×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٢٤١ - ٢٦٠

كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٢٤١ - ص ٢٥٧)
٢٤١
والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا، وما تنفس على أبي بكر هذا الأمر لكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقا لا تجهلونه، ثم أتى فبايعه (١) وهذا الخبر يتضمن ما جرت عليه الحال وما يقوله الشيعة بعينه وقد أنطق الله تعالى به رواتهم.

وقد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن أبي عون أن أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام يريده على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قيس فلقيته فاطمة عليها السلام على الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي (٢) قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك وجاء علي عليه السلام فبايع، وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنما الطريف أن نرويه برواية لشيوخ محدثي العامة ولكنهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة، وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم فكفوا عنه، وأي اختيار لمن يحرق عليه بابه حتى يبايع؟

وقد روى إبراهيم بن سعيد الثقفي، قال: حدثنا أحمد بن عمرو البجلي، قال: حدثنا أحمد بن حبيب العامري، عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (والله ما بايع علي عليه السلام حتى رأى الدخان قد دخل عليه بيته).

وروى المدائني عن عبد الله بن جعفر عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما ارتدت العرب مشي عثمان إلى علي عليه السلام فقال: يا ابن عم

(١) ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ٦ / ١١ عن كتاب السقيفة لأحمد ابن عبد العزيز الجوهري.

(٢) انظر الإمامة والسياسة ١ / ١٢، والعقد الفريد ٤ / ٢٥٩.

٢٤٢
إنه لا يخرج أحد إلى قتال هؤلاء وأنت لم تبايع، ولم يزل به حتى مشي إلى أبي بكر فسر المسلمون بذلك، وجد الناس في قتالهم.

وروى البلاذري عن المدائني عن أبي جري (١) عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر فلما ماتت ضرع (٢) إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه أن يأتيه، فقال عمر: لا تأته وحدك قال: وماذا يصنعون بي؟ فأتاه أبو بكر فقال له عليه السلام: (والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير ولكنا كنا نظن أن لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا) فقال أبو بكر: والله لقرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إلي من قرابتي فلم يزل عليه السلام يذكر حقه وقرابته حتى بكى أبو بكر فقال: ميعادك العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر خطب وذكر عليا عليه السلام وبيعته فقال علي: (إني لم يحبسني عن بيعة أبي بكر ألا أكون عارفا بحقه ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا) ثم بايع أبا بكر فقال المسلمون: أصبت وأحسنت، ومن تأمل هذا الخبر وما جرى مجراه علم كيف وقعت الحال في البيعة، وما الداعي إليها، ولو كانت الحال سليمة والنيات صافية، والتهمة مرتفعة، لما منع عمر أبا بكر أن يصير إلى أمير المؤمنين عليه السلام وحده.

وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمير عن أبيه عن صالح بن أبي الأسود عن عقبه بن سنان عن الزهري قال: ما بايع علي عليه السلام إلا بعد ستة أشهر، وما اجترى عليه إلا بعد موت فاطمة عليه السلام.

وروى الثقفي قال: حدثني محمد بن علي عن عاصم بن عامر

(١) حربي خ ل.

(٢) ضرع: خضع.

٢٤٣
البجلي عن نوح بن دراج عن محمد بن إسحاق عن سفيان بن فروة عن أبيه قال جاء بريدة (١) حتى ركز رايته في وسط أسلم ثم قال: لا أبايع حتى يبايع علي فقال علي عليه السلام: (يا بريدة ادخل فيما دخل فيه الناس فإن اجتماعهم أحب إلي من اختلافهم اليوم).

وروى إبراهيم قال: حدثني محمد بن أبي عمير قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن موسى بن عبد الله بن الحسن أن عليا عليه السلام قال لهم (بايعوا فإن هؤلاء خيروني أن يأخذوا ما ليس لهم أو أقاتلهم وأفرق أمر المسلمين).

وروى إبراهيم عن يحيى بن الحسن ابن الفرات عن ميسر بن حماد عن موسى بن عبد الله بن الحسن قال: أبت أسلم أن تبايع وقالوا: ما كنا نبايع حتى يبايع بريدة لقول النبي صلى الله عليه وآله لبريدة: (علي وليكم من بعدي) (٢) فقال علي عليه السلام: (يا هؤلاء إن هؤلاء

(١) بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث الأسلمي صحابي أسلم هو وقومه وكانوا ثمانين بيتا عند مرور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهم في طريقة إلى المدينة، وبقي في أرض قومه ثم قدم المدينة بعد أحد فشهد بقية المشاهد وسكن البصرة أخيرا ثم خرج غازيا إلى خراسان فأقام بمرو وأقام بها حتى مات ودفن بها (أسد الغابة ١ / ١٧٥).

