×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

والوكلاء فيجرون عندنا مجرى الأمراء والحكام في أنهم يجب أن يكونوا عالمين بما فوض إليهم ومضطلعين به وأي عاقل يخفى عليه أن أحدنا متى أراد أن يوكل وكيلا يسند إليه تدبير ضيعته وأمواله فإنه لا يختار إلا من يثق منه بالكفاية وحسن البصيرة والاضطلاع، فإنه متى استكفى أمر وكالته من لا معرفة عنده بها أو بأكثرها، ومن يحتاج إلى أن يتعرفها ويتعلمها كان سفيها مهملا لأمواله معرضا لها للضياع والتلف، فأما العامي ورجوعه إلى العالم في الفتوى فإنما ساغ من حيث لم يكن العامي متوليا للحكم فيما استفتى فيه ولا له رئاسة وإمامة في شئ منه، وليس هذه حالة الإمام لأنه المنصوب للحكم في جميع الدين، فلا بد من أن يكون عالما به، وهذا أيضا مما قد مضى على أنا لم نمنع في الإمام من الرجوع إلى العلماء في الأحكام لأجل جواز الغلط عليهم، وإنما منعناه لما تقدم ذكرنا له، فلا معنى للاعتراض علينا بأن العامي يرجع إلى العالم في الفتوى مع جواز الغلط عليه.

قال صاحب الكتاب: " فإن قالوا: إذا نصب للقيام بهذه الأمور كلها فيجب في الحكيم (١) أن ينصبه على أقوى الوجوه وأقربها إلى أن لا يغلط ويقوم بذلك على حقه، وذلك لا يكون إلا مع العلم بالأحكام كلها.

قيل لهم: فلا يكون ذلك إلا مع العلم ببواطن الأحكام، وبأحوال من يحكم له وعليه وبأحوال الشهود... " (٢).

(١) قال المعلق على " المغني " لعلها " العقل " مع أن الأمر واضح لا يحتاج إلى التعليل، فإن القاضي يحكي عن الإمامية: أن الحكيم وهو الله سبحانه وتعالى ينصب الإمام على أقوى الوجوه الخ، وكم لهذا المعلق من أمثالها، سنتعرض لبعضها إذا اقتضى المقام.

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٨.

٤١
يقال له: لسنا نرتضي ما حكيته عنا من السؤال ولا نعتل بما تضمنه من الاعتلال وعلتنا قد تقدمت، ومضى أيضا فرقنا بين العلم بالظاهر وبين العلم بالباطن، وبينا أن الإمام إذا جهل بعض الأحكام المدلول عليها المتعبد بإقامتها فلا بد من أن يكون غالطا، وليس كذلك إذا لم يعلم بواطن الأمور، ومغيب الشهود، فبطل قولك في جواب السؤال " ولا يكون ذلك إلا مع العلم ببواطن الأحكام ومع العلم بأحوال من يحكم له وعليه ".

قال صاحب الكتاب: " شبهة أخرى لهم، وربما قالوا: من حق الإمام أن يكون أفضل من في الزمان وذلك لا يستدرك إلا بالنص عليه (١) لأنه لا يعلم أنه أفضل إلا بأن يعلم سلامة طاعته (٢) وثوابها وأنه أكثر (٣) ثوابا من غيره ولا مدخل للاجتهاد في ذلك، فيجب أن يكون الإمام منصوصا عليه من جهة العقل، فإن أوجبوه سمعا فللكلام عليهم موضع سوى هذا الفصل، فإن قالوا: إنه من جهة العقل، قيل لهم فأي دليل في العقل يقتضي ما ذكرتموه.... " (٤).

يقال له: الذي يدل على أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته في الثواب والعلوم وسائر ضروب الفضل المتعلقة بالدين، الداخلة تحت ما كان رئيسا فيه ما نعلمه وكل العقلاء من قبح جعل المفضول في شئ بعينه إماما ورئيسا للفاضل فيه ألا ترى أنه لا يحسن منا أن نعقد لمن كان لا يحسن من الكتابة إلا ما يحسنه المبتدئ المتعلم رياسة في الكتابة على من

(١) " عليه " ساقطة من " المغني ".

(٢) غ " طاعاته ".

(٣) غ " أكبر ".

(٤) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٩ وفيه " بأي دليل في العقل يقتضي ما أوجبوه عقلا؟ ".

٤٢
هو في الحذق بها والقيام بحدودها بمنزلة ابن مقلة (١) حتى نجعله حاكما عليه فيها، وإماما له في جميعها وكذلك لا يحسن أن نقدم رئيسا في الفقه وهو لا يقوم من علوم الفقه إلا بما يتضمنه بعض المختصرات على من هو في الفقه بمنزلة أبي حنيفة (٢) وهذه الجملة ليس مما يدخل على أحد فيها (٣) شبهة وإن جاز أن تدخل في ضروب من تفصيلها وإلحاق غيرها بها، وما نعلم عاقلا يتمكن من دفع العلم بقبح تقديم من ذكرناه في الكتابة، ومن وصفنا حاله في الفقه، وإذا كان ما ادعيناه معلوما متقررا في العقول ولم نجد بقبحه علة إلا كون المرؤوس أفضل من الرئيس في الشئ الذي كان رئيسا فيه بدلالة ارتفاع القبح عند ارتفاع العلة بأن يكون المقدم هو الفاضل والمؤخر هو المفضول، وثبوته عند ثبوتها وجب قبح كل ولاية كان المتولي لها أنقص منزلة في الشئ الذي تولاه من المتولى عليه، وإذا ثبت أن الإمام لنا في جميع الدين وعلومه وأحكامه وجب أن يكون أفضل منا في جميع ذلك وفي ثبوت كونه أفضل وأكثر ثوابا وجوب النص عليه لأن ذلك مما لا طريق إلى معرفته بالاختيار.

