×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

الإمامة التي لا يجوز معها أن يتقدمه أحد في الصلاة فكيف جاز منه صلى الله عليه وآله أن يقدمه عليه في الصلاة) (١) وقال حاكيا عنه: (إن كان استخلافه صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام في المدينة يقتضي استمرار الخلافة إلى بعد الموت فيكون إماما فتقديمه صلى الله عليه وآله أبا بكر في الصلاة في أيام مرضه يقتضي كونه إماما بعد وفاته،...) (٢) ثم قال بعد كلام ذكره لم نحكه لأن نقضه قد تقدم: " وقال - يعني أبا علي -: إنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله بعد ما استخلف عليا عليه السلام على المدينة بعثه إلى اليمن واستخلف على المدينة غيره عند خروجه في حجة الوداع، وهذا يبطل قولهم أن ذلك الاستخلاف قائم إلى بعد موته... " (٣).

يقال له: ليس يجب ما ظننته من أن أمير المؤمنين عليه السلام لو مات في حياة النبي صلى الله عليه وآله لوجب أن لا يكون منه بمنزلة هارون من موسى، بل لو مات عليه السلام لم يخرج من أن يكون بمنزلته في الخلافة له عليه السلام في الحياة، واستحقاق الخلافة بعد الوفاة إلى سائر ما ذكرناه من المنازل، غير أنا نقطع على بقائه إلى بعد وفاة الرسول ونمنع من وفاته قبل وفاته صلى الله عليه وآله، فإنه ليس لهذا الوجه لكن لأن النبي صلى الله عليه وآله إذا كان بهذا الخبر قد نص على إمامته بعده، وأشار لنا به إلى من يكون فزعنا إليه عند فقده عليه السلام ولم يقل في غيره ما يقتضي النص عليه وحصول الإمامة له من بعده، فلا بد من أن يستدل بهذا الخبر من هذه الجهة على أن أمير المؤمنين هو الإمام من بعده، وإلا لم يكن النبي صلى الله عليه وآله قد خرج مما قد وجب عليه من النص على خليفته بعده، ولسنا نعلم من أي وجه استبعد صاحب الكتاب القطع على بقائه

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٧٧.

(٢) المغني، نفس الصفحة.

(٣) المغني: نفس الصفحة.

٦١
حتى أرسله إرسال من ينص بأنه منكر مستبعد لا خلاف عليه فيه، ونحن نعلم أنه ليس في القطع على بقائه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله ما يقتضي فسادا أو خروجا عن أصل أو مفارقة لحق، وقد روي من أقواله عليه السلام فيه ما يدل على بقائه بعده، وقد تظاهرت الرواية بذلك فمن جملته قوله: (تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين) (١) إلى غير هذا مما لو ذكرناه لطال.

فأما قوله: " إنه يجب أن لا يستفاد به فضيلة في الحال " فقد تقدم كلامنا عليه، وبينا ترتيب القول فيه على طريقة الاستثناء التي يتعلق فيها بلفظة بعدي فأما الطريقة الأولى فلا شبهة في أنها تقتضي حصول جميع المنازل الموجبة للفضيلة في الحال.

فأما قوله: " إن تأولنا يقتضي أن لا يولي أحدا على أمير المؤمنين عليه السلام في حياته صلى الله عليه وآله " وادعاؤه إنه ولى عليه أبا بكر في الحجة التي حجها المسلمون قبل حجة الوداع، فأول ما فيه إنه لا يلزم إذا صحت دعواه من ذهب منا في تأويل الخبر إلى إيجابه في حال الحياة الخلافة على المدينة من غير استمرار واستحقاق الخلافة من بعد الوفاة، وإنما يلزم أن يجيب عنه من ذهب إلى أن الخلافة في الحياة استمرت إلى بعد الوفاة، ولمن ذهب إلى ذلك أن يقول: إنني لا أعلم صحة ما ادعى من ولاية أبي بكر عليه في الوقت المذكور لأنه كما روي من بعض الطرق أن أبا بكر بعد أخذ السورة منه كان واليا على الموسم، فقد روي أنه رجع لما أخذ أمير المؤمنين عليه السلام السورة منه إلى النبي صلى الله عليه وآله

(١) أخرجه جماعة من الحفاظ ورواه الحديث منهم ابن الأثير في أسد الغابة ٤ / ٣٢ و ٣٣، والحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٩ والخطيب في تاريخ بغداد ٨ / ٣٤٠ و ١٣ / ١٨٦ في حديث طويل لعلقمة والأسود مع أبي أيوب الأنصاري، والهيثمي في مجمع الزوائد ٧ / ٢٣٨ و ٩ / ٢٣٥.

٦٢
وكان الوالي على الحجيج والموسم والمؤدي للسورة أمير المؤمنين عليه السلام وليس هذا مما ينفرد الشيعة بنقله لأن كثيرا من أصحاب الحديث قد رووه (١) ومن تأمل كتبهم وجده فيها وإذا تقابلت الروايتان وجب الشك في موجبهما، بل يجب القطع على بطلان ما ينافي منهما مقتضى الخبر المعلوم الذي لا شك فيه، وهو قوله صلى الله عليه وآله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) لأنه إذا دل الدليل على اقتضاء هذا الخبر الخلافة في الغيبة على سبيل الاستمرار وجب القطع على بطلان الرواية المنافية لما يقتضيه، على إنه لم يرو أحد أن أبا بكر كان واليا على أمير المؤمنين عليه السلام، وإنما روي أنه كان أميرا على الحجيج، وقد يجوز أن تكون ولايته على من عدا أمير المؤمنين عليه السلام، فلو صحت الرواية التي يرجعون إليها لما صح قول صاحب الكتاب " إنه ولى أبا بكر على أمير المؤمنين عليه السلام ".

