×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٢١ - ص ٣٧)
٢١
يبذله له وإن لم يكن وقع ممن شبهت حاله به مثل تلك المسألة بعينها، ولم يكن للقائل الذي حكينا قوله أن يمنعه من الدرهم والثوب بأن يقول: إنني جعلت لك منازل فلان من فلان، وليس في منازله إن سأله درهما أو ثوبا فأعطاه في كل واحدة منهما بل يوجب عليه جميع من سمع كلامه العطية من حيث كان المعلوم من حال من جعل له مثل منزلته أنه لو سأله في ذلك كما سأل هذا أجيب إليه، وليس يلزم على هذا أن تكون الصلاة السادسة وما أشبهها من العبادات التي لو أوجبها الرسول صلى الله عليه وآله علينا لوجب مما يجري عليها الوصف الآن بأنها من شرعه لأنها لم يحصل لها سبب وجوب استحقاق بل سبب وجوبها مقدر بما أنها مقدرة، وليس كذلك ما أوجبناه لأنا لا نصف بالمنزلة إلا ما حصل استحقاقه وسبب وجوبه ولو قال عليه السلام: صلوا بعد سنة صلاة مخصوصة خارجة عما نعرف من الصلوات لجاز أن يقال: بل وجب أن تكون تلك الصلاة من شرعه قبل حضور الوقت من حيث ثبت سبب وجوبها، ومثل ما ذكرناه يسقط قول من يقول: فيجب على كلامك أن يكون كل أحد نبيا إماما وعلى سائر الأحوال التي يجوز على طريق التقدير أن يحصل عليها مثل أن يكون وصيا لغيره، وشريكا له ونسيبا إلى غير ذلك، لأنه على طريق التقدير يصح أن يكون على جميع هذه الأحوال لوجود أسبابها وشروطها، وإنما لم يلزم جميع ما عددناه لما قدمنا ذكره من اعتبار ثبوت سبب المنزلة واستحقاقها وجميع ما ذكر لم يثبت له سبب استحقاق، ولا وجوب، ولا يصح أن يقال إنه منزلة.

ثم يقال له: ما نحتاج إلى مضايفتك في وصف المقدر بأنه منزلة وكلامنا يتم وينتظم من دونه لأن ما عليه هارون من استحقاق منزلة الخلافة بعد وفاة موسى إذا كان ثابتا في أحوال حياته صح أن يوصف بأنه منزلة وإن لم يصح وصف الخلافة بعد الوفاة بأنها منزلة في حال الحياة لأن التصرف في الأمر المتعلق بحال مخصوصة عند استحقاقه وأحد الأمرين

٢٢
منفصل من الآخر وإذا ثبت أن استحقاقه للخلافة بعد الوفاة يجري عليه الوصف بالمنزلة، ووجب حصوله لأمير المؤمنين كما حصل لهارون لثبتت له الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وآله لتمام شرطها فيه، ألا ترى أن من أوصى إلى غيره وجعل إليه التصرف في أمواله بعد وفاته يجب له ذلك بشرط الوفاة وكذلك من استخلف غيره بشرط غيبته عن بلده ليكون نائبا عنه بعد الغيبة يجب له هذه المنزلة عند حصول شرطها، فحال استحقاق التصرف والقيام بالأمر المنصوص إليه غير حال استحقاقه، ولو أن غير الموصي والمستخلف قال: فلان مني بمنزلة فلان من فلان وأشار إلى الموصي والموصى إليه لوجب أن يثبت له من الاستحقاق في الحال والتصرف بعدها ما أوجبناه للأول، ولم يكن لأحد التطرق إلى منع هذا المتصرف من التصرف إذا بقي إلى حال وفاة صاحبه من حيث لا يوصف التصرف المستقبل (١) بأنه منزلة قبل حصول (٢) وقته ولا من حيث كان من شبهت حاله به لم يبق بعد الوفاة لو قدرنا أنه لم يبق.

فإن قال صاحب الكتاب: إنما صح ما ذكرتموه لأن التصرف في مال الموصي والخلافة لمن استخلف في حال الغيبة وإن لم يكونا حاصلين في حال الخطاب ولم يوصفا بأنهما منزلتان فيما يقتضيهما من الوصية والاستخلاف الموجبتين لاستحقاقهما يثبت في الحال، ويوصف بأنه منزلة.

قلنا: وهكذا نقول لك فيما أوجبناه من منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين عليه السلام حرفا بحرف وليس له أن يخالف في أن استحقاق هارون بخلافة موسى بعد الوفاة كان حاصلا في الحال لأن كلامه في هذا الفصل مبني على تسليمه وإن كان قد خالف في ذلك في فصل

(١) خ " المستفيد " ولم يظهر وجهه.

(٢) خ " حضور ".

