×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٢٦١ - ٢٨٠

قدح في الإجماع على خلافه هذه الأمور فالإجماع لا يصح إثباته (١) لأنه إجماع أظهر مما ذكرناه وهذا يبطل كون الإجماع دلالة وتأول ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله عليه السلام: (لقد تقمصها ابن أبي قحافة وقد علم أني منها مكان القطب من الرحى) (٢) بأن قال: إن ثبت ذلك فالمراد أنه أهل لها وأنه أصلح منه، يبين ذلك أن القطب من الرحى لا يستقل بنفسه، ولا بد في تمامه من الرحى فنبه بذلك على أنه أحق وإن كان قد تقمصها قال: (وقد كانت العادة في ذلك الزمان أن يسمي أحدهم صاحبه ويكنيه ويضيفه إلى أبيه حتى كانوا ربما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد، فليس في ذلك استخفاف، ولا دلالة على الوضع، وبإزاء هذه الأخبار المروية ما رويناه من الأخبار [ التي هي أشهر ] (٣) في تعظيمه لهما ويعضدها الأخبار المروية عن الرسول في فضلهما) (٤).

ثم قال: (واحد ما قوى به شيوخنا ما ذكرناه [ من الإجماع ] (٣) لو كان أمير المؤمنين عليه السلام مخالفا [ لأنه أحق بالأمر ] (٣) على ما يقولون لوجب لما انتهى الأمر إليه أن ينفي (٥) أحكام القوم وينقض ما يجب أن

(١) في المغني " إن كان يصح القدح فيما ذكرناه من الإجماع فلا إجماع يصح إثباته ".

(٢) وفيه: " وهل لم يبطل كون الإجماع دلالة فقد ثبت صحة ذلك بالكتاب وغيره مما له تأويل نحو ما يحكون عنه أنه قال: (والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى) ورواية " المغني " موافقة في حروفها لما في " نهج البلاغة " وقد استعرضت رواة الخطبة الشقشقية من السنة والشيعة والمعتزلة قبل الرضي وبعده في " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " فراجع.

(٣) جميع الزيادات تحت هذا الرقم من " المغني ".

(٤) غ " ويعضده " فيكون الضمير للتعظيم.

(٥) غ " أن يتتبع ".

٢٦١
ينقض منها لأنهم على هذا القول كانوا خوارج يتصرفون في الحدود والأحكام على وجه محرم عليهم (١) وبطلان ذلك يبين أنه كان راضيا بإماتهم،...) (٢).

يقال له: أما بيعة خالد بن سعيد وغيره ممن كان أظهر الخلاف في الأصل فلا شبهة فيها، إلا أنه بقي عليك أن تبين أن ذلك كان عن رضى واختيار، فقد بينا في ذلك ما فيه كفاية ومقنع وإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام مع عظم قدره، وعلو منزلته، قد ألجأته الحال إلى البيعة فأولى أن يلجئ غيره ممن لا يدانيه في أحواله.

فأما قول أبي علي: (إن الذي روي عن سلمان من قوله (كرديد ونكرديد " ليس بمقطوع به) فإن كان خبر السقيفة وشرح ما جرى فيها من الأقوال والأفعال مقطوعا به فقول سلمان مقطوع به، بل لأن كل من روى السقيفة رواه، وليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهمهم فيه.

فأما قوله: (فكيف يخاطبهم وهم عرب بالفارسية) فقد بينا فيما تقدم أنه صرح بمعنى ذلك بالعربية، وقال: أصبتم وأخطأتم، وفسر أيضا هذا الكلام وصرح بمعناه، وقد يجوز أن يجمع في إنكاره بين الفارسية والعربية ليفهم إنكاره أهل اللغتين معا فلم يخاطب على هذا العرب بالفارسية (٣).

فأما قوله: (كيف رووه واستدلاله على أن راويه واحد من حيث لا

(١) غ " يحرم عليهم ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ٢٩٥.

(٣) ويجوز أن سلمان استولى عليه الغضب والانفعال والانسان في مثل هذه الحال ينسى العادة ويرجع إلى الطبيعة.

٢٦٢
يجوز يرويه إلا من فهم الفارسية) فطريف لأن الشئ قد يرويه من لا من لا يعرف معناه.

