×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٢٢١ - ٢٤٠

لأنا نعلم أن سعد بن عبادة وحده لا يكون محقا ولا بد أن يكون الحق في أحد ما قالته الأمة (١) فيجب أن يكون فيما عليه سائر الصحابة ".

قال: " وقد بينا في كتاب " الإجماع " من هذا الكتاب (٢) أن المذهب إذا لم يكن من باب الاجتهاد، وقد كان الحق في واحد منهم، فما تذهب إليه الجماعة هو الحق دون ما يتفرد به الواحد والاثنان، لأن ذلك يصح أن يكون سبيلا للمؤمنين، وما صح ذلك فيه فهو سبيل الحق دون ما عداه، وإنما يعد قول (٣) الواحد خلافا فيما طريقه الاجتهاد، وهذا يبطل التعلق بخلاف سعد وحده، على أنه لا خلاف يمكن أن يذكر بعد بيعة أبي بكر إلا أنه الإمام أو أمير المؤمنين، وسعد خارج عن هذين القولين، فجيب أن يكون قوله مطرحا لأنه امتنع من مبايعة غير أبي بكر على حد امتناعه عن مبايعة أبي بكر، وهذا إن صح أنه بقي على الخلاف، لأنه لا يمتنع أن لا يبايع وهو راض لأنه لا معتبر بالبيعة ولا بالحضور لأنه قد يجوز أن يكون نافرا عن الحضور لما جرى من صده عما كاد يثبت له من الإمارة (٤) وإن صح وتيقن خلافه، فالأمر على ما قدمناه من أنه إما أن لا يعتد بخلافه أو يعول على صحة الإجماع بعد موته،... " (٥).

يقال له: أما الطريقة الأولى فإنك عولت فيها على ما تقدم من كلامك الذي ظننت أنك أفسدت به مذهبنا في النص فلم تحل في ذلك إلا

(١) وهو محصور يومئذ في قولين النص أو الاختيار.

(٢) أي من " المغني " وهو في الجزء السابع عشر منه.

(٣) غ " كون ".

(٤) غ " عما كان له من الإمارة ".

(٥) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٨٢.

٢٢١
على ما قد أبطلناه، وبينا فساده وكل جملة أشرت إليها في كلامك هذا قد تقدم كلامنا عليه على سبيل التفصيل، ولا طائل في إعادة ما مضى فقد بطلت هذه الطريقة لبطلان أصلها الذي أسندتها إليه، وصار ما تقدم من أدلتنا على صحة النص وثبوته وإبطال المطاعن فيه من أوضح الدلالة على فساد إمامة الأول حتى لو اقتصر مقتصر في إبطاها على الجملة المتقدمة في صحة النص وثبوته لأغناه من تكلف كلام مستأنف يخصها لأن النص إذا كان صحيحا فقد بطل الاختيار، ووجب أن يتأول ما التبس من الإجماع فيه على وجه يطابق الأدلة التي لا احتمال فيها.

فأما الطريقة الثانية فهي أخص بهذا الموضع ولنا في الكلام عليها وجهان:

أحدهما، أن تبين أن ترك المنازعة والامساك عن النكير اللذين توصلت بهما إلى الرضا والإجماع لم يكونا في وقت من الأوقات.

والوجه الثاني أن نسلم إن الخلاف في إمامته بعد ظهوره انقطع غير أنه لم ينقطع على وجه يوجب الرضا وأن السخط ممن كان مظهر للنكير ثم كف عنه بأن في المستقبل وإن كف عن النكير لمعاذير نذكرها.

فأما الكلام في الوجه الأول فبين لأن الخلاف ظهر في أول الأمر ظهورا لا يمكن دفعه من أمير المؤمنين عليه السلام والعباس رضي الله عنه وجماعة بني هاشم ثم من الزبير حتى روي أنه خرج شاهرا سيفه واستلب من يده فضرب به الصفا (١) ثم من سلمان وخالد بن سعيد بن العاص وأبي سفيان فكل هؤلاء قد ظهر من خلافهم وكلامهم ما شهرته تغني عن ذكره وخلاف سعد وولده وأهله أيضا معروف وكل هذا كان ظاهرا في

(١) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ٦ ص ١١.

٢٢٢
ابتداء الأمر، ثم إن الخلاف من بعض ما ذكرناه بقي واستمر وإن لم يكن ظاهرا منه في المستقبل على حد ظهوره في الماضي، إلا أنه منقول معروف، فمن أين لصاحب الكتاب أن الخلاف انقطع؟ وأن الإجماع وقع في حال من الأحوال؟ فما نراه عول في ذلك إلا على الدعوى.

فإن قال: أما الخلاف في الابتداء فقد عرفته، وأقررت به، وما تدعونه من استمراره باطل لأنه غير منقول ولا معروف، فعلى من يدعي استمرار الخلاف أن يبين ذلك، فأنى أنكره.