٢٣
استأنفه يأتي مع الكلام عليه فيما بعد وقد صرح في مواضع من كلامه الذي حكيناه بتسليم هذا الموضع، لأنه بنى الفصل على أن الخلافة لو وجبت بعد الوفاة حسبما يذهب إليه لم يصح وصفها قبل حصولها بأنها منزلة، ولو كان مخالفا في أنها مما يجب أن يحصل لاستغنى بالمنازعة عن جميع ما تكلفه فقد بان من جملة ما أوردناه، أن الذي اقترحه من أن الخبر لم يتناول المقدر لم يغن عنه شيئا لأنا مع تسليمه قد بينا صحة مذهبنا في تأويله، وأن كلامه إذا صح لم يكن له من التأثير أكثر من منع الوصف بالمنزلة ما كان مقدرا، وليس يضر من ذهب في هذا الخبر إلى النص لامتناع من وصف الخلافة بعد الوفاة بأنها منزلة قبل حصولها إذا ثبت له أنها واجبة مستحقة وأن ما يقتضيها يجب وصفه بأنه منزلة.

قال صاحب الكتاب: " فإن قال: إن الذي يدل على أن الخبر يتناول ذلك قوله: (إلا أنه لا نبي بعدي) وظاهر ذلك بعد موتي فيجب أن يكون ما أثبته بعد الموت أيضا قيل له: إن التشبيه الأول يقتضي حمل هذا الاستثناء على أن المراد به بعد كوني (١) نبيا ليصح أن يحصل ما استثناه (٢) في هارون كما صح أن يحصل ما استثنى منه في هارون لأنه لا بد من صحة الأمرين في هارون (٣) وقد علمنا أنه لم يكن من منازل النبوة بعد موسى وإنما يدخل في منازله النبوة بعد نبوة موسى فيجب أن يكون إنما استثنى ما لولاه لثبت من منازل (٤) هارون، ولا يجوز أن يستثنى ما لولاه لم يثبت من منازل (٥) هارون لأن ذلك لا يفيد، وهذا يبين صحة ما قدمناه وإذا ثبت أن المراد إلا أنه لا نبي بعد نبوتي فيجب أن يكون المنازل التي

(١) غ " يتصل كونه نبيا ".

(٢) خ " ما استثني منه ".

(٣) غ " في منازل هارون ".

(٤) غ " في منازل ".

(٥) كذلك.

٢٤
دخلها (١) هذا الاستثناء بعد نبوته لا بعد موته وهذا يسقط ما عولوا عليه فصار التشبيه الأول هو الدال على أن المستثنى والمستثنى منه جميعا حاصلان لهارون، وإذا لم يحصل له كل المنازل إلا في حال الحياة من موسى وجب صحة ما ذكرناه، ومما يبين صحة ذلك أن من حق الاستثناء أن يطابق المستثنى منه في وقته لأن الرجل إذا قال لفلان على عشرة دراهم إلا درهما فالمراد بما أثبته الحال وبما نفاه الحال ولا يجوز في الكلام سوى ذلك إلا بقرينة ودلالة، وقد علمنا أنه عليه السلام لما قال لعلي عليه السلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) أثبت له المنزلة في الوقت، فيجب فيما استثنى أن يتناول الوقت فكيف يقال: إنه أراد بعد موته بل [ كيف ] (٢) يجب حمله على الوقت فكأنه قال: أنت مني في حال نبوتي بمنزلة هارون من موسى في حال نبوته وبعد نبوته إلا أنه لا نبي بعد نبوتي حتى يكون الاستثناء متناولا للحال التي لولا الاستثناء لثبت، فإذا كان لو لم يستثن لوجب في حق الكلام أن يكون شريكه في النبوة في الحال كما ثبت لهارون فيجب إذا استثني أن يقتضي نفي هذا المعنى وهذا يمنع من حمله على بعد الموت، وليس لأحد أن يقول فيجب أن لا يعرف بقوله: (إلا أنه لا نبي بعدي) أنه خاتم الأنبياء وذلك لأنه إذا كان المراد إلا أنه لا نبي بعد كوني نبيا فقد دل على ذلك بأقوى ما يدل لو أراد إلا أنه لا نبي بعد وفاتي (٣) فكيف لا يدل على ما ذكرتموه؟

ولسنا نعتمد في أنه خاتم النبيين عليه السلام إلا على ما نعلم من دينه ضرورة بالنقل المتواتر الذي نعرف به ذلك من غير اعتبارا لفظه.. " (٤)

(١) غ " المنازل التي حصل لأجلها ".

(٢) " كيف " من " المغني ".

(٣) غ " ولو أراد بقوله: ب (بعدي) بعد وفاتي ".

(٤) المغني ٢٠ ق ١ / ١٦٣.

٢٥
يقال له: قد أجاب أصحابنا من أن يكون قوله عليه السلام: (إلا أنه لا نبي بعدي) أراد به بعد نبوتي بجوابين:

أحدهما أن قوله عليه السلام: (لا نبي بعدي) يقتضي ظاهره بعد موتي لأن العادة جارية في فائدة مثل هذه اللفظة إذا وقعت على هذا الوجه بمثل ما ذكرناه، ألا ترى أن أحدنا إذا قال: فلان وصيي من بعدي وهذا المال يفرق على الفقراء من بعدي لم يفهم من كلامه إلا بعد وفاتي دون سائر أحواله، وإذا كان الظاهر يقتضي صحة قولنا وجب التمسك به، واطراح قول من سامه العدول عنه.

