×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 2) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

إنما أردنا بما ذكرناه أن نبين اختلاف حكم الصلاة والإمام في هذا الباب وأن الذي أوجب النص على الصفة دون العين في الصلاة غير حاصل في الإمام، والذي يمنع من أن يكون في الإمام ما جوزناه في الصلاة وإن كان ممكنا خلافه في الإمام ما تقدم ذكره من اختصاص الإمام بصفات وشروط لا تتميز للمكلف ولا سبيل له إليها بالاجتهاد على أن الذي ذكرته يقتضي دخول الاختيار في جميع العبادات والأحكام على التأويل الذي تأولته لأنه لا شئ من العبادات إلا وحكمه حكم الصلاة في تناول النص لصفته دون عينه، وتفويض اختيار ما له تلك الصفة إلى اجتهاد المكلف، وهذا يؤدي إلى بطلان قول جميع المتكلمين والفقهاء:

إن العبادات الشرعية تنقسم قسمين منصوص عليه، وآخر موكول إلى الاجتهاد.

فإن قلت: إنما صحت القسمة التي حكيتموها من قبل إن في الأحكام ما وقع النص على صفته وشرطه كالصلاة فجعل من باب النص، وفيها ما لم يحصل نص على صفته فجعل من باب الاجتهاد.

قلنا لك: هذا خلاف أصلك في الاجتهاد لأن أحكام الاجتهاد عندك بمنزلة ما وقع النص على صفته من صلاة وغيرها، لأن من مذهبك أن الصفة التي إذا تعلق ظن المجتهد بها لزم الحكم قد تناولها النص فكأن المكلف قد قيل له: إذا ظننت شبه بعض الفروع ببعض الأصول فقد لزمك الحكم، وهذا نص على صفة ما يلزمه من الأحكام كما كان ما أوردته نصا على صفة ما يلزمه من صلاة وغيرها فيجب على موجب قولك أن يكون جميع العبادات الشرعية منصوصا عليها على تأويل أنها منصوص على صفاتها أو تكون بأسرها من باب الاختيار على تأويل أن المكلف مأمور

٦١
باختيار ما له الصفة التي تناولها النص من جملة أفعاله ويبطل انقسامها على قسمين.

قال صاحب الكتاب: " وبعد، فقد ثبت أنه عليه السلام قد نص على الأحكام على وجوه مختلفة بحسب المصلحة، ففيها ما عينه وفيها ما خير المكلف (١) فيه كالكفارات وفيها ما فوضه إلى الاجتهاد (٢) كالنفقات، وقيم المتلفات، وجزاء الصيد إلى غير ذلك، وكل ذلك من باب الدين، فما الذي يمنع في الإمامة من أن يكون طريقها الاجتهاد والاختيار كالكفارات أو الاجتهاد كجزاء الصيد، * والتوجه إلى الكعبة * إلى غير ذلك... " (٣).

يقال له: ليس يمتنع في الإمامة عقلا أن يجري النص عليها مجرى النص على الكفارات لأن النص لما تناول الكفارات الثلاث على سبيل التخيير (٤) علمنا أن صلاحنا متعلق بالجميع، وأن لكل واحدة منها صفة الوجوب، وأنا مخيرون بين الثلاث فمتى فعلنا إحداهن سقط عنا وراءها (٥) ومثل هذا جائز في الإمامة من جهة العقل لأنه غير ممتنع أن ينص الله تعالى لنا على إمامة نفسين أو ثلاثة بأن يبين وجوب طاعة كل واحد منهم، وما يحصل لنا من اللطف في الدين، والمصلحة بالاقتداء والانقياد له، ويخيرنا في الاقتداء بكل واحد من الثلاثة فمتى اقتدينا

(١) " المكلف " ساقطة من " المغني ".

(٢) الاجتهاد والاختيار خ ل وكذلك في " المغني " لكن بحرف التخيير بينهما وما في المتن أوجه.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١١٠ وما بين النجمتين ساقط منه.

(٤) مثل كفارة من أفطر يوما من شهر رمضان عمدا أو خالف عهدا.

(٥) لعله " ما وراءها ".

٦٢
بأحدهم في بعض الأفعال سقط (١) عنا الانقياد لغيره به في ذلك الفعل، وليس كذلك أن تقول إنما ألزمت أن يكون طريق الإمامة الاختيار بمعنى أن نكلف اختيار الإمام، لأن هذا إذا أردته ليس بمشبه لأمر الكفارات، لأنا لم نكلف اختيار ما هو مصلحة لنا من عرض الأفعال ليكون كفارة، بل نص لنا على أفعال ثلاثة بأعيانها، وأعلمنا أن المصلحة فيها، وخيرنا بين فعل كل واحد والآخرين، فقياس ذلك أن ينص لنا على أئمة ونخير بين اتباع كل واحد واتباع الآخرين لا أن نكلف اختيار الإمام في الأصل وإنما ألزمت دخول الاختيار والتخيير في الإمامة قياسا على الكفارات فيجب أن يكون ما ألزمته مطابقا لها.