قيل له: لا معتبر بإنكارك ما تذكره في هذا الباب لأنك بين أمرين إما أن تكون منكرا لكونه مرويا في الجملة وتدعي أن أحدا لم يرو استمرار الخلاف على وجه من الوجوه، أو تعترف بأن قوما رووه غير ثقات عندك، وأنه لم يظهر ظهور الخلاف الأول، ولم ينقله كل من نقل ذلك، فإن أردت ما ذكرناه ثانيا فقد سبقناك إلى الاعتراف به، لأنا لم ندع في الاستمرار ما حصل في الابتداء من الظهور، ولا ندفع أنك لا توثق أيضا كل من روى ذلك إلا أن أقل ما في هذا الباب أن يمنعك هذا من القطع على أن النكير زال وارتفع، والرضا حصل وثبت، وإن أردت ما ذكرناه أولا فهو يجري مجرى دفع المشاهدة لأن وجود هذا في الرواية أظهر من أن يدفع، ولم يزل أمير المؤمنين عليه السلام متظلما متألما منذ قبض الرسول صلى الله عليه وآله إلى أن توفاه الله إلى جنته، ولم يزل أهله وشيعته يتظلمون من دفعه عن حقه، وكان ذلك منه عليه السلام ومنهم يخفى ويظهر ويترتب في الخفاء والظهور ترتب الأوقات في شدتها وسهولتها، فكان عليه السلام يظهر من كلامه في هذا الباب في أيام أبي بكر ما لم يكن ظاهرا في أيام عمر، ثم قوي كلامه عليه السلام وصرح بكثير مما في نفسه في أيام عثمان، ثم ازداد قوة في أيام تسليم الأمر إليه، ومن عني بقراءة الآثار علم أن الأمر جرى على ما ذكرناه.

٢٢٣
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٢٢٤ - ص ٢٤٠)
٢٢٤
جلوسا عند جعفر بن عمرو بن حريث فقال حدثني والدي أن عليا عليه السلام لم يقم مرة على المنبر إلا وقال في آخر كلامه قبل أن ينزل (ما زلت مظلوما منذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله ".

وروى إبراهيم قال أخبرنا عباد (١) قال حدثنا علي بن هاشم قال حدثنا أبو الجحاف عن معاوية بن ثعلبة قال جاء رجل إلى أبي ذر رحمة الله عليه وهو جالس في المسجد الأعظم وعلي عليه السلام يصلي أمامه فقال: يا أبا ذر ألا تحدثني بأحب الناس إليك فوالله لقد علمت أن أحبهم إليك أحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أجل والذي نفسي بيده إن أحبهم إلي لأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه.

وقد روي من طرق كثيرة أنه عليه السلام كان يقول: (أنا أول من يجثو للخصومة بين يدي الله يوم القيامة) وقوله عليه السلام (يا عجبا بينما هو يستقبلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته) مشهور.

وروى إبراهيم قال حدثني عثمان بن سعيد قال حدثنا علي بن عابس عن أبي الجحاف عن معاوية بن ثعلبة أنه قال ألا أحدثك حديثا لو يختلط؟ قلت: بلى، قال: مرض أبو ذر مرضا شديدا فأوصى إلى علي عليه السلام فقال له بعض من يدخل عليه لو أوصيت إلى أمير المؤمنين كان أحمل من وصيتك إلى علي عليه السلام فقال: قد والله أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا، أمير المؤمنين.

وروى عبد الله بن جبلة الكناني عن ذريح المحاربي عن أبي حمزة الثمالي عن جعفر بن محمد عن آبائه عليهم السلام أن بريدة كان غائبا بالشام فقدم وقد بايع الناس أبا بكر فأتاه في مجلسه فقال يا أبا بكر هل

(١) أي عباد بن يعقوب الأسدي أحد من يروي عنهم الثقفي، وفي الأصلين " العباد ".

٢٢٥
نسيت تسليمنا على علي عليه السلام بإمرة المؤمنين واجبة من الله ورسوله قال: يا بريدة إنك غبت وشهدنا، وإن الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن الله ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والخلافة والملك، وقد روى خطاب بريدة لأبي بكر بهذا المعنى في ألفاظ مختلفة من طرق كثيرة.

وقد روي أيضا من طرق مختلفة وبألفاظ متقاربة المعاني خطاب سلمان الفارسي رضي الله عنه للقوم وإنكاره ما فعلوه، وقوله: " أصبتم وأخطأتم أصبتم سنة الأولين وأخطأتم أهل بيت نبيكم " وقوله: " ما أدري أنسيتم أم تناسيتم أم جهلتم أم تجاهلتم " وقوله: " والله لو أعلم أني أعز لله دينا وأمنع لله ضيما، لضربت بسيفي قدما قدما " (١) ولم نذكر أسانيد هذه الأخبار وطرقها وألفاظها لطول ذلك ومن أراده أخذه من مظانه وهذا الخلاف من سلمان وبريدة لا ينفع فيه أن يقال رضي سلمان بعده، وتولى الولايات وأمسك بريدة وسلم وبايع لأن تصريحهما بسبب الخلاف يقتضي أن الرضا لا يقع منهما أبدا وأنهما وإن كانا كافين في المستقبل عن الانكار لفقد النصار والخوف على النفس فإن قلوبهم منكرة ولكن ليس لمضطر اختيار.