فأما حديث الصلاة فقد بينا فيما تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يولها أبا بكر، وشرحنا الحال التي جرت عليها وبينا أن ولاية الصلاة لو ثبتت لم تدل على الإمامة، وذلك يسقط التعلق بالصلاة في الموضعين.

فأما قوله: " إنه صلى الله عليه وآله لما بعث أمير المؤمنين عليه السلام إلى اليمن استخلف على المدينة غيره عند خروجه في حجة الوداع " فإنه غير مناف للطريقين معا في تأويل الخبر، لأن من ذهب إلى أن الخلافة في الحياة لم تستمر إلى بعد الوفاة لا شبهة في سقوط هذا الكلام عنه، ومن ذهب إلى استمرارها إلى بعد الوفاة يقول: ليس يقتضي استخلافه عليه السلام في المدينة أكثر من أن يكون له عليه السلام أن يتصرف في أهلها

(١) نذكر من رواته ابن جرير في تفسيره ١٠ / ٤٦ و ٤٧، والإمام أحمد في المسند ج ١ / ٣ و ١٥١ و ٣٣٠، و ج ٢ / ٢٩٩ و ج ٣ / ٢١٢ و ٢٨٣، والنسائي في خصائصه ص ٢٠، وانظر عمدة القاري ٨ / ٦٣٧.

٦٣
بالأمر والنهي وما جرى مجراهما على الحد الذي كان يتصرف عليه النبي صلى الله عليه وآله، وليس يقتضي هذا المعنى المنع من تصرف غيره على وجه من الوجوه، لأنه إذا جاز للمستخلف غيره في موضع من المواضع أن يتصرف فيه مع استخلافه عليه ولا يمنع استخلافه من تصرفه في أهله بالأمر والنبي جاز للمستخلف في موضع من المواضع لزيد أن يستخلف عمرا على ذلك الموضع أما في حال غيبته زيدا (١) ومع حضوره ولا يكون استخلافه للثاني عزلا للأول، كما لا يكون تصرفه نفسه عزلا له عن الموضع الذي جعل إليه التصرف فيه، ويكون فائدة استخلافه لكل واحد من هذين أن يكون له التصرف فيما استخلف فيه، وكيف يكون إيجاب تصرف أحدهما بعد الآخر عزلا للأول ومانعا من جواز تصرفه، ونحن نعلم أنه قد يجوز أن يستخلف على الموضع الواحد الاثنان والجماعة؟ وهذه الجملة تأتي على جميع ما حكيناه في الفضل من كلامه.

قال صاحب الكتاب: بعد كلام لم نورده لأن نقضه قد مضى في كلامنا: " واعلم أنه لا يمتنع أن يكون استخلاف موسى لهارون محمولا على وجه يصح لأنه سبب للقيام بالأمر كما أن النبوة سبب لذلك، وليس يمتنع في كثير من الأحكام أن يحصل فيها سببان وعلتان، وإذا علمنا أنه لولا النبوة لكان له أن يقوم بالأمر لمكان الاستخلاف، ولولا الاستخلاف لكان له أن يقوم بالأمر لمكان النبوة، فقد أفاد الاستخلاف ضربا من الفائدة، فإن أضاف إلى ذلك أن يدخل في الاستخلاف ما لا يكون له أن يقوم به لمكان النبوة فهو أقوى في باب الفائدة، ولسنا نعلم كيف كان حال موسى وهارون فيما يتعلق بالإمامة، وكيف كانت الشريعة في ذلك الوقت، ولا نعلم أيضا أن حالهما في النبوة إذا كانت متفقة أن حالهما فيما

(١) " زيدا " منصوبة بيستخلف مقدرة.

٦٤
يقوم به الأئمة أيضا متفقة، بل لا يمتنع أن يكون لأحدهما من الاختصاص ما ليس للآخر، كما لا يمتنع أن لا يدخل في شريعتهما ما تقتضيه الإمامة، وإذا كانت الحال في هذا الباب مما يختلف بالشرائع فإنما نقطع على وجه دون وجه بدلالة سمعية ثم يصح الاعتماد على ذلك، والذي يجب أن يقطع به لا محالة أنه كان نبيا مع موسى فلا بد من أن يتحمل شريعة مجددة، أو يتحملا شريعة بعد ظهور المعجز عليهما مجددة، ولا يجب من حيث أشركا في النبوة أن تكون شريعة أحدهما شريعة للآخر، وإذا جاز ذلك فما الذي يمنع أن يدخل في جملة شرائعهما ما يتصل بالحدود والأحكام أن يختص بذلك أحدهما دون الآخر، وكما يجوز ذلك فقد يجوز أن يكون من تعبد الله تعالى في ذلك الوقت أن لا يجوز للرسول أن يستخلف فيما هذا حاله في حال حياته ولا بعد وفاته، أو يجوز له أن يستخلف في حال دون حال، أو من يشركه في النبوة دون من لا يشركه، فعلى هذا الوجه يجب أن يجري القول في هذا الباب ولا يجعل لعلي عليه السلام من المنازل إلا ما ثبت معلوما لهارون من موسى دون ما لم يثبت، وإذا لم يعلم كيف كانت شريعة موسى في الاستخلاف، وهل كان يجب أن يستخلف [ في حال حياته أو ] (١) بعد موته أو في حال غيبته في كل شئ، أو في بعض الأشياء وأنه لو مات قبل هارون هل كان يجب أن يكون خليفته أو يبعث الله تعالى (٢) نبيا يقوم مقامه مع هارون، أو يصير القيم بأمر الحدود غير هارون ممن ينص عليه، إلى غير ذلك من الوجوه المختلفة، فكيف يصح للقوم أن يعتمدوا على ذلك في الإمامة،.... " (٣).

