون عالما بالأمور الباطنة مما يرفع إليه كما يكون عالما بالأحكام لأنهم إن لم يقولوا بذلك فلا بد من تجويزهم الغلط عليه ثم ذكر إقامة الحد على من يكذب عليه الشهود، وأخذ المال من زيد ودفعه (٣) إلى عمرو وهو لا يستحقه.

قال: " وهذا يوجب عليهم أن يكون عالما بالغيب وسائر أحوال الناس، وعلى هذا الوجه ألزمهم شيوخنا أن يكون الإمام عارفا بالصنائع والحرف إلى غير ذلك مما يصح الترافع (٤) فيه... " (٥).

يقال له: كيف ظننت أن العلم ببواطن الأمور ومغيبها يجري مجرى ما أوجبناه من العلم بالأحكام أو ما علمت إنا إنما أوجبنا إحاطة الإمام بالأحكام من حيث كان لله تعالى حكم مشروع في الحوادث أوجب عليه إمضاءه، وجعله حاكما به وإماما فيه، فهل لله تعالى في باطن الحوادث حكم يخالف للظاهر شرعه، وواجب على الإمام العمل به؟ وكيف عددت من جملة الغلط في الحكم إقامة الحد على من لا يستحقه وأخذ المال ممن هو في الباطن برئ الذمة منه؟ وأي غلط في ذلك وهو حكم الله في

(١) خ " التي هي إليه وهو ".

(٢) غ " في حكم العقل ".

(٣) غ " يدفع ".

(٤) غ " مما يصح وقوع الشرائع فيه ".

(٥) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٥ و ١٠٦.

٢٧
هذه الحوادث الذي أوجب على الإمام إقامته وإمضاءه دون الباطن الذي لا عبادة على الإمام فيه؟

ثم يقال له: أليس جائزا عندك في العقل أن يكون لله تعالى حكم أو أحكام في الشريعة بينها ودل عليها لا يعلمها الإمام؟ فلا بد من بلى لأنه في تعاطي نصرة هذا المذهب.

فيقال له: فهل لله تعالى حكم في بواطن الحوادث تعبد الإمام به أو غيره؟ كأنه مثلا تعبد بمعرفة كون المشهود عليه مستحقا للحد على الحقيقة وأن الشهود صادقون في شهادتهم. فإذا قال: لا، قيل له: فكيف ألزمت من أوجب علم الإمام بالأحكام المشروعة أن يعلم ما لا شرع فيه ولا عبادة به وإنما كان يلزم كلامك على سبيل المناقضة أن لو كان الله تعالى قد تعبد في الباطن بعبادات وأحكام وأوجبت على الإمام العمل بها، وأجزنا عليه أن لا يعلمها (١) مما لم نجزه، والفرق بين ما أنكرناه وأجزناه واضح.

فإن قال: فأنا أقول أيضا: إن حكم الله تعالى فيما لا يعلمه الإمام وفرضه عليه هو الاجتهاد والاستدلال.

قيل له: ليس الاستدلال هو الحكم المتعبد بإمضائه بل الاستدلال هو الطريق إلى الحكم، والحكم في نفسه غير الطريق إليه، فإذا كان حكم الله تعالى في الحادثة التحريم أو التحليل، والإمام حاكم في جميع الدين فلا بد من أن يكون عالما بالحكم نفسه لا بالطريق إليه وإلا أدى إلى جواز ما ذكرناه مما يستقبحه العقلاء.

(١) الضمير في " يعلمها " للإمام.
٢٨
قال صاحب الكتاب: " وبعد، فإن كل ذلك يلزمهم في الأمراء فيقال لهم فيجب إذا كانوا يقومون بهذه الأمور أن يكونوا عالمين بكل الأحكام للوجه الذي ذكرتم، وأن لا يجوز أن يرد التعبد باختيار أمير وحاكم لا يكون بهذه الصفة، وبطلان ذلك يبين فساد ما تعلقوا به، فمن هذا الوجه ألزمهم شيوخنا في أمراء الإمام أن يكونوا عالمين بكل ما يعلمه الإمام... " (١).