وروى إبراهيم الثقفي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عمرو ابن حريث عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني عن علي عليه السلام قال سمعته يقول: (كان فيما عهد إلي النبي صلى الله عليه وآله الأمي أن الأمة ستغدر بك من بعدي).

وروى إبراهيم عن إسماعيل بن عمرو البجلي قال حدثنا هشام بن بشير الواسطي عن إسماعيل بن سالم الأسدي عن أبي إدريس الأزدي عن

(١) انظر رجال البرقي ص ٦٣ واحتجاج الطبرسي ١ / ١١٠.

٢٢٦
علي عليه السلام قال (لئن أخر من السماء إلى الأرض فتخطفني الطير أحب إلي من أن أقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم أسمعه قال لي يا علي ستغدر بك الأمة بعدي) (١) وروى زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام قال كان علي عليه السلام يقول: (بايع الناس والله أبا بكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا فكظمت غيظي (٢) وانتظرت أمري وألزقت كلكلي بالأرض (٣) ثم إن أبا بكر هلك واستخلف عمر وقد والله علم أني أولى بالناس مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري ثم إن عمر هلك وجعلها شورى وجعلني فيها سادس ستة كسهم الجدة (٤) فقال اقتلوا الأقل فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي بالأرض حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله) وقوله عليه السلام: (حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله) (٥) منبها بذلك على سبب قتاله لطلحة والزبير ومعاوية وكفه عن من تقدم لأنه لما وجد الأعوان والأنصار لزمه الأمر وتعين عليه فرض القتال، والدفاع حتى لا يجد إلا القتال والخلاف لله وفي الحال الأولى كان معذورا لفقد الأعوان والنصارى.

(١) إخبار النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام (أن الأمة تغدر به) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ١١ / ٢١٦ والحاكم في المستدرك ٣ / ١٤٠ و ١٤٢ وابن عساكر في تاريخ دمشق ٣ / ١١٥ ط المحمودي بترجمة علي عليه السلام من عدة طرق.

(٢) كظم غيظه: اجترعه، والغيظ: الغضب الكامن.

(٣) الكلكل: الصدر.

(٤) يعني سهمها في الميراث، ويرى بعضهم أنه تعريض بأبي بكر (رض) لتوقفه في معرفة ميراث الجدة حتى روي له: أن لها السدس، قال: ولماذا خص الجدة مع السدس يكون لكل واحد من الأبوين مع الولد، وللأم مع الإخوة، وللأب مع الأبناء وللأخ من الأم والأخت الواحدة منها الخ...

(٥) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣ / ١٠١ و ١٧٤ بترجمة أمير المؤمنين عليه السلام وانظر المجلد الثامن من البحار ص ٧٣.

٢٢٧
وقد روى جميع أهل السير أن أمير المؤمنين والعباس لما تنازعا في الميراث، وتخاصما إلى عمر قال عمر من يعذرني من هذين ولي أبو بكر فقالا: عق وظلم، والله يعلم إنه كان برا تقيا ثم وليت فقالا: عق وظلم (١) وهذا الكلام من أوضح دليل على أن تظلمه عليه السلام من القوم كان ظاهرا لهم، وغير خاف عليهم، وإنما كانوا يجاملونه ويجاملهم.

وروى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده أن أمير المؤمنين عليه السلام حين بويع خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (حق وباطل ولكل أهل لئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل، ولقل ما أدبر شئ فأقبل وإني لأخشى أن تكونوا في فترة وما علينا إلا الاجتهاد وقد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كانت عليكم، ما كنتم عندي فيها بمحمودين، أما والله إني لو أشاء لقلت، عفا الله عما سلف، سبق الرجلان، وقام الثالث كالغراب همته بطنه، يا ويله لو قص جناحه، وقطع رأسه لكان خيرا له) في كلام طويل بعد هذا وقد روى هذه الخطبة غير الواقدي من طرق مختلفة (٢).

(١) في تلخيص الشافي ٣ / ٥٢ " فقال: لا عق وظلم " ولا ريب أنه تحريف وما في المتن أوجه.

(٢) هذه الخطبة نقل مختارها الشريف الرضي في نهج البلاغة ١ / ٤٦ وقال ابن أبي الحديد في ج ١ / ٢٥٧ معلقا عليها: " هذه الخطبة من جلائل خطبه عليه السلم ومن مشهوراتها رواها الناس كلهم وفيها زيادات حذفها الرضي إما اختصارا وإما خوفا من إيحاش السامعين " قال: " وقد ذكرها شيخنا أبو عثمان على وجهها " وقال إنها: أول خطبة خطبها في خلافته " أما كتاب الجمل فلم يعلم مستقره الآن، ولكن ابن أبي الحديد ينقل عنه كثيرا في ثنايا شرحه على النهج وكذلك الشيخ المفيد في كتاب " الجمل " المسمى ب " النصرة لحرب البصرة ".

٢٢٨
وقوله عليه السلام: (لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى) معروف والذي ذكرناه قليل من كثير ولو تقصينا جميع ما روي في هذا الباب عنه عليه السلام وعن أهله وولده وشيعته لم يتسع له حجم جميع كتابنا، وفي بعض ما ذكرناه أوضح دلالة على أن الخلاف لم يزل وأنه كان مستمرا، وأن الرضا لم يقع (١) في حال من الأحوال.