يقال له: ما أشد اختلاف كلامك في هذا الباب وأظهر رجوعك فيه

(١) ما بين الحاصرتين من " المغني ".

(٢) غ " إليه نبيا ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨٠.

٦٥
من قول إلى ضده وخلافه لأنك قلت أولا فيما حكيناه عنك: " إن هارون من حيث كان شريكا لموسى في النبوة يلزمه القيام فيهم بما لا يقوم به الأئمة وإن لم يستخلفه " ثم عقبت ذلك بأن قلت: " غير واجب فيمن كان شريكا لموسى في النبوة أن يكون إليه ما إلى الأئمة " ثم رجعت عن ذلك في فصل آخر فقلت: " إن هارون لو عاش بعد موسى لكان الذي ثبت له أن يكون كما كان من قبل وقد كان من قبل له أن يقوم بهذه الأمور لنبوته " فجعلت القيام بهذه الأمور من مقتضى النبوة كما ترى، ثم أكدت ذلك في فصل آخر حكيناه أيضا بأن قلت لمن خالفك: " في أن موسى لو لم يستخلف هارون بعده ما كان يجب له القيام بعده بما يقوم به الأئمة إن جاز مع كونه شريكا له في النبوة أن يبقى بعده، ولا يكون له ذلك ليجوزن وإن استخلفه أن لا يكون له ذلك " ثم ختمت جميع ما تقدم هذا الكلام الذي هو رجوع عن أكثر ما تقدم، وتصريح بأن النبوة لا تقتضي القيام بهذه الأمور، وإن الفرض على المتأمل في هذا هو الشك وترك القطع على أحد الأمرين، فعلى أي شئ يحصل من كلامك المختلف؟

وعلى أي الأقوال نعول؟ وما نظن أن الاعتماد والاستقرار إلا على هذا الفصل المتأخر، فإنه بتأخره كالناسخ والماحي لما قبله، والذي تضمنه من أن النبوة لا توجب بمجردها القيام بالأمور التي ذكرتها، وإنما يحتاج في ثبوت هذه الأمور مضافة إلى النبوة إلى دليل صحيح، وقد بيناه فيما تقدم من كلامنا.

فأما شكه في حال موسى وهارون عليهما السلام وقوله: " ما نعلم كيف كانت الحال فيما إليهما " فقد بينا أنه لا يجب الشك في ذلك لا من حيث كانت نبوة هارون تقتضي قيامه بما يقوم به الأئمة، بل من حيث ثبت بدليل الآية التي تلوناها، والاجماع الذي ذكرناه من كون هارون خليفة لأخيه موسى، ونائبا عنه في سياسة قومه، والقيام بأمورهم،

٦٦
وليس يجوز أن يكون خليفة له إلا ما يثبت له بالاستخلاف، وكان له التصرف فيه من أجله، وهذا هو العرف المعقول في الاستخلاف، وفي ثبوت هذه الجملة ما يقتضي كون هارون خليفة لأخيه في هذه الأمور، وأن يده إنما تثبت عليها في حال حياته لمكان استخلافه، وإذا كنا قد بينا لو بقي بعده لوجب أن يستمر حاله في هذه الولاية، وأن تغيرها وانتقالها عنه يقتضي ما يمنع ثبوته منه، فقد تم ما قصدناه، ولم نجعل لأمير المؤمنين عليه السلام منزلة لم يعلم ثبوتها لهارون من موسى عليه السلام على ما ظن، ولم يبق في كلامه شبهة تتعلق بها نفس أحد على أنه ابتدأ كلامه في الفصل بما ليس بصحيح، وذلك أنه جعل الاستخلاف مؤثرا وإن انضم إلى النبوة المقتضية لما تضمنه، وقال: " ليس يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان وعلتان " وهذا ظاهر الفساد، لأن الاستخلاف وإن كان متى لم يكن نبوة مؤثرا فإنه لا تأثير له مع النبوة على وجه من الوجوه، ووجوده كعدمه، لأن فائدة الاستخلاف هي حصول ولاية للمستخلف يجب به ويصح فيها تصرف المستخلف بالعزل والتبديل ورفع اليد، فكيف يكون على هذا من له - لمكان النبوة - القيام بأمر من الأمور، سواء كان ما يقوم به الأئمة أو غيره من حقوق النبوة خليفة (١) لغيره في ذلك الأمر ومتصرفا فيه لمكان استخلافه، وكما إن الاستخلاف لا تأثير له إذا طرأ على أمر توجبه النبوة كذلك لو تقدم فأثر ثم طرأت عليه النبوة، واقتضت التصرف في موجبه لمكانها لزال تأثيره، وارتفع حكمه، وكما إن في الأحكام ما له سببان وعلتان كما ذكر، كذلك في الأسباب والعلل ما يكون مؤثرا إذا انفرد وإذا انضم إلى ما هو أقوى منه بطل تأثيره، وهذه الجملة تبين أن استخلاف موسى لأخيه لا بد أن يكون

(١) " خليفة " اسم كان في قوله: " فكيف يكون ".