يقال له: ليس أمراء الإمام وحكامه بولاة في جميع الدين، وليس إليهم الحكم في جميع ما يحكم فيه الإمام، ولو كانوا بهذه الصفة للزم فيهم ما أوجبناه في الإمام، وكيف يكونون حكاما في جميع الدين وقد يلزمهم في كثير من الحوادث والنوائب مطالعة الإمام والرجوع إلى حكمه فيها، ويكون محظورا عليهم الاستبداد بإمضائها دونه والذي يجب في الأمير والحاكم أن يكون كل واحد منهما عالما بما أسند إليه، وقصرت ولايته عليه، ولهذا ما يكون للإمام في البلد الواحد خلفاء جماعة فيكون بعضهم خليفة له على تدبير الجماعة والحرب وسد الثغور، وبعضهم على الخراج وجباية الأموال، وبعضهم على الأحكام والقضاء بين الناس، ويجوز أيضا أن يكون له على الأحكام الشرعية جماعة من الخلفاء يختص واحد بولاية الحكم في الجزء الذي يحسنه من الشريعة ويقوم به، وكل هذا مما لا يمكن أن يكون في الإمام مثله، لأن ولايته عامة غير خاصة، وهو إمام في الكل وحاكم في الجميع، فالذي يجب على قياس قولنا في الإمام أن يكون الأمير أو الحاكم عالما بما تولاه وفوض إليه، وهكذا نقول على أن الأمراء لو وجب فيهم العلم بسائر الأحكام مثل الإمام لم يستحل حصول ولايتهم بالاختيار، ولم يجب النص عليهم على الحد الذي ذكرناه في الإمام لأنا إنما

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٦.
٢٩
أحلنا اختيار الإمام مع كونه عالما بكل الأحكام من جهة أن المتولي لاختياره من الأمة لا يعلم جميع الأحكام، فلا يصح منهم اختيار من هذه صفته، والإمام يعلم سائر الأحكام فيجوز أن يختار من يعلمها، ويفرق بين العالم بها وبين من ليس بعالم بالامتحان، لأنه عالم بها وبوجهة المحنة فيها.

وأكثر ما يمكن أن يقال هاهنا إن اختيار من يعلم كل الأحكام يطول ويتمادى ولا يضبط لاتساع الأحكام وتفرعها، ويمكن من ينصر هذه الطريقة أن يقول إن الأحكام وإن كثرت فقد ثبت بالدليل أن لله تعالى في كل شئ منها حكما مبينا إما بنص مجمل أو مفصل وقد يجوز أن يحيط بذلك عالم واحد، وكما يجوز أن يحيط به فيجوز أن يمتحن فيه بالمسألة عن جملة جملة وإن كانت مشتملة على فروع كثيرة وأحكام في أعيان لا تحصى، فإن ذلك لا يبعد على العالم بما يمتحن فيه لا سيما إذا كان معصوما موفقا وإن بعد على غيره، على أن المحنة لو تطاولت وتمادى زمانها واستبعدت لهذا الوجه لم يخل بما أردناه بالكلام، لأن غرضنا بيان أن الوجه الذي منه يستحيل اختيار الإمام ويجب النص عليه غير حاصل في الأمراء ليبطل بذلك قولك صاحب الكتاب: " فيجب أن يكون الأمراء عالمين بكل الأحكام وأن لا يجوز أن يرد التعبد باختيار أمير وحاكم للوجه الذي ذكرتم "، وما ذكرناه أولا أقوى وأولى بأن يعتمده.

قال صاحب الكتاب: " ويلزمهم على هذا الوجه أن يكون الإمام أفضل حالا في العلم من الرسول لأنه لا شك أنه عليه السلام لم يكن يعرف كل الأحكام بل كان الوحي ينزل عليه حالا بعد حال وأنه لم يكن يعرف بواطن الأمور فقد ثبت عنه عليه السلام أنه كان يحكم بالظاهر ويتولى الله تعالى السرائر وأنه يقضي بنحو ما يسمع وأنه إذا قضى بشئ لواحد لم يحل له أن يأخذه إذا علم خلافه إلى غير ذلك مما روى عنه في

٣٠
هذا الباب، وكل قول يؤدي إلى أن الإمام أعلى رتبة من الرسول وجب فساده... " (١).