فإن قيل: هذه أخبار آحاد لا توجب علما ولا يرجع بمثلها عن المعلوم، والمعلوم أن الخلاف لم يظهر على حد ظهوره في الأول، ولم يروها أيضا إلا متعصب غير موثوق بأمانته.

قلنا: أما هذه الأخبار وإن كانت على التفصيل أخبار آحاد فمعناها قد رواه عدد كثير، وجم غفير فصار المعنى متواترا به، وإن كان اللفظ والتفصيل يرجع إلى الآحاد ولا نعمل إلا على اقتراحكم في أنها آحاد أليس يجب أن تكون مانعة من القطع على ارتفاع النكير، وادعاء العلم بأن الخلاف قد زال وارتفع، لأنه لا يمكن مع هذه الأخبار وهي توجب الظن إن لم توجب العلم أن يدعى العلم بزوال الخلاف.

فأما قول السائل: إنا لا نرجع بها عن المعلوم فأي معلوم هاهنا رجعنا بهذه الأخبار عنه؟ فإن ذكر الإجماع أو زوال الخلاف فكل ذلك لا يثبت إلا مع فقد ما هو أضعف من هذه الأخبار، وزوال الخلاف لا يكون معلوما مع وجودنا رواية واردة، وإنما يتوصل إلى الرضا والاجماع بالكف عن النكير وزوال الخلاف، وإذا كان الخلاف والنكير مرويين من جهة ضعيفة أو قوية كيف يقطع على ارتفاعها وزوالهما.

(١) لم يحصل، خ ل.

٢٢٩
فأما القدح في رواية ما ذكرناه من الأخبار، فأول ما فيه إن أكثر ما رويناه هاهنا وارد من طرق العامة ومسند إلى من لا يتهمونه ولا يجرحونه، ومن تأمل ذلك علمه، ثم ليس يقنع في جرح الرواة بمحض الدعوى دون أن يشار إلى أمور معروفة، وأسباب ظاهرة، وإذا روى الخبر من ظاهره العدالة والتدين لم يقدح فيه ما جرى هذا المجرى من القدح.

فإن قيل: هذا يؤدي إلى الشك في ارتفاع كل خلاف.

قلنا: إن كان الطريق فيما تشيرون إليه يجري مجرى ما يتكلم عليه في هذا الباب فلا سبيل إلى القطع على انتفائه وكيف يقطع على انتفاء أمر وهو مروي منقول، وإنما يقطع على ذلك في الموضع الذي لا يوجد فيه نقل الخلاف ولا رواية النكير.

فإن قيل: الشئ إذا كان مما يجب ظهوره إذا كان فإنا نستدل بانتفاء ظهوره على انتفائه ولا نحتاج إلى أكثر من ذلك، ولهذا نقول: لو كان القرآن عورض لوجب أن تظهر معارضته على حد ظهور القرآن، فإذا لم نجدها ظاهرة قطعنا على انتفائها، ولو روى لنا راو من طرق الآحاد أن معارضته وقعت لم يلتفت إلى روايته، وهذه سبيل ما يدعونه من النكير الذي لم يثبت، ولم يظهر.

قلنا: قد شرطت شرطا كان ينبغي أن تراعيه، وتوجدناه فيما اختلفنا فيه، لأنك قلت: إن كل أمر لو كان لوجب ظهوره متى لم يظهر يجب القطع على انتفائه، وهذا صحيح وبه تبطل معارضة القرآن على ما ذكرت، لأن الأمر في أنها لو كانت لوجب ظهورها واضح، وعليه يبتني الكلام، وليس هذا موجودا في النكير على أصحاب الاختيار لأنك لا تقدر على أن تدل أن نكيرهم يجب ظهوره لو كان، وأن الداعي إليه داع إلى إظهاره، بل الأمر بخلاف ذلك، لأن الانكار على مالك الحل والعقد،

٢٣٠
والأمر والنهي والنفع والضرر الذي قد مال إليه أكثر المسلمين ورضي بإمامته أكثر الأنصار والمهاجرين يجب طيه وستره ولا يجب إذاعته ونشره، والدواعي كلها متوفرة إلى إخفائه وترك إعلانه فأين هذا من المعارضة؟ ولو جوزنا في المعارضة أو غيرها من الأمور أن يكون ولا تدعو الدواعي إلى إظهاره، بل إلى طيه وستره لم نقطع على انتفائه من حيث لم يظهر للكل، وينقله الجميع، ولكنا متى وجدنا أيسر رواية في ذلك نمنع لأجلها من القطع على انتفاء ذلك الأمر وعلى أنه لم يكن، وسنشبع الكلام في السبب المانع من إظهار الخلاف، وإعلان النكير ونتقصاه فيما يأتي من هذا الباب بمشيئة الله تعالى.

فأما الوجه الثاني الذي وعدنا بذكره وشرحه، وهو المتضمن لتسليم ما يدعونه من أن الخلاف ارتفع وانقطع، غير أنه لم يكن ارتفاعه عن رضا وإجماع فنحن نذكره في الفصل الذي يلي هذا الكلام، لأن الذي نحكيه من كلام صاحب الكتاب يقتضي ذلك ومن تأمل جملة ما أوردناه علم دخول الكلام على ما أورده صاحب الكتاب في الفصل الذي حكيناه فيها، فإنها مزيلة لما تضمنه من شبهة.