وأما الاجتهاد في جزاء الصيد وجهة الكعبة فإنما ساغ من حيث أمكن المكلف وجود طريقه وكانت عليه أمارات لائحة وقد بينا أن الإمام يختص بصفات لا سبيل إلى إصابتها من جهة الاجتهاد لأنه لا دلالة عليها ولا أمارة ففارق حكم الإمامة جميع ما ذكرته.

قال صاحب الكتاب: " وإنما أتى القوم في ادعاء النص من جهة العقل من الوجوه التي قدمناها وهي زعمهم أن الإمام حجة لله تعالى في الزمان كالرسول (أو أنه يجب أن يكون قيما يحفظ الدين الذي شرعه الرسول) (٢) وأنه يجب أن يكون معصوما فيما فوض إليه فتسلقوا بذلك إلى أنه لا بد من أن يكون منصوصا عليه أو معينا بالمعجز ونحن لا نخالف في ذلك لو كان صفة الإمام ما ذكروه، وإنما يقع الكلام بيننا وبينهم في صفة الإمام وفيما جعل إليه وقد بينا (٣) من قبل أن قائلا لو قال في الإمام: إنه

(١) في الأصل " سقطت ".

(٢) ما بين المعقوفين من " المغني ".

(٣) غ " وقد قدمنا ".

٦٣
يجب أن يكون خالق الإمام (١) لكنا نوافقه في أنه يستحق العبادة ويخرج الكلام بيننا وبينه عن الإمامة (٢)... " (٣).

يقال له: قد اعترفت بأن الإمام لو وجب له من الصفات ما ذهبنا إليه وكان قيما بما نذهب إلى أنه القيم به والمتولي له لوجبت إبانته بالنص أو بالمعجز وبطل اختياره.

وقد دللنا بحمد الله فيما تقدم على صحة ما نذهب إليه في صفاته، وما يقوم به بما لا شبهة فيه ولا اعتراض عليه، فقد وجب بإقرارك النص على الإمام أو إبانته بالمعجز وبطل اختياره.

ولهذا قلنا قبيل هذا الفصل: أن التشاغل في وجوب النص أو إبطاله يجب أن يكون بالكلام في صفات الإمام، وهل في جملتها ما لا يستدرك إلا من جهة النص أم لا على أنا نقول لك: إنما أتيت وأتي من يذهب إلى مذهبك في دفع النص والقول بالاختيار من جهة اعتقادكم أن الإمام يجري مجرى الوكيل والوصي والشاهد، وأن اتباعه والاقتداء به غير واجبين، وأن الذي يجب من الاقتداء به ما يجب في إمام الصلاة ومن جرى مجراه فتسلقتم بإنزاله هذه المنزلة إلى تصحيح اختياره وإبطال وجوب النص عليه، ونحن لا ننكر مذهبكم فيه لو صح أنه يجري مجرى من ذكرتموه كما أن قائلا لو قال في الإمام أنه كالأجير أو العبد لكنا نوافقه في أن قوله لو صح في صفته لم يجب علينا شئ من تعظيمه وتبجيله ولجاز أن يكون اختياره مردودا إلى الجهال من الأمة فضلا عن العلماء.

(١) غ " خالق الأنام ".

(٢) غ " عن الإمام ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١١١.

٦٤
٦٥

فصل
في إبطال ما دفع به ثبوت النص وورود السمع به


الذي نذهب إليه أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة بعده، ودل على وجوب فرض طاعته ولزومها لكل مكلف، وينقسم النص عندنا في الأصل إلى قسمين أحدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول، والآخر إلى القول دون الفعل.

فأما النص بالفعل والقول، فهو ما دلت عليه أفعاله صلى الله عليه وآله وأقواله المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الأمة، الدالة على استحقاقه من التعظيم والاجلال والاختصاص بما لم يكن حاصلا لغيره كموآخاته صلى الله عليه وآله بنفسه وإنكاحه سيدة نساء العالمين (١) ابنته عليها السلام، وأنه لم يول عليه أحدا من الصحابة، ولا ندبه لأمر أو بعثه في جيش إلا كان هو الوالي عليه المقدم فيه وأنه لم ينقم عليه من طول

(١) تواتر قول رسول الله صلى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام (سيدة نساء العاملين، وسيدة نساء المؤمنين، وسيدة نساء أهل الجنة) أنظر صحيح البخاري ٤ / ١٨٣ كتاب بدء الخلق باب علامات النبوة، و ج ٤ / ٢٠٩ كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، و ج ٧ / ١٤١ كتاب الاستئذان، باب من ناجى بين يدي الناس، ولم يخبر بسر صاحبه حتى إذا مات أخبر به.
٦٦
الصحبة وتراخي المدة شيئا، ولا أنكر منه فعلا، ولا استبطاه في صغير من الأمور ولا كبير مع كثرة ما توجه منه صلى الله عليه وآله إلى جماعة من أصحابه من العتب، إما تصريحا أو تلويحا.