٦٧
محمولا على أمر وجب له التصرف فيه باستخلافه، ويثبت يده عليه من قبله.

قال صاحب الكتاب: " وبعد، فإن وجود الشئ لا يقتضي وجوبه * فلو ثبت أن موسى عليه السلام لو مات لكان الذي يخلفه هارون لم يدل ذلك على وجوبه * (١) بل كان لا يمتنع أن يكون مخيرا إن شاء استخلفه، وإن شاء استخلف غيره، أو جمع بين الكل وإن شاء ترك الأمر شورى (٢) ليختار صالحوا أصحابه من يقوم بالحدود والأحكام، وإذا كان كل ذلك مجوزا عندنا فكيف يصح الاعتماد عليه في وجوب النص على الوجه الذي تذهبون إليه؟ وإنما يوصف الاستخلاف بأنه منزلة متى وجبت لسبب، فأما إذا وقع بالاختيار على وجه كان يجوز أن لا يحصل ويحصل خلافه فلا يكاد يقال إنه منزلة فكيف يدخل ما جرى هذا المجرى تحت الخبر وكل ذلك يقوي أن المراد بالخبر ما ذكرناه،... " (٣).

يقال له: هذا كلام من هو ساه عما نحن معه فيه لأن كلامنا إنما هو في أن النبي صلى الله عليه وآله نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة بعده، وجعل الإمامة فيه، وله دون غيره، وأن هذه منزلة له منه كما أن هارون لو بقي بعد أخيه موسى لكان خليفته بعده، فأما الكلام في أن النص بالإمامة حصل على جهة الوجوب، وأنه مما كان يجوز أن يحصل خلافه، وهل كان النبي صلى الله عليه وآله في ذلك مخيرا أو غير مخير، فهو غير ما نحن فيه الآن، وغير ما شرعت في حكاية أدلة أصحابنا عليه، والكلام فيه كلام في مسألة أخرى كالمنفصلة عن النص وإثباته،

(١) ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٢) غ " أو جعل الأمر شورى ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨٠.

٦٨
ويكفي أصحابنا فيما قصدوه بأدلتهم التي حكيتها أن يثبت لأمير المؤمنين عليه السلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله الإمامة والتصرف في تدبير الأمة بذلك يتم غرضهم المقصود، وما سواه من وجوب ذلك أو جوازه لا شاغل لهم به في هذا الموضع.

على أنا نقول له: نحن ننزل خلافة أمير المؤمنين عليه السلام للرسول صلى الله عليه وآله على أمته بعده منزلة نبوة موسى من هارون عندك، ونقول فيها ما تقوله أنت في نبوتهما ونبوة غيرهما من الأنبياء عليهم السلام لأنك لا تقطع في النبوة على أن زيدا بعينه كلفها على سبيل الوجوب، بل تجوز أن يتساوى اثنان أو جماعة في حسن القيام بأداء الشرائع، وفيما يتعلق بهم من مصلحة المكلفين فتكلف النبوة أحدهم ولا يكون ذلك إلا واجبا لأن تكليف غيره ممن ساواه كتكليفه، وهذا هو قولنا في الإمامة بعينه، لأنا لا نرى أن الإمامة مستحقة بعمل ولا النبوة كما يرى ذلك بعض من تقدم من أصحابنا (ره)، فإن قال: إنما أردت بما ذكرته أن الخبر لو سلم لخصومي أنه دال على النص بالإمامة لكان غير دال من الوجه الذي تذهبون إليه في وجوب الإمامة لمن يحصل له على وجه لا يجوز سواه، قلنا: قد بينا أن مذهبنا بخلاف ذلك، وهو مذهب أكثر الطائفة من المحققين منها، ولنا فيه تفصيل سنذكره، وهب أن الكلام توجه إلى من ذهب إلى ذلك، أو أن الجماعة تذهب إليه كيف يكون واقعا موقعه، ومن هذا الذي ضمن لك وتكفل بأنه يدل بهذا الخبر المخصوص على جميع مذاهبه في الإمامة حتى يلزمه من حيث ذهب في الإمامة إلى ما ذكرت أن يستفيد ذلك بالخبر، ويكون الخبر دالا عليه؟ ولمن ذهب إلى المذهب الذي ذكرته أن يقول: أنا وإن اعتقدت في وجوب الإمامة ما حكيته فلي عليه دلالة غير هذا الخبر، وإنما استدل بالخبر على النص بالإمامة على أمير المؤمنين عليه السلام، وإنه الإمام بعد الرسول، وما سوى ذلك من

٦٩
وجوب هذه المنزلة أو جوازها الطريق إليه غير الخبر، ولو لزمني هذا للزمك مثله، إذا قيل لك: إنك إذا كنت تعتقد أن القديم تعالى قادر لنفسه فصحة الفعل منه ليس تدل على كونه على هذه الصفة على ما ذهبتم إليه، وأكثر ما يدل صحة الفعل على كونه قادرا، فأما الوجه الذي كان قادرا منه، وأنه النفس دون المعنى فغير مستفاد من صحة الفعل، وجعل ذلك قدحا في مذهبك وطريقتك، ما كان يمكنك أن تعتمد إلا على ما اعتمدناه بعينه، وتبين أن صحة الفعل دلالة إثباته قادرا والطريق إلى استناد هذه الصفة إلى النفس أو المعنى غير هذا، وأنه ليس يجب من حيث كان المذهب يشتمل الأمرين أعني كونه قادرا، وأنه كذلك للنفس أن يعلما بدليل واحد من طريق واحد.