(١) ابن مقلة هو محمد بن علي بن الحسين بن مقلة ولد ببغداد سنة (٢٧٢) وكان من الشعراء الأدباء واشتهر بحسن الخط حتى ضرب به المثل وهو أول من نقل هذه الطريقة من خط الكوفيين إلى الخط المألوف اليوم ولي جباية الخراج في بعض أعمال فارس ثم استوزره المقتدر والقاهر والراضي، وتخلل ذلك عزل ونفي واختفاء وسجن، وكان إذا عاد إلى الوزارة يقول للناس: عودوا فقد عادت الدنيا إلينا، وأخيرا اتهمه الراضي بممالاة الخوارج فقطع يده اليمنى ثم بانت براءته فعاد إلى الوزارة فكان يشد القلم على ساعده فيكتب بها وأخيرا غضب عليه فقطع لسانه بعد أن سجنه فمات سنة ٣٢٨،.

(٢) هو النعمان بن ثابت إمام المذهب المشهور توفي سنة ١٥٠ وذكره له هنا من باب الالزام.

(٣) في الأصل " فيه ".

٤٣
فإن قال قائل: ليس يجئ مما ذكرتموه لو سلم كون الإمام أكثر ثوابا من رعيته، وأكثر ما يجب إذا كان إماما لهم في العبادات أن يكون أفضل منهم فيها، بمعنى أنه أحسن ظاهرا وأفضل حالا فيما يظهر من طاعاته وعباداته، وكون تلك العبادات مما يستحق عليه أكثر من ثوابنا أو مما عليه ثواب في الجملة ليس بمعلوم ولا دليل عليه، فمن أين لكم أن الإمام يجب أن يكون أكثر ثوابا من رعيته؟

قيل له: إذا وجب بما ذكرناه أن يكون الإمام أفضل من رعيته في العبادات التي كان إماما لهم فيها، وأن يكون ظاهرة أفضل من ظاهرهم وجب أن يكون أكثرهم ثوابا لأنه لا يخرج عن أن يكون أكثرهم ثوابا مع فضل طاعاته وعباداته وكثرتها إلا لأن باطنه يخالف ظاهره، والدلالة على عصمته تمنع من ذلك، فإذا وجب بدليل عصمته أن يكون ظاهره كباطنه، وكان أفضل ظاهرا في العبادات من رعيته وجب أن يكون أكثرهم ثوابا.

فإن قال: إذا كنتم ترجعون في العلم بأن الإمام أكثر ثوابا من رعيته إلى عصمته وكان هذا العلم الذي هو علم بأنه أكثر ثوابا لا يثبت إلا بعد ثبوت العصمة والعصمة إن ثبتت دلت بنفسها على وجوب النص فأي حاجة بكم إلى الاستدلال بكون الإمام أكثر ثوابا على وجوب النص، وذلك لا يعلم إلا بعد العلم بما يقتضي وجوب النص وهو العصمة؟ وهذا يوجب أن الطريقة الصحيحة هي طريقة العصمة، وأن طريقة الفضل وكثرة الثواب لا فائدة فيها.

قيل له: هذه الطريقة وإن كانت مبنية على دليل العصمة، فقد يمكن أن يعلم بها المستدل في الأصل وجوب النص لأنه إذا علم أن الإمام

٤٤
لا بد أن يكون أفضل من رعيته في العبادات والطاعات، وأنه لا بد أن يكون سليم الباطن بدليل عصمته، علم أنه أكثر ثوابا وهو إذا علم أن الإمام لا بد أن يكون معصوما فليس بواجب أن يعلم أن العصمة لا يمكن المعرفة بها من طريق الاختيار، وأنه لا بد فيها من النص لأن هذا مما لا يعلم إلا بنظر مستأنف، وضرب من الاستدلال مفرد فليس يمتنع أن يعلمه معصوما وأكثر ثوابا ثم ينظر في كونه أكثر ثوابا، وهل هو مما يصح أن يعرف بالاستنباط أم لا يعرف إلا بالنص؟ فإذا عرف أنه مما لا يعلم إلا بالنص خلص له بهذا الطريق العلم بوجوب النص وإن كان لا يعلم أن كثرة الثواب لا تعلم بالاختيار وأنها لا تعلم إلا بالنص إلا بما يعلم به أن العصمة بهذه المنزلة، وهذا لا يخرجه من أن يكون في الأصل إنما علم وجوب النص بطريقة كثرة الثواب وبعد حصول العلم هو مخير بين أن يستدل على المخالف في وجوب النص بطريقة كثرة الثواب وبين أن يستدل بطريقة العصمة لاشتراكهما في امتناع دخول الاستنباط فيهما، وإن كان الاستدلال بالعصمة مع تقدم العلم الذي ذكرناه أخص وأولى لأنه يزيح في الاعتماد عليها رتبة من الكلام ثانية يحتاج في تصحيحها إلى ضرب من الكلفة، ولهذا الموضع مثال في الأصول صحيح وهو أنا نستدل على وجود الفاعل القديم جلت قدرته تارة بكونه قادرا، وتارة بكونه عالما لأن الطريقتين جميعا تشتركان فيما يقتضي كونه موجودا، ونحن نعلم أنا لا نعلمه عالما إلا بعد أن نعلمه قادرا، ومنزلة كونه عالما في الرتبة تالية لكونه قادرا، وليس يصح أن يقدح في الاستدلال على وجوده بكونه عالما بأن يقال إذا كنتم لا تعلمونه عالما إلا بعد أن تعلموه) قادرا وكان كونه قادرا يدل بنفسه على وجوده فلا فائدة من الاستدلال بكونه عالما لأن الذي يبطل به هذا القدح هو ما ذكرناه في جواب السؤال أو قريب منه.