والجواب الثاني إنا لو سلمنا للخصوم ما اقترحوه من أن المراد بنفي النبوة لم يختص حال الوفاة، بل يتناول ما هو بعد حال نبوته من الأحوال لم يخل ذلك بصحة تأويلنا للخبر لأنا نعلم أن الذي أشاروا إليه من الأحوال يشتمل على أحوال الحياة، وأحوال الوفاة إلى قيام الساعة فيجب بظاهر الكلام، وبما حكمنا به من مطابقة الاستثناء في الحال التي وقع فيها المستثنى منه، أن يجب لأمير المؤمنين عليه السلام الإمامة في جميع الأحوال التي تعلق النفي بها، فإن أخرجت دلالة شيئا من هذه الأحوال أخرجناه لها وأبقينا ما عداه لاقتضاء ظاهر الكلام له، فكان ما طعن به مخالفونا إنما زاد قولنا صحة وتأكيدا، وهذا الجواب هو المعتمد دون الأول لأن لقائل أن يقول في الأول أن الظاهر من قول القائل بعدي لا يتناول أحوال الوفاة على ما ادعيتم، ولا يمتنع أن يكون هذه الكناية متعلقة بحال من أحوال القائل غير حال وفاته، لأنا نعلم أولا إنها ليست بكناية عن ذاته وإنما هي كناية عن حال من أحواله، فلا فرق بين بعض أحواله وبين بعض في صحة الكناية عنه بهذه اللفظة، ألا ترى إلى صحة قول القائل قدم فلانا بعدي، وتكلم بعدي وولي فلان كذا وكذا بعد فلان، وإن كانت لفظة بعدي جميعها كناية عن غير حال الوفاة، ومتعلقة بما يثبت في حال الحياة،

٢٦
وليس يمكن أن يدعي أن ظاهرها وحقيقتها يقتضيان حال الوفاة، وأنها إذا أريد بها ما عدا حال الوفاة من الأحوال كانت مجازا لأن ذلك تحكم من مدعيه، ولا فرق بينه وبين من ادعى عكسه عليه، فقال إنها إنما تكون مجازا إذا عني بها حال الوفاة، ومن رجع إلى ما يقع عليه هذه اللفظة في الاستعمال والتعارف لم يجد لوقوعها كناية عن بعض الأحوال مزية على بعض.

ثم يقال له: في قوله: " إن الكلام يقتضي حصول المستثنى والمستثنى منه معا لهارون عليه السلام وأن من حق الاستثناء أن يطابق المستثنى منه في وقته " أما مطابقة الاستثناء للمستثنى منه فهو الصحيح الواجب الذي فزعوا إليه، ومدار كلامهم في هذه الطريقة عليه، وأما حصول المستثنى والمستثنى منه معا لهارون في وقتهما وعلى سائر وجوههما فغير واجب لأن النبي صلى الله عليه وآله لم يقصد إلى جعل منازل هارون من موسى في زمانهما ووجه حصولهما لأمير المؤمنين عليه السلام وإنما قصد إلى إيجاب ما كان لهارون من موسى عليهما السلام من المنازل في حال مخصوصة لأمير المؤمنين عليه السلام في حال أخرى فدخل التشبيه والتمثيل بين المنازل لأنفسها لا بين أوقاتها وأزمان حصولها، والذي دلنا على صحة هذه الجملة:

ما قدمناه من اعتبار الاستثناء لأنه عليه السلام إذا استثنى ما أخرجه من المنازل بعده، وكان الاستثناء من شأنه أن يطابق المستثنى منه حتى يكون مخرجا من الكلام ما لولاه لثبت على الوجه الذي تعلق به الاستثناء، فلا بد أن يحكم بأنه عليه السلام أراد بصدر الكلام إيجاب المنازل بعده، فكأنه عليه السلام قال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) بعدي واستغنى عن التصريح بلفظ بعدي في صدر الكلام من حيث كان الاستثناء دالا عليها، ومقتضيا لها، وهذا هو الواجب في

٢٧
الكلام الفصيح بمعنى أن يكتفى بيسيره عن كثيره، وبالتصريح في بعضه عن التصريح في كله، ولو لم يقتض الاستثناء ما ذكرناه لخرج عن مطابقة المستثنى منه وبعد عن الفائدة، لأن هارون لم يكن نبيا بعد وفاة موسى فيكون الاستثناء مخرجا ما لولاه لثبت، فلا فرق بين تعلق الاستثناء بالحال المخصوصة التي لم تثبت لهارون ولا قدرنا أضمارها في صدر الكلام وبين تعلقه بمنزلة غير مخصوصة لم تثبت لهارون من موسى على وجه من الوجوه، فوجب بما بيناه أن يكون ما أوجب في صدر الكلام من المنازل مقصودا به إلى الحال التي تعلق الاستثناء بها وسقط قول إن هارون إذا لم يكن نبيا بعد وفاة موسى لم يصح تعلق الاستثناء بحال الوفاة، فلا فرق في صحة هذه الطريقة بين أن تكون لفظة " بعدي " محمولة على نفي النبوة بعد الموت، أو محمولة على نفيها بعد أحوال كونه نبيا مما يعم الحياة والوفاة معا لأن اشتراط الحال التي تعلق بها الاستثناء وتقديرها في صدر الكلام من الواجب سواء كانت حالة الوفاة خاصة أو حالة الحياة والوفاة جميعا، وما نريده من إثبات الإمامة بالخبر بعد الوفاة مستمر على الوجهين، فلا معنى للمضايقة فيما يتم المراد دونه، ومما يزيد ما قد أوردناه وضوحا، ويسقط قوله التشبيه يقتضي حصول ما تعلق به الاستثناء في وقته لهارون أن النبي صلى الله عليه وآله لو صرح بما قدرناه حتى يقول: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) بعد وفاتي أو في حال حياتي وبعد وفاتي إلا أنك لست بنبي في هذه الأحوال لكان الكلام مستقيما خارجا عن باب التجوز، ولم يمنع من صحته أن المنزلة المستثناة لم تحصل لهارون في الحال التي تعلق بها الاستثناء.

