×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 3) / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

صحيحة دالة على معنى الإمامة والاستخلاف، لأن أحد أقسام ما يحتمله لفظ القضاء الحكم، ولهذا سمي الحاكم قاضيا وإذا أضيف ذلك إلى الدين فكأنه صلى الله عليه وآله قال: أنت حاكم ديني والحاكم في دينه بعده لا يكون إلا الإمام، أو من يجري مجراه من ولاته.

فأما قول أبي هاشم: (إن الكلام يحتاج إلى زيادة، وإنه كان يجب أن يقول القاضي ديني إلى أمتي) فهذا إنما كان يجب لو أراد بلفظ القضاء الأخبار لأن لفظة " إلى " إنما يحتاج إليها من هذا الوجه، فأما إذا أريد بالقضاء الحكم فذلك غير واجب.

فأما ادعاؤه أن (خليفتي من بعدي) غير معروف، وأن المعروف (خليفتي في أهلي) فما فيهما إلا معروف ظاهر في الرواية، وليس في ثبوت قوله (خليفتي في أهلي) نفي لقوله في حال أخرى: (أنت خليفتي من بعدي) ومن عادة صاحب الكتاب أن يضعف كل ما يحس فيه بمكان الحجة، ولهذا قال في أول الفصل أن قوله (أنت وصيي) أظهر من سائر الألفاظ من حيث كان هذا اللفظ أبعد من معنى الإمامة من الجميع، على إنا لو صرنا إلى ما يريد وفرضنا أن الخبر لم يرد إلا بقوله: (أنت خليفتي في أهلي) لكان نصا بالإمامة، لأن من يخلف النبي صلى الله عليه وآله هو من يقوم فيمن كان خليفة عليه بما كان صلى الله عليه وآله يقوم به، ويجب له من امتثال أمره، وفرض طاعته ما وجب للنبي صلى الله عليه وآله، وإذا ثبت هذا المعنى بعد النبي صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام في واحد من الناس فضلا عن جماعة الأهل تثبت له الإمامة، لأن من تجب طاعته، والانتهاء إلى أمره ونهيه لا بد أن يكون إماما أو واليا من قبل الإمام ولأن حكم الأهل في تدبيرهم والقيام بأمورهم حكم غيرهم من الأمة، فمن وجب ذلك له على الأهل وجب له على الكل، ومن لم يجب له أحد الأمرين لم يجب له الآخر، وليس له أن يقول: إنما أراد بالخلافة

٨١
عليهم معنى الوصية، وذلك أن الوصية قد تقدمت في الكلام مصرحا بها، فلا معنى لإدخالها تحت لفظ آخر على سبيل التكرار، وأيضا فإن ظاهر لفظ الخليفة في العرف من قام مقام المستخلف في جميع ما كان إليه، وإنما يختص الاستخلاف بالخلافة في بعض الأحوال بإضافات تدخل على الكلام وإلا فالاطلاق في العرف يقتضي ما ذكرناه.

فأما قوله: (ولو كان ذلك حقا لكان عليه السلام يذكره عند الاختلاف في الإمامة) فقد مضى فيما تقدم من كلامنا في هذا ما فيه كفاية، وبينا السبب المانع من ذكر ذلك، وأنه لا دلالة في ترك ذكره على أنه لم يكن.

فأما قوله في آخر الفصل: (إن ثبوت إمامة فلان وفلان تقتضي صرف ما ظاهره الإمامة عن ظاهره فبأن يجب ذلك في المحتمل أولى) فقد مضى أيضا فيما سلف أن هذا الخبر وأمثاله من ألفاظ النص غير محتمل، وأن ظواهرها وحقائقها تقتضي النص بالإمامة، ولم يثبت ما ادعاه من إمامة من ذكره على وجه فضلا عن ثبوتها على وجه غير محتمل فينصرف لذلك عن ظواهر النصوص، وإنما يحيل على ما يأتي من كلامه في هذا المعنى، وإذا بلغنا إليه بينا ما فيه بعون الله تعالى.

قال صاحب الكتاب: " دليل لهم آخر، ثم قال: " وقد استدل الخلق منهم بحديث المؤاخاة، وإنه صلى الله عليه وآله قصد إلى أمر زائد على ما تقتضيه الأخوة في الدين، لأنه لو أراد ذلك لم يكن ليخص بعضا دون بعض بأخوة غيره، وإذا صح أن المقصد أمر زايد فليس إلا إبانة الاختصاص، والتقارب بين من آخى بينهما فإذا آخى بين علي عليه السلام وبينه صلى الله عليه وآله فقد دل على أنه أخص الناس به، وأقربهم إليه، وأفضلهم بعده، وذلك يقتضي أنه أولى بالإمامة ".