(٢) حديث بريدة رواه جماعة من أرباب السنن فيهم أحمد في مسنده ٥ / ٣٥٦ بسنده عن بريدة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثتين إلى اليمن على أحدهما علي بن أبي طالب وعلى الآخر خالد بن الوليد فقال: (إذا التقيتم فعلي على الناس وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده)، قال: فلقينا بني زيد من أهل اليمن فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية فاصطفى علي امرأة من السبي لنفسه، قال بريدة: فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك، فلما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم دفعت الكتاب فقرئ عليه، فرأيت الغضب في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت يا رسول الله هذا مقام العائذ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به، ورواه النسائي في خصائصه بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه، ففعلت ما أرسلت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي)، ورواه النسائي في خصائصه ص ٢٤ والهيثمي في المجمع ٩ / ١٢٧ و ١٢٨، والمتقي في الكنز ٦ / ١٥٤ و ١٥٥ وقال أخرجه ابن أبي شيبة.

٢٤٤
خيروني أن يظلموني حقي وأبايعهم أو ارتدت الناس حتى بلغت الردة أحدا (١) فاخترت أن أظلم حقي وإن فعلوا ما فعلوا) وروى إبراهيم عن يحيى بن الحسن، عن عاصم عامر، عن نوح بن دراج، عن داود بن يزيد الأودي، عن أبيه عن عدي بن حاتم (٢) قال: ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتى به ملبيا (٣) فقيل له:

بايع قال: (فإن لم أفعل) قالوا: إذا نقتلك، قال: (إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله) ثم بايع كذا وضم يده اليمنى.

وروى إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد البجلي عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن عدي بن حاتم قال إني لجالس عند أبي بكر إذ جئ بعلي عليه السلام فقال له أبو بكر: بايع فقال له علي عليه السلام: (فإن لم أفعل) فقال: أضرب الذي فيه عيناك، فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: (اللهم اشهد) ثم مد يده.

وقد روى هذا المعنى من طرق مختلفة، وبألفاظ متقاربة المعنى وإن

(١) أحد - بضم أوله وثانيه - اسم الجبل المعروف في المدينة.

(٢) عدي بن حاتم الطائي، صحابي كان على شاكلة أبيه في الكرم أرسل إليه الأشعث بن قبس يستعير منه قدور حاتم فملأها وأرسلها تحملها الرجال فقال الأشعث إنما أردناها فارغة فقال: إنا لا نعيرها فارغة، وكان يفت الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات، شهد مع علي عليه السلام الجمل وذهبت إحدى عينيه في تلك الوقعة وقتل فيها أبناؤه الثلاثة طرفة وطرافة وطريف، كما شهد معه صفين، وله ذكر كثير في تلك الوقعة، توفي بالكوفة أيام المختار سنة ٦٧.

(٣) قال ابن السكيت في إصلاح المنطق ص ٢٥٣: " الببته فهو ملبب " وفي لسان العرب: " لببه أخذ بتلبيبه وتلابيبه إذا جمعت ثيابه عند نحره وصدره ثم جررته ".

٢٤٥
اختلفت ألفاظها، وإنه عليه السلام كان يقول في ذلك اليوم لما أكره على البيعة وحذر من التقاعد عنها: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين " (١) ويردد ذلك ويكرره وذكر أكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه، وفيما أشرنا إليه كفاية ودلالة على أن البيعة لم تكن عن رضى واختيار.

فإن قيل: كلما رويتموه في هذا المعنى أخبار آحاد لا يوجب علما قلنا كل خبر مما ذكرناه وإن كان من طريق الآحاد فإن معناه الذي تضمنه متواتر، والمعول على المعنى دون اللفظ، ومن استقرى الأخبار وجد معنى إكراهه على البيعة، فإنه دخل فيها مستدفعا للشر وخوفا من نفور الناس، وتفرق الكلمة، وقد وردت به أخبار كثيرة من طرق مختلفة تخرج عن حد الآحاد إلى التواتر.

وبعد، فأدون منزلة هذه الأخبار إذا كانت آحاد أن تقتضي الظن وتمنع من القطع، على إنه لم يكن هناك خوف ولا إكراه، وإذا كنا لا نعلم أن البيعة وقعت عن رضا واختيار مع التجويز لأن يكون هناك أسباب إكراه فأولى أن لا نقطع على الرضا والاختيار مع الظن لأسباب الاكراه والخوف.

فإن قيل: التقية لا تكون إلا عن خوف شديد فلا بد له من أسباب إكراه فأولى أن لا نقطع على الرضا والاختيار مع الظن لأسباب الإكراه والخوف.

فإن قيل: التقية لا تكون إلا عن خوف شديد فلا بد له من أسباب وإمارات تظهر فمتى تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه فإذا كان غير جائز فلا تقية

(١) الأعراف ١٥٠.