وأما قوله: " إن من حق الاستثناء أن يطابق المستثنى منه في وقته وإنا قد علمنا أن بقوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) أثبت له المنزلة في الوقت فيجب فيما استثني أن يتناول الوقت " فقد نقضه بجوابه لما

٢٨
ألزم نفسه (ألا يعلم بالقول أنه عليه السلام خاتم النبيين) (١) بأنا نعلم أنه إذا كان المراد لا نبي بعد كوني نبيا فقد دل على ذلك بأقوى ما يدل لو أراد إلا أنه لا نبي بعد وفاتي، وموضع المناقضة أنه حكم بوجوب مطابقة الاستثناء في الوقت المستثنى منه، ثم جعل نفي النبوة معلوما بأحوال لم تثبت للمستثنى منه في جميعها لأن ثبوته عنده يختص حال الحياة ونفي النبوة يعم جميع الأحوال التي تلي كونه نبيا وتدخل فيها أحوال الحياة والوفاة، وفي هذا نقض منه ظاهر، على أن ما قدمناه من دلالة الاستثناء يبطل ما ظنه من أن صدر الكلام أوجب ثبوت المنازل في الوقت.

وقوله: " إذا كان لو لم يستثن لوجب (٢) أن يكون شريكا في النبوة في الحال فيجب إذا استثني أن ينتفي النبوة في هذه الحال " باطل لأنا لا نسلم له أولا أنه لو لم يستثن لوجب ثبوت ذلك في الحال بظاهر الكلام، ولو سلمناه لم يجب ما ظنه لأن الاستثناء إنما كان يجب أن ينفي النبوة في الحياة ولو وقع مطلقا لم يتعلق بحال مخصوصة، فأما وقد تعلق بحال معينة ودلنا تعلقه على ثبوت ما لم يستثن فيها لتحصيل المطابقة فالذي ذكره غير صحيح.

وأما قوله: (إنا لا نتعلق في أنه عليه السلام خاتم الأنبياء بلفظ بل بما نعلم من دينه) فلا يتوجه علينا لأن الأمر وإن كان على ما ذكره فليس يجوز أن يجعل أحد قوله عليه السلام: (لا نبي بعدي) مختصا بحال الحياة دون أحوال الوفاة لأنه لا أحد من الأمة ذهب إلى هذا، وإنما الخلاف في الاستثناء هل اختص بحال الوفاة دون أحوال الحياة على ما نصره أكثر أصحابنا أو تعلق ببعد حال النبوة مما يشتمل الحياة والوفاة، وخلاف هذين

(١) لا يخفى أن المرتضى نقل كلام القاضي بمعناه دون حروفه.

(٢) خ " يوجب ".

٢٩
القولين لا نعرفه قولا لأحد منهم، وقد كنا أملينا في الجواب عن هذه الشبهة التي اشتمل عليها الفصل من كلامه مسألة (١) مفردة استقصينا الكلام فيها وفيما أوردناه هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.

قال صاحب الكتاب: " وبعد، فلو ثبت أن قوله (إلا أنه لا نبي بعدي) المراد به بعد موتي لكان لا بد فيه من شرط، فكأنه يريد فلا تكون يا علي نبيا بعدي إن عشت لأن هذا الشرط واجب لا بد منه وإذا وجب ذلك فكأنه قال عليه السلام: أنت وإن بقيت لا تكون نبيا بعدي كما يكون هارون نبيا بعد أخيه موسى لو بقي، فلا بد من إثبات الشرط وتقديره في الأمرين، وإن كان الكلام لا يقتضيه لأنه لا يجب إذا دل الدليل على دخول شرط في الاستثناء أن يدخل (٢) في المستثنى منه * مع إمكان حمله على ظاهره وقد علمنا أن قوله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) يقتضي الحال من غير شرط فكيف يجب بدخول الشرط في الاستثناء من حيث أدى إليه الدليل إثبات شرط في المستثنى منه * (٣) وهذا يبين أن الذي ذكروه لو سلمناه لم يوجب ما قالوه (٤)، وكان يجب على هذا القول أن لا يدخل تحت الخبر (٥) منزلة يستحقها أمير المؤمنين عليه السلام في حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله أصلا لأنهم أوجبوا في المستثنى منه أن يكون كالمستثنى (٦) في أنه بعد الموت، وبطلان ذلك يبين فساد هذا

(١) رسالة، خ ل.

(٢) غ " أن يدل ".

(٣) ما بين النجمتين ساقط من " المغنى " في الموضعين.

(٤) غ " لم يجب ما قالوه ".

