×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري) (١) أنه لم يرد بسؤاله ما نعقله من معنى الوزارة والشركة، بل أراد غيره من حيث لم يكن لفظ موسى نفسه محكيا.

فأما الإجماع فدلالته أيضا على ما ذكرناه ظاهرة لأنه لا خلاف بين الأمة في أن هارون كان خليفة لموسى ونائبا عنه وتابعا لأمره ونهيه، وظاهر إجماعهم على الاستخلاف والنيابة يقتضي ما تقدم ذكره فأما قوله: " إنه إذا كان شريكه في النبوة فلا بد من أن يلزمه عند غيبته أن يقوم بأمر قومه وإن لم يستخلفه " فغلط ظاهر لأنه لا ينكر وإن كان شريكا له في النبوة أن يختص موسى عليه السلام دونه بما تقوم به الأئمة من إقامة الحدود وما جرى مجراها، لأن مجرد النبوة لا يقتضي هذه الولاية المخصوصة، وإذا كان هذا جائزا لم يجب أن يقوم هارون عند غيبة أخيه بهذه الأمور لأجل نبوته، ولم يكن من الاستخلاف له ليقوم بذلك بد لأنه لو لم يستخلفه في الابتداء لو استخلف غيره كان جائزا.

فإن قيل: قد بنيتم كلامكم على أن الشركة في النبوة لا تقتضي الولاية على ما تقوم به الأئمة وأن من الجائز أن ينفرد موسى عليه السلام بهذه الولاية عن أخيه فاعملوا على أن ما ذكرتموه جائز من أين لكم القطع على هذه الحال وأن هارون إنما تصرف فيما يقوم به الأئمة لاستخلاف موسى له لا لمكان نبوته.

قلنا: الغرض بكلامنا في هذا الموضع أن نبين جواز ما ظن المخالفون أنه غير جائز والذي نقطع به على أحد الجائزين هو ما قدمنا ذكره من دلالة الآية والاجماع.

(١) طه ٢٩ - ٣٢.

٤١
قال صاحب الكتاب: " وبعد، فغير واجب فيمن يكون شريكا لموسى في النبوة أن يكون هو القائم (١) بعد وفاته بما يقوم به الإمام، بل لا يمتنع في التعبد أن يكون النبي منفردا بأداء الشرع وتعليمه وبيانه فقط، والذي يقوم بالحدود والأحكام والسياسة الراجعة إلى مصالح الدنيا غيره، كما يروى في أخبار طالوت وداود، يبين ذلك أن القيام بما يقوم به الإمام تعبد وشرع، فإذا جاز من الله تعالى أن يبعث نبيا ببعض الشرائع دون بعض فما الذي يمنع من أن يحمله الشرع ولا يجعل إليه (٢) هذه الأمور أصلا ". ثم قال بعد سؤال لا نسأله عنه " وبعد فإنه يقال لهم: إذا كان سبب الاستخلاف الغيبة فما أنكرتم أنها إذا زالت زال الاستخلاف بزوالها ويكون اللفظ وإن كان مطلقا في حكم المقيد لأن السبب والعلة فيما يقتضيانه أقوى من القول فيما حل هذا المحل وعلى هذا الوجه جرت العادة من الرسول أنه كان يستخلف بالمدينة عند الغيبة الواحد من أصحابه فإذا عاد زال حكم الاستخلاف كما روي في ابن أم مكتوم (٣) وعثمان وغيرهما

(١) في " المغني " والمخطوطة " القيم ".

(٢) غ " ولا يجعل الله ".

(٣) في " المغني " ابن أم كلثوم، ولا أدري كيف يكون مثل هذا الخطأ في كتاب حققه شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود، وأستاذ الفلسفة فيه الدكتور سليمان دنيا، وراجعه الدكتور إبراهيم مدكور، وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، ولولا عشرات بل مئات الأخطاء وقعت في هذا الكتاب لما ذكرت هذا.

أما ابن أم مكتوم فهو عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصم القرشي العامري الأعمى المؤذن وأمه أم مكتوم اسمها عاتكة بنت عبد الله بن عنكثة بن عامر بن مخزوم وهو ابن خال خديجة بنت خويلد فإن أم خديجة فاطمة بنت زائدة بن الأصم هاجر إلى المدينة بعد مصعب بن عمير وقيل بعد بدر، وقد استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة في بعض غزواته مرتين وقيل ثلاث عشرة مرة وسنشير إلى ذلك قريبا وشهد فتح القادسية وكان معه اللواء وقتل بالقادسية، وقيل رجع منها إلى المدينة فمات (انظر أسد الغابة ٤ / ١٢٧).

٤٢
يبين ذلك أن استخلافه في حال الغيبة يقتضي أنه خليفته في موضع دون موضع (١) لأنه لا يجوز أن يكون خليفته في المكان الذي غاب إليه وإنما يكون خليفته في الموضع الذي غاب عنه، فلو قلنا: إن ذلك يقتضي كونه خليفة بعد موته لاقتضى أن يكون خليفة في الكل، واللفظ الأول لم يقتضه، وهذا يبين أن ذلك لا يقع إلا مقيدا.،... " (٢).

يقال له: أول ما في كلامك أنه ناقض لما حكيناه عنك قبل هذا الفصل من قولك: " إن هارون لا يجوز أن يكون شريكا لموسى عليه السلام في النبوة إلا ويلزمه عند غيبته أن يقوم بأمر قومه لمكان نبوته وإن لم يستخلفه " لأنك جوزت هاهنا أن يكون موسى عليه السلام منفردا بما يقوم به الإمام مضافا إلى الأداء والتبليغ، ويكون هارون مشاركا في الأداء والتبليغ دون غيره، وهذا يقتضي حاجته إلى الاستخلاف فيما يقوم به الأئمة.