٢٤٦
قلنا: فأي أسباب وإمارات هي أظهر مما ذكرنا وروينا، هذا إن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الناس ويعلموه ولا يرتابوا به فذلك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة، ولنا أن نقول لكم: من أين أوجبتم ذلك، وما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم ويعرض عن نقلها آخرون لأغراض لهم، وصوارف تصرفهم عن النقل؟ ولا خفاء بما هو في هذه الدعوى وأمثالها على أن الأمر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج إلى رواية خبر، ونقل لفظ مخصوص، لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين عليه السلام تأخر عن البيعة تأخرا علم وارتفع الخلاف فيه، ثم بايع بعد زمان متراخ عن البيعة، وإن اختلف في مدته، ولم يكن بيعته وإمساكه عن النكير الذي كان وقع منه إلا بعد أن استقر الأمر لمن عقد له، وبايعه الأنصار والمهاجرون، وأجمع عليه في الظاهر المسلمون، وشاع بينهم أن بيعته قد انعقدت بالاجماع والاتفاق، وأن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين، مبدعا في الدين، رادا على الله وعلى رسوله، وبهذا بعينه احتجوا على من قعد عن البيعة وتأخر عنها، فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه؟ وكيف يراد سبب له ولا شئ يذكر في هذا الباب إلا وهو أضعف مما أشرنا إليه؟ وكيف يمكن أمير المؤمنين عليه السلام الخلاف على من بايعه جميع المسلمين، وأظهروا الرضا به، والسكون إليه؟ وإن مخالفه مبدع خارج عن الملة، وإنما يصح أن يقال: إن الخوف لا بد له من أسباب تظهر، وإن نفيه واجب عند ارتفاع أسبابه، لو كان أمير المؤمنين عليه السلام بايع في ابتداء الأمر مبتدئا بالبيعة طالبا لها، راغبا فيها من غير تقاعد، ومن غير أن تأخذه الألسن باللوم والعذل، فيقول واحد:

حسدت الرجل، ويقول الآخر: أردت الفرقة ووقوع الاختلاف بين المسلمين ويقول آخر: متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد من أهل الردة، وطمع المرتدون في المسلمين، ومن غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع

٢٤٧
المفترقون ويدخل الخارجون ولا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا فأما والأمر جرى على خلاف ذلك فالظاهر الذي لا إشكال فيه أنه عليه السلام بايع مستدفعا للشر وفارا من الفتنة، وبعد أن لم يبق عنده بقية ولا عذر في المحاجزة والمدافعة، وهذا إذا عولنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضي للتقية، وقد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف، إما منفردا وإما مضموما إليه، وذلك أنه لا خلاف بيننا وبين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب إنكاره بشروط، منها أن لا يغلب على ظنه أنه يؤدي إلى منكر أعظم منه، وإنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز إنكاره، ولعل هذه كانت حال أمير المؤمنين عليه السلام في ترك النكير، والشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز، بل تروي روايات كثيرة أن النبي صلى الله عليه وآله عهد إلى أمير المؤمنين عليه السلام بذلك وأخبره أن القوم يدفعونه عن الأمر، ويغلبونه عليه، وإنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الردة ورجوع الحرب جذعة (١) وأمره بالإغضاء والإمساك إلى أن يتمكن من القيام بالأمور والتجويز في هذا الباب لما ذكرناه كاف.

وإن قيل: هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك إنكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره، ولا نقطع على رضاه به.

قلنا: لا شك في أن من رأيناه كافا عن نكير منكر، ونحن نجوز أن يكون إنما كف عن نكيره لظنه أن يعقب ما هو أعظم منه، فإنا لا نذمه ولا نرميه أيضا بالرضا به، وإنما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع سائر الأعذار، وحصول شرائط جميع إنكار المنكر، وما نعلم بيننا وبينهم خلافا في هذا الذي ذكرناه على الجملة، وإنما يقع التناسي للأصول إذا بلغ الكلام إلى الإمامة، وليس لأحد أن يقول: إن غلبة الظن بأن إنكاره

(١) جذعة: فتية.