٤٥
فإن قال: فيجب على ما أصلتموه أن يكون الأمراء والحكام والقضاة وجميع خلفاء الإمام منصوصا عليهم بمثل طريقتكم، لأنهم إذا كانوا رؤساء في كثير من أمور الدين، وأن لم يكونوا رؤساء في جميعه على حسب ما تدعونه وتفرقون به بينهم وبين الأئمة فيجب أن يكونوا أكثر ثوابا من رعاياهم، ويجب النص عليهم لذلك.

قيل له: الذي يجب فيمن ذكرت من الأمراء والحكام أن يكونوا أفضل من رعيتهم فيما كانوا رؤساء فيه، وما كانوا رؤساء فيه من جملة الدين فلا بد أن يكونوا أفضل ظاهرا من رعيتهم فيه، وكثرة الثواب ليس يدل على (١) الفضل في الظاهر، وإذا كانت عصمتهم غير واجبة بما تقدم في كلامنا لم يجب أن يكونوا أكثر ثوابا لأن ذلك إنما وجب في الأئمة من حيث علم أن بواطنهم كظواهرهم، والاستناد إلى العصمة التي لا تجب في الأمراء.

فإن قال: فكيف السبيل للإمام الذي يختار الأمراء والحكام إلي أن يعلم أنهم أفضل من رعاياهم في ظاهر العبادات، وفي العلم بسائر ما كانوا رؤساء فيه، فإنه متى لم يثبتوا أن للأئمة إلى العلم بذلك سبيلا يتوصل إليه بالاختيار وجب النص فيهم كوجوبه في الأئمة.

قيل: لا شبهة في أن الأفضل في الظاهر فيما يتعلق بالعبادات يمكن العلم به من غير نص وارد من جهة الله تعالى على عينه لأنا نعلم من أحدنا أنه أفضل أهل بلده (٢) عبادة وأحسنهم ظاهرا وأظهرهم زهدا حتى أنا

(١) في الأصل " عليه ".

(٢) زمانه، خ ل.

٤٦
نشير إليه بعينه، ونميزه من غيره، وإنما المستحيل أن يعلم باطنه واستحقاقه للثواب على أفعاله، فأما ما يرجع إلى الظاهر فلا شك في أنه معلوم لمن هو أدون مرتبة في المعرفة من الإمام.

فأما الأفضل في العلوم وما يجري مجراها فجار مجرى ما ذكرناه في أنه معلوم أيضا بالاستنباط والاختيار لأنا نعلم حال من هو أفضل أهل بلدنا في العلم بالفقه والنحو واللغة، وما جرى مجرى ما ذكرناه من العلوم، وربما اتضح ذلك حتى لا يشكل على أحد، وربما التبس، وفي الجملة فحال المتقدمين في ضروب الفضل والعلوم معروفة عند من خالطهم وجاورهم وتميزهم ممن لا يدانيهم في فضلهم وعلومهم ظاهر، وربما عرفنا أيضا من طريق الخبر حال الأفضل في فن من العلم وإن نأى بلده عن بلدنا حتى لا نشك في فضله وتميزه من غيره، وتقدمه لأهل بلده، وإذا كان طريق المعرفة بذوي الفضل على هذا الحد من الوضوح فأي حاجة بالإمام في اختيار الأمراء والحكام إلى نص من قبل الله تعالى وهو المعصوم الموفق في كل ما يأتي ويذر؟

فإن قال: إذا أوجبتم الإمامة لمن كان أفضل في الشئ الذي كان إماما فيه من رعيته وضربتم لإبطال ما خالف ذلك الأمثال التي تقدمت فهذا دخول في مذهب من قال في الإمامة بالاستحقاق الذي أنكرتموه.