فإن قلت: إنني لم أطلق ما ذكرتموه وإنما قلت: غير واجب فيمن يكون شريكا لموسى عليه السلام في النبوة أن يكون هو القيم بعد وفاته بما يقوم به الإمام.

قلنا: لا فرق بين ما قلته وحكيناه لأن ما يقوم به الأئمة لو كان من مقتضى النبوة على ما دل كلامك عليه في الفصل الأول لم يجز فيمن كان شريكا لموسى في النبوة أن يبقى بعده ولا يقوم بذلك مع ثبوت المقتضي الذي هو النبوة وإذا أجزت في شريك موسى في النبوة أن يبقى بعده ولا يتولى ما يقوم به الأئمة، فلا بد أن يجوز مثله في حياته لأنه إذا لم يكن من مقتضى النبوة جاز في الحالين، وإذا جاز فيهما صح ما حكيناه من تجويزك

(١) غ " في حال دون حال النبي عليه السلام ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٦٦ - ١٦٧.

٤٣
انفراد موسى بما يقوم به الأئمة، وإن كان هارون شريكه في النبوة، وليس لك أن تقول: إنني إنما عنيت بكلامي الأول أن هارون يلزمه عند غيبة موسى أن يقوم بأمر قومه على وجه التبليغ والأداء اللذين تقتضيهما النبوة، لأنك لو أردت ذلك لكنت متكلما على غير ما نحن فيه لأنا لم نقل ولا أحد من الناس: إن هارون لو بقي بعد موسى لكان خليفة له في الأداء والتبليغ اللذين هما من مقتضى النبوة فيكون كلامك مبطلا لذلك، وإنما أوجبنا أن يكون خليفته بعد وفاته على قومه فيما يقوم به الأئمة، فلا بد أن يكون مرادك بالكلام الأول ما ذكرناه، ثم نقول: إن الذي ذكرته من جواز انفراد موسى بما يقوم به الأئمة دون هارون، وإنه غير واجب فيما كان شريكه في النبوة أن يكون شريكه في القيام بهذه الأمور في حياته وبعد وفاته، صحيح سديد غير أنه وإن كان غير واجب في الابتداء لما ذكرته فليس يجوز بعد حصوله لهارون أن يخرج عنه ويصرف عن توليه لما ذكرناه من اقتضائه التنفير الذي يمنع النبوة منه.

فأما التعلق بالسبب وإنه كان الغيبة فغير مؤثر لأن أكثر ما يقتضيه السبب تعلق الكلام به، ومطابقته له، وليس بموجب أن لا يتعداه و يتجاوزه، فإذا سلم أن الغيبة كانت السبب في استخلاف هارون لم ينكر ثبوت الخلافة له بعدها لما بيناه، ألا ترى أن موسى عليه السلام لو قال لأخيه مع أن السبب كان الغيبة: اخلفني في قومي في الغيبة والحضور وفي حياتي، وبعد وفاتي وعلى كل حال لم يكن كلامه منافيا للسبب.

فأما ما روي من استخلاف النبي صلى الله عليه وآله ابن أم مكتوم وعثمان ومن جرى مجراهما فإنا لم نعلم زوال ولايتهم وانقطاعها باعتبار زوال السبب على ما ظنه، بل لأمر زائد لأنه لا خلاف بين الأمة في انقطاع ولاية هؤلاء وعدم استمرارها، على إنا لا نتعلق على هذه الطريقة

٤٤
باستخلاف أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة في وجوب الإمامة فيما بعد، بل بما بيناه من مقتضى الخبر ووجه دلالته، فإن أراد صاحب الكتاب بما ادعاه من سبب الاستخلاف استخلاف الرسول صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام على المدينة فقد بينا ما فيه، وإن أراد استخلاف موسى أخاه فقد ذكرنا ما يخص هذا الوجه أيضا، وإن كان عاما للأول من أن السبب لا يقتضي قصر الكلام عليه.

فأما قوله: " إن الاستخلاف في الغيبة يقتضي أنه خليفة في موضع دون موضع " إلى آخر الفصل، فلو سلمنا اختصاص الاستخلاف في الغيبة على ما ادعاه مع أنه غير واجب لثبت أيضا ما نريده لأنه إذا ثبت لهارون بعد أخيه من الإمامة والخلافة وإن كانتا مخصوصتين ما كان ضائرا لما دللنا عليه من قبل، وأوجبه الخبر لأمير المؤمنين عليه السلام مثل هذه المنزلة، وصح ما نقصده لأن الأمة مجمعة على أن كل من وجب له بنص الرسول صلى الله عليه وآله بعد وفاته إمامة في بعض المواضع فهو الإمام في جميعها على سبيل العموم، فلو لم يكن اللفظ يقتضي ما ذكرناه لكان هذا الاعتبار يقتضيه.

وربما سئلنا عن نظير هذا السؤال بأن يقال: إن هارون إنما كان خليفة لموسى على بعض قومه دون بعض، لأنه كان خليفة له على ما خلفه ولم يستصحبه، فكيف توجبون بنظير هذه المنزلة الإمامة على جميع الناس.

والجواب عن ذلك، هو الجواب عن الأول بعينه، وكل هذا الكلام إنما نتكلفه إذا كان تعلقنا باستخلاف موسى لهارون عليه السلام، فأما إذا ما رجعنا إلى ما تقتضيه نبوته من فرض الطاعة وعمومها لجميع المواضع ولسائر أمة موسى على الطريقة التي بينا فيما سلف لم يلزمنا شئ من كلامه ولم نحتج إلى أكثر ما تكلفناه معه.