٢٤٨
بعض المنكر يؤدي إلى ما هو أعظم منه لا بد فيه من إمارات تظهر، وتنقل، وفي فقد علمنا بذلك دلالة على أنه لم يكن، وذلك أن الإمارات إنما يجب أن تكون ظاهرة لمن شاهد الحال، وغلب في ظنه ما ذكرناه دون من لم يكن هذه حاله، ونحن خارجون عن ذلك، والإمارات الظاهرة في تلك الحال لمن غلب في ظنه ما يقتضيه ليست مما ينقل ويروى وإنما يعرف بشاهد الحال، وربما ظهرت أيضا لبعض الحاضرين دون بعض على أن هذا الكلام إنما نتكلفه متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين. ومتى بنينا الكلام في أسباب ترك النكير على ما قدمناه من صحة النص ظهر الأمر ظهورا يدفع الشبهة، لأنه إذا كان هو عليه السلام المنصوص عليه بالإمامة، والمشار إليه بينهم بالخلافة، ثم رآهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله تنازعوا الأمر بينهم تنازع من لم يسمعوا فيه نصا، ولا أعطوا فيه عهدا، ثم صاروا إلى إحدى الجهتين بطريقة الاختيار وصمموا على أن ذلك هو الواجب الذي لا معدل عنه، ولا حق سواه علم عليه السلام أن ذلك مؤيس من نزوعهم ورجوعهم، ومخيف من ناحيتهم، وأنهم إذا استجازوا اطراح عهد الرسول صلى الله عليه وآله وإيقاع الشبهة فيه، فهم بأن يطرحوا إنكار غيره، ويعرضوا عن وعظه وتذكيره أولى وأحرى، ولا شبهة على عاقل في أن النص إن كان حقا على ما نقوله ودفع ذلك الدفع فإن النكير هناك لا ينجع ولا ينفع، وإنه مؤد إلى غاية مكروه فاعليه ومما يعارضون به فيما يدعي من الإجماع على إمامة أبي بكر الإجماع على إمامة معاوية فإن الحسن بعد تسليم الأمر إليه كان والناس بأسرهم مظهرين للرضا بإمامته، وتنفيذ أحكامه، وكافين من النكير عليه، حتى سمى ذلك العام عام الجماعة وكلما يدعى هاهنا من إنكار باطن، وخوف وتقية يمكن أن يدعى بعينه فيما تقدم، ومما يعارضون به أيضا الإجماع على قتل عثمان وخلعه، فإن الناس كانوا بين قاتل أو
٢٤٩
خاذل أو كاف عن النكير، وهذه إمارات للرضا عندهم ونحن نستقصي الجواب عما يرد على هاتين المعارضتين عندما نحكيه من كلام صاحب الكتاب مستقبلا، وهذه الجملة التي أوردناها تأتي على ما حكيناه من كلامه في هذا الفصل متى تؤملت لكنا لا ندع الإشارة إلى ما ذكره على طريق التفصيل والتنبيه عليه.

أما قوله: (إنا لا ننكر أنه عليه السلام تأخر وتباطأ عن البيعة وأن قوما قالوا: أربعين يوما وآخرين قالوا: ستة أشهر) وقوله: (إنه تأخر لاستيحاشه من استبدادهم بالأمر دون مشاورته ومطالعته أو اشتغاله بتجهيز الرسول صلى الله عليه وآله أو بأمر فاطمة عليها السلام) فتعليل منه باطل لأن مشاورته عليه السلام عند مخالفينا لا تجب عليهم، وعقد الإمامة يتم بمن عقدها، ولا يفتقر في صحته وتمامه إلى حضوره، وما يدعونه من خوف الفتنة فهو عليه السلام كان أعلم به، وأخوف له فكيف يتأخر عما يجب عليه من أجل أنهم لم يفعلوا ما لا يحب عليهم؟ وكيف يستوحش ممن عدل عن مشاورته وهي عندهم غير واجبة في حال السلم والأمن، وإنما عدل تحرزا من الفتنة والفرقة، وهل هذا منهم إلا سوء ثناء على أمير المؤمنين عليه السلام ونسبته إلى ما يتنزه قدره ودينه عنه.

فأما الاشتغال بالنبي صلى الله عليه وآله فإنه كان ساعة من نهار والتأخر كان شهورا والمقلل قال أياما، وتلك الساعة كان يمكن أيضا فيها إظهار الرضا والمراسلة به بدلا من إظهار السخط والخلاف.

وأما فاطمة عليها السلام فإنها توفيت بعد أشهر فكيف يشتغل بوفاتها عن البيعة في المدة المتقدمة مع تراخيها، وعندهم أيضا أنه تأخر عن البيعة أياما يسيرة وأكثرهم يقول: أربعين يوما فكيف يشغل ما يكون

٢٥٠
بعد أشهر عما كان قبلها.