فأما استدلاله بقوله: " كرديد " على أن الإمامة قد ثبتت وصحت، فباطل لأنه أراد بقوله: " كرديد " فعلتم، وبقوله: " نكرديد " لم تفعلوا، والمعنى إنكم عقدتم لمن لا يصلح للأمر ولا يستحقه، وعدلتم عن المستحق، وهذه عادة الناس في إنكار ما يجري على غير وجهه، لأنهم يقولون: فعل فلان ولم يفعل، والمراد ما ذكرناه، وقد صرح سلمان على ما روي بمعنى قوله " أصبتم الحق وأخطأتم أهل بيت نبيكم " فقد فسر بالعربية معنى كلامه بالفارسية.

فأما حمله لكلامه على أن المراد به (أصبتم الحق وأخطأتم المعدن، لأن عادة الفرس أن لا تزيل عن أهل البيت الملك) فالذي يبطله تفسير سلمان لكلام نفسه فهو أعرف بمعناه، على أن سلمان كان أتقى لله وأعرف به من أن يريد من المسلمين أن يسلكوا سنن الأكاسرة والجبابرة، ويعدلوا عما شرعه لهم نبيهم صلى الله عليه وآله.

وأما توليه لعمر المدائن فمحمول على التقية وما اقتضاه إظهار البيعة والرضا يقتضيه، وليس لأحد أن يقول: وأي تقية في الولايات لأنه غير ممتنع أن يعرض عليه ليمتحنه بها ويغلب في ظنه أن من عدل عنها وأباها نسب إلى الخلاف، واعتقدت فيه العداوة، ولم يأمن المكروه، وهذه حال توجب عليه أن يتولى ما عرض عليه فالتقية تبيح مثل ذلك وأكثر منه، وكذلك الكلام في تولي عمار الكوفة، ونفوذ المقداد في بعوث القوة.

فأما ما رواه عن أبي ذر التعظيم والتقريظ للقوم، وظنه أن ذلك يعارض ما نقله عنه وعن أمثاله من الخلاف، فظاهر البطلان لأنه لا يمنع إذا صح ما رواه عنه أن يكون محمولا على التقية لأن الحال التي منوا بها

٢٦٣
ودفعوا إليها كانت تقتضي أمثال ما قلناه وما رويناه عنهم من الأخبار التي تتضمن الخلاف والنكير لا يصدر إلا عن نية واعتقاد فلا يعارض شيئا مما رووه لما ذكرناه.

فأما الفرق بين الخبر المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله في أبي ذر وبين ما روي من قوله (اقتدوا باللذين من بعدي) وغيره فظاهر لأن خبر أبي ذر يرويه الخاصة والعامة، وينقله الشيعي والناصبي، ولم يرده أحد من الأمة ولا طعن فيه، ولا قدح في تأويله ولا ناقليه، وليس شئ من هذا موجودا في الأخبار التي عارض بها.

فأما الجواب عن المعارضة بإمامة معاوية والاتفاق عليها بأنه لا يصلح للإمامة لكذا وكذا مما عددناه، فإنما ذلك تعليل منه للنقض لأنه إذا كان لا يصلح للإمامة، وقد وجدنا في الاتفاق عليه، والكف عن منازعته ومخالفته ما وجدناه فيمن تقدم فيجب إما أن يكون إماما أو أن تكون هذه الطريقة ليست مرضية في تصحيح الإجماع وكل شئ يبين أنه لأجله لا يصلح للإمامة يؤكد الالزام ويؤيده.

وقوله: (إن الإجماع إنما يدل على ثبوت ما يصح) صحيح إلا أنه كان يجب أن يبين أن الإجماع لم يقع هاهنا باعتبار يقتضي أن شروطه لم تتكامل ولا يرجع في أنه لم يقع مع تكامل شروطه وأسبابه إلى أن المجمع عليه لا يصلح للإمامة، لأن ذلك كالمناقضة.