٨٢
ثم قال: " وهذا إذا سلم فإنما يدل على أنه أفضل من غيره أو على أنه أقربهم إلى قلبه وأحبهم إليه، أو على جميع ذلك، فأما أن يدل على الإمامة فبعيد لأنه ليس في ظاهر المؤاخاة ولا في معانيها ما يقتضي ذلك، ولو كانت المؤاخاة تقتضي هذا المعنى لكان صلى الله عليه وآله من حيث آخى بين أبي بكر وعمر أن يكون عمر خليفة من غير عهد إليه، فلما طلبت الصحابة منه (١) أن يعهد إلى غيره بطل هذا القول، وقد قال شيخنا أبو هاشم: إنما قصد صلى الله عليه وآله بالمؤاخاة التآلف والاستنابة (١) والبعث على المعونة والمواساة ولذلك لما آخى بين عبد الرحمان [ بن عوف وبين ] (٣) غيره قال له: هذا مالي فخذ شطره على ما روي في هذا الباب، وقد كان المهاجرون في ابتداء الهجرة في شدة وضيق، فأراد صلى الله عليه وآله بالمؤاخاة بين بعضهم وبين الأنصار طريقة المعونة، ولما كان أمير المؤمنين عليه السلام أقربهم إليه في هذه الوجوه آخى بينه وبين نفسه، وقد بينا أن ما يدل على كونه أفضل منهم لا يدل على الإمامة فإن دل الخبر على أنه أفضل منهم لم يجب أن يكون هو الإمام،...) (٤).

يقال له: قد بينا في ابتداء كلامنا في النص أن النص من النبي صلى الله عليه وآله على ضربين، منه ما يدل بلفظه وصريحه على الإمامة، ومنه ما يدل فعلا كان أو قولا عليها بضرب من الترتيب والتنزيل، وقلنا:

إن كل أمر وقع منه عليه السلام من قول أو فعل يدل على تميز أمير المؤمنين عليه السلام واختصاصه من الرتب العالية، والمنازل السامية بما ليس

(١) أي من أبي بكر (رض).

(٢) والاستقامة، خ ل وهي أوجه.

(٣) الزيادة من " المغني ".

(٤) المغني ٢٠ ق؟؟؟.

٨٣
لهم، فهو دال على النص بالإمامة من حيث كان دالا على عظم المنزلة وقوة الفضل، والإمامة هي أعلى منازل الدين بعد النبوة، فمن كان أفضل في الدين، وأعظم قدرا فيه، وأثبت قدما في منازله، فهو أولى بها وكان من دل على ذلك في حاله قد دل على إمامته، ويبين ذلك أن بعض الملوك لو تابع بين أقوال وأفعال طول عمره وولايته يدل في بعض أصحابه على فضل شديد، واختصاص وكيد، وقرب منه في المودة والنصرة والمخالصة لكان ذلك عند ذوي العادات بهذه الأفعال مرشحا له لهؤلاء على المنازل بعده، وكالدال على استحقاقه لأفضل الرتب، وربما كانت دلالة هذه الأفعال أقوى من دلالة الأقوال، لأن الأقوال يدخلها المجاز الذي لا يدخل هذه الأفعال.

وأما قوله: (لو سلم أن الخبر يدل على الفضل لم يكن فيه دلالة على الإمامة، لأن الأفضل لا يجب أن يكون إماما) فهذا مما قد بينا فساده فيما تقدم، ودللنا على أن الإمام لا بد أن يكون الأفضل، وأنه لا يجوز أن يكون مفضولا فلا حاجة بنا إلى إعادة ما قدمناه في ذلك.

فأما ذكر المؤاخاة بين أبي بكر وعمر وظنه أن ذلك يوجب أن يكون عمر خليفته من غير عهد إليه، فنحن نقول في المؤاخاة بين أبي بكر وعمر مثل ما قلناه في المؤاخاة بين النبي صلى الله عليه وآله وبين أمير المؤمنين عليه السلام، والمؤاخاة بينهما تدل على تقارب منزلتهما، وتداني أحوالهما، وإن ما يصلح له كل واحد منهما يصلح له الآخر، وإن عمر حقيق بمقام أبي بكر، وأولى من غيره به، وهذا هو المعنى الذي أثبتناه في المؤاخاة التي تقدمت.

فأما قوله: (إن المؤاخاة إنما كان الغرض فيها طريقة المعونة والمواساة للشدة التي كان المهاجرون فيها من ابتداء الأمر) فغلط، وذلك لأنا لم

٨٤
نستدل بهذه المؤاخاة على الفضل والتقدم، بل لم يواخ النبي صلى الله عليه وآله في هذه المؤاخاة بين أمير المؤمنين وبين نفسه، وإنما آخى بين كل رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين للمواساة والمعونة، والتساهم والتشارك، وهذه المؤاخاة نسخت حكمها آيات المواريث، ولم يكن فيها أبو بكر أخا لعمر، والمؤاخاة الثانية هي التي اعتبرناها، واستدللنا بها على ما ذكرناه، ولم يكن الغرض فيها ما ظنه من المواساة والمعونة، والذي يدل على أن هذه المؤاخاة كانت تقتضي تفضيلا وتعظيما وأنها لم تكن على سبيل المعونة والمؤاخاة تظاهر الخبر عن أمير المؤمنين عليه السلام في غير مقام بقوله مفتخرا متبجحا (أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتري) (١) فلولا أن في الأخوة تفضيلا وتعظيما لم يفتخر عليه السلام بها ولا أمسك عن مواقفة على أنه لا مفتخر فيها، ويشهد أيضا بذلك وأن هذه المؤاخاة ذريعة قوية إلى الإمامة، وسبب وكيد في استحقاقها أنه يوم الشورى لما عدد فضائله ومناقبه وذرائعه إلى استحقاق الإمامة، قال في جملة ذلك (أفيكم أحد آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينه وبين نفسه غيري) (٢) ويشهد أيضا باقتضاء المؤاخاة الفضل الباهر والمزية الظاهرة ما