فأما ضربه المثل بالمرأة التي لها أخوة واستيحاش كبيرهم من أن يعقد عليها صغيرهم فأول ما فيه أن الكبير متى كان دينا خائفا من الله كان استيحاشه، وثقل ما جرى على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد والخلاف فيه، وإيهام أنه غير ممضي ولا صواب وكل هذا جرى من أمير المؤمنين عليه السلام فكيف يضاف إليه مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين في الدين، وغضبه له كراهية للواجب والاستيحاش من الحق، والغضب مما يورد إليه تحرزا من الفتنة وتلافيا للفرقة، ومن أدل دليل على أن كفه عليه السلام عن النكير وإظهار الرضا لم يكن اختيارا وإيثارا، بل كان لبعض ما ذكرناه أنه لا وجه لمبايعته بعد الإباء إلا ما ذكرناه بعينه فإن إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه، إما أن يكون لما ادعاه صاحب الكتاب من اشتغاله بالنبي صلى الله عليه وآله وابنته، واستيحاشه من ترك مشاورته، وقد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه، أو لأنه كان ناظرا في الأمر ومريبا في صحة العقد إما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة، أو في تكامل شروط عقد إمامته، ووقوعه على وجه الصحة، وكل ذلك لا يجوز أن يكون خافيا على أمير المؤمنين عليه السلام ولا ملتبسا، بل كان به أعلم وإليه أسبق، ولو جاز أن يخفى على مثله وقتا ووقتين لما جاز أن يستمر الأوقات، وتتراخى المدد في خفائه وكيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة وعندهم أن ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد، وكذلك عندهم صفات العاقدين وعددهم، وشروط العقد الصحيح مما نص النبي صلى الله عليه وآله وأعلم الجماعة به على سبيل التفصيل، فلم يبق شئ يرتئي فيه أمير المؤمنين عليه السلام وينظر في إصابته النظر الطويل فلم يبق وجه يحمل عليه إباؤه وامتناعه من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها

٢٥١
وقعت في غير حقها ولغير مستحقها، وذلك يقتضي أن رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير.

فأما استدلاله على رضاه بما ادعاه من إظهار المعاونة والمعاضدة، وأنه أشار عليه بقتال أهل الردة فإنه ادعاء معاونة ومعاضدة على سبيل الجملة لا نعرفها، ولو ذكر تفصيله لتكلمنا عليه، فإن أشار بذلك إلى ما كان يمدهم به من الفتيا في الأحكام، فذلك واجب عليه في كل حال، ولكل مستفت فلا يدل إظهار الحق والتنبيه على الصواب في الأحكام لا على معاونة ولا معاضدة، وإن أشار إلى ما كان منه عليه السلام في وقت من الأوقات من الدفع عن المدينة (١) فذلك أيضا واجب على كل مسلم وكيف لا يدفع عن حريمه وحريم المسلمين، فأي دلالة في ذلك على ما يرجع إلى الإمامة.

فأما المشورة عليه بقتال أهل الردة فما علمنا أنها كانت منه، وقد كان يجب عليه أن يصحح ذلك، ثم لو كانت لم تدل على ما ظنه لأن قتالهم واجب على المسلمين كافة والمشورة به صحيحة.

فأما تعلقه بإنكار أمير المؤمنين على أبي سفيان فقد تقدم في كلامنا أن

(١) أشار علي عليه السلام إلى سبب دفاعه عن المدينة في كتابه إلى أهل مصر مع مالك الأشتر حيث قال عليه السلام: (فأمسكت بيدي حتى رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق دين محمد صلى الله عليه وآله، فخشيت إن لم انصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما وهدما تكون المصيبة علي أعظم)، والكتاب مذكور في باب الكتب من " نهج البلاغة " وذلك أن جماعة من العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله أرسلوا إلى أبي بكر أن يقارهم على إقامة الصلاة ومنع الزكاة فامتنع من إجابتهم إلى ذلك فأغاروا على المدينة فخرج علي عليه السلام بنفسه للدفاع عن المدينة حتى رد الله كيدهم وانظر تفصيل القضية في تاريخ الطبري ٣ / ٢٤٤ حوادث سنة ١١ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٧ / ١٥٣.

٢٥٢
ذلك إنما يدل على تهمته لأبي سفيان، وعلمه بأن غرضه بذلك الكلام لم يكن النصح له، فأي تعلق له بذلك؟

وأما امتناعه عما بذله له العباس من البيعة، فلأنه كان يعرف الباطن، وكلام العباس كان على الظاهر، وليس يمتنع أن يغلب في ظنه ما لا يغلب في ظن العباس فلا يكون في امتناعه دلالة على صواب ما جرى من العقد، وإنما يكون دلالة على أن ما بذله العباس لم يكن عنده صوابا.

فأما قوله: (ولو كان منكرا لإمامة أبي بكر لم يخف أن يظهر ذلك كما أظهره أبو سفيان) فطريف لأن الوقت الذي أظهر أبو سفيان الخلاف فيه لم يكن أحد فيه يخاف من الخلاف، لأنه كان في ابتداء الأمر وقبل استمرار العقد، وقد كان في تلك الحال جماعة مظهرين للخلاف.

وإنما قلنا إنه عليه السلام خاف من الخلاف في المستقبل وبعد إطباق الكل ولم يكن في تلك الحال أبو سفيان ولا غيره مظهرا للخلاف.