قيل له: أما الإمامة إذا أريد بها التكليف وإلزام الإمام القيام بالأمور التي يقوم بها الأئمة فليست مستحقة لأن المشاق والكلف (١) لا يجوز أن تكون ثوابا ولا جارية مجرى الثواب، والقول في الإمامة على هذا الوجه كالقول في الرسالة وأنها غير مستحقة وإن أشير بالإمامة إلى الحال

(١) الكلف جمع كلفة: وهو ما يتكلفه الانسان من نائبة.
٤٧
التي يحصل عليها الإمام بعد ثبوت رئاسته وإمامته وتكلفه بالقيام بما أسند إليه، والى ما يجب له من التعظيم والتبجيل فذلك مستحق، ولا بد أن يكون أفضل فيه من رعيته لما ذكرناه والإمامة من هذا الوجه تجري مجرى النبوة إذا أشير بها إلى ما يستحقه النبي صلى الله عليه وآله من الرفعة والتبجيل في أن ذلك لا يكون إلا مستحقا، وهذه الطريقة التي سلكناها في الدلالة على أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته أقوى ما يعتمد في هذا الباب، وإن كان لأصحابنا رضوان الله عليهم طرق معروفة إلا أن جميعها معترض، وأكثرها يلزم عليه أن يكون الأمراء وجميع خلفاء الإمام أفضل من رعيتهم على الحد الذي يوجبونه في الإمام، ولولا أن كتابنا هذا موضوع للنقض على المخالف دون الاعتراض على الموافق لأوردنا جملا من الطرق المسلوكة فيما ذكرناه، وأشرنا إلى جهة الاعتراض عليها.

ولعلنا أن نفرد للكلام في أن الإمام يجب أن يكون أكثر ثوابا من رعيته موضعا نستوفيه أن شاء الله تعالى، فلنا في تلخيص الدلالة على هذا الموضع نظر، ويمكن أن يعتمد في الاستدلال على أن الإمام أكثر ثوابا من رعيته على أن يقال: قد ثبت أن الإمام حجة في الشرع بالأدلة المتقدمة، ومن كان حجة فيما يجب قبوله منه، والانتهاء إلى أمره فيه، فالواجب أن يجتنب كل ما يكون معه المكلفون من القبول منه انفر، ويكون على الأحوال التي يكونون عندها إليه أسكن.

وقد علمنا أن المكلفين لا يكونون إذا جوزوا في إمامهم أن يكون كل واحد منهم أكثر ثوابا عند الله منه، وأعلى رتبة وأرفع منزلة فيما يرجع إلى السكون والنفور على ما يكونون عليه إذا لم يجوزوا ذلك، وقطعوا على أنه أكثرهم ثوابا وأولاهم بكل تعظيم وتبجيل، وليس نعني بالتنفر ها هنا

٤٨
ما يمنع من قبول القول ولا يصح معه امتثال الأمر فيعترض علينا بمن امتثل وانقاد مع تجويزه في الإمام أن يكون أنقص ثوابا، والذي أردناه أن حالهم في السكون والقرب إلى قبول القول لا يكون كحالهم إذا لم يجوزا ذلك، وأكثر ما يجب فيما يقضى عليه بالتنفير أن يكون له حكم الصارف، وليس يمنع أن يقع الفعل مع ثبوت بعض الصوارف إذا غلبت الدواعي وقويت، ولا يخرج مع هذا الصارف عن حكمه، وقد مثل ما ذكرناه بما هو معلوم من أن قطوب (١) من استدعى قوما إلى دعوته وعبوسه لهما حكم الصارف عن حضور دعوته كما أن للبشر حكم الداعي، ومع هذا فلا يمتنع أن يقع الحضور ممن دعي مع ثبوت ما قررناه من العبوس، ولا يخرج بوقوع الحضور عنده من أن يكون له حكم الصارف، وليس لأحد أن يقول إن هذه الطريقة التي استأنفتموها ليست مبنية على مجرد العقل لأنكم عولتم فيها على كون الإمام حجة في الشرائع، والعقل يجوز ارتفاع التعبد بجميعها، وكلامنا معكم إنما هو فيما يقتضي من طريق العقل كون الإمام أكثر ثوابا، لأن الأمر وإن كان على ما قاله من بناء دلالتنا على العبادة بالشرائع وتجويزنا في الأصل أن لا تقع العبادة بها فلم نضع الدلالة إلا في موضعها لأن قصدنا بها كان إلى أن العقل يدل بعد العبادة بالشرائع على أن الإمام لا يكون إلا الأفضل بالاعتبار الذي ذكرناه من غير رجوع في أنه أفضل، مع أنه مؤد للشرع إلى السمع، فصار كلامنا بهذا الاعتبار متناولا لخلاف جميع من فارق مذهبنا ممن قال بإمامة الفاضل والمفضول معا، لأن من قال إمامة المفضول لا شبهة في تناول الكلام له، ومن قال بأن الإمام لا يكون إلا الأفضل إنما رجع في قوله إلي الإجماع، وفعل

(١) قطوب - كجلوس - يقال: قطب بين عينيه أي جمع بينهما فهو قاطب وقطوب أي عابس، وهي من باب ضرب وجلس.
٤٩
الصحابة وما جرى مجرى ذلك، ولم يذهب قط إلى أن فيما يقوم به الإمام يقتضي كونه أفضل، فتناول كلامنا له من هذا الوجه، وصاحب الكتاب حيث قسم في الفصل الذي حكيناه عنه الكلام، وهل ترد خصومة الدلالة على كون الإمام أفضل إلى السمع والعقل لم يعن إلا ما بيناه من السمع من الرجوع إلى الإجماع وفعل الصحابة.