فأما دعواه أن الأمر انتهى إلى أنه لم يكن في الزمان إلا راض بإمامته أو كاف عن النكير، فقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك، وأن الخلاف وقع في الأصل ظاهرا ثم استمر ولم ينقطع، وإن لم يكن استمراره في الظهور بحسب ابتدائه.

فأما قوله: (إن كل من يدعى عليه الخلاف فإنه ثبت عنه قولا وفعلا الرضا والبيعة) فقد بينا وسنبين أن الأمر بخلافه، وأن الذي عمدته عليه من الكف عن النزاع والامساك عن النكير ليس بدلالة على الرضا لأنه وقع عن أسباب ملجئة وكذلك سائر ما يدعي من ولاية من تولى من

٢٣١
قبل القوم ممن يدعي أنه كان مقيما على خلافهم ومنكرا لأمرهم.

فأما بناؤه العقد الأول على الثاني، وأنه لما ظهر في الثاني من الرضى والانقياد لطول الأيام وتماديها ما لم يظهر في الأول جاز أن يجعل أصلا له فالكلام على العقد الأول الذي ذكرناه مستمر في الثاني بعينه، لأن خلاف من حكينا خلافه وروينا عنه ما روينا هو خلاف في العقدين جميعا، ثم لو سلمنا ارتفاع الخلاف على ما اقترح لكان ذلك لا يدل على الرضا إذا بينا ما أحوج إليه وألجأ إلى استعماله.

فأما كلامه في سعد بن عبادة وتشككه في موته، وهل كان متقدما أو متأخرا فمما لا يحتاج إليه، لأن الخلاف لم يكن من سعد وحده فينعقد الإجماع بعد موته، وخلاف غير سعد في هذا الباب هو المعول عليه ممن بقي واستمر خلافه، على أن سعدا لما مات لم يمت ولده ولا أقاربه، ومعلوم أن هؤلاء امتنعوا من البيعة كامتناع سعد.

وأما قوله: (إن سعدا لا يعتد به من حيث طلب الإمامة لنفسه، وكان مبطلا في ذلك واستمر على هذه الطريقة فلا اعتبار بخلافه) فليس بشئ يعول على مثله، لأنا قد بينا فيما تقدم، أن الذي عول عليه صاحب الكتاب وأصحابه في دفع الأنصار عن الأمر لم يثبت ثبوتا يقتضي أن يقطعوا معه على أن مذهب سعد في طلب الإمامة لنفسه باطل، وأنهم إنما عولوا في صحة الخبر المروي في هذا الباب على الإجماع، وتسليم الأمة، ولا إجماع مع خلاف سعد وذويه (١) ولا نعمل إلا على أن سعدا كان مبطلا في طلب الإمامة لنفسه على غاية ما يقترح، فلم لا يعتد بخلافه وهو خالف في أمرين أحدهما أنه اعتقد أن الإمامة تجوز للأنصار،

(١) في المخطوطة " ودونه " ولعله " وما دونه " أو تصحيف " ذويه ".

٢٣٢
والأمر الآخر أنه لم يرض بإمامة أبي بكر ولا بايعه، وهذان خلافان ليس كونه مبطلا في أحدهما يقتضي أن يكون مبطلا في الآخر، وليس أحدهما مبنيا على صاحبه فيكون في إبطال الأصل إبطال الفرع، لأن من ذهب إلى أن الإمامة تجوز في غير قريش، لا يمنع من جوازها لقريش فكيف تجعل امتناعه من بيعة قريش مبنيا على أصله في أن الإمامة تجوز في غير قريش.

فأما قوله: (إن سعدا وحده لا يكون محقا ولا يمكن أن يقال: إن خروجه مما عليه الأمة يؤثر في الإجماع) فعجيب لأنا لا نعلم من أي وجه استبعد أن يكون سعد وحده محقا من بين سائر الأمة، وهل سعد في ذلك إلا كغيره ممن يجوز أن يخالف جمهور الأمة فلا يعد القول إجماعا لموضع خلافه.

فأما قوله: (إن الخلاف الواحد والاثنين لا يعتبر به من حيث لا يجوز أن يكون سبيلا للمؤمنين، وقول الجماعة يصح ذلك فيه) فأول ما فيه أنه قد كان لسعد من ولده من يجوز أن يتناوله الكنايات عن الجماعات، لأن أقل من يتناوله الكناية ثلاثة فصاعدا.

وبعد، فإن أمير المؤمنين (١) إذا كان اسما مستغرقا لجميع من يستحق هذا الاسم فمعلوم أنه يكون مجازا متى عبر به عن بعضهم، والواحد والاثنان إذا خرجا من جملة المؤمنين لم يكن هذا الاسم متناولا للباقين على الحقيقة، وكان مجازا فيهم وإذا جاز لصاحب الكتاب أن يجريه مجازا على بعض المؤمنين جاز لغيره أن يجريه مجازا على الواحد والاثنين.