فأما قوله: (إنه لو ادعى الحق لنفسه لوجد أنصارا كالعباس والزبير وأبي سفيان وخالد بن سعيد) فظاهر البطلان لأنه لا نصرة فيمن ذكر ولا في إضعافهم على من عقد العقد لأبي بكر وانقاد له، ورضي بإمامته، والأمر في هذا أظهر من أن يخفى.

فأما قوله: (إنه وإن تأخر من البيعة فقد كان راضيا من حيث ترك النكير وإنه إنما تأخر عن البيعة لأنه لم يطالب بها ولم يشدد فيها عليه) فكلام في غير موضعه لأن المعتبر في باب الإمامة إنما هو بالرضا والتسليم دون الصفقة باليد، ألا ترى أن من نأى عن محل الإمام وبلده يعد مبايعا له من حيث رضي وسلم وانقاد وإن لم يصفق بيده، وإنما يراد الصفقة لتكون إمارة على الرضا فإذا ظهر ما هو أدل منها لم يعتبر بها ولم يحتج إليها

٢٥٣
فما وقع من الاتفاق على تأخر أمير المؤمنين عليه السلام عن البيعة يجب أن يكون محمولا على التأخر عن إظهار الرضا والتسليم دون الصفقة باليد، ولو كان راضيا بالأمر، ومسلما للعقد لم يعتبر بصفقته ولا عوتب على تأخره، ولا قيل في ذلك ما قيل ولا جرى ما جرى، على أنا قد بينا أن ترك النكير لا يدل على الرضا والاجماع إلا بعد شرائط لم تحصل في تركه عليه السلام النكير.

فأما قوله: (وكان يجب إن لم يزد نكيره وإظهار الخلاف على ما ظهر من الحسين عليه السلام وغيره في أيام بني أمية ألا ينقص من ذلك فقد علم أنهم لما طولبوا بالبيعة كيف امتنعوا وتهاربوا وأظهروا الخلاف والنكير، ولم يكن فزعه من أبي بكر إلا دون فزعهم من يزيد) وتقويته ذلك بأن نكيره كان يجب أن يكون أقوى من نكير غيره من حيث أزيل عن حقه فبعيد من الصواب لأنا قد بينا الأسباب المانعة من النكير، وأوضحنا ذلك وشرحناه، وليس الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد وبني أمية، وكيف يكون الخوف من مظهر للفسق والخلاعة والمجانة متهتك لا مسكة معه (١) ولا شبهة في أن إمامته ملك وغلبة، وأنه لا شرط من شرائط الإمامة فيه كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر، يرى أكثر الأمة أن الإمامة دونه وأنها أدنى منازله، وما الجامع بين الأمرين كالجمع بين الضدين على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل والمكروه فأما الحسين عليه السلام فإنه أظهر الخلاف لما وجد بعض الأعوان عليه وطمع في معاونة من خذله، وقعد عنه ثم حاله آلت مع اجتهاده واجتهاد من اجتهد في نصرته إلى ما آلت إليه.

(١) يقال: فلان فيه مسكة - بضم الميم - من خير أي بقية.

٢٥٤
فأما تعلقه بعرض العباس وأبي سفيان عليه البيعة وأن ذلك دليل على أن النص لا أصل له، وأن طريق الإمامة الاختيار، فقد قدمنا الكلام فيما مضى من هذا الكتاب عليه، وبينا أن ذلك لا ينافي النص من وجهين، أحدهما، أن البيعة لا تدل على أن النص لم يتقدم وتثبت به الإمامة، بل يكون الغرض منها القيام بالنص التكفل بالذب ولهذا المعنى بايع النبي صلى الله عليه وآله الأنصار ليلة العقبة وبايع المهاجرون والأنصار تحت الشجرة وعلى هذا الوجه بايع الناس عمر بن الخطاب بالخلافة بعد أبي بكر وإن كان نصه قد تقدم عليه، والوجه الآخر أن القوم لما أن شرعوا في الإمامة من جهة الاختيار وأوهموا أنه الطريق إلى الإمامة أراد العباس أن يحتج عليهم بمثل حجتهم، ويسلك في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام مسلكهم على سبيل الاستظهار عليهم، والإزالة لشبههم، وكذلك أبو سفيان، وليس في بذل البيعة دلالة على انتفاء النص.