٤٥
قال صاحب الكتاب: " على أنه يقال لهم: إن هارون لو عاش بعد موسى لكان الذي يثبت له أن يكون كما كان من قبل، وقد كان من قبل أن يقوم بهذه الأمور لنبوته فيجب إذا لم تبطل نبوته بموت موسى أن يكون له أن يقوم بذلك، فإن كنتم توجبون لعلي عليه السلام مثل ذلك فيجب أن يكون بعد موته عليه السلام إماما له أن يقوم (١) بذلك كما كان (٢) وقد علمنا أنه لم يكن إماما في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ولا كان له أن يقوم بهذه الأمور على الوجه الذي يقوم به الإمام، فيجب أن يكون حاله بعد موته كما كان، لأن هذه المنزلة هي التي كانت لهارون من موسى عليه السلام يبين ذلك أنه في حياته (٣) كان له أن يقوم بهذه الأمور والحال حال شركة فبأن يكون له أن يقوم بذلك بعد وفاته أولى، فلما ثبت ذلك له على الحد الذي كان لا على وجه مخالف له فيجب مثله لعلي عليه السلام وهذا بأن يقتضي نفي الإمامة أولى من أن يقتضي إثباتها،... " (٤).

يقال له: لم زعمت أن هارون لو بقي بعد موسى لكان إنما يجب أن يقوم بما يقوم به الأئمة لموضع نبوته، أوليس قد بينا فيما سلف من كلامنا أن هذه المنزلة منفصلة من النبوة، وأنه لا يمتنع أن يكون النبي صلى الله عليه وآله من حيث كان نبيا لا يتولاها ولا يجب له القيام بها، واعترفت في بعض ما حكيناه من كلامك بذلك، فقلت: " إنه غير واجب فيمن يكون شريكا لموسى في النبوة أن يكون هو القيم بعد وفاته بما يقوم به الإمام " غير أن الذي ذكرته وإن كان ليس بصحيح، يمكن أن يرتب

(١) " إماما له أن يقوم " ساقطة من المغني.

(٢) في المغني " حاله كما كان ".

(٣) غ " في حال حياته ".

(٤) المغني ٢٠ ق ١ / ١٦٧.

٤٦
الكلام عليه على وجه يلزم معه الانفصال، فيقال: إذا كنتم قد صرحتم فيما مضى من كلامكم بأن استخلاف موسى لأخيه هارون لو لم يثبت لكان استدلالكم على النص مع فقده متوجها باعتبار ما يجب لهارون من فرض الطاعة على أمة موسى في حياته، ووجوب استمرار ذلك لو بقي إلى بعد وفاته، وإن كان من مقتضى النبوة، وقلتم: إنه غير واجب فيمن جعل له مثل منزلة هارون من موسى في باب فرض الطاعة أن يكون مشاركا له في سبب هذه المنزلة، فقد ثبت من هذا الوجه أن هارون كان يجب له فرض الطاعة بعد موسى لمكان نبوته على سبيل الاستمرار لا التجدد، ويلزمكم الجواب.

ويمكن أن يتوجه من وجه آخر وهو أن هارون إذا كان خليفة لموسى حال حياته وأوجبتم خلافته لو بقي بعده لما ذكرتموه من التنفير، فلا بد من ثبوت الخلافة في جميع أحوال الحياة على استقبال استخلاف أخيه له بالوجه الذي أوجبتم به حصولها بعد الوفاة، وإذا حصلت هذه المنزلة لهارون مستمرة غير متحدة ولم يمكن بأن تجعلوا حال أمير المؤمنين عليه السلام فيها كحاله لزمكم الكلام والجواب عن السؤال إذا رتب الترتيب الذي ذكرناه هو أنه لا معتبر في ثبوت منزلة الخلافة لهارون بعد وفاة أخيه لو بقي إليها باستمرار هذه المنزلة أو تجددها فلا فرق في الوجه الذي قصدناه بين الأمرين لأن منزلة الخلافة في الحياة كالمنفصلة من منزلة الخلافة بعد الوفاة، بل حصولها في كل حال كالمنفصل من الحال الأخرى لجواز أن يثبت في إحدى الحالتين ولا يثبت في الأخرى، وإذا كانت حال الخلافة في الحالين على ما ذكرناه من الانفصال لم يمتنع أن يقع التشبيه بإحداهما دون الأخرى ويجعل للمشبه بهارون عليه السلام منزلة الوفاة دون ما يجب في الحياة، وليس معنى أن هارون لو بقي لوجب أن يكون كما كان أكثر من أن منزلة الخلافة كانت تثبت له في الحالين، وينضاف إلى ثبوتها في الحياة ثبوتها بعد الوفاة،

٤٧
وغير واجب فيمن جعل بمثابة هارون أن لا يصح ذلك فيه إلا بعد ثبوت المنزلتين له في كلتا الحالتين.