فإن قيل: إذا كان مذهبكم في النبوة والإمامة ما شرحتموه ورغبتم عن قول من ذهب فيهما إلى الاستحقاق أفتجوزون أن يكون في زمان النبي وزمان أمير المؤمنين عليهما لسلام من يساوي كل واحد منهما في القيام بما أسند إليه حتى لو عدل بالأمر إليه لقام به هذا المقام بعينه.

قلنا: قد كان ذلك جائزا وإنما علمنا أنه لم يقع لدليل منع منه لا من حيث الاستحقاق ولا تساوي صفة من يصلح لهذه الأمور، فيكون تكليف هذا كتكليف ذلك لا يصح، والذي نقوله: إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله من يساويه في شرائط النبوة ولا كان في زمان إمامة أمير المؤمنين عليه السلام من يساويه في جميع شرائط الإمامة، وإن جاز أن يكون قبل إمامته من يساويه في ذلك في أيام الرسول صلى الله عليه وآله، والوجه في المنع مما ذكرناه أنه لو جاز ما منعنا منه من الأمرين لوجب في ذلك المساوي للرسول أو الإمام أحد الأمرين، إما أن يكون رعية لمن هو مساو له أو خارجا عن رعيته، ومستثنى به عليه، وليس يجوز أن يكون

٧٠
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٧١ - ص ٨٦)
٧١
وخليفته بعد موته لا بد من كونه كذلك، فالنص عليه من الله تعالى واجب.

فأما قول صاحب الكتاب: " إن الاستخلاف إنما يوصف بأنه منزلة متى وجبت لسبب، فأما إذا وقع بالاختيار على وجه كان يجوز أن لا يحصل فلا يكاد يقال: إنه منزلة " فإنه كثيرا ما يدعي في هذه الطريقة بما لا يزيد فيه على الدعوى ويتحجر في قصرها على أمر واحد من غير دليل ولا شبهة، وهذا يشبه ما ذكره متقدما من أن المنزلة لا تستعمل إلا بمعنى المحل والموقع من القلب دون ما يرجع إلى الولايات، وقد بينا بطلان ما ظنه بما يبين أيضا بطلان دعواه هذه، لأنه قد يقال: فلان بمنزلة فلان، وقد أنزلت زيدا منزلة عمرو في الأمور، والولايات التي ليست بواجبة كنحو الوكالة والوصية، والتفضل بالعطية، وغير ذلك مما لا سبب يوجبه فكيف يدعي أن اللفظ يختص بما له سبب وجوب، والعرف يشهد باستعمالها في الكل، وفيما قد أوردناه كفاية في فساد جميع ما تعلق به في هذا الباب.

قال صاحب الكتاب " دليل لهم آخر، وربما استدلوا باستخلافه [ صلى الله عليهما إياه ] (١) بعد الغيبة على المدينة ونصه على من يخلفه على وجوب الاستخلاف والنص بعد الموت، لأن الموت أقوى في ذلك من الغيبة، ولأن الغرض طلب الصلاح والموت بذلك أولى من حال الغيبة " ثم قال " وهذا إنما كان يجب لو ثبت لهم أنه صلى الله عليه وآله استخلف، وكان لا بد أن يستخلف فيقاس حال الموت عليه، فأما إذا قلنا: إنه كان يجوز أن لا يستخلف، وإنما استخلف باختياره، وعلى وجه

(١) التكملة من " المغني ".

٧٢
الاستظهار لا على وجه الوجوب، فيجوز (١) أن يكون الموت بمنزلته، وبعد، فإن ذلك إنما يدل على أن الإمام عند الغيبة يجب أن يستخلف فمن أين إنه لا بد من إمام بعد الموت؟ فإن قال: لأن الموت أوكد من الغيبة، قيل له: إنما كان يجب لو ثبت أنه استخلف في حال الغيبة من حيث لم يكن مقيما، فأما إذا لم يثبت ذلك فمن أين أن الموت أوكد في ذلك، وقد كان يجوز من جهة المصلحة أن يفارق أحدهما الآخر؟،... " (٢).