(١) هذا الكلام قاله علي عليه السلام في أكثر من موطن، وانظر الاستيعاب بترجمة علي عليه السلام ومستدرك الحاكم ٣ / ١١١ وكنز العمال ٦ / ٣٩٤ وقال:

أخرجه ابن أبي شيبة، والنسائي في الخصائص وابن أبي عاصم في السنة، والعقيلي، والحاكم، وأبو نعيم في المعرفة. وفي الرياض النضرة ٢ / ١٦٨ إن النبي صلى الله عليه وآله أمره أن يقول ذلك.

(٢) هذه الجملة من حديث المناشدة رواه جماعة من علماء أهل السنة باختلاف يسير في بعض الحروف والكلمات وقد خرج جميع تلك الجمل واحدة بعد واحدة العلامة المتتبع المرحوم الشيخ نجم الدين العسكري في كتابه " علي والوصية " وبالمناسبة أذكر أن هذا العالم الباحث الجليل له كتب قيمة حري بمن أراد الاطلاع أن يقف عليها وخصوصا كتابه (الوضوء في الكتاب والسنة).

٨٥
رواه عيسى بن عبد الله بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله (سألت ربي فيك خمسا فمنعني واحدة وأعطاني أربعا سألته أن يجمع عليك أمتي فأبى وأعطاني فيك أني أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة وأنت معي، ومعي لواء الحمد وأنت تحمله بين يدي تسوق به الأولين والآخرين، وأعطاني أنك أخي في الدنيا والآخرة، وأن بيتك مقابل بيتي في الجنة، وأعطاني أنك أولى بالمؤمنين من بعدي) (١).

وروى حفص بن عمر بن ميمون قال أخبرنا جعفر بن محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن أبيه عن جده أن عليا عليه السلام قال على المنبر بالكوفة: (يا أيها الناس إنه كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وآله عشر خصال لهن أحب إلي مما طلعت عليه الشمس قال: يا علي أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت أقرب الخلق مني يوم القيامة في الموقف بين يدي الجبار، ومنزلك في الجنة يواجه منزلي كما يتواجه منازل الإخوان في الله، وأنت الوارث مني، وأنت الوصي مني في عداتي وأمري، وفي كل غيبة)، يعني بذلك حفظة في أزواجه.

وروى كثير بن إسماعيل عن جميع بن عمير التيمي قال: أتيت ابن عمر في المسجد فسألته عن علي عليه السلام فقال: هذا منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا منزل علي عليه السلام وإن شئت حدثتك، قلت : نعم قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين حتى بقي علي وحده فقال: يا رسول الله آخيت بين المهاجرين فمن أخي قال: (أما

(١) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ٤ / ٣٩٩ والمتقي في الكنز ٦ / ١٥٩، وقال: أخرجه الخطيب والرافعي عن علي، ورواه في ص ٣٩٦ من نفس الجزء وقال:

أخرجه ابن الجوزي.

٨٦
كتاب الشافي في الإمامة (ج٣) للشريف المرتضى (ص ٨٧ - ص ١٠٢)
٨٧
كدلالة حديث المؤاخاة وما جرى مجراها، لأنا قد بينا أن كل شئ دل على التفضيل والتعظيم فهو دلالة على استحقاق أعلى الرتب والمنازل، وأن أولى الناس بالإمامة من كان أفضلهم، وأحقهم بأعلى منازل التبجيل والتعظيم، وقد مضى طرف من الكلام في أن المفضول لا يحسن إمامته، وإن ورد من كلامه في المستقبل شئ من ذلك أفسدناه بعون الله تعالى.