ومما يكشف عن صحة قولنا وبطلان ما اعتبره صاحب الكتاب أن أحدنا لو قال لغيره: أنت مني اليوم بمنزلة فلان من فلان، وكان أحد اللذين أشار إليهما وكيلا لصاحبه وكالة متقدمة مستمرة إلى الوقت الذي وقع فيه القول الذي حكيناه، لكان قد أوجب بكلامه كون من جعل له منزلة الوكيل وكيلا له على استقبال الوقت الذي ذكره، ولم يكن لأحد أن ينفي وكالته بأن يقول: إن الذي جعل له مثل منزلته حاله اليوم كحاله فيما تقدم، فيجب إذا جعلنا حال الآخر كحاله أن لا يكون وكيلا، بل كان المعترض بمثل هذا القول عند جميع العقلاء مستنقص الفهم والفطنة، لا لشئ إلا لما ذكرناه من أنه لا اعتبار باستمرار الوكالة وتجددها، والمعتبر بأن يثبت لمن جعل لغيره مثل منزلته في الحال التي أشير إليها وثبوتها فيما تقدم هذه الحال كانتفائها في الوجه المقصود بالقول، وكما أنه لا معتبر باستمرار المنزلة وتجددها فكذلك لا معتبر باختلاف سببها لأنا قد بينا فيما مضى أن التسوية بين الاثنين في العطية لا توجب اتفاق جهة عطيتهما، بل لا يمتنع أن يختلفا في الجهة والسبب وإن اتفقا في العطية، وإنما أوجبنا لأمير المؤمنين عليه السلام من المنازل منزلة الخلافة بعد الوفاة ولم نوجب استمرار الخلافة في الحياة لأن ما يمنع من إثبات إحدى المنزلتين لا يمنع من الأخرى، فأوجبنا ما لا يمنع الدليل منه باللفظ وأخرجنا ما منع منه، على أن في أصحابنا من ذهب إلى استمرار خلافة أمير المؤمنين عليه السلام واستحقاقه التصرف فيما يتصرف فيه الأئمة في الحال، من ابتداء وقوع النص عليه إلى آخر مدة حياته، غير أنهم يمتنعون من أن يسموه إماما، لأن الإمام هو الذي لا يد فوق يده، ولا يتصرف فيما يتصرف فيه الأئمة على سبيل الخلافة لغيره، والنيابة عنه، وهو حي فيمتنعون من تسميته

٤٨
عليه السلام بالإمامة في حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله لما ذكرناه، ويجرون الاسم بعد الوفاة لزوال المانع، ومن ذهب إلى هذا المذهب فقد أثبت لأمير المؤمنين عليه السلام مثل ما يثبت لهارون من استمرار الخلافة وسقط عنه تكلف ما ذكرناه.

قال صاحب الكتاب: " وبعد فلو ثبت لعلي عليه السلام بالاستخلاف ما يقتضي كونه إماما بعده لوجب أن يكون له أن يقيم الحدود، ويقوم بسائر ما يقوم به الأئمة في حياته صلى الله عليه وآله من غير إذن وأمر، ونحن نعلم أن ذلك لم يكن له عليه السلام في حياته وأن حاله في أنه كان يفعل ذلك بأمر حال غيره، وكيف يمكنهم أن يقولوا: إنه بحق الاستخلاف يكون إماما بعده، فإن قالوا: نقول في ذلك ما تقولون في الإمام إذا استخلف غيره، قيل لهم: إن سبب الاستخلاف معتبر عندنا فإذا كانت الغيبة (١) كان له أن يقوم بهذه الأمور بعد الغيبة، وإذا كان السبب خوف (٢) الموت فإنما يكون له ذلك بعد الموت ويكون حال حياته خارجة من الاستخلاف، كما أن حال المقام خارجة من الاستخلاف، وليس كذلك قولكم: لأنكم قلتم كما استخلفه عليه السلام في حال الحياة مطلقا (٣) وجب أن يكون مستمرا إلى بعد الموت وذلك يوجب أن يكون إماما فلزمكم ما أوردناه عليكم لأنه لا يمكنكم أن تقولوا: قد استفاد بالموت ما لم يحصل له من قبل إذا كان إنما ثبت له الولاية باستمرار الولاية المتقدمة وأما نحن فإنما أوجبنا الولاية بالموت كما أوجبناها بالغيبة فصح لنا ما ذكرناه دونكم، وعلى هذا الوجه ألزم شيخنا أبو علي من استدل بهذا الخبر إثبات إمامة أمير المؤمنين عليه السلام في

(١) غ " فإذا كان السبب الغيبة ".

(٢) غ " حدث الموت ".

(٣) غ " استخلافا مطلقا ".

٤٩
الحال (١) لأنه عليه السلام أثبت المنزلة في الوقت، وإنما تثبت فيما بعد على جهة الدوام والاستمرار لا على وجه التجدد، فإذا لم يصح كونه إماما في الوقت لما قدمناه من قبل فكيف يكون إماما من بعد؟ ونحن نعلم أنه لما خلفه عليه السلام بالمدينة لم يجز أن يقيم الحدود في غيرها ولا بحيث حضره الرسول ولا على الذين كانوا معه عليه السلام فكيف يجوز أن يعد ذلك إمامة ولو أن قائلا قال: إن الذي ثبت لأمير المؤمنين عليه السلام بحكم هذا القول الإمارة المخصوصة (٢) فيجب بعد وفاته عليه السلام، أن يكون أميرا لا إماما * لكان أقرب، وليس يجب إذا لم يثبت أميرا يجب أن يكون إماما * (٣) لأن نفي أحدهما لا يوجب إثبات الآخر، لأن لكل واحد منهما سببا يقتضيه، يبين ذلك أن عندهم أن الإمام إذا أمر أميرا على بلد ثم حضرته الوفاة فلم ينص عليه فغير واجب أن يكون إماما، يبين ذلك أنه قد يجوز أن يستخلف جماعة، ولا يجوز عندهم أن ينص في الإمامة على جماعة، " ثم قال: " واعلم أن من تعلق باستخلافه عليه السلام في ثبوت الإمامة له بعد موته فهو غير مستدل بالخبر لأن الخبر لو لم يثبت لكان يمكنه التعلق بذلك [ بأن يقول: قد صح أنه عليه السلام قد استخلفه مطلقا فيجب أن يكون خليفة أبدا، ولا يجب أن يكون كذلك إلا وهو إمام بعد وفاته ] (٤) وإنما يكون متعلقا بالخبر متى احتاج إليه على وجه لولاه لما تم استدلاله، وذلك لا يكون إلا بأن يبين أن من منازل هارون (٥) من موسى الإمامة في المعنى أو اللفظ كائنا أو مقدرا،... " (٦).