فأما ادعاؤه الغلبة والقهر فما يقوله المخالف له في الإمامة في إمامة معاوية ما قاله هو لنا فيما تقدم من أن القهر والغلبة لا بد لهما من أسباب تظهر وتنقل وتعلم فلو كان هناك غلبة لعلمها الناس كلهم على سواء فإن ادعى شيئا مما نقل في هذا المعنى لم يلتفت إليه مخالفه وقال له: لو كان ذلك صحيحا لنقل إلي وعلمته كما علمته وقابله في هذا الموضع بمثل ما قابلنا

٢٦٤
صاحب الكتاب في إمامة من تقدم حذو النعل بالنعل، ولهذا يقول من ينسب إلى السنة منهم أن إبطال إمامة معاوية والوقيعة فيه طريق مهيع (١) لأهل الرفض إلى القدح في إمامة من تقدمه، وقولهم إن معاوية كالحلقة للباب يريدون بذلك أن قرع الحلقة طريق إلى الولوج وسبيل للدخول.

فأما ادعاؤه من اشتهار الخلاف من الحسن والحسين عليهما السلام وفلان وفلان وأنهم كانوا يظهرون ذمه والوقيعة فيه، فيقال له: من أين علمت هذا الذي ادعيته بالضرورة على ما لوحت أو بالاستدلال.

فإن قال: بالضرورة قلنا: وما بال علم الضرورة لا يحصل لمخالفك، ويحصل لك دونهم وهم أكثر عددا منك، وآنس بالأخبار، ونقل الآثار، ولئن جاز لك أن تدعي على مخالفك في هذا الباب دفع الضرورة مع علمك بكثرة عددهم وتدين أكثرهم ليجوزن للشيعة التي تخالفك في إمامة من تقدم أن تدعي الضرورة عليك في العلم بإنكار أمير المؤمنين عليه السلام وأهله وشيعته ظاهرا وباطنا على المتقدمين عليه، وأنه كان يتظلم ويتألم من سلب حقه والدفع له عن مقامه، وهيهات أن يقع بين الأمرين فصل.

فإن قال: أعلم ذلك بالاستدلال، قلنا، أذكر أي طريق شئت في تصحيح ما ادعيته من إنكار من سميته ووصفته حتى نبين بمثله صحة ما رويناه في الانكار على من تقدم فإنك لا تروي في ذلك إلا أخبارا نقلتها أنت ومن وافقك ويدفعها مخالفك، ويدعي أنها من رواية أهل الرفض ودسيس من قصده الطعن في السلف، ويقول فيمن يروي هذه الأخبار ويقبلها أكثر مما تقول أنت وأصحابك فيمن يروي ما ذكرناه من الأخبار،

(١) طريق مهيع: أي واسع وجمعه مهايع.

٢٦٥
على أن الظاهر الذي لا يمكن أن يدفع أن القوم الذين سماهم وزعم أنهم كانوا يواجهونه بالخلاف والإنكار إنما كانوا يفتخرون عليه في النسب وما جرى مجراه، وكانت تجري بين القوم مفاضلة ومفاخرة لا ذكر للإمامة فيها وما كان ذلك إلا بتعرض من معاوية له وأنه كان رجلا عريضا (١) يريد أن يتحدث عنه بالحلم، وكان دائبا يتحكك (٢) بمن يعلم أنه لا يتحمله حتى يرد منه من الكلام ما يغضي عليه ويعرض عنه فيكون ذلك داعيا إلى وصفه بالحلم، وما كان في جميع من ذكره ممن كان قابله بغليظ الكلام وشديده إلا من يخاطبه بإمرة المؤمنين في الحال، ويأخذ عطاءه ويتعرض لجوائزه ونوافله، فأي إنكار كان مع ما ذكرناه؟

فأما ما اعتمده في جواب معارضة من عارضه بالاجماع على قتل عثمان من ذكر فليس الغلبة بأكثر من استيلاء الجمع الكثير تخشى سطوتهم، وتخاف بادرتهم وهذه كانت حال من عقد الإمامة لأبي بكر لأن أكثر الأمة تولاها ومال إليها، واعتقد أنه السنة وما يخالفها البدعة، فأي غلبة هي أوضح مما ذكرناه؟ وكيف يدعي الغلبة في قتل عثمان وعندهم إن الذين تولوا قتله وباشروا حربه نفر من أهل مصر، التف بهم قوم أوباش من أهل المدينة ممن يريد الفتنة، ويكره الجماعة وأن أكابر المسلمين ووجوه الأنصار والمهاجرين، - وهم أكثر أهل المدينة وعليهم مدار أمرها، وبهم يتم الحل والعقد فيها -، كانوا لذلك كارهين، وعلى من أتاه منكرين، فأي غلبة تكون من القليل على الكثير، والصغير على الكبير لولا أن أصحابنا (٣) يدفعون الكلام في الإمامة بما سنح وعرض من غير فكر

(١) العريض - بالكسر والتشديد -: الذي يتعرض للناس بالشر.