فأما قوله في سعد: (هذا إن صح أنه بقي على الخلاف لأنه لا يمتنع

(١) يعني المأمور باتباع سبيلهم.

٢٣٣
أن لا يبايع وهو راض) فشك منه في الضرورات لأن خلاف سعد وسخطه ومقامه على ذلك معلنا له مظهرا معلوم ضرورة فأي وجه للتشكك والتلوم فيه حتى يقال: إن صح فكذا وكذا؟ وهذه جملة كافية تأتي على ما حكيناه من كلامه.

قال صاحب الكتاب: (فإن قيل كيف ادعيتم الإجماع [ على بيعة أبي بكر ] (١) وقد تأخر عن ذلك أمير المؤمنين (ع) وخالد بن سعيد بن العاص وظهر الخلاف عن سلمان [ وعن الزبير وظهر عن أبي ذر وحذيفة والمقداد وعمار الانحراف عن ذلك ] (١).

ثم قال: (قيل له: لا أحد ممن ذكرته إلا وقد بايع ورضي وظهر ذلك عنه فقد حصل الإجماع مستقرا لأنا لا ننكر في الابتداء وقع التأخر، والتباطؤ من بعضهم عن بيعته، وقال شيخنا أبو هاشم: روي أنه عليه السلام تأخر عن بيعة أبي بكر أربعين صباحا، وقال قوم ستة أشهر والأقرب أنه تأخر لاستيحاشه منهم من حيث استبدؤا بالأمر ولم يتربصوا بإبرام العقد حضوره، وإنما تأخر أياما يسيرة ولعله كان أربعين يوما ولم يكن أبو بكر يلتمس منه المبادرة فيكون مخالفا عليه، وكيف يكون مخالفا وهو الذي أشار عليه بقتال أهل الردة وكان ذلك في أول أيامه وأنكر على أبي سفيان قوله: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي عليكم تيم امدد يدك أبايعك فلأملأنها على فلان خيلا ورجلا، بأن قال: (أمسك عليك فطالما غششت الاسلام) ولو كان ينكر إمامة أبي بكر لم يخف أن يظهر ذلك كما أظهره أبو سفيان، وكان ذلك من أبي سفيان حدثان وقوع البيعة وقال له العباس لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله: امدد يدك أبايعك وآتيك

(١) الزيادة في الموضعين من المغني.

٢٣٤
بهذا الشيخ من قريش يعني أبا سفيان - فيقال: إن عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك من قريش أحد (١) والناس تبع لقريش فامتناعه مع تصلبه (٢) في دينه يدل على أنه لم يدع الحق لنفسه وإلا فقد كان يجد أنصارا كالعباس، والزبير، وأبي سفيان، وخالد بن سعيد، وسائر من ذكرهم الإمامية، ولا يجب أن يكون تأخره دلالة على فقد الرضا بل كان راضيا ببيعته من حيث كان منفذا للأمور فلا ينكر ولا يجب بعد وقوع العقد الصحيح إلا الرضا بإمامته والمعاضدة له عند الحاجة، وقد كان ذلك حاصلا من أمير المؤمنين عليه السلام وإن كان تأخرا لاشتغاله برسول الله صلى الله عليه وآله وقد كان بينه وبين العباس شبيه بالوحشة، وإن لم يكن كل واحد منهما إلا مواليا لصاحبه فكذلك القول في تأخره واستيحاشه من حيث استبدوا بالأمر دونه، ولا يدل على أنه لم يكن راضيا، ولذلك لما طلب منه الحضور والمعاضدة حضر لا محالة، وعلى هذا الوجه يحمل تأخر غيره عن بيعة أبي بكر، وإنما يطعن ذلك في إمامته لو ظهر منهم النكير، وخلاف الرضا والتشدد (٣) عليهم في الحضور للبيعة فامتنعوا من غير عذر) ثم حكى عن أبي علي أن مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام بعد ذلك ظهرت وانتشرت وأجمع أهل النقل عليها وإنما اختلفوا في مدة تأخره عن البيعة.

ثم قال: (فإن قيل: إنه قد روي أنه بايع مكرها أو كارها أو خوف أو هدد حتى بايع فلا يصح (٤) ما ذكرتموه.

(١) غ " اثنان ".

(٢) غ " مع فضله " وكذلك في المخطوطة.

(٣) غ " واشتد ".

(٤) غ " فلا يتم ".