يقال له: من العجب إيرادك ما حكيته على أنه استدلال لنا على النص على أمير المؤمنين بعينه، وإدخالك ذلك في جملة الأدلة التي نعتمدها في هذا الباب وما نظن أن أحدا يستعمل معنا بعض حسن الظن يتهمنا بمثل هذا، ويظن أنا نستدل على الشئ بما لا تعلق له به على وجه، وما نشك في أن ليس سبب إيرادك هذا إلا لأن تقول ما قلته في آخر كلامك " وأي تعلق لذلك بالنص على فلان وليس ذلك بأن يدل على النص على واحد بأولى من غيره " (٣) وهذا مع قولك في أول الفصل " وربما استدلوا بكذا وكذا على وجوب الاستخلاف والنص " وهذا القول يقتضي أن لا تقول ما قلته في آخر الفصل لأنك لم تحك عنا الاستدلال على منصوص عليه معين فتعجب من الطريقة، وعلى كل حال فلا معنى لإيرادك هذه الطريقة في هذا الموضع، لأنها إن حكيت على أنها طريقة في وجوب النص على الجملة فليس هذا موضعه، ولا هو في حكاية الأدلة عليه، وإن حكيت على أنها طريقة في النص على إنسان بعينه فلا أحد يستدل بها على ذلك، ونفس ترتيبه لها وحكايته تدل على خلاف هذا المعنى.

(١) غ " فيجب ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨١.

(٣) بأولى منه على غيره خ ل.

٧٣
ثم يقال له: قد استدل بعض أصحابنا بهذه الطريقة على وجوب النص بعد الوفاة، وهي طريقة (١) قريبة يمكن أن تعتمد وتنصر والوجه في نصرتها أننا إذا رأيناه صلى الله عليه وآله يستخلف في أحوال الغيبة على الاستمرار ومع اختلاف الأحوال، دلنا ذلك على أنه ما فعله إلا بسبب يقتضيه، لأنه لو كان بغير سبب ومما منه بد وعنه غنى لم تستمر الأحوال به، ولجاز أن يفعل تارة ولا يفعل أخرى كسائر الأمور التي كان صلى الله عليه وآله يفعلها من غير سبب وجوب، وإذا استقرت هذه الجملة وتأملنا ما يجوز أن يكون مقتضيا لذلك وكان لسبب فيه فلم نجده إلا أنه صلى الله عليه وآله مع الغيبة لا يمكنه عن سياسة الأمة وتدبيرهم والقيام بأمورهم ما كان يمكنه مع الحضور وجب أن يتساوى حال الغيبة وحال الموت في وجوب الاستخلاف، بل كان لحال الموت المزية الظاهرة في علة الاستخلاف وسببه لأن مع الغيبة في أحوال الحياة قد يمكن من تدبير الأمة ومراعاة أمورهم ما لا يمكنه على وجه بعد الوفاة، وفي صحة ما ذكرناه سقوط لما اعترض به وبطلان لقوله أيضا، وقد كان يجوز من جهة المصلحة أن يفارق أحدهما الآخر، لأنه إذا لم يكن في ذكر وجه الاستخلاف في الغيبة في أحوال الحياة إلا ما ذكرناه مما تساوي فيه أحوال الوفاة أحوال الحياة، ويزيد تأكدا لم يجز أن يفارق أحد الأمرين الآخر من جهة المصلحة.

قال صاحب الكتاب: " وقد ثبت أن في حال الغيبة يجوز أن يستخلف جماعة وقد كان النبي صلى الله عليه وآله يستخلف على المكان والبلدان التي هو غائب عنها جماعة، ولا يقتصر على واحد فلو قال قائل: إن الموت إذا كان آكد من الغيبة فكان يجب أن يستخلف على كل

(١) قوية، خ ل.

٧٤
بلد واحدا كان يجوز ذلك أو لا؟ فإن قال: نعم، لزمه النص على أئمة، وإن قال: لا يجب ذلك فقد نقض ما اعتمد عليه، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم عند الغيبة كان يستخلف جماعة كل مرة غير التي يستخلف في غيرها، وذلك يدل على أنه كان يفعل ذلك باختيار واجتهاد لا عن نص، فإن كان عندهم أن الموت كالغيبة فيجب أن يكون الإمام بعده ثابت الإمامة باختيار واجتهاد لا عن نص.

وبعد، فكما إنه صلى الله عليه وآله وسلم استخلف في حال الغيبة فقد ثبت في أمرائه أنهم استخلفوا في حال الغيبة وبعد الموت، فيجب أن لا يدل ذلك على أنه المختص بإقامة الإمام، بل قد يجوز لغيره أن يشركه فيه، وذلك يصحح ما نقوله.

وبعد، فإن ذلك ليس بأن يدل على النص على واحد بأولى من أن يدل على غيره فلا يمكنهم أن يتعلقوا بذلك في وجوب النص على أمير المؤمنين، وقد بينا أنه لا يمكنهم أن يقولوا إذا ثبت النص فلا قول إلا ما نذهب إليه، وذلك لأنا قد بينا أن الجمع العظيم قد قالوا بالنص على أبي بكر وبينا القول في ذلك،... " (١).

يقال له: أما المدينة التي تضمن الدليل ذكرها بعينها فلم يستخلف صلى الله عليه وآله عليها عند غيبته عنها إلا الواحد، وبعد فإن المبتغى بهذه الطريقة من الاستدلال وجوب الاستخلاف لا كيفيته ولا عدد المستخلفين، وقد ثبت وجوب الاستخلاف بما رتبناه من الكلام، وليس يجري عدد المستخلفين مجرى الاستخلاف على الجملة في الوجوب، ألا ترى أنه عليه السلام مع الغيبة قد كان يستخلف على البلدان الواحد تارة

(١) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨١.