وقوله صلى الله عليه وآله فيه (علي مني وأنا منه) (١) و (علي مع الحق والحق مع علي) و (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) (٢) إلى غير ما ذكرناه من الأفعال والأقوال الظاهرة التي لا يخالف فيها ولي ولا عدو، وذكر جميعها يطول، وإنما شهدت هذه الأفعال والأقوال باستحقاقه عليه السلام الإمامة ونبهت على أنه أولى بمقام الرسول من قبل أنها إذا دلت على التعظيم (٣) والاختصاص الشديد، فقد كشفت عن قوة الأسباب إلى أشرف الولايات، لأن من كان أبهر فضلا، وأعلى في الدين مكانا فهو أولى بالتقديم وأقرب وسيلة إلى التعظيم، ولأن العادة فيمن يرشح (٤) لشريف الولايات، ويؤهل لعظيمها أن يصنع به وينبه عليه ببعض ما قصصناه.

وقد قال قوم من أصحابنا أن دلالة الفعل ربما كانت آكد من دلالة القول، وأبعد من الشبهة، لأن القول بدخله المجاز، ويحتمل ضروبا من التأويلات لا يحتملها الفعل.

(١) أخرجه النسائي في الخصائص ص ١٦ بلفظ (أن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي)، والترمذي ٢ / ٢٩٧، وأحمد في المسند ج ٤ / ١٣٦، و ٤٣٧، والبخاري في صحيحه ٤ / ٢٠٧ كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب مناقب علي بن أبي طالب، وفيه (أن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي). وسيأتي سبب هذا القول ج ٣ / ٢٤٤.

(٢) (علي مع الحق) مرت تخريجه ج ١ ص ١٧٢ وأما حديث الطير سيأتي تخريج مصادره ص ١٠٠ من الجزء الثالث.

(٣) الفضل العظيم خ ل.

(٤) خ " توشح ".

٦٧
فأما النص بالقول دون الفعل ينقسم إلى قسمين:

أحدهما: ما علم سامعوه من الرسول صلى الله عليه وآله مراده منه باضطرار، وإن كنا الآن نعلم ثبوته والمراد منه استدلالا وهو النص الذي في ظاهره ولفظه الصريح بالإمامة والخلافة، ويسميه أصحابنا النص الجلي كقوله عليه السلام (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) (١) و (هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا) (٢).

والقسم الآخر: لا نقطع على أن سامعيه من الرسول صلى الله عليه وآله علموا النص بالإمامة منه اضطرارا ولا يمتنع عندنا أن يكونوا علموه استدلالا من حيث اعتبار دلالة اللفظ، وما يحسن أن يكون المراد أو لا يحسن.

فأما نحن فلا نعلم ثبوته والمراد به إلا استدلالا كقوله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (٣) و (من كنت مولاه فعلي مولاه) (٤) وهذا الضرب من النص هو الذي يسميه أصحابنا النص الخفي.

ثم النص بالقول ينقسم قسمة أخرى إلى ضربين:

(١) أنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ / ١٢ وابن عساكر (ترجمة أمير المؤمنين (ع)) عن بريدة الأسلمي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نسلم على علي بإمرة المؤمنين...

(٢) هذا الحديث هو حديث يوم الدار أخرجه الطبري في التاريخ ٢ / ٣٢١ وأحمد في المسند ١ / ١١١ / ١٥٩، والحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٢ والحلبي في السيرة ١ / ٣٨١، والسيوطي في جمع الجوامع ٦ / ٣٩٧ عن ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي وسنعرج فيما يأتي.

(٣) سيأتي الكلام على حديث المنزلة في أول الجزء الثالث أن شاء الله تعالى.

(٤) سيأتي تخريج الحديث.

٦٨
فضرب منه تفرد بنقله الشيعة الإمامية خاصة، وإن كان بعض من لم يفطن بما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئا منه، وهو النص الموسوم بالجلي.

والضرب الآخر رواه الشيعي والناصبي وتلقاه جميع الأمة بالقبول على اختلافها، ولم يدفعه منهم أحد يحفل بدفعه يعد مثله خلافا وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله وتباينوا في اعتقاد المراد به وهو النص الموسوم بالخفي الذي ذكرناه ثانيا.