٢٣٥
قيل له: كما ثبت أنه حضر وبايع فقد صح أنه لم يجر هناك (١) إكراه، والأحوال التي كان عليها مع أبي بكر من المعاونة والمعاضدة وما ثبت عنه من الأخبار في مدحه وتقديمه يمنع من ذلك، وإنما يتعلق بهذه الرواية بعض الإمامية من غير أن يمكنه إسنادها إلى حجة صحيحة، أو طريق معروف، ومثل ذلك أن قبل أدى إلى فساد الكلام في الأخبار، وبين صحة ما ذكرناه أن الخلاف في إمامة أبي بكر وعمر لو كان ثابتا لظهر كما ظهر الخلاف في آخر أيام عثمان، وفي أيام أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا يبين أن تصويب إمامة أبي بكر وعمر لا خلاف فيها على الحد الذي ذكرناه، على أنا قد بينا إنا لا نجعل ذلك إجماعا من حيث البيعة، لأن أمير المؤمنين عليه السلام لو لم يبايع لكان تركه للنكير يدل على صحة الإجماع، لأنه لو كان مبطلا في الإمامة لكان غاصبا لذلك الموضع ومقدما على الباطل في كل ما يحكم به، فإن كان الحق في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام صار الذي يلزمه في إنكار ذلك قولا وفعلا أكد مما يلزم غيره، من حيث أزيل عن حقه وعن المقام (٢) الذي جعل له، فكان يجب أن يكون نكيره فعلا وقولا بحيث تزول فيه الشبهة، ويظهر كظهور البيعة لأبي بكر، وقد عرفنا خلاف ذلك، بل كان يجب أن يتكرر منه النكير حالا بعد حال، وأن لا يقتصر على نكير مقدم، وكان يجب أن لا يظهر له معاضدة ولا معاونة لما فيه من إيهام كونه محقا، وذلك لا يحل في الدين وكان يجب إن لم يزد نكيره وإظهاره الخلاف على ما ظهر من الحسين عليه السلام (٣) وغيره في أيام بني أمية لا ينقص من ذلك، فقد علم أنهم لما

(١) غ " لم يكن ".

(٢) غ " المقام العظيم ".

(٣) غ " من الحسن عليه السلام ".

٢٣٦
طلبوا بالبيعة له كيف امتنعوا منها، وتهاربوا وأظهروا الخلاف والنكير ولم يكن فزعه من أبي بكر إلا دون فزعهم من يزيد اللعين) (١) وكرر بعد ذلك إن سبب استيحاشه الاستبداد بالرأي عليه وضرب لذلك مثلا بالمرأة التي لها إخوة وفيهم كبير مقدم في الرأي فإن الصغير متى زوجها لا بد من أن يستوحش الكبير، وإن كان العقد صحيحا، وذكر في تأخره اشتغاله بالرسول صلى الله عليه وآله وتجهيزه ثم بأمر فاطمة عليها السلام ثم ذكر أن من حضر السقيفة لعقد الإمامة وترك الرسول صلى الله عليه وآله قبل أن يفرغ من أمره إنما ساغ له ذلك خوفا من الفتنة فبادر إلى ما يخاف فوته وعول في أمر الرسول صلى الله عليه وآله على من اشتغل به، ثم ذكر عرض العباس وأبي سفيان على أمير المؤمنين عليه السلام البيعة، وأن ذلك دليل على أن النص لا أصل له، وأن المطلوب في تلك الحال هو عقد الإمامة بالاختيار، ثم حكي عن أبي علي أنه قال: (إن جاز للمخالف أن يعول على أخبار الآحاد في أنه عليه السلام بايع كارها تحت السيف [ والخوف إلى سائر ما يروى في هذا الباب ] (٢) ليجوزن لنا أن نحتج بأخبار ظاهرة تدل على أنه عليه السلام كان يقول بإمامة أبي بكر وتقديمه ومدحه) ثم ذكر أخبارا كثيرة قد تقدم ذكر لها في هذا الكتاب، وكلامنا عليها مشروحا نحو ما روي من قوله عليه السلام (ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها فلان وفلان) و (وددت أن ألقى الله عز وجل بصحيفة هذا المسجى) وما جرى مجرى ذلك من أخبار قد تقدم ذكرها والكلام عليها.

ثم ذكر بعد ذلك من شجاعة أمير المؤمنين عليه السلام وقوته ما

(١) في المغني " يزيد الملعون " وكل ما مر من نقل المرتضى عن " المغني " هو في ص ٢٨٤ و ٢٨٥ من الجزء المذكور.

(٢) الزيادة من " المغني ".

٢٣٧
ادعى أنه لا يجوز من مثله التقية، وأنه عليه السلام كان بعيدا عن التقية لما انتهت الإمامة إليه.

ثم قال: (واعلم أن التقية متى لم يكن لها سبب لم يصح ادعاؤها وسببها معلوم وهو الخوف الشديد، وظهور إمارات ذلك وقد بينا من قبل في باب الاكراه الحال في ذلك وبينا أن في كثير من الأوقات إظهار الحق هو أولى يبين ما ذكرناه (١) أنه مع فقد السبب لو جاز ادعاء التقية لم يأمن في أكثر ما ظهر من الرسول صلى الله عليه وآله قولا وفعلا أنه كان على طريق التقية، وفي ذلك إبطال معرفة كثير من الشرائع، ولم صار بأن يقال: إنه كان يتقي فيعظم أبا بكر وعمر بأولى من أن يحمل تقديمه لأمير المؤمنين عليه السلام على مثل ذلك، وهذا يخرج كون مدحه وذمه من أن يكون دلالة وما أوجب ذلك يوجب خروج أفعاله وأقواله من أن تكون دلالة فكيف يصح أن يقال: إن أمير المؤمنين إنما ظهر منه مدح أبي بكر وعمر ومعاضدتهما على طريق التقية ولا سبب هنا يوجب ذلك ولو أمكن أن يدعي في ابتداء البيعة التقية ما كان يمكن في سائر الأحوال وهلا ظهرت التقية منه يوم الجمل وصفين مع عظيم ما رفع إليه؟ والمتعالم من حاله عليه السلام أنه كان يتشدد في مواضع رخص على أن المتعالم من حال أبي بكر أنه لم يكن من القوة في نفسه وأعوانه بحيث يخاف منه فقد كان يجب أن يظهر منه عليه السلام الانكار فعلا وقولا بحيث يشتهر لا سيما على قولهم إنه حجة [ فيما يأتي ويذر (٢)...) (٣).