(١) غ " إثبات أمير المؤمنين إماما في الحال ".

(٢) غ " المخصوصة دون الإمامة ".

(٣) ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٤) التكملة من " المغني ".

(٥) غ " إلا أن ينزل منازل هارون ".

(٦) المغني ٢٠ ق ١ / ١٦٩.

٥٠
يقال له: نراك قد خلطت في كلامك هذا بين الكلام على من تعلق بالاستخلاف على المدينة وأوجب استمراره وبين الكلام على الخبر الذي نحن في تأويله فقد بينا أنه لا تعلق لأحد الأمرين بالآخر فما الذي أردت بقولك: " لو اقتضى الاستخلاف كان إماما بعده لكان له أن يقيم الحدود وغيرها في حياته " فإن كنت تريد أن الاستخلاف على المدينة كان يقتضي ما ذكرته، فقد علمت أن كلامنا الآن معك على غيره، لأنا في تأويل قوله عليه السلام: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) وبيان موضع النص فيه، وإن أردت أن الخبر لو اقتضى الإمامة بعد الوفاة لوجب ما ادعيته، فمن أين توهمت ذلك؟ وقد كان يجب أن تبين الوجه فيما ظننته، أوليس قد بينا أن منزلة الإمامة تثبت لأمير المؤمنين عليه السلام بالخبر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله على سبيل التجدد لا الاستمرار! وقلنا: إن هارون عليه السلام وإن كان مفترض الطاعة في حياة موسى لأجل نبوته ولاستخلاف أخيه له وتثبت له الخلافة من بعد لو بقي بعد ثبوتها فيما مضى وعلى سبيل الاستمرار فليس يجب مثل ذلك في أمير المؤمنين عليه السلام، وأكثر ما في الباب أن تكون الخلافة في أحوال الحياة على سبيل الاستمرار منزلة من منازل هارون منع من إثباتها لأمير المؤمنين عليه السلام دليل كما منع من غيرها، وقد قلنا: أيضا أن من ذهب من أصحابنا إلى استمرار خلافة أمير المؤمنين عليه السلام في حال حياة الرسول صلى الله عليه وآله يسقط عنه هذا الكلام جملة، لأنه يذهب إلى أن إقامة الحدود وما جرى مجراها مما كان له عليه السلام أن يقوم به في تلك الحال على سبيل الخلافة للرسول، فليس قول صاحب الكتاب: " ونحن نعلم أن ذلك لم يكن إليه " بحجة على من قال به ممن ذكرناه، لأنه لم يبين من أين علم ما ادعاه فليس قوله: " لو كان عليه السلام في تلك الأحوال القائم بالحدود وتنفيذ الأحكام لوجب أن ينفذ توليته لها وفعله فيها وأن يظهر ظهورا يشترك سامعوا الأخبار
٥١
في علمه لأنه غير ممتنع أن يكون عليه السلام إليه القيام بهذه الأمور ويمسك عن توليها في تلك الحال لبعض الأغراض والأسباب المانعة، وليس معنى قولنا: أن فلانا إليه كذا وكذا، أنه لا بد من أن يقوم بذلك الأمر ويتولى التصرف فيه، وإنما معناه أن التصرف متى وقع منه كان مستحقا حسنا، ولهذا نجد بعض الأئمة والأمراء يمتنعون من التصرف في بعض الأحوال لعارض، ويكون ما يستحقونه من الولاية بحاله والذي حكاه عن شيخه أبي علي من الالزام قد سقط بجملة كلامنا.

وقوله: " إذا لم يصح كونه إماما في الوقت فكيف يكون إماما بعده ".

فعجب في غير موضعه لأن ما ذكرناه من الفرق بين الحالين وإن ما منع من إثبات الإمامة في أحدهما لا يمنع من إثباتها في الأخرى يزيل التعجب.

فأما قوله: " إنه صلى الله عليه وآله لما خلفه بالمدينة لم يكن له إن يقيم الحدود في غيرها وإن مثل ذلك لا يعد إمامة " فهو كلام على من تعلق بالاستخلاف لا في تأويل الخبر وقد بينا ما هو جواب عنه فيما تقدم وقلنا:

أنه إذا ثبت له عليه السلام بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله فرض الطاعة، واستحقاق التصرف بالأمر والنهي في بعض الأمة، وجب أن يكون إماما على الكل لأنه لا أحد من الأمة ذهب إلى اختصاص ما يجب له في هذه الحال، بل كل من أثبت له هذه المنزلة أثبتها عامة على وجه الإمامة لا الإمارة، فكان الإجماع مانعا من قوله: " فيجب أن يكون بعد وفاته صلى الله عليه وآله أميرا لا إماما " ولم يقل ما ذكرناه من جهة أن نفي الإمارة يقتضي إثبات الإمامة كما ظن، بل لما بيناه من أن وجوب فرض الطاعة إذا ثبت وبطل أن يكون أميرا مختص الولاية بالاجماع، فلا بد من أن يكون إماما لأن الإمارة أو ما جرى مجراها من الولايات المختصة إذا انتفت مع ثبوت وجوب الطاعة فلا بد من ثبوت الإمامة.