فأما ادعاؤه في قوله: (لأعطين الراية غدا): " أنه إنما يدل على أنه فاضل، ولا يمتنع أن يكون غيره موازيا له في ذلك " فباطل لأنه لا بد من أن يكون له مزية ظاهرة في ذلك على غيره من المؤمنين، وسائر الصحابة من حيث كانت صورة الحال، وكيفية خروج القول من النبي صلى الله عليه وآله يقتضي ذلك، ويدل عليه، لأن أبا سعيد الخدري روى أن رسول الله صلى الله عليه وآله أرسل عمر إلى خيبر فانهزم ومن معه، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله يجبن أصحابه وهم يجبنونه فبلغ ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله كل مبلغ فبات ليلته مهموما فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه الراية، فقال: (لأعطين الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله كرارا غير فرار) فتعرض لها جميع المهاجرين والأنصار

٨٨
فقال صلى الله عليه وآله: (أين علي فقالوا يا رسول الله، هو أرمد، فبعث إليه أبا ذر وسلمان فجاءا به يقاد لا يقدر على فتح عينيه من الرمد، فلما دنى من رسول الله صلى الله عليه وآله تفل في عينيه فقال: (اللهم أذهب عنه الحر والبرد، وانصره على عدوه، فإنه عبدك يحبك ويحب رسولك كرار غير فرار) ثم دفع إليه الراية فاستأذنه حسان بن ثابت أن يقول فيه شعرا، قال: قل فأنشأ يقول:


وكان علي أرمد العين يبتغيدواء فلما لم يحس مداويا
شفاه رسول الله منه بتفلةفبورك مرقيا وبورك راقيا
وقال سأعطي الراية اليوم صارماكميا محبا للرسول مواليا
يحب إلهي والإله يحبهبه يفتح الله الحصون الأوابيا
فأصفى بها دون البرية كلهاعليا وسماه الوزير المواخيا (١)

ويقال إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يجد بعد ذلك أذى حر ولا برد.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس هذا الخبر بعينه على وجه آخر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكر إلى خيبر فرجع وقد انهزم وانهزم الناس معه، ثم بعث من الغد عمر فرجع وقد جرح في رجليه، وانهزم الناس معه فهو يجبن الناس والناس يجبنونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار ولا يرجع حتى يفتح الله عليه) وقال ابن عباس: فأصبحنا متشوقين نرائي وجوهنا رجاء أن يدعى رجل منا فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وهو أرمد فتفل في عينيه، ودفع إليه الراية ففتح الله عليه فهذه الأخبار وجميع ما روي في هذه القصة، وكيفية ما جرت عليه يدل على غاية التفضيل والتقديم، لأنه لو لم يفد القول إلا المحبة التي هي

(١) كفاية الطالب ص ١٦.

٨٩
حاصلة للجماعة، وموجودة فيهم لما تصدوا لدفع الراية وتشوقوا إلى دعائهم إليها، ولا غبط أمير المؤمنين عليه السلام بها ولا مدحته الشعراء، ولا افتخرت له بذلك المقام، وفي مجموع القصة وتفصيلها إذا تأملت ما يكاد يضطر إلى غاية التفضيل، ونهاية التقديم، وفي أصحابنا من لم يرض بأن يكون هذا القول من الرسول صلى الله عليه وآله يدل على تفضيل أمير المؤمنين وتقديمه على الجماعة، حتى بين أنه يدل على أنه مختص من الأوصاف المذكورة في الخبر بما ليس موجودا عند من تقدمه في الحرب، قالوا: لأنه لو كان عندهم ما عنده أو يختصون بشئ مما ذكر اختصاصه به لكان القول عبثا وخلفا وليس هذا من دليل الخطاب في شئ، لأنهم لم يرجعوا في نفي الصفة عن غيره إلى مجرد إثباتها له، وإنما استدلوا بكيفية ما جرى في الحال على ذلك، لأنه صلى الله عليه وآله لا يجوز أن يغضب من فرار من فر وينكره، ثم يقول إنني أدفع الراية غدا إلى من عنده كذا وفيه كذا وكل ذلك عند من تقدم ألا ترى أن بعض حصفاء الملوك لو أرسل رسولا إلى غيره ففرط في أداء رسالته وحرفها، ولم يؤدها على حقها فغضب لذلك المرسل، وأنكر فعله، وقال: لأرسلن رسولا حصيفا حسن الكلام والقيام بأداء رسالتي مضطلعا بها، لكنا نعلم أن الذي أثبته منفي عن الأول، قالوا وكما انتفى عمن تقدم فتح الحصن على أيديهم، والكر الذي لا فرار معه، كذلك يجب أن ينتفي سائر ما أثبت له صلى الله عليه وآله، لأن الكل خرج مخرجا واحدا وورد على طريقة واحدة، وهذا وجه وإن كان الذي لا يمكن أن يدفع ولا يشغب فيه هو دلالة الكلام، وجملة القصة على أنه يزيد على القوم في جميع ما ذكر، ويفضل عليهم فيه فضلا ظاهرا لن يشاركوه في شئ منه، فإنه ليس في هذا من الشبهة ما في ادعاء نفي المشاركة وإن قلت وضعفت.

قال صاحب الكتاب: (دليل لهم آخر، وربما تعلقوا بأخبارهم

٩٠
يدعونها في هذا الباب منها ما طريقه الآحاد، ومنها ما لا يمكن إثباته على شرط الآحاد أيضا، نحو ما يدعون من أنه صلى الله عليه وآله تقدم إلى الصحابة بأن يسلموا على علي بإمارة المؤمنين ونحو ما يروون من قوله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام (إنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين) وقوله لعلي عليه السلام: (هذا ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعدي) وإنه قال (إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن ومؤمنة) إلى غير ذلك مما يتعلقون به في الإمامة أو في أنه الأفضل أو في باب العصمة).