ولو قيل لنا مع هذه الجملة التي أوضحناها: ما الدليل على أن من شروط الإمامة وصفات الإمام العقلية التي يدل العقل على أن الإمام لا ينفك منها كونه أفضل بمعنى أنه أكثر ثوابا؟ لم نعتمد هذه الطريقة.

قال صاحب الكتاب: " فإن قالوا: لأنه يحل محل الرسول فإذا وجب فيه أن يكون هو الأفضل، وكذلك القول في الإمام. قيل لهم، ومن أين ذلك واجب في الرسول عقلا فتقيسوا (١) عليه الإمام؟ ومن قولنا إن الرسول يجوز أن يكون مفضولا أو أن يكون مساويا لغيره في الفضل وإنما يرجع إلى السمع في أنه يكون أفضل بعد أن يصير رسولا، ولولا السمع كنا نجوز أن لا يكون هو الأفضل وأن يكون في أمته من يساويه في ذلك فيجب أن يكون هذا حال الإمام من جهة العقل أيضا... " (٢).

يقال له: قد ذكرنا الطريقة المعتمدة في كون الإمام أفضل من رعيته وهي متناولة للرسول أيضا، ودالة على وجوب كونه أفضل من أمته في جميع ما كان إماما لهم فيه، ولا حاجة بنا إلى حمل الإمام على الرسول مع كون الدلالة على وجوب الفضل يجمعهما وإن كنت قد ارتكبت في كلامك هذا ما كان يحيد عنه سلفك، ويمتنعون من إطلاقه، لأنهم كانوا إذا

(١) غ " لتقيسوا ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٠٩.

٥٠
ألزمهم أصحابنا رضوان الله عليهم تجويز كون الرسول مفضولا قياسا على الإمام تعاطوا الفرق بينهما، وسلكوا في ذلك طرقا مشهورة، وما علمنا أحدا منهم يقبل الالزام وسوى بين الرسول والإمام، ولم نذكر هذا ونبثه على سبيل الاقتصار عليه في الحجة، بل حجتنا هي المتقدمة، وإنما أردنا أن نبين مفارقة هذا القول المذكور لما كان يظهر من مذهب سلف خصومنا.

قال صاحب الكتاب: " وبعد فلو ثبت في الرسول ما قالوه لم يجب في الإمام لأن الذي أوجب (١) ذلك فيه كونه (هو) (٢) حجة فيما يؤديه فلا بد من أن يكون منزلته في الفضل عالية حتى لا يقع النفور عن القبول (٣) عنه * ويقع السكون إلى ذلك وليس كذلك حال الإمام فلماذا سويتم بينه وبين الرسول، بل ما أنكرتم أن يكون بالأمير أشبه لأنه إنما يقوم بالأحكام التي يقوم بها الأمير والعامل والحاكم * (٤)... " (٥).

يقال له: بأمثال هذا الفرق الذي ذكرته كان يفرق شيوخك بين الإمام والرسول، وقد بينا كون الإمام حجة فيما يؤديه من الشرائع وأنه إذا كان مؤديا لها وجب أن يكون أفضل من رعيته ليقع السكون إلى قبول قوله، ويرتفع النفور وأن حاله في باب الأداء مفارقة لحال جميع خلفائه وإن كانت علتك في الرسول صحيحة ففي الإمام مثلها، هذا إذا عملنا

(١) " ذلك " ساقطة من المغني.

(٢) التكملة من المغني.

(٣) غ " منه ".

(٤) ما بين النجمتين ساقط من " المغني " وكم في المغني من سقط لو رجع محققوه إلى " الشافي " لتلافوه.

(٥) المغني ٢٠ ق ١ / ١١٠.

٥١
على نصرة كلام من حمل الإمام على الرسول في باب الفضل فإننا إذا لم نفعل ذلك فالدلالة التي ذكرناها أولا تتناول الأمرين وتغني عن تكلف غيرها.

قال صاحب الكتاب: " فإن قالوا: إذا لم يجز عندكم على الأمة المعصية والخطأ فيما اتفقت عليه لأنها تؤدي عن الرسول وتقوم بحفظ الشرع فالإمام بذلك أولى لأنه يقوم بما كان يقوم به هو عليه السلام. قيل لهم: إنا لم نعلم صحة الإجماع عقلا فيكون لك بذلك التعلق، بل لا يمتنع من جهة العقل أن يتفقوا على خطأ، وإنما رجعنا في ذلك إلى السمع فقل بمثله في الإمام... " (١).