٥٢
فأما قوله: " إن التعلق بالاستخلاف على المدينة خارج عن الاستدلال بالخبر " فصحيح وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا نسبة بين الأمرين، وعجبنا من إيراده ذلك في جملة ما حكاه عن أصحابنا من الطرق في الاستدلال بالخبر.

فإن قيل: فقد ذكرتم أن التعلق بالاستخلاف على المدينة طريقة معتمدة لأصحابكم فبينوا وجه الاستدلال بها.

قلنا: الوجه في دلالتها أنه قد ثبت استخلاف النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام لما توجه إلى غزوة تبوك ولم يثبت عزله عن هذه الولاية يقول من الرسول صلى الله عليه وآله، ولا دليل، فوجب أن يكون الإمام بعد وفاته لأن حاله لم يتغير.

فإن قيل: ما أنكرتم من أن يكون رجوع النبي إلى المدينة يقتضي عزله وإن لم يقع العزل بالقول.

قلنا: إن الرجوع ليس بعزل عن الولاية في عادة ولا عرف، وكيف يكون العود من الغيبة عزلا أو مقتضيا للعزل؟ وقد يجتمع الخليفة والمستخلف في البلد الواحد ولا ينفي حضوره الخلافة له، وإنما يثبت في بعض الأحوال العزل بعود المستخلف إذا كان قد علمنا أن الاستخلاف تعلق بحال الغيبة دون غيرها فيكون الغيبة كالشرط فيه ولم يعلم مثل ذلك في استخلاف أمير المؤمنين.

فإن عارض معارض بمن روى أن النبي صلى الله عليه وآله استخلفه كمعاذ (١) وابن أم مكتوم وغيرهما، فالجواب عنه قد تقدم، وهو أن

(١) يريد معاذ بن جبل والمعروف أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما انصرف من مكة سنة ٨ استعمل على مكة عتاب بن أسيد وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس سيرة ابن هشام ٤ / ١٤٣) ثم بعثه إلى اليمن (سيرة ابن هشام ٤ / ٢٣٧) وابن أم مكتوم استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله على المدينة في غزوة الفرع بضمتين - من نجران وهي قرية من ناحية المدينة (سيرة ابن هشام ١ / ٥٠) واستعمله على الصلاة في غزوة أحد (سيرة ابن هشام ٣ / ٦٨) واستعمله على الصلاة لما خرج إلى بدر ثم رد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة (سيرة ابن هشام ٣ / ٢٩٣) وفي غزوة ذي قرد (سيرة ابن هشام ٣ / ٢٩٧) وقد تقدم ذكره.

٥٣
الإجماع على أنه لاحظ لهؤلاء بعد الرسول صلى الله عليه وآله في إمامة، ولا فرض طاعة يدل على ثبوت عزلهم فإن تعلق باختصاص هذه الولاية وأنها لا يجوز أن تقتضي الإمامة التي تعم، فقد مضى الكلام على الاختصاص في هذا الفصل مستقصى، وقد مضى أيضا فيه الكلام على من قال: لو كانت هذه الولاية مستمرة لوجب أن يقيم الحدود في حياة الرسول صلى الله عليه وآله ويتصرف في حقوق الخلافة بغير إذن، ولو فعل لنقل وعلمناه، فليس لأحد أن يتعلق بذلك.

قال صاحب الكتاب: " وبعد، فإنه يقال لهم: لو لم يستخلف موسى هارون وعاش بعده أكان يجب له الإمامة والقيام بالأمور التي يقوم بها الأئمة أو لا يجب ذلك؟ فإن قالوا: كان لا يجب له ذلك قلنا لهم: إن جاز مع كونه شريكا له في النبوة التي هي من قبل الله سبحانه وتعالى أن يبقى بعده ولا يكون له ذلك ليجوزن أن لا يكون له ذلك وإن استخلفه، لأن استخلاف موسى له لا يكون أوكد من إرسال الله تعالى إياه معه رسولا،... " (١) وهذا مما قد مضى الكلام عليه وقد بينا أن الذي يقوم به الأئمة ولاية منفصلة من النبوة، وأنه غير ممتنع أن تثبت النبوة لمن لا تثبت له هذه الولاية ومع ذلك فهو تصريح أيضا منه بالمناقضة، لأنه قال فيما تقدم: " إنه غير واجب فيمن يكون شريكا لموسى في النبوة أن يكون هو

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٦٩.

٥٤
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٥٥ - ص ٧٠)
٥٥
به، ليزيل ما خامر القلوب من الشبهة في أمره وليعلم أنه صلى الله عليه وآله إنما استخلفه لهذه الأحوال التي تقتضي نهاية الاختصاص، والأغلب في العرف والعادة أن الإنسان إنما يستعمل ذكر المنزلة بمعنى المحل والموقع لأنه لا فرق بين قول القائل: فلان مني بمحل فلان من فلان، وبين قوله بمنزلة فلان من فلان، وقد علمنا أن الظاهر من ذلك الموقع من القلب في الاختصاص والسكون والاعتماد دون ما يرجع إلى الولايات، فيجب أن يكون الخبر محمولا عليه لشهادة التعارف أو لشهادة السبب له " ثم قال:

" فإن قال إن كان المراد ما ذكرتم فما الوجه في استثناء النبوة من هذا القول، وليس لها به تعلق قيل له: إن المتعالم من حال هارون أنه كان موقعه من قلب موسى لمكان النبوة أعظم وأن النبوة أوجبت مزية في هذا الباب (١) فقد كان يجوز لو لم يستثن صلى الله عليه وآله النبوة أن يفهم (٢) إن منزلة أمير المؤمنين صلوات الله عليه تماثل هذه المنزلة، فأراد أن يبين باستثناء النبوة أنها مقصرة عن هذه المنزلة القدر الذي يقتضيه نفي نبوته (٣) وهذا كما يقول أحدنا لرفيع المحل في قلبه: إن محلك ومنزلتك مني محل ولدي وإن لم تكن لي بولد وإنما يستعمل ما يجري مجرى الاستثناء في هذا الباب في الوجه الذي من حقه أن يؤكد تلك المنزلة ويعظم أمرها ويفخم شأنها،... " (٤). ثم قال بعد كلام تركناه: " ولولا أن ذلك كذلك لم يكن في هذا القول إزالة عن القلوب ما تحدث به المنافقون من شكه صلى الله عليه وآله في أمره وأنه إنما خلفه تحرزا لأن كل ذلك لا يزول بالاستخلاف الذي هو الولاية في الحال ومن بعد وإنما يزول ذلك بما

(١) في المغني " في هذا الباب في السكون وفي سائر الوجوه فقد، الخ ".

(٢) غ " يوهم " وفي حاشية الأصل " يتوهم ".

(٣) غ " في نبوته ".

(٤) المغني ٢٠ ق ١ / ١٧٢.

٥٦
وصفناه من الأخبار بنهاية السكون إليه والاستقامة منه،... " (١).

يقال له: قد بينا فيما سلف من كلامنا إن الذي يدعي من السبب في أنه كان إرجاف المنافقين، غير معلوم، وذكرنا ورود الروايات بأنه صلى الله عليه وآله قال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) في مواطن مختلفة (٢)، وذكرنا أيضا أن أكثر الأخبار واردة في السبب بخلاف ما ادعاه الخصوم، وأنه عليه السلام خرج إليه لما خلفه باكيا مخبرا بما هو عليه من الوحشة له، والكراهة لمفارقته، فقال له صلى الله عليه وآله هذا القول وليس بنكر وورد بعض الأخبار بما ذكروه، غير أن ورودها بخلافه أظهر وأشهر، وكيف لا يكون ما حكي من السبب الذي هو إرجاف المنافقين مستبعدا، بل مقطوعا على بطلانه، ونحن نعلم أنه لا يصح أن تدخل شبهة على عاقل توهمه تهمة النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام وخوفه منه، وتحرزه من ضرره، هذا مع ما كان ظاهرا منه عليه السلام من الأقوال والأفعال الدالة على عظم محله وشدة اختصاصه، وأنه قد بلغ النهاية في النصيحة والمحبة، ولم يكن ما ظهر مما ذكرناه أمرا يشكل مثله فيحتاج فيه إلى الاستدلال والنظر، بل كان مما يضطر العقلاء وغير العقلاء إن كانوا ممن يجوز أن يضطر إلى ما لا يتطرق معه تهمة ولا تتوجه

(١) المصدر ص ١٧٣.

(٢) من المواطن التي قال فيها: " علي مني بمنزلة هارون من موسى " منها لما خلفه على المدينة يوم غزوة تبوك كما في صحيح البخاري وغيره، ومنها عند التخاصم في ابنة حمزة كما في الخصائص للنسائي ص ١٩، ومنها لما آخى بين أصحابه كما في كنز العمال ج ٥ ص ٤٠ وقال: أخرجه أحمد في المناقب وابن عساكر، في كلام للنبي صلى الله عليه وآله مع عقيل وجعفر وعلي عليهم السلام أخرجه المتقي في الكنز ٦ / ١٨٨، ومنها في كلام له صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام وهو متكئ عليه، أخرجه المتقي أيضا في الكنز ٦ / ٣٩٥، ومنها في حديث له صلى الله عليه وآله مع علي عليه السلام يوم ولد الحسن سلام الله عليه كما في ذخائر العقبى ص ١٢٠، وغير ذلك.

٥٧
ظنه، فليس يخلو المنافقون الذين ادعى عليهم الإرجاف من أن يكونوا عقلاء مميزين أو نقصاء مجانين، فإن كانوا عقلاء فالعاقل لا يصح دخول الشبهة عليه في الضروريات، وإن كانوا من أهل الجنون والنقص فإرجافهم غير مؤثر، ولا معتد به، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله غير محتاج إلى الرد عليهم، والإبطال لقولهم، وهذه الجملة تكشف عن بطلان قول من ادعى أن السبب كان إرجاف المنافقين، ويقتضي القطع على كذب الرواية الواردة بذلك.

ثم يقال له: اعمل على أن السبب ما ذكرته واقترحته، وأن المراد ما وصفته من إفادة لطف المحل، وقوة السكون، وشدة الاختصاص، فما المانع مما قلناه وتأولنا الخبر عليه؟ وأي تناف بين تأويلك وتأويلنا؟ وإنما يكون كلامك مشتبها ولك فيه أدنى تعلق لو كان ما وصفته من المراد مانعا مما ذهبنا إلى أنه المراد حتى لا يصح أن يراد جميعا، فأما والأمر بخلاف ذلك فلا شبهة في كلامك.