ونحن الآن نشرع في الدلالة على النص الجلي لأنه الذي تفرد أصحابنا به، وكلام صاحب الكتاب في هذا الفصل كأنه مقصور عليه.

فأما النصوص الباقية فسيجئ الكلام في تأويلها وإبطال ما جرح المخالفون فيها فيما بعد بعون الله تعالى.

والطريق إلى تصحيح النص الذي ذكرناه أن نبين صفة الجماعة التي إذا أخبرت كانت صادقة، والشروط التي معها يكون خبرها دلالة وموصلا إلى العلم بالمخبر، ثم نبين أن تلك الصفات والشروط حاصلة في نقل الشيعة للنص على أمير المؤمنين عليه السلام.

أما شروط الجماعة التي إذا أخبرت أمكن أن يعلم صحة مخبرها فثلاثة:

أحدها - أن ينتهي في الكثرة إلى حد لا يصح معه أن يتفق الكذب على المخبر الواحد منها، والشرط الآخر أن يعلم أنه لم يجمعها على الكذب جامع من تواطؤ وما يقوم مقامه، والآخر (١) أن يكون اللبس والشبهة زائلين عما خبرت عنه.

(١) خ " والشرط الثالث ".
٦٩
هذا إذا كان الكلام في الجماعة المخبرة عن المخبر بلا واسطة فإن كانت مخبرة عن غيرها وجب اعتبار هذه الشروط فيمن خبرت عنه حتى يعلم أن الجماعات التي خبرت عنها هذه الجماعة صفتها فيما ذكرناه صفة هذه الجماعة وبه نقطع على أنه لم يتوسط بينها وبين المخبر عنه جماعة لم تكمل لها هذه الشروط فإن قال قائل: بينوا تأثير الشروط التي ذكرتموها في العلم بصحة الخبر وإن فقدها أو فقد بعضها مخل بالعلم بصحته ووجودها محصل لطريق العلم، ثم بينوا كيف السبيل إلى العلم بحصولها؟ وما الطريق إليه؟

قيل له: أما تأثير الشروط المذكورة فبين، لأن الجماعة إذا لم تبلغ الحد الذي يستحيل عليها عند بلوغه الكذب عن المخبر المخصوص اتفاقا لم نأمن من وقوع الكذب منها على هذا الوجه، كما أن الواحد والاثنين إذا أخبرا عن أمر لم نأمن في خبرهما أن يكون كذبا من حيث كان ما ذكرناه من اتفاق الكذب غير مأمون منهما وكذلك متى لم نعلم أنها لم تتواطأ أو حصل فيها ما يقوم مقام التواطؤ جوزنا أن يكون الكذب وقع منها على سبيل التواطؤ لأنا نعلم أن بالتواطؤ يجوز على الجماعة ما يستحيل لولاه والشبهة ووقوع اللبس أيضا مما يجمع على الكذب، ألا ترى إلى جواز الكذب على الخلق العظيم من المبطلين في الإخبار عن دياناتهم ومذاهبهم التي اعتقدوها بالشبهات، أو بما يجري مجراها من التقليد، وإنما جاز أن يخبروا مع كثرتهم بالكذب على سبيل الشبهة وإن لم يكن هناك تواطؤ، لأن الشبهة تخيل لهم كون الخبر صادقا (١) والمذهب حقا فكما أنهم إذا علموه صدقا جاز أن يخبروا عنه مع الكثرة من غير تواطؤ

(١) خ " صدقا ".
٧٠
وكان علمهم بأنه صدق يدعوهم إلى الخبر ويقوم مقام السبب الجامع، فكذلك إذا اعتقدوا فيما ليس بهذه الصفة أنه عليها لأن المعتبر فيما يجري هذا المجرى هو بالاعتقاد لا بما عليه الشئ في نفسه، ولهذا يجوز أن يختار الكذب على الصدق في بعض المواضع مع تساويهما في المنافع ودفع المضار متى اعتقد في الكذب أنه صدق ولا فرق فيما شرطناه من ارتفاع اللبس والشبهة بين أن يكون المخبر عنه مشاهدا أو غير مشاهد لأن الشبهة كما يصح دخولها فيما ليس بمشاهد كالديانات وما أشبهها فقد يصح دخولها في المشاهد على بعض الوجوه ولهذا نبطل نقل اليهود والنصارى صلب المسيح عليه السلام، ونقول إن نقلهم لو اتصل بالمخبر عنه مع استيفاء جميع أسلافهم للشروط الحاصلة في هؤلاء الأخلاف من الكثرة وغيرها لأمكن أن يكون خبرهم باطلا من جهة الشبهة ووقوع الالتباس، لأن المصلوب لا بد أن يتغير حليته، وتنكر صورته، فلا يعرفه كثير ممن كان يعرفه، وبعده عن الناظرين معين أيضا على دخول الشبهة.