يقال له: من طريف الأمور وبديعها تجويزك على الأمة مع أنها مؤدية للشرع وحافظة له الاتفاق على الخطأ، واعتذارك بأن ذلك يجوز عليها عقلا لا سمعا وكيف يمكن أن تكون الأمة مؤدية عن الرسول، وحافظة لشرعه وهي بهذه الصفة. التي أجزتها عليها؟ أم كيف يجوز أن يكل الله تعالى إليها أداء الشرع مع جواز تضييعه وإهماله منها؟ وأي فرق بين ما أجزته وبين أن يكل الله تعالى في الأصل الأداء عنه جل اسمه إلى من يجوز عليه ما جاز على الأمة؟ وأي علة يمكن أن تذكر في عصمة النبي لأجل كونه مؤديا للشرع إلينا لا يمكن أن تنقل إلى الأمة إذا كانت مؤدية للشرع؟ وهل مستقبل هذا الأمر إلا كمستدبره؟ وليس يخفى ما في هذا الكلام من الفساد ولا يجري الحوالة في الأمان من خطأ الأمة مع كونها مؤدية للشرع على السمع مجرى الحوالة المتقدمة على السمع في كون الرسول عليه السلام أفضل من أمته، لأن الأول مما يجوز أن يخفى ما يلزم

(١) كذلك.
٥٢
عليه ويشتبه والثاني لا شبهة فيما يلزم عليه من تجويز مثل ما جاز على الأمة على الأنبياء عليهم السلام، وهذا الموضع من كلامك يدل على أنك لم تعن بالرجوع إلى السمع إلا ما فسرناه فيما سلف من كلامنا من الرجوع إلى الإجماع أو ما يجري مجراه من الأمور السمعية ولم ترد بذكر السمع الرجوع إليه فيما يقوم به الإمام ويتولاه، لأنك لو أردت ذلك لقلت في جواب السؤال: إن كون الإمام مؤديا عن الرسول وقائما بما كان يقوم به ليس بمعلوم عقلا عندكم، والعقل يجوز على مذهبكم وجود إمام (١) غير مؤد لشرع، ولا ناقل عن رسول، وكلامنا إنما هو في العقل فلما لم تقل ذلك علمنا أن مرادك بالسمع ما فسرناه وصح احتجاجنا عليك بالطريقة التي تعلقنا فيها بكون الإمام حجة في الشرائع، ومؤديا لها لأنها غير مبنية على السمع الذي عينته ومنعت من الرجوع إليه.

قال صاحب الكتاب: " * قد ثبت من جهة السمع أنه عليه السلام قد ولى عمرو بن العاص وخالد بن الوليد (٢) على أبي بكر وعمر وغيرهما من الفضلاء فما الذي يمنع مثله في الإمام *.. (٣).

يقال له: قد تقدم في كلامنا أن ولاية المفضول على الفاضل في غير ما كان الفاضل فاضلا فيه لا يمتنع، ولو ثبت أن أبا بكر وعمر كانا أفضل من عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في حال ولايتهما عليهما في الدين وكثرة الثواب لم يمنع ذلك من أن يوليا عليهما في إمرة الحرب وسياسة الجيش، فليس بمنكر أن يكون عمرو وخالد أفضل منهما فيما ذكرناه، بل

(١) في الأصل " الإمام " والتصحيح من المخطوطة.

(٢) أنظر سيرة ابن هشام ٤ / ٢٠٠ - ٢٠١ وشرح نهج البلاغة ٦ / ٣٢٠.

(٣) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

٥٣
هذا هو الظاهر من أحوالهما فإن شجاعة خالد وتقدمه في معرفة الحروب وتدبيرها مما لا إشكال فيه، ودهاء عمرو ولطف حيلته وخفاء مكيدته أيضا معروف.

وقد أجاب بعض أصحابنا عن هذا الكلام بأن قال: ليس ينكر أن يكون عمرو وخالد في تلك الحال التي وليا فيها على أبي بكر وعمر أفضل منهما فيما يرجع إلى الدين، وليس يمنع من هذا جواب صحيح، وإن كان الأول أقوى في النفس وأبعد من الشغب.

قال صاحب الكتاب: " شبهة أخرى لهم (١) وربما سلكوا قريبا من هذه الطريقة فيقولون: لا يجوز في العقل أن يجعل الإمام ممن يجوز أن يكون كافرا منافقا جاهلا بالله تعالى ملحدا زنديقا إلى غير ذلك ومتى جوزتم أن يكون اختياره إلى الأمة وهم لا يعلمون باطنه أدى إلى ما ذكرناه فلا بد في إثباته من نص من قبل من يعرف الباطن " قال: " وهذا كالأول في أنه غير واجب من جهة العقل كما لا يجب مثلة في الأمراء والعمال والحكام، وإنما نقول في الرسول أنه مأمون الباطن لكونه حجة فيما يؤديه عن الله تعالى على ما بيناه في باب النبوات... " (٢).

يقال له: هذا الاستدلال الذي حكيته عنا هو الاستدلال بالعصمة بعينه، وإنما غيرت الآن العبارة والمعنى واحد لأن الذي يؤمن من كون الإمام في باطنه على الصفات التي ذكرتها هو العصمة، فمتى ثبت فلا بد من أن يكون مأمونا منه جميع ما ذكرته، وإنما تجوز هذه الأمور عليه مع

(١) هذه الشبهة ساقطة من المغني أيضا.

(٢) باب النبوات في الجزء الخامس عشر من المغني حيث يشتمل هذا الجزء على النبؤات والمعجزات.