٧٥
والجماعة أخرى، ويختلف فعله عليه السلام في ذلك (١) بحسب اختلاف المصلحة، ولم يختلف فعله صلى الله عليه وآله في الاستخلاف المطلق فأوجبنا ما لم يختلف الحال فيه من مطلق الاستخلاف، ولم نوجب ما اختلف من عدد المستخلفين، فلم يلزم على ما ذكرناه أن ينص على أمير كل بلد بعد وفاته، على أنه صلى الله عليه وآله في أحوال حياته قد كان يولي الأمير الكورة (٢) ويجعل إليه الاستخلاف في أطرافها وبلدانها فكذلك لا يمتنع أن ينص على إمامة واحد بعده، ويجعل إليه الاستخلاف على الأمصار والبلدان.

فأما تبديله الخلفاء وإن ذلك يدل على أنه كان يفعل ذلك برأيه واجتهاده لا عن نص فليس يعلم من أي وجه يدل بما ذكره على ما ظنه وليس في إبدال الخلفاء ما يقتضي أن استخلافهم صادر عن رأي واجتهاد كما أنه ليس في إبدال الشرائع بغيرها ما يدل على ذلك، وليس يمتنع أن تختلف المصلحة فيختلف المستخلفون وإن كانوا منصوصا عليهم، ولو كان الأمر على ما ظنه وادعاه لم يكن فيه علينا حجة لأن من استدل بهذه الطريقة من أصحابنا لم يرجع إليها في أكثر من أن النص واجب من الرسول صلى الله عليه وآله.

فأما كونه مفعولا بأمر الله تعالى أو باختيار واجتهاد، فالمرجع فيه إلى غير ذلك.

فأما تعلقه باستخلاف أمرائه، وتوصله إلى أن يكون غيره مشاركا له في إقامة الإمام فباطل، لأن أمراءه إنما ساغ لهم الاستخلاف من حيث جعل عليه السلام ذلك إليهم، واستخلفهم فيه كما استخلفهم على

(١) في الاستخلاف، خ ل.

(٢) الكورة - بوزن صورة - المدينة، والصقع، والمراد هنا الثاني.

٧٦
التصرف في الأعمال، فالأصل هو استخلافه عليهم وعروض ذلك أن يستخلف صلى الله عليه وآله بعده رئيسا يشير إليه بعينه، ويفوض إليه الاستخلاف، فأما أن يجعل عروضه الاهمال والتعويل على اختيار الأمة فهو بعيد منه جدا، وليس لهم أن يجعلوا النص على صفة المختارين يجري مجرى النص على عين الأمير في حال حياته واختيار من نص على صفته أن يختارونه يجري مجرى استخلاف الأمير من يستخلفه، وذلك إنا لم نجده صلى الله عليه وآله مع اختلاف الأحوال وتغيرها نص في حياته على صفة من استخلفه على البلدان دون عينه، ولم نر له صلى الله عليه وآله في حياته إلا خليفة نص على استخلافه أو نص على عين مستخلفه، فيجب إذا كانت الحال الداعية إلى ذلك بعد الوفاة آكد أن يحكم بأن الأمر جرى على ما كان جاريا عليه في الحياة.

فأما قوله: " وبعد، فإن ذلك ليس بأن يدل على النص على واحد بأولى من غيره " فهو على ما ذكره وقد تقدم من كلامنا في هذا المعنى ما فيه كفاية.

قال صاحب الكتاب: " دليل لهم آخر، واحتجوا بما رووا عنه صلى الله عليه وآله أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام " أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني " (١) [ لأنه لا يكون كذلك إلا

(١) هذا الحديث أخرجه بهذا المعنى وتقارب في الألفاظ كثير من حفظة الآثار النبوية، وإثبات السنة وجهابذة الحديث كابن إسحاق، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبي نعيم، والبيهقي، والثعلبي، والطبري في تفسير سورة الشعراء من تفسيرهما، والطبري وابن الأثير في تاريخهما، وصرح أبو عثمان الجاحظ - كما نقل ذلك عنه أبو جعفر الإسكافي في نقض " العثمانية " تعرف ذلك عند مراجعة " المراجعات " لشرف الدين ص ١١٨ في المراجعة ٢٠، وقد أوردت أكثر من ثمانين شاهدا على صحة الوصية لعلي عليه السلام في كتابي " مصادر نهج البلاغة وأسانيده " ج ١ ص ١٢١ - ١٥١ من الكتاب والسنة، والتاريخ والأخبار، والشعر والأدب، وحسبك أن قاضي القضاة أرسله هنا إرسال المسلمات، وإن حاول صرفه على ما يراد به.

٧٧
وهو الذي يقوم عند القيام مقامه ] (١) * قالوا أفليس في تفويض الأمر إليه دلالة له أوكد من ذلك، لأنه لو اقتصر على قوله (أنت وصيي) لكفى، ولو اقتصر على قوله (خليفتي من بعدي) لكفى وكذلك قوله (قاضي ديني) لأنه لا يكون كذلك إلا وهو النائب عنه القائم مقامه * (٢) قالوا: وقد روي (وقاضي ديني) بكسر الدال، وذلك يدل على أنه الإمام بعده بأقوى مما يدل ما تقدم لأنه قد أبان بذلك أنه الذي يقوم بأداء شريعته بعده، وكل ذلك يبين ما قلناه ".

ثم قال: " واعلم أن عند شيوخنا أن هذا الخبر يجري مجرى أخبار الآحاد، والألفاظ المذكورة فيه مختلفة ففيها ما هو أظهر من بعض لأن قوله: (أنت وصيي) أظهر من غيره ومع تسليم ذلك أنهم قد تكلموا عليه.