ولأن اليهود الذين ادعوا قتله لم يكن لهم به معرفة مستحكمة، لأنه لم يكن مخالطا لهم ولا مكاسرا، (١) ومن هذه صورته لا يمتنع أن يشتبه الحال فيه بغيره، وقد قيل إن الله سبحانه ألقى شبه المسيح على غيره، وأن ذلك مما يجوز على عهد الأنبياء، وإن كان غير جائز في أحوال أخر، وكل هذه الوجوه ترجع إلى الشبهة واللبس، فلذلك ذكرناها، وإن كانت كالخارجة عن مقصدنا فلا بد من اشتراط ارتفاع الشبهة في المخبر عنه مشاهدا كان أو غير مشاهد.

وإنما شرطنا في الجماعات المتوسطة بين المخبر عنه مثل ما شرطناه في الجماعة التي تلينا لأنا متى لم نعلم ذلك جوزنا كون الجماعة المخبرة لنا

(١) مكابرا، خ ل، ومكاسرا أوجه، لأن معناها كونه معهم في مكان واحد.
٧١
صادقة عمن خبرت عنه، وإن كان الخبر في الأصل باطلا، فليس يصح أن يعلم كون الخبر في الأصل صدقا والمخبر عنه على الحد الذي تناوله الخبر إلا بأن تحصل الشروط المذكورة في طبقات المخبرين، ومن ها هنا لم نلتفت إلى أخبار اليهود عن تأبيد الشرع وأخبارهم وأخبار النصارى عن صلب المسيح عليه السلام من حيث كان نقلهم ينتهي إلى عدد قليل لا يصح أن يؤمن فيه التواطؤ وغيره.

وإنما قلنا إن تكامل الشروط التي وصفنا مقتض كون الخبر صدقا من حيث خبر الجماعة الموصوفة لما لم يخل من أن يكون صدقا أو كذبا، وكان وقوعه كذبا لا بد أن يكون إما اتفاقا أو لتواطؤ أو لشبهة، وقد علمنا ارتفاع كل ذلك فوجب أن يكون صدقا، لأنه لا يمكن أن يقال:

أن كونه كذبا يقتضي الاجتماع عليه، ولا يحتاج إلى أحد الأقسام التي ذكرتموها كما تقولون في الصدق، لأنا سنبين عن بطلان تساوي الصدق والكذب في هذا الوجه.

وأما الطريق إلى العلم بحصول هذه الشروط في الجماعة فواضح، لأنه متعلق بالعادات، ولا شئ أجلى مما أستند إليها.

أما اتفاق الكذب عن المخبر الواحد فكل من عرف العادات يعلم ضرورة أنه لا يقع من الجماعة، وأن حال الجماعة فيه مخالفة لحال الواحد والاثنين.

ولهذا يجوز أن يخبر أحد من حضر الجامع يوم الجمعة بأن الإمام سها فتنكس على رأسه من المنبر وهو كاذب، ولا يجوز أن يخبر جميع من حضر الجامع بذلك إلا لتواطؤ أو ما يقوم مقامه، وقد مثل المتكلمون امتناع وقوع الكذب منهم إذا لم يكن تواطؤ بامتناع وقوع تصرف

٧٢
مخصوص، ولباس معين، وأكل شئ واحد، ونظم قصيدة بعينها منهم من غير أن يكون لهم سبب جامع، ومثلوه أيضا بما هو معلوم من استحالة أن يخبر الواحد أو الجماعة عن الأمور الكثيرة فيقع خبرهم بالاتفاق صدقا من غير علم تقدم، وبما يعلمه أيضا من استحالة وقوع الكتابة المنتظمة أو الصنعة المحكمة من الجماعة وهي جاهلة بما وقع منها على سبيل الاتفاق، وإن كان كل واحد منها يجوز أن يقع منه كتابة الحرف والحرفين، وكل الذي ذكروه صحيح، وليس منزلة العلم باستحالة وقوع الكذب اتفاقا من الجماعة الكثيرة من غير تواطؤ بأدون رتبة وأخفى عند العقلاء من جميع ما ذكر، بل منزلة هذه العلوم أجمع عند من خبر العادات واحدة، وإنما يحمل بعضها على بعض على سبيل الكشف والايضاح، وإلا فالكل على حد واحد، وليس يخرج العلم الذي ذكرناه من حيز الضرورة وقوعه عند ضرب من الاختبار للعادة، لأنه غير ممتنع في العلوم الضرورية أن تقع عند تقدم اختبار أو غيره كالعلم بالصنائع ووقوعه عند مزاولتها والحفظ الواقع عند الدرس، وليس لأحد أن يقول: إذا جاز أن يخبر الجماعة الكثيرة بالصدق ومن غير تواطؤ فألا جاز أن يخبر الجماعة الكثيرة بالكذب على هذا الوجه؟ وأي فرق بين الأمرين؟ لأن مفارقة الصدق للكذب في هذا الباب معلومة من جهة أن الصدق يجري في العادة مجرى ما حصل فيه سبب جامع، وعلم الجماعة بكونه صدقا داع إليه وجامع عليه، وليس كذلك الكذب لأن الكذب لا بد في فعله من أمر زائد وسبب جامع، ولصحة ما ذكرناه ما استحال في العادة أن يخبر أهل بلد كبير بوقوع حادثة عظيمة وهم كاذبون مع تواطؤ (١) وما يقوم مقامه، وجاز أن يخبر بذلك وهم صادقون مع ارتفاع التواطؤ.