فيقال له: كيف يلزم أن يزيد الإمام في العلم على الرسول والإمام مستمد من الرسول، وما حصل له علمه من أحكام الدين فعنه أخذه، ومن جهته استفاده؟

فأما معرفة الرسول بالشئ إذا نزل به الوحي بعد أن لم يكن عارفا به فلان ذلك قبل نزول الوحي لم يكن من شرعه ولا من جملة ما هو إمام فيه على ما تقدم في كلامنا، غير أنه بعد تكامل الشرع ونزول الوحي بجميع الأحكام لا يجوز أن يكون غير عارف ببعضها، وكما أن الرسول قبل تكامل الشرع لم يكن عنده العلم بسائر الأحكام كذلك الإمام قبل حال إمامته لم يكن عالما بالأحكام، وإنما يجب في النبي والإمام معا العلم بما كانا إمامين فيه، ومتعبدين بالحكم به، فما لم يكن مشروعا خارج عن هذا وكذلك الأحوال التي تتقدم حال الإمامة.

فأما العلم بالبواطن فمما لا يجب في النبي صلى الله عليه وآله ولا في الإمام على ما قدمناه. وقد فرقنا بينه وبين العلم بأحكام الحوادث الظاهرة بما لا يخفى على متأمل.

قال صاحب الكتاب: " فإن قيل: إنما جاز في الرسول أن يعلم ذلك حالا بعد حال لأمر يرجع إلى تمكنه من الوحي وتوقعه له، وليس كذلك حال الإمام لأن الوحي عنه منقطع فلا بد من أن يكون في ابتداء أمره مستغرقا للعلوم (وأن يكون أول أمره كأمر الرسول) (٢)، قيل لهم:

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٦.

(٢) التكملة بين المعقوفين من المغني.

٣١
فما الذي يمنع في الإمام أن يرجع في الأحكام التي تعرض (١) حالا بعد حال إلى ما ذكرناه من تعرف الأخبار، أو إلى قول الأمة، أو إلى طريقة الاجتهاد، لأن كل ذلك مما يجوز التعبد به عقلا فسبيلها سبيل انتظار الوحي فجوزوا ذلك، بل جوزوا أن يلزمه الرجوع فيما لا يعلم إلى طريقة العقل، أو يلزمه التوقف عند الشبهة،... " (٢).

يقال له: ليس نرتضي السؤال الذي حكيته، ولا نسألك عن مثله، فقد تقدم القول في النبي صلى الله عليه وآله، والسبيل الذي من أجله جاز أن يتوقف في بعض الأحكام، وبينا أنه بعد تكامل شرعه لا يصح أن يذهب عنه العلم بشئ من الأحكام، كما لا يصح ذلك في الإمام إذا استقرت إمامته، ولم يمنع من أن يكون الإمام غير عارف ببعض الأحكام من جهة أنه إذا لم يعلمها لم يكن له سبيل إلى علمها، بل من حيث دللنا على أنه لا يحسن أن يكون واليا للحكم في جميع الدين وهو لا يعلم بعضه، وضربنا له الأمثال الواضحة فلو ثبت في جميع ما ذكرته أنه طريق للعلم (٣) ووصله إلينا لم يخل بصحة كلامنا.

وقولك: " جوزوا أن يلزمه الرجوع فيما لا يعلمه إلى طريقة العلم، أو يلزمه التوقف " فقد مضى تقسيمنا له، وأنك إن أردت به رجوعه إلى العقل، أو توقفه فيما لله تعالى فيه حكم مشروع يلزمه القيام به من حيث كان إماما فيه، وحاكما به ليس هو التوقف، ولا الرجوع إلى العقل، فذلك غير جائز لما تقدم، وإن أردت بما ألزمته من التوقف أو الرجوع إلى العقل أن يستعملهما الإمام فيما لا حكم لله تعالى فيه، ولا

(١) غ " تعترض ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٧.