(٥) غ " تحت القول ".

(٦) غ " أن يكون بمنزلة المستثنى ".

٣٠
القول " (١) ثم قال: " فإن قالوا: قد دخل تحت الاثبات حال الحياة وبعد الممات فصح الاستثناء منه وإن كان بعد الموت، قيل لهم: فإذا جاز في المستثنى منه أن يكون ثابتا في الحالين، وإن كان الاستثناء لا يحصل إلا في أحدهما فما المانع من أن يكون المستثنى منه يثبت (٢) في حال الحياة فقط على ما يقتضيه لفظه؟ وإن كان المستثنى لا يحصل إلا بعد الوفاة على ما يقتضيه لفظه.

وبعد، فإنه يقال لهم: إذا كنا متى وفينا المستثنى منه الذي هو لإثبات حقه تناول الحال وإذا وفينا المستثنى حقه تناول بعد الموت ومثل ذلك لا يصح في الاستثناء فيجب أن يصرف الكلام عن الاستثناء ونقول وإذا كان لفظه لفظ الاستثناء فالمراد به ما يجري مجرى استئناف من كلام يكون القصد به إزالة الشبهة عن القلوب فكأنه عليه السلام ظن أنه لو أطلق الكلام إطلاقا لدخلت الشبهة على قوم في أن يكون نبيا بعده * فيجب أن يصرف الكلام عن الاستثناء بعده * (٣) فأزال هذه الشبهة بما يجري مجرى المبتدأ من كلامه (٤) فيصير كأنه قال: أنت يا علي مني في هذه الحال بمنزلة هارون من موسى لكنه لا نبي بعدي [ ليس بأن يتناول الحال أولى من المستقبل ] (٥)... ".

يقال له: ليس يحتاج إلى الشرط الذي قدرته لأن الاستثناء إذا تعلق بحال الموت ووجب أن يكون ما أثبت بصدد الكلام من المنازل مقصودا به إلى هذه الحال ليحصل المطابقة على ما بيناه في كلامنا المتقدم فالشرط

(١) غ " هذا الخبر ".

(٢) غ " يحصل حال الحياة ".

(٣) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٤) غ " الابتداء من القول ".

(٥) المغني: ٢٠ ق ١ / ١٦٣ وما بين المعقوفين ساقط من " الشافي ".

٣١
مستغنى عنه وفيما استثني منه لأن ما أثبته من المنازل بعده لا بد فيه من القطع المنافي لتقدير الشرط، وما نفاه بالاستثناء من منزلة النبوة تناول منزلة لولاه لثبت قطعا أيضا بغير شرط.

فأما قوله: " وليس يجب بدخول الشرط في الاستثناء أن يدخل في المستثنى منه مع إمكان جملة على ظاهره " فهو وإن سقط بما ذكرناه يفسد أيضا بما اعترف به من وجوب مطابقة الاستثناء للمستثنى منه لأن الاستثناء إذا دخل فيه الشرط الذي قدره ولم يدخل المستثنى منه فقد تعلق بحال لا يقتضيها صدر الكلام، ولا ينطوي ما أثبته من المنازل عليها، فلا فرق بين أن يستثني النبوة بعد الوفاة مشروطة وإن كانت غير داخلة فيما تقدم ولا كان ما أثبته من المنازل متعلقا بحال الوفاة جملة وبين أن يستثني غيرها مما لا يدخل تحت ما أثبته، وهذا مفسد لحقيقة الاستثناء، ومخرج له عما وضع له، فوجب بهذه الجملة لو صرنا إلى ما ادعاه من إثبات الشرط دخوله في الأمرين ليتم المطابقة وتثبت حقيقة الاستثناء، وليس ما ذكره في آخر الفصل من ادعاء استئناف الكلام وإخراجه عن باب الاستثناء بشئ، لأنه لما رأى أن تأويله يبطل حقيقة الاستثناء وما يجب من مطابقته للمستثنى منه حمل نفسه على نفيه وظاهر الكلام يقتضي خلاف ما قاله لأن إيراد لفظ " إلا " بعد جملة متقدمة لا تكون إلا للاستثناء حقيقة، وإنما يحمل في بعض المواضع على الابتداء والاستيناف أيضا ضرورة على سبيل المجاز، وليس لنا أن نعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة وادعاؤه أن الذي يوجب إخراج الكلام عن الاستثناء تناوله لبعد الموت مع أن المستثنى منه من حقه أن يتناول الحال، غير صحيح، لأن ذلك إنما كان يجب لو لم يكن لنا عنه مندوحة، فأما مع إمكان ما ذكرناه من تناول المستثنى منه للحال التي تعلق الاستثناء بها وإعطاء الاستثناء ما يقتضيه حقيقة من المطابقة لما تقدم فلا وجه لما ذكره من العدول عن الظاهر من الكلام وجعل

٣٢
ما ظاهره يقتضي الاستثناء لغيره.