(١) من غير تواطؤ، خ ل.
٧٣
فأما ما به يعلم ارتفاع التواطؤ عن الجماعة فهو أن التواطؤ إما أن يكون واقعا بالملاقاة والمشافهة أو بالمكاتبة والمراسلة وربما تكررت هذه الأمور فيه بمجرى العادة، بل الغالب تكرره، لأن الجماعات الكثيرة العدد لا يستقر بينها ما يعمل عليه ويجمع على الأخبار به من أول وهلة، وبأيسر سبب، وما هذه حاله لا بد أن يظهر ظهورا يشترك كل من كان له اختلاط بالقوم في المعرفة به، حتى يؤدي عند عدم ظهوره إلى وجوب القطع على انتفائه وظهور ما يقع من تواطؤ الجماعة واجب في الجماعة القليلة العدد أيضا، حتى أن من خالطها على قلة عددها لا بد أن يقف على ذلك أن وقع منها، وإذا وجب ظهور ما ذكرناه فيمن قل عدده من الجماعات فهو في العدد الكثير أوجب، على أن الجماعة ربما بلغت في الكثرة مبلغا يستحيل معه عليها التواطؤ جملة، ونقطع على تعذره لأنا نعلم أن أهل بغداد بأسرهم لا يجوز أن يواطؤا جميع أهل خراسان، لا باجتماع ومشافهة، ولا بمكاتبة ومراسلة.

وأما الأسباب الجامعة على الأفعال القائمة مقام التواطؤ كتخويف السلطان وإرهابه فلا بد أيضا من ظهورها ووقوف الناس عليها لأنه ليس يجمع الجماعة على الأمر الواحد من خوف السلطان إلا ما ظهر لهم ظهورا شديدا، وما بلغ من الظهور هذا المبلغ لا بد أن يكون معروفا، فمتى لم تكن المعرفة به حاصلة وجب القطع على ارتفاعه.

فأما ما يعلم به ارتفاع (١) الشبهة واللبس عما خبرت عنه الجماعة، فهو أن الشبهة إنما تدخل فيما يرجع إلى المذاهب والاعتقادات، ويخرج عن باب ما يعلم ضرورة على الوجه الذي ذكرناه فيما تقدم، فإذا كان خبر

(١) زوال، خ ل.
٧٤
كتاب الشافي في الإمامة (ج٢) للشريف المرتضى (ص ٧٥ - ص ٩١)
٧٥
أهل الأخبار بأسرهم بين زمان حدوث أقوالهم والزمان الذي كانت فيه أقوالهم مفقودة، وبين الأحوال التي تظاهرت فيه مذاهبهم وانتشرت في الجماعات والأحوال التي كانت فيها مقصورة على العدد القليل، وهذا في بابه يجري في وجوب الظهور مجرى ما نوجبه من ظهور التواطؤ متى وقع من الجماعات.

وقد قيل إن أحد ما يعلم به استيفاء الجماعة المتوسطة في النقل للشروط أن ينقل إلينا الجماعة التي تلينا أنها أخذت الخبر المخصوص عن جماعة لها مثل صفتها، وأن تلك الجماعة أخبرتهم بأنها أخذت أيضا الخبر عن جماعة هذه صفتها، حتى يتصل النقل بالمخبر عنه، وهذا وجه، لأن العلم بحال الجماعة لها مثل (١) صفتها وأن تلك الجماعة في امتناع التواطؤ والاتفاق على الكذب فيها ضروري، يحصل لكل من خالطهم واختبر العادة في أمثالهم وإذا كان العلم بحالهم ضروريا وخبرت الجماعة التي تلينا عن تلك الحال وقد عرفنا ثبوت الشروط فيهم وجب أن تكون صادقة، وجرى خبرها عن حال الجماعة التي نقلت عنها في أنه لا يكون إلا صدقا مجرى نفس الخبر الذي تلقته عن الجماعة فكما لا يجوز أن تكون كاذبة في أنها تلقت ذلك عن غيرها، وسمعته منه فكذلك لا يجوز أن تكون كاذبة فيما خبرت به من صفته، لأن الأمرين جميعا يرجعان إلى الضرورة، وليس مما يصح أن تعترض فيه الشبهة.