(٣) إلى العلم، خ ل.

٣٢
فرض على الإمام سوى التوقف أو الرجوع إلى العقل فقد أجبناك إلى جواز ذلك، وبينا أنه خارج عما أنكرناه.

قال صاحب الكتاب: " لأنه إذا جاز (١) عندكم أن يكون الإمام قائما في الزمان، ويصير ممنوعا من إقامة الحدود والأحكام، وسائر ما فوض إليه فما الذي يمنع مع تمكنه من أن يتوقف في بعض ذلك، وإنما نذكر هذه الأمور من جهة العقل فليس لأحد أن يعترض علينا بورود السمع بخلافه، (٢)... ".

يقال له: بين ولاية الإمام وهو لا يعرف الأحكام التي تولاها، وجعل حاكما بها، وبين ولايته وهو عالم بها، مع تجويز أن يمنع من إمضائها، ويحال بينه وبين إقامتها فرق واضح لا يذهب على المتأمل، لأن ولايته مع الجهل بما تولاه تلحق بموليه غاية الذم لما دللنا عليه من قبل، وليس هذا حكم ولايته مع معرفته بما أسند إليه، واضطلاعه به، وإن منع من تنفيذ الأحكام وإقامتها، لأن الذم في هذه الحال راجع على المانع للإمام مما تعبده الله تعالى بإقامته، ولا لوم على موليه وجاعله إماما، والمثال الذي ضربناه فيما تقدم يفرق - أيضا - بين الأمرين، لا يقبح من الحكيم من الملوك أن يرد أمر وزارته إلى من يثق منه بالمعرفة والغناء (٣) وإن جوز أن يحول بعض رعاياه بين وزيره وبين كثير من تدبيره وتصرفه، ويقبح منه أن يوليه وهو لا يعلم أحكام الوزارة ولا يحسنها (٤).

قال صاحب الكتاب: " ويقال لهم: أليس قد ثبت عنه عليه

(١) غ " إذا كان "..

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٧.

(٣) الغناء - بالفتح والمد - النفع.

(٤) ولا يحسن منها شيئا، خ ل.

٣٣
السلام وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنهما وليا من أخطأ وزل عن الطريق؟ فلا بد من الاقرار بذلك لتواتر الخبر به،... فيقال لهم: فإذا جاز ذلك ولا يوجب فسادا فما الذي يمنع من أن لا يكون الإمام عالما بالأحكام، ويجتهد فيما يتولاه؟ لأنه إذا جاز أن يجتهد فيمن (١) يوليه، ويجوز عليه (٢) الغلط فيه جاز أن يجتهد فيما يتولاه، وإن جاز ذلك مع الغلط ولو منع العقل من أحدهما لوجب أن يمنع من الآخر،... " (٣).

يقال له: أما خطأ من تولى من قبل الرسول صلى الله عليه وآله، ومن قبل الإمام بعده فظاهر في الرواية، ولو لم يكن أيضا ثابتا بالرواية لكنا نجوزه، ولا نمنع منه، غير أنه لم يثبت أن خطأهم كان عن جهل بما تولوه، بل جائز أن يكونوا تعمدوا ما فعلوه من الخطأ، وذلك هو الصحيح المقطوع عليه عندنا، لأن الإمام لا يجوز أن يولي الأمر من لا يعرفه، ويعلم أحكامه، وإن جاز أن يوليه فتعمد الخطأ فيه.

وقولك: " فما الذي يمنع من أن لا يكون الإمام عالما بالأحكام " فالمانع مما ألزمته قد تقدم وتكرر، وخطأ الولاة من قبله تعمدا (٤) جائز لما بيناه من قبل من أن عصمتهم غير واجبة.

وقولك: " لأنه إذا جاز أن يجتهد فيمن يوليه، ويجوز الغلط فيه جاز أن يجتهد فيما يتولاه وإن جاز الغلط " (٥) مبني على ظنك أن الإمام

(١) غ " فيما ".

(٢) " الغلط " و " عليه " ساقطتان من المغني.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٧.