فأما قوله: " وكان يجب أن لا يدخل تحت الخبر منزلة يستحقها أمير المؤمنين عليه السلام في الحال " فإن ذلك واجب على قول من جعل الاستثناء متعلقا ببعد الموت لا ببعد النبوة لأن الغرض عندهم بهذا الخبر النص على الإمامة بعد الوفاة، فإذا بينوا أن الخبر يقتضيها فقد تم الغرض وإن كان من يجب له منزلة الإمامة لا بد أن يكون في الحال على أحوال من الفضل وغيره لا يقتضيها في الحال ظاهر اللفظ، ولم نجده عول في إبطال قول من ذكرناه على أكثر من ادعاء بطلانه وفساده من غير إيراد ما يجري مجرى الحجة أو الشبهة، وأما على قول من جعل النفي متعلقا ببعد النبوة وعم به أحوال الحياة والوفاة فإنه يجعل ظاهر الخبر مقتضيا لإثبات جميع المنازل بعد ما أخرجه الاستثناء في الأحوال التي تعلق نفي النبوة بها وهي أحوال الحياة والوفاة معا ولا يخص بذلك المستثنى منه دون المستثنى على ما سأل صاحب الكتاب نفسه عنه، ونقول: متى أخرجت منزلة الإمامة من الثبوت في جميع حال الحياة أو من الاستمرار في جميع أحوال الوفاة فالدليل اقتضى الانصراف عن الظاهر يجب العمل به والتمسك بما عداه من مقتضى الظاهر، وإذا قيل له: فاجعل الاثبات متعلقا بالحياة خاصة والنفي مختصا بالوفاة أو عاما للأمرين ولا يوجب المطابقة قياسا على ما استعملته من التخصيص قال: ليس يجب إذا اضطررت إلى تخصيص ما لا بد له وإن كان ظاهر الكلام يقتضي خلافه إن التزم تخصيصا لا دلالة تقتضيه فقد بطل بما أوردناه جميع كلامه في الفصل على جملة وتفصيل.

قال صاحب الكتاب: " فإن قال: إن قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) ليس بأن يتناول الحال بأولى من المستقبل فيجب أن يحمل الاستثناء على ظاهره، لأنه لا فرق بين أن يخرج من الكلام ما لولاه

٣٣
لثبت في الحال، أو ما لولاه لثبت في المستقبل، قيل له: إن ظاهر هذا الكلام لا يقتضي إلا الحال، وإنما يقتضي المستقبل من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، ومن حق الاستثناء أن يعود إلى اللفظ لا إلى المعنى فلا يصح ما ذكرته، يبين ما ذكرناه أنه لو تغيرت منزلته في المستقبل لم يبطل حكم اللفظ، ولو كانت منزلته غير حاصلة في الحال لبطل حكم اللفظ، فعلمنا أن الذي يقتضيه الظاهر هو الحال وإنما يحكم بدوامه من جهة المعنى، وذلك يبين صحة ما ذكرناه، على أنه لو جعل ذلك دلالة على ضد ما قالوه بأن يقال: لم يكن لهارون من موسى منزلة الإمامة بعده البتة، فيجب إذا كان حال علي عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله حال هارون من موسى أن يكون إماما بعده لكان أقرب مما تعلقوا به، لأنهم راموا إثبات منزلة مقدرة ليست حاصلة بهذا الخبر، فإن ساغ لهم ذلك ساغ لمن خالفهم أن يدعي أن الخبر يتناول نفي الإمامة بعد الرسول صلى الله عليه وآله من حيث لم يكن ذلك لهارون بعد موسى، ومتى قالوا: ليس ذلك مما يعد من المنازل فيتناوله الخبر، قلنا بمثله في المقدر الذي ذكروه.

وبعد، فإنه يقال لهم: قد ثبت من منزلة هارون من موسى الشركة في النبوة في حال حياته، والذي كان له منزلة الإمامة بعده يوشع بن نون فلو أراد عليه السلام بهذا الخبر الإمامة لكان يشبه منزلته منه بمنزلة يوشع ابن نون من موسى وهذا يبين أن مراده عليه السلام ما ينفيه من بعد مما يقتضي إثباته في الحال فقط،... " (١) يقال له: إنا لا نسألك عن هذا السؤال الذي أوردته على نفسك ومع إنا لا نسألك عنه فقد أجبت عنه بما ليس بصحيح، لأن مجرد اللفظ الذي يقتضي الاثبات من الخبر لا يقتضي بظاهره لا الحال ولا المستقبل،

(١) المغني: ٢٠ ق ١ / ١٦.

٣٤
وإنما يرجع في ذلك إلى غير ما يقتضيه لفظ الاثبات، ولهذا يرجع أصحابنا في تعلق الاثبات بالوفاة أو بحال الوفاة والحياة معا إلى الاستثناء، وكما إن المنزلة لو تغيرت في المستقبل على ما ذكرت لم يبطل حكم اللفظ فكذلك لو لم يحصل في الحال لما بطل أيضا حكم اللفظ لأن النبي صلى الله عليه وآله لو دلنا عند خطابه لنا بالخبر على أن مراده به إثبات المنازل في حال منتظرة لم يكن القول مجازا ولا بطل حكم لفظه، وإنما يصح ما ادعيته لو كان إطلاق القول يقتضي الحال وهذا غير مسلم ولم نرك دللت عليه بأكثر من دعواك بطلان حكم اللفظ، وهذه دعوى باطلة.