٥٤
فقد العصمة وقد مضى الكلام في دليل العصمة مستقصى فأما الفرق بين الإمام والأمراء والحكام في سلامة البواطن فقد مضى أيضا حيث فرقنا بينهم في وجوب العصمة.

فأما اعتصامك في سلامة باطن الرسول صلى الله عليه وآله بكونه حجة فيما يؤديه فغير نافع، ولا واقع موقعه، لأنه لا يمتنع أن تثبت سلامة باطن الرسول بكونه حجة فيما يؤديه وتثبت سلامة باطن الإمام بغير هذه العلة، وإنما يصح كلامك لو ثبت مع أن العلة في سلامة باطن الرسول ما ذكرته أن لا علة تقتضي سلامة باطن أحد غيرها، ولم تورد كلامك مورد الانفصال، أو على سبيل الفرق بين الرسول والإمام لأنك لم تلزم ها هنا حمل الإمام على الرسول بل أوردته على سبيل الطعن في قول من ادعى أن الإمام لا بد أن يكون سليم الباطن، وليس بطعن في هذا المذهب ذكرك علة عصمة الرسول لأنه ليس بمنكر أن تكون علتك صحيحة، ومذهب من اعتقد أن الإمام لا بد من أن يكون سليم الباطن صحيحا لعلة أخرى.

قال صاحب الكتاب: " وبعد، فلو وجب أن يقطع على ذلك لكان إنما يجب لأمر يرجع إلى الأمور التي يقوم بها لكي لا يخطئ فيها ولا يغلط، وقد بينا أن ذلك غير واجب وأنه إن أخطأ في ذلك لم يوجب فسادا ولأن ذلك لو وجب وجب مثله في الأمير وقد بينا أنه لا يمكنهم التعلق بأنه أوسع عملا بأن يكون الإمام مقهورا مغلوبا دونه... " (١).

يقال له: ليس الأمر كما توهمت من أن سلامة باطن الإمام لو

(١) هذا الايراد ساقط من المغني.
٥٥
وجبت لكانت إنما تجب لكيلا يخطئ في الأمور التي يقوم بها، بل الذي له وجبت سلامة باطنه كونه معصوما وإنما وجب كونه معصوما لبعض ما تقدم من الأدلة.

فأما الفرق بين الأمير والإمام بسعة العمل فمما لا نعتمده ولا نرتضيه، على أنك قد ظننت في سعة العمل خلاف المراد بهذه اللفظة لأن المراد بالعمل وسعته وضيقه الأماكن التي لصاحب العمل أن يتصرف فيها أو يدبر أهلها، وليس بمنكر أن يحول بين صاحب العمل وعمله حوائل تقطعه عن التصرف، ولا يخرج بذلك العمل من أن يكون عملا له، فالإمام وإن جاز أن يحول بعض الظالمين بينه وبين كثير من أعماله ويقطعوه عن تدبير أهلها وسياستهم، فليس يخرج فعلهم تلك الأعمال من أن تكون أعمالا له من حيث كان له التصرف فيها وتدبير أهلها.

قال صاحب الكتاب: " فإن قالوا: إن جوزنا عليه الغلط لم يصح أن تلزم طاعته والتأسي به، لأن طاعة العاصي تكون خطأ، وكذلك التأسي بالعاصي.

قيل لهم: أوليس كان عليه السلام إذا أمر أميرا يوجب طاعته والتأسي به أفيجب من ذلك القطع على باطنه؟ وادعاء كونه فاضلا لا يجوز أن يغير ويبدل فلا بد من القول بأن ذلك غير واجب فيلزمهم مثله في الإمام وقد بينا أن طاعته فيما يعلم قبحه لا تجب وأنه بمنزلة الإمام في الصلاة وقد بينا أن وجوب التأسي به لا يمتنع وإن كان عاصيا (١)... ".

يقال له: قد مضى الفرق بين الإمام وخلفائه من الأمراء والعمال والحكام في معنى الاقتداء والتأسي وبينا أن الذي يجب للأئمة من الاقتداء

(١) وهذا الايراد ساقط من المغني أيضا.
٥٦
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٥٧ - ص ٧٤)
٥٧
وآخر الكلام فيها إلى باب الكلام في الاختيار: " * شبهة أخرى لهم، قالوا: إن الإمامة من أركان الدين فإذا لم يجز في أركان الدين أن يثبت إلا بنص كالصلاة والزكاة والصيام وما شاكلها وجب مثله في الإمام، وربما قووا ذلك بأن وجه الصلاح فيه يعم الكل كما أن التعبد بالصلاة يعمهم * (١) ".

قال: " واعلم أنه كان لا يمتنع عندنا في الصلاة والزكاة والصيام أن يكون طريق التعبد بها الاجتهاد، وإنما نمنع (٢) الآن ذلك لأن السمع بذلك ورد فيجب مثله في الإمام، لأن كلامنا في مجوز العقل لا في واجب السمع (والثابت فيه) (٣)... ".

يقال له: هذه الطريقة التي حكيتها ليس يصح الاعتماد عليها إلا بعد أن تبين علة الجمع بين الإمامة وما ذكرته من الأركان وإذا حققت العلة الجامعة بين الأمرين لم يكن بد من الرجوع إلى ذكر بعض ما تقدم من صفات الإمام.