يقال له: من أين قلت: إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يبايع

(١) غ " على ما قلناه ".

(٢) ما بين الحاصرتين من " المغني ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٩٠.

٢٣٨
ويكف عن النكير إلا عن رضا فما نراك عولت إلا على دعوى وتشبثت بأشياء لا شبهة في مثلها؟ ونحن نبين ما فيها على التفصيل.

فإن قال: لو لم يرض لم يكف عن النكير ولا قام على الخلاف.

قيل له: ولم زعمت ذلك؟ وهل هذا إلا مجرد الدعوى، وإنما كان يصح هذا الكلام لو كان لا وجه لترك النكير الكف عنه إلا الرضا دون غيره، فأما إذا كان ترك النكير قد يقع ويكون الداعي إليه غير الرضا كما قد يدعو إليه الرضا فليس لأحد أن يجعل فقده دليل الرضا لأن النكير قد يرتفع لأمور منها التقية والخوف على النفس وما جرى مجراها، ومنها العلم أو الظن بأنه يعقب من المنكر ما هو أعظم من المنكر الذي يراد إنكاره، ومنها، الاستغناء عنه بنكير قد تقدم، وأمور ظهرت ترفع اللبس والايهام في الرضا بمثله، ومنها أن يكون للرضا (١) فإذا كان ترك النكير منقسما لم يكن لأحد أن يخصه بوجه واحد، وإنما يكون ترك النكير دالا على الرضا في الموضع الذي لا يكون له وجه سوى الرضا فمن أين لصاحب الكتاب وأهل مقالته أنه لا وجه لترك النكير هاهنا إلا الرضا؟ فإن قال: ليس الرضا أكثر من ترك النكير فمتى علمنا ارتفاع النكير علمنا الرضا.

قلنا: هذا مما قد بينا فساده وبينا أن ترك النكير منقسم إلى الرضا وغيره.

وبعد، فما الفرق بينك وبين من قال: وليس السخط أكثر من ارتفاع الرضا فمتى لم أعلم الرضا أو أتحققه قطعت على السخط، فيجب على من ادعى أن أمير المؤمنين عليه السلام كان راضيا أن ينقل ما يوجب كونه كذلك ولا يعتمد في أنه كان راضيا على أن يكسره ارتفاع فإن لقائل أن يقول مقابلا لذلك ما ذكرناه، ونجعل دليل كونه ساخطا ارتفاع رضاه.

(١) خ " الرضا ".

٢٣٩
فإن قال: ليس يجب علينا أن ننقل فيما يدل على رضاه أكثر من بيعته، وترك نكيره لأن الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه، وعلى من ادعى أنه كان مبطنا بخلاف الرضا أن يدل على ذلك فإنه خلاف الظاهر.

قيل له: ليس الأمر على ما قدرته لأن سخط أمير المؤمنين عليه السلام هو الأصل لأنه لا خلاف بين الأمة في أنه عليه السلام سخط الأمر وأباه ونازع فيه، وتأخر عن البيعة، ثم إنه لا خلاف في أنه في المستقبل بايع وترك النكير (١) فنقلناه عن أحد الأصلين اللذين كان عليهما من الامتناع عن البيعة وإظهار الخلاف أمر معلوم، ولم ينقلنا عن الأصل الآخر الذي هو السخط والكراهة شئ فيجب على من ادعى تغير الحال أن يدل على تغيرها، ويذكر أمرا معلوما يقتضي ذلك، ولا يرجع ذلك علينا فيلزمنا أن ندل نحن على ما ذكرناه، لأنا على ما بيناه آنفا متمسكون بالأصل المعلوم، وإنما تجب الدلالة على من ادعى تغير الحال، وليس له أن يجعل البيعة وترك النكير دلالة الرضا لأنا قد بينا أن ذلك (٢) ينقسم ولا ينتقل من المعلوم المتحقق بأمر محتمل.

فإن قال: هذه الطريقة التي سلكتموها توجب الشك في كل إجماع، وتمنع من أن يقطع على رضا أحد بشئ من الأشياء لأنا إنما نعلم الرضا في كل موضع نثبته فيه بمثل هذه الطريقة، وما هو أضعف منها.

قيل له: إن كان لا طريق إلى معرفة الإجماع ورضا الناس بالأمور إلا ما ادعيته فلا طريق إليه، لكن الطريق إلى ذلك واضحة، وهو أن

(١) أظهر البيعة ولم يفهم على ما كان عليه من إظهار الخلافة والنكير، خ ل.

(٢) " ذلك " أشار إلى ترك النكير كما تقدمت أقسامه قبل قليل.

٢٤٠