ثم قال: (وقد بين شيخنا أبو علي أن هذه الأخبار لم تثبت من وجه يوجب العلم فلا يصح الاعتماد عليها في إثبات النص، وبين أن ادعاءهم فيها أو في بعضها أنها ثابتة بالتواتر لا يصح لأن للتواتر شرائط ليست حاصلة فيها [ أو في بعضها أنها ثابتة فيه ] (١) ولا يمكنهم إثبات ذلك بأن يقولوا: إن الشيعة قد طبقت البلاد عصرا بعد عصر، وحالا بعد حال فروايتها تجب أن تبلغ حد التوتر، لأن الخبر لا يصير داخلا في جملة التواتر بهذه الطريقة دون أن يبين حصول النقل فيه على شرط التواتر) قال:

(وبين - يعني أبا علي - أن لمن خالفهم أن يدعوا مثل ذلك في النص على أبي بكر لأن أصحاب الحديث فيهم كثرة، وبين أن ادعاء النص لا يمكن إثباته إلا حديثا، فأما في الأعصار القديمة فذلك متعذر، وبين أن ادعاءهم أنه قد كان لأمير المؤمنين عليه السلام شيعة ومتعصبون يدعون له النص كأبي ذر وعمار والمقداد وسلمان إلى غيرهم (٢) لا يمكن إثباته، وإنما يمكن أن يثبت انقطاعهم إليه، وقولهم بفضله، وبأنه حقيق بالإمامة، وبأنه قد

(١) ما بين المعقوفين من المغني.

(٢) أثبت الإمام كاشف الغطاء في " أصل الشيعة وأصولها " أن كلمة " شيعة " معروفة في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وأنها كانت تطلق على المذكورين وغيرهم.

٩١
كان يجب أن لا يعدل عنه وعن رأيه إلى ما يجري هذا المجرى، فأما ادعاء غير ذلك فبعيد، لأن النص غير مذكور عنهم على الوجه الذي يدعون، وبين أنهم إن رضوا لأنفسهم في إثبات النص أن يعتمدوا على مثل هذه الأخبار، فالمروي من الأخبار الدالة على أنه صلى الله عليه وآله لم يستخلف أظهر من ذلك، لأنه قد روي عن أبي وائل (١) والحكم عن علي ابن أبي طالب عليه السلام أنه قيل له: ألا توصي؟ قال: ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله فأوصي، ولكن إن أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم (٢)، وروى صعصعة بن صوحان (٣) أن ابن ملجم لعنه الله لما ضربه عليه السلام (٤) دخلنا إليه فقلنا يا أمير المؤمنين استخلف علينا قال: لا فإنا دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله حين ثقل، فقلنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف علينا، فقال: (لا إني أخاف أن تتفرقوا عنه كما تفرقت بنوا إسرائيل عن هارون، ولكن إن يعلم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم) والمروي عن العباس أنه خاطب أمير المؤمنين عليه السلام في مرض النبي صلى الله عليه وآله أن يسأله عن القائم بالأمر بعده، وأنه امتنع من ذلك خوفا أن يصرفه عن أهل بيته، فلا يعود إليهم أبدا، ظاهر فلم صاروا بأن يتعلقوا بتلك

(١) أبو وائل هو شقيق بن سلمة، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شهد صفين مع علي عليه السلام وروي عن أبي بكر وعثمان وعلي وسعد وابن عباس وابن مسعود وغيرهم وروى عنه الشعبي والسبيعي والأعمش وغيرهم توفي سنة ٩٩ (انظر أسد الغابة ج ٢ ص ١).

(٢) رواه الحاكم في المستدرك ٣ / ٧٩.

(٣) صعصعة بن صوحان العبدي أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يره، وكان من سادات قومه بني عبد القيس فصيحا لسنا دينا فاضلا من أصحاب علي عليه السلام توفي في أيام معاوية (انظر أسد الغابة: ٣ / ٢٠).

(٤) غ " لما ضرب عليا عليه السلام ".

٩٢
الأخبار بأولى ممن يخالفهم بأن يتعلق بهذه الأخبار * في أنه صلى الله عليه وآله لم يستخلف * (١) قال: وأحد ما يعارضون به ما روي عنه في استخلاف أبي بكر، فقد روي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله أمره عند إقبال أبي بكر أن يبشره بالجنة وبالخلافة بعده، وأن يبشر عمر بالجنة وبالخلافة بعد أبي بكر، وروي عن جبير بن مطعم (٢) أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله فكلمته في شئ من أمرها فأمرها أن ترجع إليه فقالت: يا رسول الله أرأيت إن رجعت فلم أجدك، تعني الموت قال صلى الله عليه وآله: (إن لم تجديني فائتي أبا بكر) وروى أبو مالك الأشجعي (٣) عن أبي عريض (٤) وكان رجلا من أهل خيبر وكان يعطيه النبي صلى الله عليه وآله في كل سنة مائة راحلة تمرا فأعطاه سنة، وقال إني أخاف أن لا أعطى بعدك، فقال صلى الله عليه وآله تعطاها، قال فمررت بعلي عليه السلام فأخبرته، فقال فارجع إليه فقل: يا رسول الله صلى الله عليه وآله من يعطينيها بعدك، فرجعت فقلت: فقال عليه السلام: (أبو بكر) وقد روي عن الشعبي عن بني المصطلق أنهم بعثوا رجلا إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالوا له سله من يلي صدقاتنا من بعده، فانطلق فلقي عليا عليه السلام وسأله فقال لا أدري، انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: فاسأله، ثم ائتني فسأله، فقال (أبو بكر)