وهذا يبطل قول من اعترض هذا الوجه، بأن قال: لعلهم غالطون

(١) في مثل، خ ل.
٧٦
فيما خبروا به من صفة الجماعة، ومتوهمون ما لا أصل له ويبطل أيضا قوله: " كيف السبيل إلى العلم بتساوي الجماعات في العدد وهو أمر غير منضبط ولا منحصر؟ ومن أي وجه يعلم الجماعة التي تلينا (١) مساواة من نقلت عنه لها في الكثرة والعدد؟ " لأنا لم نعتمد على ما ظنه من تساوي العدد والكثرة، وإنما اعتبرنا أن تخبر الجماعة بأن لمن نقلت عنه مثل صفتها في استحالة التواطؤ والاتفاق على الكذب، وهذا معلوم ضرورة على ما تقدم ولا اعتبار معه بزيادة العدد ولا بنقصانه.

فإن قالوا: دلوا على ثبوت الشروط التي ذكرتموها فيمن نقل النص من الشيعة كما وعدتم.

قيل لهم: لا شبهة بأن الشيعة في هذه الأزمان قد بلغوا من الكثرة والانتشار والتفرق في البلدان إلى حد معلوم ضرورة أنه لا يبلغه من يجوز عليه التواطؤ والاتفاق على الكذب عن المخبر الواحد، وانتفاء ذلك عن جماعات الشيعة في وقتنا بل عن بعض طوائفهم مما لا يصح أن يشك فيه عاقل خالطهم وكان عارفا بالعادات على أن التواطؤ لو وقع منهم بمراسلة أو بمكاتبة أو على وجه من الوجوه لم يكن بد من ظهوره، لأن العادة جارية بظهور ذلك إذا وقع من الجماعة التي لا تبلغ في الظهور والتفرق مبلغ الشيعة، لا سيما مع تتبع مخالفيهم الشديد مذاهبهم (٢) وتطلب عثراتهم، وكذلك ما يجمع على الفعل أو القول من إكراه السلطان وتخويفه، ولو كان اتفق لهم لوجب ظهوره عن آخره على مجرى العادة، وإن كان العلم بارتفاع إكراه السلطان وحمله على النص معلوما لجميع العقلاء، لأن

(١) خ " تليها ".

(٢) خ " لهم ".

٧٧
الظاهر من أحوال السلاطين الذين نفذ أمرهم ونهيهم، وتمكنوا من بلوغ مرادهم، وكانوا بحيث يحمل تخويفهم على الأخبار، ويلجئ إليها دفع النص وبلوغ الغاية في قصد معتقده وراويه، فأسباب الخوف والحمل قد حصلت على ما ذكرناه، في العدول عن نقل النص لا في نقله، وفي حصول العلم بتعدد الإشارة إلى زمن بعينه وقع التواطؤ فيه على النص، ووجوب ظهوره لو كان واقعا دلالة على بطلانه، وإذا كانت هذه صفة الشيعة ووجدناهم يذكرون أنهم وجدوا أسلافهم وهم فيما ذكرناه على مثل صفتهم ينقلون عن أسلافهم، وهذه صفتهم إلى أن يتصل النقل بالنبي صلى الله عليه وآله أنه نص على أمير المؤمنين بالإمامة بعده، واستخلفه على أمته بألفاظ مخصوصة نقلوها منها قوله عليه السلام: (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) (١) وقوله صلى الله عليه وآله مشيرا إليه وآخذا بيده: (هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا) (٢) وقوله صلى الله عليه وآله في يوم الدار وقد جمع بني عبد المطلب وتكلم بكلام مشهور قال في آخره:

(أيكم يبايعني، أو يؤازرني - على ما جاءت به الرواية - يكن (٣) أخي ووصيي وخليفتي من بعدي) (٤) فلم يقم إليه عليه السلام أحد من

(١) رواه ابن مردويه بسنده عن بريدة: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على علي بأمير المؤمنين، وعن سالم مولى حذيفة بن اليمان.

(٢) نقل ذلك ابن طاووس في كتاب اليقين ص ١٠ وقد مر رواية ابن عساكر لها في تاريخه.

(٣) في الأصل " أن يكن ".

(٤) حديث يوم الدار لما جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب عند نزول قوله تعالى (وأنذر عشيرتك الأقربين) وتكلم بكلام مشهور: (أيكم يبايعني إلى آخر ما في المتن رواه جماعة من المفسرين والمؤرخين كالطبري في تاريخه ٢ / ٣٢١ بلفظ (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا) وقد تقدم تخريجه والعجب منه أنه لما ذكر هذه الرواية في تفسيره كنى عن بعض ألفاظها ولم يصرح فذكر: (أيكم يوازرني على هذا الأمر فيكون أخي وكذا وكذا).