فأما ادعاؤه اقتضاء الخبر لنفي الإمامة من حيث لم يكن هارون بعد وفاة موسى إماما (١) وقوله: " إنه لم يكن بهذه الصفة منزلة " فبعيد من الصواب لأن هارون وإن لم يكن خليفة لموسى بعد وفاته، فقد دللنا على أنه لو بقي لخلفه في أمته، وإن هذه المنزلة وإن كانت مقدرة يصح أن تعد في منازله، وإن المقدر لو تسامحنا (٢) بأنه لا توصف المنزلة لكان لا بد من أن يوصف ما هو عليه من استحقاق الخلافة بعده بأنه منزلة لأن التقدير وإن كان في نفس الخلافة بعده فليس هو في استحقاقها، وما يقتضي وجوبها، وإذا ثبت ذلك فالواجب فيمن شبهت حاله بحاله، وجعل له مثل منزلته إذا بقي إلى بعد الوفاة أن تجب له الخلافة ولا يقدح في ثبوتها له أنها لم تثبت لهارون بعد الوفاة، ولو كان ما ذكروه صحيحا لوجب فيمن قال لوكيله: اعط فلانا في كل شهر إذا حضرك دينارا ثم قال في الحال أو بعدها بمدة: وأنزل فلانا منزلته، ثم قدرنا أن المذكور الأول لم يحضر

(١) خ " وجعله ".

(٢) خ " تسمحنا ".

٣٥
المأمور لعطيته (١) ولم يقبض ما جعله له من الدينار أن يجعل الوكيل إن كان الأمر على ما ادعاه صاحب الكتاب تأخر المذكور الأول طريقا إلى حرمان الثاني العطية، وأن يقول له: إذا كنت إنما أنزلت منزلة فلان وفلان لم يحصل له عطية، فيجب أن لا يحصل لك أيضا، وفي علمنا بأنه ليس للوكيل ولا غيره منع من ذكرنا حاله، ولا أن يعتل في حرمانه بمثل علة صاحب الكتاب دليل على بطلان هذه الشبهة على أن النفي وما جرى مجراه لا يصح وصفه بأنه منزلة وإن صح وصف المقدر الجاري مجرى الاثبات بذلك إذا كان سبب استحقاقه ووقوعه ثابتا ألا ترى أنه لا يصح أن يقول أحدنا: فلان مني بمنزلة فلان من فلان في أنه ليس بأخيه ولا شريكه ولا وكيله ولا فيما جرى مجراه من النفي، وإن صح هذا القول فيما يجري مجرى المقدر من أنه إذا شفع إليه شفعه، وإذا سأله أعطاه، ولا يجعل أحد أنه لم يشفع إذا كان ممن لو شفع لشفع (٢) منزلة يقتضي فيمن جعل له مثل منزلته بأن لا يجاب شفاعته.

فأما الاعتراض بيوشع بن نون، فقد أجاب أصحابنا عنه بأجوبة:

أحدها: أنا إذا دللنا على أن الخبر على صورته هذه دال على الإمامة، ومقتض لحصولها لأمير المؤمنين عليه السلام كدلالته لو تضمن ذكر يوشع بن نون فإلزامنا مع ما ذكرناه أن يرد على خلاف هذه الصورة اقتراح في الأدلة، وتحكم، لأنه لا فرق في معنى الدلالة على الإمامة بين وروده على الوجهين وإنما كان لشبهتهم وجه لو كان متى ورد غير متضمن لذكر يوشع لم يكن فيه دلالة على النص بالإمامة، فأما والأمر بخلاف ذلك فقولهم ظاهر البطلان لأنه يلزم مثله في سائر الأدلة.

(١) لتعطيه خ ل.

(٢) خ " لم يشفع ".

٣٦
وثانيها: أنه عليه السلام لما قصد إلى استخلافه في حياته وبعد وفاته لم يجز أن يعدل عن تشبيه حاله بحال هارون من موسى لأنه هو الذي خلفه في حياته، واستحق أن يخلفه بعد وفاته ويوشع بن نون لم يحصل له هاتان المنزلتان ففي ذكره، والعدول عن ذكر هارون إخلال بالغرض.

وثالثها: أن هارون كانت له مع منزلته الخلافة في الحياة والاستحقاق لها بعد الوفاة منزلة التقدم على سائر أصحاب موسى وكونه أفضلهم بعده وهذه منزلة أراد النبي صلى الله عليه وآله إيجابها لأمير المؤمنين عليه السلام ولو ذكر بدلا من هارون يوشع بن نون لم تكن دالا عليها.

ورابعها: إن خلافة هارون لموسى عليهما السلام نطق بها القرآن وظهر أمرها لجميع المسلمين، وليس خلافة يوشع بن نون لموسى عليه السلام بعده ثابتة بالقرآن، ولا ظاهرة لكل من ظهر له خلافة هارون فأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يوجب له الإمامة بالأمر الواضح الجلي الذي يشهد به القرآن ولا يعترض فيه الشبهات، على أن يوشع بن نون لم يكن خليفة لموسى عليه السلام بعده فيما يقتضي الإمامة، وإنما كان نبيا بعده مؤديا لشرعه وخلافته فيما يتعلق بالإمامة كانت في ولد هارون، فليس للمخالف أن يقول: إن حصول الإمامة في ولد هارون غير معلوم من طريق يقطع عليه، لأن المرجع فيه إلى أخبار الآحاد، أو إلى قول اليهود الذي لا حجة فيه، وليس هكذا حكم نبوة يوشع بن نون لأنه لا خلاف بين المسلمين في أنه كان نبيا بعد موسى عليه السلام لأنا نقول له: اعمل على أن الأمر كما ذكرت أليس وإن علمنا بنبوة يوشع بعد موسى فإنا غير عالمين بأن الإمامة كانت إليه، وأنه كان المتولي لما يقوم به الأئمة فلا بد من

٣٧
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٣٨ - ص ٥٤)
٣٨
خلافة لأن الوجه الذي له كان يقوم بهذه الأمور كونه نبيا معه لا خلافته له،.... " (١).