(٤) " تعمدا " حال من الولاة.

(٥) لا يخفى أن المرتضى اختصر كلمة القاضي كما هو عادته أحيانا عندما يستعرض كلام القاضي بعد إيراده جملة.

٣٤
اجتهد فظن أن الذي ولاه عالم بما أسنده إليه، ولم يكن كذلك لوقوع الخطأ منه، وأن الغلط جرى عليه في ذلك، وهذا ظن بعيد لا يرجع إلى حجة ولا إلى شبهة لأنا قد بينا أن الذين أخطأوا من الولاة كانوا عالمين، وإنما تعمدوا الخطأ ولم يتم على الإمام غلط في أمرهم، فليس يجب ما ألزمتنا عليه من جواز الغلط على الإمام في اجتهاده فيما يتولاه، على أن إلزامك مباين في الظاهر لتقديرك لأنه ليس يجب إذا ولى الإمام من وقع منه الخطأ أن يكون هو نفسه غير عالم بالأحكام، وإنما يجب أن يتبع هذا الالزام ذلك التقدير إذا ثبت أن الذين وقع منهم الخطأ من ولاته لم يتعمدوا الخطأ، بل كان منهم عن جهل، أو ارتفاع علم، ولم نرك قررت (١) ذلك، ولو قررته لما أجبناك إليه، ولطالبناك بتصحيح دعواك فيه.

قال صاحب الكتاب: " ثم يقال لهم: أليس قد ثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يرجع في تعرف الأحكام إلى غيره نحو ما ثبت عنه في المذي (٢) ونحو ما ثبت عنه من رجوعه في موالي صفية (٣) عند

(١) قدرت خ ل.

(٢) مسألة المذي مروية في كتب الحديث مثل صحيح البخاري ١ / ٧١ في كتاب الغسل، باب غسل المذي والوضوء منه، وصحيح مسلم ١ / ٢٤٧ في كتاب الحيض، وفي غير الصحيحين أيضا وإجمالها: أن عليا عليه السلام قال: كنت رجلا مذاء، فأمرت رجلا أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم - وفي مسلم، أنه المقداد بن الأسود - لمكان ابنته فسأله فقال (توضأ واغسل ذكرك) والمرتضى وأن وجه المسألة على وجه الفرض ولكن هذا محال لأن معنى " مذاء " أن تلك الحالة كانت تعاوده مرة بعد أخرى فكيف يجهل أمير المؤمنين حكما يتعلق بالطهارة التي هي شطر الإيمان وكيف كان يعمل في الأيام التي سبقت اليوم الذي أرسل فيه المقداد؟ وكيف أهمل السؤال عن مسألة تتعلق بالصلاة، مضافا إلى أن المعروف من فقه الأئمة من أهل البيت عليهم السلام أن المذي إذا عرف لا يلزم غسله، ولا يجب له الوضوء، وقد روى الشيخ قريبا من هذه الرواية في الاستبصار ١ / ٩٢ بعدة وجوه وكان جوابه صلى الله عليه وآله: (ليس بشئ).

(٣) يعني صفية بنت عبد المطلب، وذلك أنها أعتقت عبيدا لها فمات العبيد ولم يخلفوا فطلب الزبير ميراثهم لأن أمه أعتقتهم فولاؤهم لها وهو وارثها، وطلب علي عليه السلام ميراثهم لأن المعتق إذا كان امرأة فولاء مولاها لعصبتها مطلقا، وهذا الرأي منقول عن علي عليه السلام في كتب الفريقين يقول ابن رشد في بداية المجتهد باب الولاء: " وفي هذا الباب مسألة مشهورة وهي إذا ماتت امرأة ولها ولاء وولد وعصبة لمن ينتقل الولاء؟ فقالت طائفة لعصبتها لأنهم الذين يعقلون عنها، ولا ولاء للولد، وهو قول علي بن أبي طالب، وقال قوم لابنها وهو قول عمر بن الخطاب، وعليه فقهاء الأمصار ".