(١) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٢) جبير بن مطعم القرشي النوفلي صحابي من أكابر قريش مات في آخر أيام معاوية.

(٣) أبو مالك الأشجعي ذكره أحمد بن حنبل في الصحابة وروى عن أبي عريض المذكور بعده (انظر أسد الغابة ٣ ص ٢٥٣ و ٢٨٧).

(٤) أبو عريض ذكره أبو عمر في الاستيعاب في الكنى وابن الأثير في أسد الغابة ٥ / ٢٥٣ ولم يصرحا باسمه وقالا: " كان دليل رسول الله صلى الله عليه وآله من أهل خيبر " روي عنه من قبله.

٩٣
فرجع إلى علي عليه السلام فأخبره، ثم كذلك حتى ذكر عمر بعده، وفي حديث سفينة (١) مولى رسول الله صلى الله عليه وآله (إن الخلافة بعدي ثلاثون سنة) وإنه صلى الله عليه وآله ذكر أبا بكر وعمر وعثمان بالخلافة، وقد روى أن أبا بكر قال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت كأن علي برد حبرة وكأن فيه رقمين (٢) فقال صلى الله عليه وآله (تلي الخلافة بعدي سنتين إن صدقت رؤياك) وقال: وقد روي أنه قال صلى الله عليه وآله في أبي بكر وعمر (هذان سيدا كهول أهل الجنة) والمراد بذلك أنهما سيدا من يدخل الجنة من كهول الدنيا كما قال صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين عليهما السلام (أنهما سيدا شباب أهل الجنة) يعني سيدا من يدخل الجنة من شباب الدنيا، وروي أنه قال صلى الله عليه وآله في أبي بكر (ادعوا لي أخي وصاحبي صدقني حيث كذبني الناس) وقال: (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر) وروى جعفر بن محمد عن أبيه أن رجلا من قريش جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال سمعتك تقول في الخطبة آنفا: (اللهم أصلحنا بما أصلحت به الخلفاء الراشدين) فمن هم، قال: (حبيباي وعماي أبو بكر وعمر إماما الهدى وشيخا الاسلام ورجلا قريش، والمقتدى بهما بعد رسول الله صلى الله عليه وآله من اقتدى بهما عصم،

(١) سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله اختلفوا في اسمه على واحد وعشرين قولا أصله من فارس اشترته أم سلمة وأعتقته واشترطت عليه خدمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وعن سفينة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فكان بعض القوم إذا أعيا ألقى علي ثوبه حتى حملت من ذلك شيئا كثيرا فقال: (ما أنت إلا سفينة) وقد جاء لسفينة ذكر في حديث لفضة أمة الزهراء عليها السلام مع زينب العقيلة يوم عاشوراء (انظر الكافي ١ / ٤٦٥).

(٢) الرقم بالثوب الكتابة فيه، يقال رقم الثوب والكتاب رقما وترقيما أيضا، وفي خ " رقمتين ".

٩٤
ومن اتبع آثارهما هدي إلى صراط مستقيم).

وروى أبو جحيفة (١) ومحمد بن علي (٢) وعبد خير (٣) وسويد بن غفلة (٤) وأبو حكيمة (٥) وغيرهم وقد قيل إنهم أربعة عشر رجلا إن عليا عليه السلام قال في خطبة (خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر) وفي بعض الأخبار (ولو أشاء أن أسمي الثالث لفعلت) وفي بعض الأخبار أنه عليه السلام خطب بذلك بعد ما أنهي إليه أن رجلا تناول أبا بكر وعمر بالشتيمة فدعا به وتقدم لعقوبته بعد أن شهدوا عليه بذلك * وروى جعفر ابن محمد عن أبيه عن جده عليه السلام قال لما استخلف أبو بكر جاء أبو سفيان فاستأذن على علي عليه السلام وقال: أبسط يدك أبايعك، فوالله لأملأها على أبي فصيل (٦) خيلا ورجلا فانزوى عنه عليه السلام فقال:

(١) أبو جحيفة: وهب بن عبد الله السوائي ويقال له: وهب الخير، كان من صغار الصحابة، جعله علي بن أبي طالب على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، وكان يحبه ويثق إليه، ويسميه: وهب الخير، ووهب الله، وروى عنه ابنه عون أنه أكل ثريدة بلحم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجشأ، فقال: (اكفف عليك جشاءك أبا جحيفة فإن أكثرهم شيعا أكثرهم جوعا يوم القيامة) فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا توفي سنة ٧٢.