فأما ما طول بذكره من الأخبار التي ذكرها في هذا الموضع، المتضمنة للتفضيل والتعظيم والمدح، فقد تقدم فيما مضى كلامنا عليها عند احتجاجه بها في مقابلة ما اعتمدناه من الرواية المتضمنة أمره عليه السلام للناس بالتسليم على أمير المؤمنين عليه السلام بإمرة المؤمنين وقوله: (هذا ولي كل مؤمن بعدي) وتكلمنا في هذه الأخبار بوجوه من الكلام، وبينا ما فيها مشروحا بما لا طائل في إعادته (١)، وإيراده مثل هذه الأخبار التي يعلم أنها واردة من جهة ومدفوعة من أخرى يقتضينا أن نورد في مقابلتها ما يجري هذا المجرى مما يروونه ويدفعونه من الأخبار المتضمنة للطعن واللوم، والتصريح والتلويح، لكنا لا نفعل ذلك تنزها عنه، وتعويلا في الحجة على غيره، ومن أراد أن يعارض أخبارهم هذه بما ذكرناه من الأخبار كان له في ذلك متسع على أن جميع ما ذكره من الأخبار لو صح

٢٥٥
لم يكن فيه حجة، لأنه يجوز أن يكون خرجت مخرج التقية ويحمل الأحوال عليها، لأن التقية جائزة عندنا فيما جرى هذا المجرى.

فأما وصفه لأمير المؤمنين عليه السلام بالشجاعة والقوة وأن التقية لا تجوز على مثله فهو على ما ذكر من الشجاعة وأفضل، إلا أن شجاعته لا تبلغ أن يغلب جميع الخلائق، ويحارب سائر الناس، وهو مع الشجاعة والقوة بشر يقوى ويضعف، ويخاف ويأمن، والتقية جائزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم.

فأما قوله: (إنه كان بعيدا عن التقية لما انتهت الخلافة إليه) فلعمري أن كثيرا من التقية زال عنه في أيام إمامته بزوال أسبابها، وبقي كثير من التقية لبقاء أسبابها، وبهذا لم ينقض جميع أحكام من تقدم ولا فسخ عقدهم، وأين أنصاره وأعوانه في الكثرة والتظاهر، والتوازر في أيام إمامته من أنصاره فيما تقدم، ولا إشكال على منصف في الفرق بين الأمرين.

فأما قوله: (إن التقية لا بد فيها من سبب ظاهر) فقد قلنا في ذلك ما فيه كفاية فأما قوله: (إن في كثير من الأوقات إظهار الحق أولى) فهب إن الأمر على ذلك لعل الوقت الذي تكلم عليه من الأوقات التي لا يكون الاظهار فيها أولى.

فأما قوله: (لو جاز مع فقد السبب ادعاء التقية لم تأمن في أكثر ما ظهر من الرسول صلى الله عليه وآله أن يكون على سبيل التقية) فباطل لأنا قد بينا أن السبب في الموضع الذي ادعى فقده فيه لم يكن مفقودا ثم إن الرسول صلى الله عليه وآله إنما لم تجز التقية عليه لأن الشريعة لا تعرف إلا من قبله، ولا يوصل إليها إلا من جهته فمتى جازت

٢٥٦
التقية عليه لم يكن لنا إلى العلم بالشرع طريق، وليس العلم بأن الإمام منصوص عليه موقوفا على قوله ولا يعلم إلا من جهته حتى تكون تقيته في ذلك رافعة لطريق العلم فبان الفرق بين الأمرين، على إن صاحب الكتاب يجزى على كل من عدا الرسول صلى الله عليه وآله من المؤمنين التقية ولا يلزمه على ذلك أن يجيز التقية على الرسول صلى الله عليه وآله فكيف يلزم خصومه الجمع بين الأمرين.

فأما قوله: (ولم صار بأن يقال إنه كان يتقي فيعظم أبا بكر وعمر بأولى من أن يحمل تقديمه لأمير المؤمنين على مثل ذلك) فكلام كأنه لا يليق بما نحن فيه لأنا إنما نتكلم في تقية أمير المؤمنين عليه السلام وكفه عن منازعة من غالبه على الأمر، ولم نكن في تقية النبي صلى الله عليه وآله ومن قال له في هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه وآله كان يتقي فيعظم أبا بكر وعمر، وأي مدخل لذلك هاهنا على أن الكثير من أصحابنا لا يقولون إن تعظيمه لأبي بكر وعمر كان على وجه التقية، بل كان على ما يقتضيه الحال من ظاهرهما، ومن قال بذلك يمكن أن يفصل بين الأمرين بالدليل، فيقول: لو تركت والظاهر من تعظيم الجماعة لسويت بين الكل لكنه لما دل الدليل في بعضهم على ما يقتضي خلاف ذلك التعظيم نسبته إلى غير ظاهرة، وما لم يصرف عنه الدليل كان باقيا على حاله.