٧٨
الجماعة سوى أمير المؤمنين عليه السلام فليس يخلون فيما نقلوه من أحد أمرين أما أن يكونوا صادقين أو كاذبين، فإن كانوا كاذبين فيما نقلوه، وقد تقدم أن الكذب لا يفعل إلا لغرض زائد، وأنه لا يجري مجرى الصدق، وأنه لا يخرج عن الأقسام التي قدمناها، وهي التواطؤ وما جرى مجراه، أو الشبهة، أو الاتفاق، فيجب إذا علمنا انتفاء الأقسام الثلاثة عن خبرهم أن يقطع على صدقهم، لأنه لا منزلة في الخبر بين الصدق والكذب، وقد بينا استحالة التواطؤ وما قام مقامه فيهم، وبينا أيضا استحالة وقوع الخبر منهم اتفاقا، وهذا مما لا يكاد يشتبه على عاقل لأنه معلوم من حالهم ضرورة عند اختبارها، وإنما المشتبه غيره مما سنوضحه.

فأما الشبهة والالتباس فمعلوم أيضا ارتفاعهما لأنهم لم يخبروا عن أمر يرجع فيه إلى النظر والاستدلال فيصح دخول الشبهة عليهم، بل خبروا عن أمر مدرك يعلم ضرورة، وليس يصح أيضا التباسه بغيره، لأنهم عارفون بالنبي صلى الله عليه وآله وبأمير المؤمنين عليه السلام معرفة تزيل الشك، وتحيل أن يكون اعتقدوا في القائل أو المقول فيه خلاف الحق، ولم يكن القول المسموع من بعد فيجوز أن يتوهموا فيه خلاف ما هو عليه، فإذا كانت جميع أسباب الشبهة واللبس ومظانهما مرتفعة، لم يكن لتجويز الاشتباه وجه، ولم يبق إلا أن ندل على حصول ما شرطناه في أسلاف الشيعة كحصوله في أخلافهم، ويعلم ذلك بالوجهين اللذين قدمناهما.

أحدهما - إن خبر النص لو كان ينتهي في أصله إلى فرقة قليلة العدد، أو آحاد ولدوه وأحدثوا الاحتجاج به بعد أن لم يكن معروفا، ونشروه في الجماعات، لوجب بمقتضى العادة أن يظهر ظهورا لا يمكن دفعه، ويشترك كل من كانت له معرفة بالأخبار والاختلاط بأهلها في العلم به، ولكان الزمان الذي ظهر فيه النص بعد أن لم يكن ظاهرا

٧٩
معروفا، والرجال الذين أبدعوا (١) دعواه بعد أن لم يدعوها معلومين بأعيانهم مشارا إليهم بأسمائهم على الوجه الذي وجبت في الفرق الناشئة والمذاهب الحادثة التي قدمنا ذكرها، وفي ارتفاع العلم بشئ مما ذكرناه في نقل الشيعة للنص وتعذر إشارة من حمل نفسه من مخالفيها على ادعاء ذلك عليهم إلى زمان بعينه، ورجال بأسمائهم، واقتصارهم على التظني (٢) والتوهم دلالة على سلامة نقلهم من الاختلال.

وهذا الذي قضينا به في نقل الشيعة أوجب منه في نقل ساير الفرق لأنه لم تمن (٣) فرقة، ولا بلي أهل مذهب بما بليت به الشيعة من التتبع والقصد، وظهور كلمة أهل الخلاف، حتى أنا لا نكاد نعرف زمانا تقدم سلمت فيه الشيعة من الخمول، ولزوم التقية، ولا حالا عريت فيها من قصد السلطان، وعصبيته وميله وانحرافه، هذا إلى كثرة ما جرى بينها وبين خصومها من الخوض في النص على مر الدهر واجتهاد (٤) جماعة مخالفيها في الطعن عليه، والثلم له، وتطلب ما يدحضه (٥)، وبعض هذه الأمور يكشف السرائر ويظهر الضمائر، ولا يثبت معها ضعف الخبر أن يظهر، وزمان حدوثه أن يعرف، حتى لا يشك فيه اثنان، ولا يمتري (٦) لسانان، وليس ما وقع من ذوي العز والتمكن، وقوة السلطان وكثرة

(١) خ " ادعوا ".

(٢) التظني أصله التظنن قلبت النون الثانية ياء وهو من الظن مثل تقضى من تقضض.

(٣) لم تمن: أي لم تبل.

(٤) خ: " اجتماع ".

(٥) يدحضه: يبطله، والضمائر للنص.

(٦) الامتراء في الشئ: الشك فيه.

٨٠