(٢) تحكك به: تعرض له، وتحرش به.

(٣) الظاهر " لولا أن أصحابه ".

٢٦٦
في عواقبه ونتائجه.

فأما تعلقه بمنع عثمان من القتال فعجيب وأي علة في منع عثمان لمن قعد عن نصرته، وخلى بينه وبين الباغين عليه، والنهي عن المنكر واجب؟ وإن منع منه من يجري ذلك المنكر عليه وكيف يمتنع من القتال لأجل منع عثمان منه من كان معه في الدار من أقاربه وعبيده وهم له أطوع، وإن ينتهوا إلى أمره أولى؟

وكيف لم يطعه في النهي عن المنكر والصبر على إيقاع الفتنة إلا ما المهاجرون والأنصار دون أهله وعبيده.

فأما ذكره إنكار أمير المؤمنين عليه السلام لذلك وبعثه الحسن والحسين عليهما السلام للنصرة والمعاونة فالذي هو معروف أن أمير المؤمنين عليه السلام كان ينكر قتله ويبرأ من ذلك في أقوال محفوظة معروفة لأن قتله منكر لا شك فيه، ولم يكن ممن تولاه أن يقدم عليه.

فأما حصره ومطالبته بخلع نفسه وتسليم من كان سبب الفتنة ممن كان في جهته فما يحفظ عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك إنكار، بل الظاهر أنه كان بذلك راضيا ولخلافه ساخطا، وكيف لا يكون كذلك وهو الذي قام بأمره في الدفعة الأولى وتوسطه حتى جرى الأمر على إرادته بعد أن كاد أن يخرج الأمر إلى ما خرج إليه في المرة الثانية، وضمن لخصومه عنه الأعتاب والجميل فكان ذلك سببا لتهمته عليه السلام ومشافهته أن لا يتهم سواه فمضى عليه السلام من فوره وجلس في بيته، وأغلق بابه.

فأما بعث الحسن والحسين عليهما السلام ففي ذلك نظر، ولو كان مسلما لا خلاف فيه لكان إنما بعثهما للمنع من الانتهاء بالرجل إلى القتل، ولأنهم كانوا حصروه، ومنعوه الطعام والشراب وفي داره حرم وأطفال، ومن لا تعلق له بهذا الأمر، وهذا منكر يجب على مثل أمير المؤمنين عليه

٢٦٧
السلام رفعه فلو كان أمير المؤمنين عليه السلام وطلحة والزبير وفلان وفلان كارهين لما جرى لما وقع شئ منه، ولكانوا يمنعون من جميعه باليد واللسان والسيف.

فأما قوله: (وكيف يدعى الإجماع وعثمان نفسه مع شيعته وأقاربه خارجون منه) فطريف لأنه إن لم يكن في هذا الإجماع إلا خروجه عنه فبإزائه خروج سعد بن عبادة وأهله وولده من الإجماع على إمامة أبي بكر ممن قال صاحب الكتاب إني لا اعتقد بخروجه إذا كان في مقابلته جميع الأمة.

فأما الذين كانوا مع عثمان في الدار فلم يكن معه من أهله إلا ظاهر الفسق، عدوا لله تعالى كمروان وذويه ممن لا يعتبر خروجه عن الإجماع لارتفاع الشبهة في أمره أو عبيد أدناس طغام لا يفرقون بين الحق والباطل، ولا يكون خلاف مثلهم قادحا في الإجماع، وإذا بلغنا في هذا الباب إلى أن لا نجد منكرا من جميع الأمة إلا عبيد عثمان والنفر من أقاربه الذين حضروا في الدار فقد سهلت القصة ولم يبق فيها شبهة.

فأما قوله: عن أبي علي: (إن هذا طريق إلى إبطال الإجماع في كل موضع) فقد بينا أن الأمر على خلاف ما ظنه وأن الإجماع يثبت ويصح بطرق صحيحة ليست موجودة فيما ادعوه ولا طائل في إعادة ما مضى.