إما كونه معصوما أو فاضلا أو ما يجري مجرى ذلك مما لا مجال فيه للاجتهاد لأن العلة التي من أجلها أحلنا ثبوت الأركان المذكورة بالاجتهاد هي قيام الدليل على أن جهة وجوبها ما يعود بها علينا من الصلاح في فعل الواجبات العقلية، والامتناع من المقبحات، وأن اختيار ما هذه صفته من جملة الأفعال لا سبيل إليه فإذا حملنا اختيار الإمام في الفساد على اختيار هذه العبادات احتجنا إلى أن نبين في الإمام صفة لا يكون فيها الاجتهاد،

(١) ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٢) غ " يمتنع " وكذلك في حاشية المخطوطة.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١١٠. والتكملة بين المعقوفين منه.

٥٨
وصفاته التي هذه سبيلها قد تقدم الكلام فيها.

فأما قولك في الصلاة والصيام: (أن الاجتهاد فيهما لا يمتنع أن يجب عقلا) فهذا انما هو بنيته على مذهبك في جواز الاجتهاد وصحته وقد تقدم طرف مما يبطل ذلك، ومن ارتكب في الصلاة وما أشبهها ما ارتكبه صار الكلام عليه في الإمامة وهذه الأركان واحدا، وبطل أن يحمل أحد الأمرين على الآخر وآل الأمر معه إلى الموافقة على أن الصلاة والإمامة تختصان بصفتين لا مجال للاجتهاد فيهما.

قال صاحب الكتاب: " وبعد فإن الصلاة إنما وقع النص منه عليه السلام على صفتها، ولذلك يجوز في كل صلاة معينة أن تكون واقعة على وجه الغلط ولا يجوز ذلك في الصفة والشرط فكأنه عليه السلام بين صفتها وشروطها (١) ثم ألزم المكلف اختيارها على الوجه الذي يحصل معه إصابة صفتها وشروطها، وكذلك نقول في الإمام لأنه لا يمتنع منه عليه السلام أن يبين صفته وشروطه ثم يلزم المكلف على وجه يصيب الصفة والشرط، فإن كانت الصفة والشرط حاصلين في جماعة اختير الواحد منهم كما أن صفة الصلاة وشروطها إذا صحتا في أفعال فهو مخير فيها فقد بان بما قدمناه أنا لو جعلنا الصلاة أصلا لما نقوله في الإمامة لكانت (٢) أقرب مما ذكروه (٣)... ".

يقال له: إنما جاز ما ذكرته في الصلاة من حيث أمكن المكلف أن يصيب صفتها وشروطها ويميز صحيحها من فاسدها من جملة أفعاله، والإمام لا يمكن مثل ذلك فيه، لأن من صفاته ما لا يمكن أن يستدرك

(١) غ " وشرطها ".

(٢) غ " لكان ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١١٠.

٥٩
بالاجتهاد والاختيار، ولا سبيل للمكلف في تميزه، ولو كانت جميع صفات الإمام كصفات الصلاة في إمكان إصابتها من جهة الاختيار لجوزنا اختيار الإمام على الوجه الذي قررته في اختيار الصلاة ومدار الكلام على هذا الوضع فإن أمكن الخصوم أن يبينوا أنه لا صفة للإمام إلا وللمكلفين سبيل إلى إصابتها وتمييز المختص بها فقد صح مذهبهم في جواز الاختيار، وبطل مذهبنا في وجوب النص والتشاغل بعد أن يثبت لهم ما ذكرنا بغيره لا معنى له، فإنه إذا لا ينفعنا بعد ثبوت هذا الموضع لهم شئ في باب وجوب النص ولا يضرهم، وإن لم يثبت لهم هذا وكان الثابت ما نذهب إليه من اختصاص الإمام بصفات لا سبيل إلى العلم بها إلا من جهة النص، فقد وجب النص وبطل الاختيار وصار كل ما يتكلفه الخصوم بعد صحة ما ذكرناه لا ينفعهم في إبطال وجوب النص ولا يضرنا في إثباته، على أن الصلاة لا يمكن فيها إلا النص على الصفة دون العين لأنها فعل المكلف، ولها أمثال في مقدوره فلا يتميز له صحيحها من فاسدها إلا بالصفة والشرط، والإمام يمكن النص على عينه على وجه يتميز به من غيره فليس يجب أن يكون حكم الإمام حكم الصلاة، بل الواجب أن تكون الصلاة مشبهة للانقياد للإمام والاقتداء به في هذا الوجه، من حيث رجع كل ذلك إلى أفعالنا فكما نجيز في الصلاة النص على صفتها وشروطها، ونجعل اختيار ما له تلك الصفة إلى المكلف فكذلك نجيز أن ينص للمكلف على صفة ما يلزمه من الانقياد للإمام والاقتداء به، ويفوض اختيار ماله تلك الصفة إلى اجتهاده.

فإن قيل: النص في الإمام وإن أمكن على سبيل التعيين، ولم يمكن في الصلاة فما المانع من جواز النص على صفة الإمام دون عينه كما جاز في الصلاة وإن أمكن في الإمام النص على العين ولم يمكن في الصلاة؟.

٦٠