يقال له: قد مضى فيما سلف من كلامنا أنا لا نحتاج في إثبات النص بهذا الخبر على الطريقتين معا إلى إثبات أن هارون لو بقي بعد موسى لخلفه ولا إلى أنه كان خليفة له في حياته على وجه يثبت بقوله، وبينا أن طاعة هارون إذا كانت واجبة على قوم موسى بعد وفاته كما كانت واجبة في حياته، وإن كان جهة وجوبها له هي النبوة فهي منزلة يصح أن تجعل لغيره وإن لم يكن نبيا وأبطلنا قول من ظن أن في استثناء النبوة استثناء هذه المنزلة بما نحن أغنياء عن إعادته فلو أعرضنا عن نقل ما تضمنه الفصل الذي حكيناه لم يكن إعراضنا مخلا بصحة ما نصرناه من الطريقين جميعا في إثبات النص على أنا نقول له: قد دللنا أيضا على أن هارون لو بقي بعد موسى عليه السلام لكان خليفته والقائم بأمر أمته بما لا يطعن فيه كلامك هذا الذي حكيناه، لأنا قد بينا أن خلافته له لو وجبت في حال دون حال مع علمنا بأنها منزلة في الدين جليلة، ورتبة فيه عظيمة، لاقتضى نفيها بعد ثبوتها من التنفير أكثر مما يقتضيه جميع ما ينفيه خصومنا عن الأنبياء عليهم السلام لمكان التنفير فلا بد من القول بأن خلافته في حال حياته اقتضت الخلافة بعد الموت من الوجه الذي ذكرناه، والذي قدره من التقييد بحال الحياة دون غيرها باطل، لأن موسى عليه السلام أعلم منا بما قلناه من اقتضاء نفي الإمامة بعد ثبوتها للتنفير، فكيف يجوز أن يفيد الخلافة بحال دون حال؟ وكيف يسوغه الله تعالى ذلك وهو لا ينطق إلا عن وحيه؟ ولو جاز فيما يقتضي النبوة استمراره التقييد والاختصاص لجاز مثله في نفس النبوة، فكأنا نقول لصاحب

(١) المغني نفس الصفحة.

٣٩
الكتاب: لو قيد موسى عليه السلام الخلافة بحال دون حال لوجبت على الوجه الذي تعلق كلامه به، غير أن ذلك لا يجوز أن يفعله عليه السلام لما ذكرناه، وليس ما عارض به من الوكالة والإمارة بشئ، لأنا إنما أوجبنا استمرار خلافة هارون وأبطلنا التخصيص فيها والتقييد لأمر لا يثبت في الأمير والوكيل ومن يجري مجراهما، لأن ولاية هؤلاء يصح فيها العزل والتقييد وضروب التخصيص، ولا يؤدي إلى التنفير الذي منعنا منه في هارون عليه السلام.

فأما الدلالة على أن هارون كان خليفة موسى عليه السلام على وجه يثبت بقوله، فهو القرآن والاجماع قال الله تعالى حكاية عن موسى: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي) والظاهر من الاستخلاف حصول الولاية للمستخلف بالقول على طريق النيابة عن المستخلف، ولهذا لا يصح للانسان أن يقول لغيره: اخلفني في نفقة عيالك، والقيام بالواجب عليك من أمر منزلك، أو اخلفني في أداء فروضك وعباداتك، وقد يجوز أن يأمره بما يجب عليه على سبيل التأكيد فيقول له: اطع ربك وأقم صلاتك، وأخرج مما يجب من زكاتك، فقد بان الفرق بين قوله:

(وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) في وقوعه على سبيل التأكيد وبين قوله: (اخلفني في قومي) في أنه ظاهرة تقتضي ولاية تثبت بهذا القول على جهة النيابة وليس لأحد أن يمنع من التعلق بظاهر قوله: (اخلفني في قومي) بأن يقول: إنه حكاية لكلام موسى وليس هو نفس كلامه فكيف يصح التعلق بظاهره لأنه وإن لم يكن حكاية للفظ موسى بعينه فهو مفيد لمعنى كلامه ومراده، فلا بد من أن يكون موسى أراد بما هذا الكلام حكايته معنى الاستخلاف الذي نعقله، ونستفيد منه المعنى الذي تقدم ذكره، لأنه لو لم يكن المراد ما ذكرناه لم نفهم بحكايته تعالى عن موسى شيئا وساغ لقائل أن يقول في قوله تعالى حكايته عنه: (واجعل لي وزيرا

٤٠