فأما تأويله ما روي عنه عليه السلام في قوله: (والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة) على أن المراد بذلك أنه أهل لها واضح منه للقيام بها فأول ما فيه أن هذا التأويل على بعده لا يمكنه في غير هذا اللفظ من الألفاظ المروية عنه عليه السلام وهي كثيرة وقد ذكرنا منها طرفا ثم هو مع ذلك فاسد لأن من كان أهلا للأمر وموضعا له لا يطلق من الألفاظ ما هو موضع للاستحقاق المخصوص أو التفرد بالأمر والتميز لأن قول القائل:

٢٦٨
أنا مكان القطب من الرحى يقتضي ما فيه أن غيره لا يقوم فيه مقامه كما أن غير القطب لا يقوم مقام القطب ولا يفهم من هذا الكلام أنه أهل له وموضع، ولا هو مثال من يريد الإخبار عن المعنى الذي ذكرناه.

فأما قوله: (إن القطب لا يستقل بنفسه ولا بد في تمامه من الرحى) فأول ما فيه أنه تأول في اللغة، وتحمل الألفاظ ما لم توضع له، لأن عرف أهل اللغة جاء باستعمال لفظ القطب في الموضع الذي ذكرناه، وعند إرادة أحدهم أن يخبر عن نهاية الاستحقاق والتفرد بالأمر الذي لا يقع فيه مشاركة فتأوله مع المعرفة بمرادهم في هذه اللفظة لا معنى له، على أن القطب أشد استقلالا بنفسه من باقي الرحى لأنه يمكن أن يتحرك ويدور من غير أن يتصل به شئ وباقي الرحى لا يمكن ذلك فيه على سبيل الدور إلا بقطب.

فأما الإضافة إلى كنية أبيه فمما لا نعتبره في الخبر، وعلى كل حال، فليس ذلك صنع من يريد التعظيم والتبجيل، وقد كانت لأبي بكر عندهم من الألقاب الجميلة ما يقصد إليه من يريد تعظيمه، وقوله: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله ينادى باسمه فمعاذ الله ما كان ينادى باسمه إلا شاك فيه أو جاهل من طغام الأعراب الذين لا يعرفون ما يجب عليهم في هذا الباب، وقوله: (من عادة العرب أن يسمي أحدهم صاحبه ويضيفه إلى أبيه من غير إرادة سوء) فلا شك في أن هذه عادة القوم فيمن لا يكون له من الألقاب أفخمها وأعظمها كالصديق وخليفة رسول الله، وما نجدهم يعدلون عن ذكر الإنسان بلقبه العظيم الذي يدل على محله ومرتبته إلى إضافته إلى اسم أبيه إلا ومقصدهم بذلك خلاف التعظيم والمدح.

فأما قوله: (إنه كان يجب لما انتهى إليه الأمر أن يتتبع أحكام القوم

٢٦٩
فينقض ما يجب أن ينقض منها) فهو من عمدهم التي يعتمدونها، وربما أضافوا إليها أنه نكح سبيهم، فإن الحنفية كانت سبية، وأنه أقام الحد بين أيديهم، وزوج ابنته من فاطمة بعضهم، ويقولون كل ذلك دال على الولاية، وخلاف العداوة فكيف يستبيح من الحنفية ما استباحه بسبي من لا تجوز طاعته وكيف يزوج مرتدا ابنته؟

ونحن نذكر الوجه في ذلك شيئا فشيئا فنقول: إنا قد بينا فيما مضى من كلامنا أن أمير المؤمنين عليه السلام كان منذ قبض الله نبيه في حال تقية ومداراة ومدافعة لاستيلاء من استبد بالأمر عليه، ولما اتفق من الأمور التي بيناها مجملة ومفصلة، فلما قتل عثمان وأفضى الأمر إليه لم يفض إليه من الوجه الذي استحقه، لأنهم إنما عقدوا له الإمامة بالاختيار الذي ليس بطريق إلى الإمامة وبنى أكثرهم هذا الاختيار في صحته والتوصل إلى الإمامة به على اختيار من تقدم فكره أمير المؤمنين عليه السلام أن يبرأ من الأمر ويقيم على ترك الدخول فيه فيخرج لأنه إذا تمكن من التصرف فيما جعل إليه بطريق من الطرق، وعلى وجه من الوجوه، فعليه أن يتصرف ويقيم بما أوجب الله أن يقيمه، وكره أن يعرفهم أن إمامته لم تثبت باختيارهم، وأنه المنصوص عليه من ابتداء الأمر فيقولون له: صرحت بذم السلف وطعنت في الأئمة الثلاثة وكل سبب ذكرنا أنه كان يمنعه من الموافقة على ما ذكرناه سالفا فهو يمنعه على أوكد الأحوال آنفا ولو لم يكن في تصريحه عليه السلام بذلك عند دعائهم له إلى الأمر، إلا أنه كان سببا لخلافهم عليه، وترك تسليم الأمر إليه، فلا يتمكن مما لاح له التمكن منه فالتقية لم تفارقه ولم يجد منها في حال من الأحوال بد وكيف تتبع أحكام القوم، والعاقدون له الإمامة والمسلمون إليه الأمر كانوا أولياءهم وشيعتهم، وممن يرى إمامتهم وإن إمامته عليه السلام فرع على إمامتهم،