(٢) يريد الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام أو محمد بن الحنفية.

(٣) عبد خير هو عبد خير بن يزيد الهمداني يكنى أبا عمارة أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أكابر أصحاب علي رضي الله عنه وسكن الكوفة وهو ثقة مأمون (أسد الغابة ٣ / ٢٧٧).

(٤) سويد بن غفلة - بالغين المعجمة والفاء مفتوحتين وقيل بالعين المهملة وهو خلاف المشهور - الجعفي مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان مسلما في حياته توفي بالكوفة سنة ١ أو ٢ أو ٨٣.

(٥) أبو حكيمة أحد الرواة عن علي عليه السلام (انظر الكنى والأسماء للدولابي ص ١٥٥).

(٦) انظر شرح نهج البلاغة ١ / ٢٢٢.

٩٥
ويحك يا أبا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس على أبي بكر ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا حتى ما زلت صاحب فتنة (١) *.

وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال لما غسل عمر وكفن دخل علي عليه السلام فقال ما على الأرض أحد أحب إلي أن ألقى الله بصحيفته من هذا المسجى بين أظهركم، وروي مثل ذلك عن ابن عباس وابن عمر وقال صلى الله عليه وآله (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا) إلى غير ذلك مما يطول ذكره " قال: " فإذا كانت هذه الأخبار وغيرها مما يطول ذكرها منقولة ظاهرة فلم صرتم بأن تستدلوا بما ذكرتموه على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام وفضله بأولى ممن خالفكم، وادعى النص لأبي بكر والفضل له، ونبه بذلك على أن الواجب فيما هذا حاله العدول عن أخبار الآحاد إلى طريقة العلم، وإنما نذكر هذه الأخبار لنبين لهم الفضل، وإنهم أهل الإمامة لأنه لا يرجع في ذلك إلى ما طريقه القطع، فأما الاعتماد على ذلك في باب النص (٢) فبعيد، قال: على أن هذه الأخبار لا تقتضي النص بل هي مختلفة (٣) لأن قوله صلى الله عليه وآله (إمام المتقين) أراد به في التقوى والصلاح، ولو أراد به الإمامة لم يكن إماما بأن يكون للمتقين بأولى من أن يكون إماما للفاسقين، وعلى هذا الوجه خبر عز وجل عن الصالحين (٤) أنهم سألوا الله عز وجل في الدعاء (واجعلنا للمتقين

(١) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٢) غ " في باب النقل ".

(٣) غ " لا يقتضي الرضا فهي محتملة ".

(٤) في حاشية المخطوطة " الصادقين ".

٩٦
إماما) (١) وإنما أرادوا أن يبلغوا في الصلاح والتقوى المبلغ الذي يتأسى بهم (٢) قال: ولو كان المراد الإمامة لكان إماما في الوقت لأنه صلى الله عليه وآله أثبته كذلك في الحال فأما " سيد المسلمين وقائد الغر المحجلين " فلا شبهة في أنه لا يدل على الإمامة، وقد بينا أن وصف علي بأنه:

(ولي كل مؤمن) لا يدل على الإمامة، فأما قوله صلى الله عليه وآله (إن عليا مني وأنا منه) فإنما يدل (٣) على الاختصاص والقرب ولا مدخل له في الإمامة، فأما ادعاؤهم أنه صلى الله عليه وآله تقدم بأن يسلم عليه بإمرة المؤمنين فمما لا أصل له، ولو ثبت لدل على أنه الإمام في الحال لا في الثاني على ما تقدم القول فيه،... " (٤).

يقال له: قد بينا فيما تقدم أن الخبر الذي يتضمن الأمر بالتسليم على أمير المؤمنين عليه السلام بإمرة المؤمنين تتواتر الشيعة بنقله، وأنه أحد ألفاظ النص الجلي الذي دللنا على حصول شرائط التواتر فيه وقوله عليه السلام: (إنه سيد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين) (٥) وقوله فيه: (هذا ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي) (٦) جار مجرى الخبر الأول

(١) الفرقان ٧٤.

(٢) غ " يتأتي بهم " وما في المتن أرجح.

(٣) ع " فإنما يدخل ".

(٤) المغني ٢٠ ق ١ / ١٩٠ و ١٩١.

(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣ / ١٣٧ وقال: هذا حديث صحيح الاسناد، والمتقي في كنز العمال ٦ / ١٥٧ وقال: أخرجه البارودي وابن قانع والبزاز والحاكم وأبو نعيم، والهيثمي في مجمع الزوائد ٩ / ١٢١ وقال: رواه الطبراني في الصغير.