فأما تعلقه بالعادة في استعمال لفظ المنزلة وإنها لا تكون إلا بمعنى المحل والموقع من القلب دون ما يرجع إلى الولايات، فباطل، وما وجدناه زاد في ادعاء ذلك على مجرد الدعوى، وقد كان يجب أن يذكر ما يجري مجرى الدلالة على صحة قوله، ولا فرق في عادة ولا عرف بين استعمال لفظة المنزلة في الموقع من القلب، وبين استعمالها في الولايات وما أشبهها، ألا ترى أنه كما لا يصح أن يقول أحدنا: فلان مني بمنزلة فلان ويريد في المحبة والاستقامة، والسكون إليه (١) كذلك يصح أن يقول مثل هذا القول وهو يريد أنه بمنزلة فلان في الوكالة أو الوصية أو الخلافة له، ولو كان الأمر على ما ظنه صاحب الكتاب لكان قول أحدنا: فلان مني بمنزلة فلان في وكالته أو وصيته مجازا من حيث وضع اللفظ خلاف

(١) خ " والاستناد إليه " وفي حاشية خ " والاستقامة " خ ل.

٥٨
موضعه، ولا فرق بين من ادعى أن اللفظ في هذا الموضع مجاز وبين من قال: إنه في المحبة وما أشبهها أيضا مجاز، لأن الاستعمال لا يفرق بين الأمرين.

فأما قوله: " إن المنزلة تستعمل بمعنى المحل والموقع " فقد أصاب فيه إلا أنه ظن أنا لا نقول في المحل والموقع بمثل ما يقوله في المنزلة، وتوهم أنه لا يستفاد من لفظ المحل والموقع ما يرجع إلى الولاية، وقد ظن ظنا بعيدا لأنه لا فرق بين سائر هذه الألفاظ في صحة استعمالها في الولاية وغير الولاية، لأنه غير ممتنع عند أحد أن يقول الأمير في بعض أصحابه عند موت وزيره أو عزله: فلان مني بمحل فلان، يعني من كانت إليه وزارته أو قد أحللت فلانا محل فلان وأنزلته منزلته، فكيف يدعي مع ما ذكرناه اختصاص فائدة هذه الألفاظ بشئ دون شئ؟

وأما ما اعتذر به في الاستثناء فإنه لا يخرج الاستثناء من أن يكون جاريا على غير وجه الحقيقة، ولهذا قال في كلامه: (إنه استعمل ما يجري مجرى الاستثناء) لأن من حق الاستثناء عنده إذا كان حقيقة أن يخرج من الكلام ما يجب دخوله فيه بمقتضى اللفظ، وعندنا إنه يخرج من الكلام ما يقتضيه اللفظ احتمالا لا إيجابا، وعلى المذهبين لا بد أن يكون الاستثناء في الخبر إذا كان المراد ما ادعاه مجازا موضوعا في غير موضعه، لأن اللفظ الأول لا يتناول النبوة لا إيجابا ولا احتمالا فكيف يجوز استثناؤها حقيقة؟

ونحن نعلم أن القائل إذا قال: ضربت غلماني إلا زيدا دل ظاهر استثنائه على أن زيدا من جملة غلمانه، ولو لم يكن من جملتهم لما جاز استثناؤه، فلو أنه استثنى زيدا ولم يكن من غلمانه إلا أنه اعتقد أن في الناس من يتوهم أنه غلامه، وقصد إزالة الشبهة لم يخرجه ذلك من أن يكون متجوزا في الاستثناء موقعا له في غير موقعه.

٥٩
فأما قوله: (إن الذي تأولنا الخبر عليه لا يزيل شك المنافقين ولا يبطل إرجافهم) فعجيب لأنا لا ننكر دخول المنزلة التي ذكرها صاحب الكتاب في جملة المنازل، وإنما أضفنا إليها غيرها، وقد ذكرنا في صدر الاستدلال بالخبر أنه يتناول كل منازل هارون من موسى من فضل ومحبة واختصاص، وتقدم إلى غير ذلك سوى ما أخرجه الاستثناء من النبوة وأخرجه العرف من إخوة النسب على أنه يكفي في زوال إرجاف المنافقين حصول منزلة الخلافة في الحياة وبعد الممات، لأن هذه المنزلة لا تسند إلى مستثقل مبغض مخوف الناحية، بل إلى من له نهاية الاختصاص، وقد بلغ الغاية في الثقة والأمانة، وهذا واضح لمن تأمله.

قال صاحب الكتاب بعد كلام لا طائل في حكايته: (وقال ملزما لهم - يعني أبا علي -: إن كان صلى الله عليه وآله إنما أراد بهذا الخبر إثبات الإمامة لأمير المؤمنين عليه السلام فيجب لو مات في حياة النبي صلى الله عليه وآله أن لا يكون منه بمنزلة هارون من موسى، ولو كان كذلك لوجب عند سماع هذا الخبر أن يقطع على أنه يبقى بعده صلى الله عليه وآله، ولوجب أن لا يستفاد في الحال فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام، وألزمهم أن لا يجوز منه صلى الله عليه وآله - وقد قال هذا القول - أن يولي [ أحدا على علي في حال حياته كما لا يجوز أن يولي ] (١) عليه أحدا بعد وفاته، لأن الخبر فيما يفيده لفظا أو معنى لا يفصل بين الحالين، وذلك يبطل لما قد ثبت من أنه صلى الله عليه وآله ولى أبا بكر على علي أمير المؤمنين عليه السلام في الحجة التي حجها المؤمنون قبل حجة الوداع، وولاه الصلاة في مرضه (٢) إلى غير ذلك، وإن كان الخبر يدل على

(١) التكملة من المغني.

(٢) غ " في موضعه ".

٦٠