٣٥
اختصامه مع الزبير - وقوله: نحن نعقلهم ونرثهم، وقول الزبير: أنا أرثهم - إلى عمر، لأنه قال (١): إن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إن الميراث للابن والعقل (٢) على العصبة " وثبت عنه أنه كان يرجع في السنن التي لم يسمعها إلى خبر غيره نحو قوله: " كنت إذا سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله به ما شاء، وإذا حدثني عنه غيره أستحلفه فإذا حلف صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر (٣)، فكيف يقال مع

(١) أي الزبير.

(٢) العقل - بفتحتين -: مصدر عقل يعقل وبابه ضرب، والعاقلة: هم العصبة - بفتحتين أيضا، وعصبة الرجل أولياؤه الذكور، هذا لغة، أما في اصطلاح الفقهاء، هم الذين ليس لهم سهم مقدر في الميراث، والتعصيب صحيح عند فقهاء السنة، وعرفوا العصبة بأقرب ذكر لا تتوسط بينه وبين الميت أنثى فخرج بذلك الخال، والأخ لأم، لأنهما يدليان للميت بأنثى، ولهم أدلة على ذلك تطلب من مظانها، واجمع فقهاء الإمامية على بطلان التعصيب، وقالوا لا يستحق الميراث في موضع من المواضع، وإنما يورث بالفرض المسمى أو القربى أو الأسباب التي يورث بها من زوجية أو ولاء، واستثنوا من ذلك إذا كان المعتق امرأة فولاء مولاها لعصبتها دون ولدها سواء كانوا ذكورا وإناثا عملا برواية موالي صفية وروايات أخرى مضافا إلى أدلة أخرى تطلب من مظانها في كتبهم.

(٣) رواه الترمذي ٢ / ١٦٧.

٣٦
ذلك: أن الإمام يجب أن يكون عالما بجميع الأحكام، والإمام الأول (١) الذي هو أعلاهم رتبة حاله ما ذكرنا، وثبت عنه عليه السلام أنه كان يجتهد فيرجع من رأي إلى رأي وكل ذلك يبطل تعلقهم بما ذكروه، (٢)... ".

يقال له: قد جمعت بين أشياء ما كنا نظن أن مثلك يجعلها شبهة في هذا الموضع.

أما خبر المذي ورجوع أمير المؤمنين عليه السلام في الحكم إلى مراسلة النبي صلى الله عليه وآله بالمقداد على ما ثبتت به الرواية، فلا شبهة في أنه ليس بقادح فيما ذهبنا إليه من كونه عالما بجميع الأحكام، لأنا لا نوجب ذلك في الإمام من لدن خلقه وكمال عقله، وإنما نوجبه في الحال التي يكون فيها إماما، وسؤال أمير المؤمنين عليه السلام في المذي إنما كان في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وفي تلك الحال لم يكن إماما فيجب أن يكون محيطا بجميع الأحكام، ولا فرق بين حكم المذي الذي لم يعرفه ثم عرفه، وبين غيره من الأحكام التي استفادها من جهة النبي صلى الله عليه وآله وعلمها بعد أن لم يكن عالما بها فالاقتصار على ذكر المذي وحكم سائر الدين حكمه ليس له معنى.

فأما القول في موالي صفية فأكثر ما وردت به الرواية أنه نازع الزبير في ميراثهم واختصما إلى عمر في استحقاق الميراث فقضى بينهما بما هو مذكور، والاختصام في الشئ لا يدل على فقد علم المخاصم، وكذلك

(١) يعني بالإمام الأول عليا عليه السلام ويريد أول الأئمة الاثني عشر عليهم السلام.

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٨.