٢٧٠
وإن الطريق إليها من جهتهم عرفوه، وبهدايتهم سلكوه، ومما يبين صحة ما ذكرناه ما روي عنه عليه السلام من قوله في أيام ولايته: (والله لو ثني لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى يزهر (١) كل كتاب ويقول: يا رب إن عليا قضى بقضائك) وقوله عليه السلام لقضاته وقد سألوه بماذا نحكم فقال عليه السلام: (أحكموا بما كنتم تحكمون حتى يكون الناس على جماعة أو أموت كما مات أصحابي) يعني عليه السلام بذلك من تقدمت وفاته من شيعته كأبي ذر وغيره، وقد بين أمير المؤمنين عليه السلام جملة ما ذكرناه في كلامه المشهور حيث يقول:

(والله لولا حضور الناصر ولزوم الحجة وما أخذ الله على أولياء العهد ألا يقروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها ولوجدتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز) (٢) وإنما أراد أني كنت استعمل في آخر الأمر من التخلي منه والاعتزال ما استعملته في أوله فإن قيل: فإذا كان عليه السلام لم يغير أحكامهم للتقية فيجب أن تكون ممضاة جارية مجرى الصحيح في وقوع التملك بها وغيره من الأحكام.

قلنا: لا شك في إنما إذا لم يغير بسبب موجب للامضاء فإن أحكامها

(١) يزهو خ ل.

(٢) هذه الفقرة هي الأخيرة من خطبته عليه السلام المعروفة بالشقشقية وهي في " نهج البلاغة " هكذا: " أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز) ويعني عليه السلام بالحاضر: من حضر لبيعته، وبالناصر:

الجيش الذي يستعين به، والكظة امتلاء البطن من الطعام، والسغب: شدة الجوع، ويريد أنهم لا يقاروا الظالم على استثاره بالفئ وأكله الحرام والغارب: الكاهل، والكلام تمثيل للترك والارسال.

٢٧١
جارية على من حكم بها عليه وواقعة موقع الصحيح، وقد يجوز أن يؤثر الضرورة في استباحة ما لا يجوز استباحته لولاها كما قد يؤثر في استباحة الميتة وغيرها فأما الحنفية فلم تكن سبية على الحقيقة، ولم يستبحها عليه السلام بالسبا لأنها بالاسلام قد صارت حرة مالكة أمرها فأخرجها من يد من استرقها ثم عقد عليها عقد النكاح، فمن أين أنه استباحها بالسبا دون عقد النكاح، وفي أصحابنا من يذهب إلى أن الظالمين متى غلبوا على الدار وقهروا ولم يتمكن المؤمن من الخروج من أحكامهم جاز له أن يطأ سبيهم ويجري أحكامهم مع الغلبة والقهر مجرى أحكام المحقين فيما يرجع إلى المحكوم عليه، وإن كان فيما يرجع إلى الحاكم معاقبا آثما.

فأما إقامة الحدود، فما نعرف في ذلك إلا أن عثمان أراد أن يدرأ الحد عن أخيه (١) وكان أمير المؤمنين عليه السلام حاضرا، وغلب في ظنه التمكن من إقامة الحد، فأمر به، وهذا مما يجب مع التمكن وهو في باب الانكار عليهم أدخل.