فأما قوله: " أنت أخي " فسنذكر القول فيه في باب حديث المؤاخاة * وأما قوله (أنت وصيي) فلا يدخل تحت الوصية إلا ما يختص الموصي من الأحوال دون ما يتعلق بالدين والشرع،... " (٣) ثم أطنب من ذلك بما جملته أن الوصية لا يدخل تحتها معنى الإمامة إلى أن قال * (٤) فأما قوله: (وقاضي ديني) فهو بعض ما تناولته الوصية، فإذا كانت لا تدل على الإمامة فبأن لا يدل ذلك عليها أولى وإنما الشبهة في الوصية المطلقة، فأما إذا خصت بأمر مخصوص فلا شبهة فيها، فأما من

(١) الزيادة من " المغني ".

(٢) ما بين النجمتين ساقط من " المغني " في الموضع.

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨١.

(٤) ما بين النجمتين ساقط من " المغني " في الموضع.

٧٨
روى ذلك بكسر الدال فقد أبعد من جهة الرواية لأن المشهور ما قدمناه، وقد قال شيخنا أبو هاشم: " إن هذا اللفظ مضطرب لأن القضاء لا يستعمل إلا في الدين، فأما في أداء الشرائع والدين فلا يستعمل، فإذا أريد به معنى الإخبار قالوا قضينا إليه كما قال تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) (١) فلو كان صلى الله عليه وآله أراد ذلك لقال:

القاضي ديني إلى أمتي، ولا يجوز في هذا الموضع أن يحذف ذكر إلى، لأن ذلك ليس بمختار (٢) فهذا الوجه أيضا يضعف الخبر من جهة اللفظ ".

ثم قال: " وقال - يعني أبا هاشم - " أن المراد بذلك إن كان أنه يؤدي عنه ما تحمله من الشرائع غير ما لم يتحمله من الشرائع فحكم غيره من الصحابة حكمه فكيف يدل على الإمامة "،... ") (٣) ثم أتبع ذلك بكلام في هذا المعنى لا طائل في حكايته إلى أن قال:

وأما قوله: (خليفتي من بعدي) (٤) فغير معروف، والمعروف

(١) الاسراء ٤.

(٢) غ " بمجاز ".

(٣) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨٤.

(٤) أخرج الحمويني في " فرائد السمطين " في السمط الأول من الباب ٨٥. بلفظ (علي أخي، ووزيري، ووصيي، وخليفتي في أمتي، وخير من أترك بعدي)، وأخرج الخوارزمي في المناقب ص ٨٥ من طريق أم سلمة: (علي وصيي في عترتي وأهل بيتي وأمتي من بعدي) وأخرج أحمد بن محمد الطبري المعروف بالخليلي من علماء القرن الرابع في كتاب الرجال - كما نقله عنه السيد ابن طاووس في كتاب " اليقين " ص ١١٧ قال صلى الله عليه وسلم: (إن جبرئيل هبط إلي مرارا ثلاثا يأمرني عن السلام رب السلام أن أقوم في المشهد، وأعلم كل أبيض وأسود، أن علي بن أبي طالب أخي ووصيي، وخليفتي على أمتي، والإمام من بعدي، محله مني محل هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي).

٧٩
(وخليفتي في أهلي) وذلك لا يدل على الإمامة بل تخصيصه بالأهل يدل على أنه أراد عليه السلام أن يقوم بأحوالهم التي كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وآله بعده.

وبعد، فلو كان ما تعلقوا به حقا لقد كان عليه السلام يدعي به النص ولا يستجيز ترك ذكره عند اختلاف الأحوال في باب الإمامة على ما قدمنا القول فيه (١) وقد بينا أن ما ثبت من إمامة أبي بكر ثم عمر يقتضي صرف ما ظاهره الإمامة عن ظاهره، فبأن يجب لأجل ذلك إبطال التعلق بالمحتمل من القول أولى،...) (٢).

يقال له: قد بينا فيما تقدم أن هذا الخبر الذي يتضمن ذكر الاستخلاف قد تواتر النقل به، وورد مورد الحجة، وأنه أحد ألفاظ النص الذي يلقبه أصحابنا بالجلي، ولا معتبر بقول شيوخهم واعتقادهم في الخبر أنه جار مجرى الآحاد لأن ذلك إذا لم يكن مستندا إلى حجة لم يكن قادحا، وهذا الخبر مما قد رواه العامة والخاصة ولم يتفرد به الشيعة، غير أنا لا ندفع أن يكون تواتر النقل به ووروده مورد الحجة وما يقتضي العلم مما يختص طرق الشيعة، والمعتمد من لفظ هذا الخبر في الدلالة على النص بالإمامة على لفظ الاستخلاف دون باقي الألفاظ من وصية وغيرها، فلا معنى لتشاغله بالكلام على أن الوصية تختص في العرف بأمور مخصوصة لا تعلق للإمامة بها، فذلك مسلم لا خلاف فيه، وكذلك قضاء الدين.

فأما الرواية - بكسر الدال - فما نعرفها، وهي إذا كانت معروفة

(١) غ " قدمنا من قبل القول فيه ".

(٢) المغني ٢٠ ق ١ / ١٨٥.

٨٠