٣٧
الترافع إلى الحكام لا يدل أيضا على ارتفاع العلم بحكم ما وقع الترافع فيه، وقد تخاصم الحكام وترافع إلى حكمهم من هو أعلم منهم بالحكم، وليس يدل أيضا قضاء عمر بينهما بما قضى به على أن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن محقا فيما ادعاه، ولا يدل صبره تحت القضية (١) وإظهاره الرضا بها على الرجوع عن اعتقاده الأول لأنه لا شبهة في أن أحدنا يلتزم من حكم الحاكم عليه ما لا يعتقده، ولا يدين الله بصحته، ولم يرجع أمير المؤمنين عليه السلام إلى عمر على سبيل الاستفادة والتعلم، بل على طريقة الحكومة فمن أين يظن أنه صلوات الله عليه لم يكن عالما بالحكم في تلك الحال الحادثة؟ والظاهر من مذهبه عليه السلام أن عصبة المرأة المعتقة من قبل أبيها أحق بالولاء والميراث من ولدها ذكورا أو إناثا، وقد روي أنه مذهب عثمان (٢) أيضا.

فأما ما رواه من الخبر في الاستحلاف فأبعد من أن يكون شبهة فيما نحن فيه مما تقدم لأن استحلافه لمن يخبره عن النبي صلى الله عليه وآله بالأخبار في الأحكام لا يدل على أنه غير عالم بها، بل جائز أن يكون سبب استحلافه ليعلم عليه السلام وليغلب على ظنه أن الخبر صادق عن النبي صلى الله عليه وآله فيما رواه، وإن كان الحكم بعينه مستقرا عنده، وقد يمكن الشك في الخبر المروي وصدق رواية مع العلم بصحة الحكم الذي تضمنه الخبر، لأن الحكم وإن كان على ما تضمنه الخبر فجائز أن يكون المخبر لم يسمع ذلك الحكم من النبي صلى الله عليه وآله وليس المعرفة

(١) خ " القضاء ".

(٢) لم أعثر على رأي عثمان في المسألة مع التتبع، ولكن ذكر أن هذا رأي أبان بن عثمان، ولا جرم أن المرتضى أدرى بما نقل أو لعل " أبان بن " سقطت وانظر المغني لابن قدامة ٦ / ٣٧٢، والمحلى لابن حزم ٩ / ٣٠٠.

٣٨
بالحكم تابعة لتصديق الراوي في الخبر على أنه ليس في الخبر تاريخ وبيان الوقت الذي كان يستحلف عليه السلام المخبرين فيه، وإذا لم يكن فيه بيان الوقت أمكن أن يكون استحلافه إنما وقع في أيام الرسول صلى الله عليه وآله وفي تلك الحال لم يكن محيطا بجميع الأحكام على ما تقدم، وليس بمنكر أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله في حياته لأن ذلك متعارف بين الصحابة وغير مستنكر.

وليس لأحد أن يقول: إذا كان عليه السلام عالما بالحكم فأي فائدة في أن يعلم أو يغلب على ظنه صدق الراوي وهو إذا صدق لم يزده معرفة؟

لأنه وإن لم يزده معرفة بنفس الحكم، وأنه من دين الرسول فإنه يعرف أو يغلب في ظنه أن الرسول صلى الله عليه وآله نص عليه في مقام لم يكن يعلم بنصه عليه السلام فيه ويجري ذلك مجرى تكرار الأدلة وتأكدها، لأنه غير ممتنع أن ننظر في دليل بعد تقدم العلم لنا بمدلوله من جهة دلالة أخرى، وأن ننظر في الخبر هل هو صحيح أو فاسد وإن تقدم لنا العلم بمخبره من جهة أخرى.

فأما التعلق بقوله: " وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر " ففي غير الوجه الذي كلامنا الآن فيه فيمكن أن يقال فيه إن تصديقه له من حيث سمع ما سمعه على الوجه الذي سمعه عليه، وليس لأحد أن يقول كيف يجوز أن يحدثه بما قد اشتركا في سماعه؟ لأن ذلك جائز بأن يكون أبو بكر نسي مشاركته له في السماع أو لم يكن عالما في الأصل بسماعه عليه السلام له جملة فقد يمكن أن يسمع الحاضرون في مجلس واحد خبرا ولا يكون كل واحد عالما بمشاركة الآخر له في سماعه، إما بأن يكون بعيدا منه، أو في غير جهة مقابلة له أو لغير ما ذكرناه من الأسباب، وهي

٣٩
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٤٠ - ص ٥٦)
٤٠