(١) أي الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان أخا عثمان لأمه ولاه الكوفة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقاص وكان الوليد ماجنا معروفا بالفسق، وهو الذي سماه الله فاسقا في موضعين من القرآن الكريم الأول في قوله تعالى: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون)، السجدة ١٨ انظر الكشاف ٣ / ٢٤٣، والثاني في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الحجرات ٦، لما كذب على بني المصطلق على رسول الله صلى الله عليه وآله وادعى أنهم منعوه الصدقة (انظر تفصيل القضية في سيرة ابن هشام ٣ / ٣٠٨) فعظم ذلك على أهل الكوفة حيث يستبدل سعد بمثل الوليد فشرب الخمر ذات يوم وصلى بالناس وهو سكران فتكلم بالصلاة وزاد فيها، وقاء في المحراب وأخذوا خاتمه من إصبعه وهو لا يعلم وشهدوا بذلك عند عثمان فرد شهادتهم فشكوا ذلك إلى علي عليه السلام فأقبل إلى عثمان وعاتبه في ذلك ثم أخذ عليه السلام الوليد فجلده بين يدي أخيه وتفصيل القضية في الأغاني ٥ / ١٢٠ - ١٣٣ وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٧ / ٢٢٧.

٢٧٢
فأما تزويجه بنته، فلم يكن ذلك عن اختيار، والخلاف فيه مشهور، فإن الرواية وردت بأن عمر خطبها إلى أمير المؤمنين عليه السلام فدافعه وماطله، فاستدعى عمر العباس فقال: ما لي، أبي بأس؟، فقال: ما حملك على هذا الكلام؟ فقال: خطبت إلى ابن أخيك فمنعني لعداوته لي، والله لأغورن زمزم، ولأهدمن السقاية، ولا تركت لكم - بني هاشم - مأثرة إلا هدمتها، ولأقيمن عليه شهودا بالسرقة، ولأقطعنه، فمضى العباس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فخبره بما سمع من الرجل، فقال قد أقسمت ألا أزوجها إياه، فقال رد أمرها إلي، ففعل فزوجه العباس إياها، ويبين أن الأمر جرى على إكراه ما روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام من قوله (ذلك فرج غصبنا عليه) (١) على

(١) في النفس من هذه الرواية شئ فاللازم أن ترد على راويها، لا لمنع أصل الوقوع ولكن حاشى لله أن يبلغ الأمر من اضطهاد أهل البيت إلى اغتصاب بناتهم " يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون " فالأمر بهذه الصورة ممنوع، كما أنه ممنوع أيضا بالصورة التي يرويها بعضهم من أن أمير المؤمنين أرسلها إليه وبيدها رداء لتقول له: " يقول أبي أيعجبك هذا الرداء " معرضا بها فيأخذ الرجل بساقها فتغضب، فيقول: رفئوني رفئوني، فلو أن أبرد الناس حمية، وأضعفهم نفسا قيل له: ابعث إلي بتصوير ابنتك لأراها فأتزوجها لعد ذلك خدشا لكرامته، وطعنا في شرفه فكيف بفتى الفتيان، ثم كيف يمد الشيخ إليها يده والعقد لم يجر بعد، والرواية لم تشر إليه من قريب أو بعيد!

وللشيخ المفيد في جواب المسائل السروية كلام حول الموضوع ننقل لك منه ما يتعلق بالغرض قال: " إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر لم يثبت، وطريقه من الزبير بن بكار ولم يكن موثوقا به في النقل، وكان متهما فيما ذكره من بغضه لأمير المؤمنين عليه السلام وغير مأمون، والحديث نفسه مختلف فتارة يروى أن أمير المؤمنين تولى العقد له على ابنته، وتارة يروى عن العباس أنه تولى ذلك عنه، وتارة يروى أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم، وتارة يروى أنه عن اختيار وإيثار، ثم بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا سماه زيدا، وبعضهم يقول: إن لزيد بن عمر عقبا، ومنهم من يقول: قتل ولا عقب له، ومنهم من يقول: إنه وأمه قتلا ومنهم من يقول إن أمه بقيت بعده، ومنهم من يقول: إن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم، ومنهم من يقول: أمهرها أربعة آلاف درهم ومنهم من يقول: كان مهرها خمسمائة درهم وهذا الاختلاف مما يبطل الحديث (انظر رسائل المفيد ص ٦١ و ج ٤٢ / ١٠٧ من بحار الأنوار).

٢٧٣