فأما قوله: (ولو أمكن أن يدعى في ابتداء البيعة التقية ما كان يمكن في سائر الأحوال، وهلا ظهرت التقية منه يوم الجمل وصفين) فظاهر الفساد، لأن الأمر بالعكس مما قاله إن ابتداء الأمر في البيعة كان أحق منه في استقراء الأحوال، ومعلوم أن الحال بعد الابتداء اشتدت وتفرعت، وقويت وتشعبت فكيف يدعي أن الابتداء كان أحق من الاستمرار، اللهم إلا أن يعني بذلك الأيام التي سلم فيها الأمر إليه عليه

٢٥٧
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٢٥٨ - ص ٢٧٣)
٢٥٨
هذا يقتضي أن الراوي الذي رواه كان يفهم بالفارسية، وأنه من باب الآحاد،...) (١) وذكر توليته لعمر المدائن، وأن الفعل آكد من القول في دلالته، وحكي عن أبي هاشم أن قوله كرديد يدل على صحة الإمامة وثبوتها، وإنما أراد بقوله: ونكرديد إنكم إن أصبتم الحق فقد أخطأتم المعدن، لأن عادة الفرس في الملك أن لا يزيلونه عن البيت والأقرب فالأقرب، وحكي عن أبي وعن أبي ذر أخبارا تدل على مدحه وتقريظه له، وأن ذلك يدل على أنه مصوب له، وذكر تولي عمار من قبل عمر الكوفة، وأن له شعرا في مدح أبي بكر، وأن المقداد ما تخلف عن بعوث أبي بكر وعمر والانقياد لهما، وإظهار تصويبهما، وأن سبيله في ذلك سبيل صهيب وسالم مولى أبي حذيفة وكل ذلك يحكيه عن أبي علي، وحكي عنه أنه قال: (إذا قبل المخالف الخبر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله في أبي ذر وهو قوله: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر) (٢) فهلا قبلوا ما روي عنه من قوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) و (إنهما سيدا كهول أهل الجنة) وما روي من تبشيره إياهما بالجنة، وبالخلافة بعده إلى غير ذلك).

ثم قال: (واعلم أن هذه الأخبار لم نذكرها وإن كان أكثرها أخبار آحاد اعتمادا عليها بل المعتمد على ما قدمناه من الإجماع الظاهر وإنما دفعنا بذلك ما ادعوه من الأخبار التي لا أصل لها ومنعناهم أن يتوصلوا بها إلى إثبات الخلافة، وأريناهم أن هذه الأخبار أشهر وأثبت) ثم عارض نفسه بالاجماع على معاوية وأجاب عن ذلك بأن حكي عن أبي علي (على أن معاوية لم يصلح للإمامة لأمور تقدمت نوجب فيها (٣) البراءة والفسق، نحو استلحاق زياد، وقتل حجر وغيره، وشقه العصا

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٩١.

(٢) غ " الخلاف ".

(٣) خ " فيه ".

٢٥٩
في أيام أمير المؤمنين عليه السلام ومقاتلته له إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ولا يصلح وحاله هذه أن يدعى الإجماع على إمامته لأن الإجماع في ذلك إنما يدل على ثبوت ما يصح وقد بينا أن الإمامة لا تصح فيه فيجب أن يعلم أن الإجماع لم يقع في الحقيقة، ولو ثبت - والحال ما ذكرناه - الإجماع لوجب حمله على أنه كان على سبيل القهر كما كان يقع من الملوك ذلك في ممالكهم، فكيف وقد صح واشتهر الخلاف في ذلك، بل ربما أظهروا هذا الجنس بحضرته فلا ينكره، وقد كان الحسن والحسين عليهما السلام ومحمد بن علي (١) وابن عباس وإخوته وغيرهم من قريش يظهرون ذمه والوقيعة فيه فكيف يدعي الإجماع في ذلك مع علمنا ضرورة من حال من ذكرناه أنه كان لا يقول بإمامته، ولا يدين بها، بلى لو قيل إنه يعلم بالأمور الظاهرة أنه كان لا يدين بإمامة نفسه، وكذلك خلص أصحابه لكان يقرب وإن لم يعلم ذلك بالاضطرار فالإمارات الدالة على ذلك ظاهرة؟ فكيف يدعي مثل ذلك في أبي بكر والحال ما قدمناه،...) (٢) وعارض نفسه بالاجماع على قتل عثمان وأجاب بأن قال: (كيف يجوز أن يدعى الإجماع في ذلك وقد حصل هناك أمران يمنعان فيمن لم ينكر القول بأنه ينكر ذلك لاعتقاده أنه حق أحدهما أنه كان هناك غلبة والثاني ما كان من منع عثمان من القتال وكيف يقال ذلك وقد ثبت بالنقل ما كان من أمير المؤمنين عليه السلام من الانكار حتى بعث بالحسن والحسين عليهما السلام وقنبر على ما روي في ذلك، وكيف يدعي في ذلك الإجماع وعثمان نفسه مع شيعته وأقاربه خارجون،...) (٣) وحكي عن أبي علي أنه قال: إن

(١) يعني ابن الحنفية.

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٩٤.

(٣) المصدر نفس الصفحة المتقدمة.

٢٦٠