(٦) في مسند أبي داود الطيالسي ٣ / ١١١ " إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي " فيه ١١ / ٣٦٠ " أنت ولي كل مؤمن بعدي " وروي بهذا المضمون في مسند أحمد ٤ / ٤٣٧ و ٥ / ٣٥٦ وحلية الأولياء ٦ / ٢٩٤، وخصائص النسائي ص ١٩ و ٢٣ وكنز العمال ٦ / ١٥٩ و ٣٩٦.

٩٧
في اقتضاء النص وتواتر الشيعة بنقله، وإن كانت هذه الأخبار مع إن الشيعة بنقلها قد نقلها أكثر رواة العامة من طرق مختلفة وصححوها، ولم نجد أحدا من رواة العامة ولا علماءهم طعن فيها ولا دفعها، وإن كان خبر التسليم بإمرة المؤمنين نقل في روايتهم ولا يجري في التظاهر بينهم مجرى باقي الأخبار التي ذكرناها، وإن كان الكل من طريق العامة، لا يبلغ التواتر بل يجري مجرى الآحاد ولا معتبر بادعاء أبي علي أن للتواتر شروطا لم تحصل في هذه الأخبار، لأنا قد بينا فيما تقدم من هذا الكتاب أن الشروط المطلوبة في التواتر حاصلة في ذلك.

فأما قوله: (إن الخبر لا يصير داخلا في التواتر بأن يقولوا إن الشيعة طبقت البلاد عصرا بعد عصر، فروايتها يجب أن تبلغ حد التواتر دون أن نبين حصول النقل على شروط التواتر) فليت شعرنا بأي شئ يعلم التواتر أهو أكثر من أن نجد كثرة لا يجوز عليهم التواطؤ والتعارف (١) ينقلون ويدعون أنهم نقلوا خبرا ما عمن هو بمثل صفتهم، ونعلم أن أولهم في الصفة كآخرهم إلى سائر الشروط التي تقدم ذكرها، ودلالتنا على ثبوتها في نقل الشيعة ومتى شك شاك فيما ذكرنا فليتعاط الإشارة إلى خبر متواتر حتى نعلمه أن خبر الشيعة يوازنه إن لم يزد عليه، ولولا أنا حكمنا هذا فيما تقدم وبسطناه وفرغنا منه لما اقتصرنا فيه على هذه الجملة، وقد بينا أيضا أنه ليس من شرط صحة التواتر حصول العلم الضروري، فليس له أن يجعل الدلالة على أن هذه الأخبار غير متواترة فقد العلم الضروري بمخبرها، وكل هذا قد تقدم.

(١) في المخطوطة " التفارق " وله وجه وما في المتن أوجه.

٩٨
فأما معارضته ما تذهب إليه من النص بما يدعي من النص على أبي بكر فقد مضى فيه أيضا ما لا يحتاج إلى تكراره، وبينا بطلان هذه الدعوى، وأنها لا تعادل مذهب الشيعة في النص على أمير المؤمنين عليه السلام ولا تقاربه، ولا يجوز أن يذكر في مقابلته، وذكرنا في ذلك وجوها تزيل الشبهة في هذا الباب وبينا أيضا فيما مضى من الكتاب أن للشيعة سلفا فيهم صفة الحجة كما أنها ثابتة في الخلف، وأن النص ليس مما حدث ادعاؤه بعد أن لم يكن يدعي فبطل قول من قد ظن خلاف ذلك فأما خطبه (١) وجمعه من الأخبار التي أوردها على سبيل المعارضة لأخبارنا كالذي رواه في أنه صلى الله عليه وآله لم يستخلف أو أنه استخلف أبا بكر وأشار إلى إمامته، فأول ما نقوله في ذلك أن المعارضة متى لم يوف حقها من المماثلة والموازنة ظهرت عصبية مدعيها، وقد علم كل أحد ضرورة الفصل بين الأخبار التي أوردها معارضا بها وبين الأخبار التي حكى اعتمادنا عليها لأن أخبارنا أولا مما يشاركنا في نقل جميعها أو أكثرها خصومنا، وقد صححها رواتهم، وأوردوها في كتبهم ومصنفاتهم مورد الصحيح، والأخبار التي ادعاها لم تنقل إلا من جهة واحدة، وجميع شيعة أمير المؤمنين عليه السلام على اختلاف مذاهبهم يدفعها وينكرها، ويكذب رواتها، فضلا عن أن ينقلها ولا شئ منها، إلا ومتى فتشت عن ناقله وأصله وجدته صادرا عن متعصب مشهور بالانحراف عن أهل البيت عليهم السلام، والإعراض عنهم، فليس مع ذلك شياعها وتظاهرها في خصوم الشيعة كشياع الأخبار التي اعتمدنا عليها في رواية الشيعة، ونقل الجميع لها، ورضى الكل بها فكيف يجوز أن يجعل هذه الأخبار مع ما

(١) خطب - هنا - الأمر والشأن كأنه أراد وأما الأمر الذي ذكره والروايات التي جمعها، أو لعلها " خبطة " من الخبط، وهو المشي في الظلام بلا مصباح يهتدي عليه، والمراد ركوب الأمر بجهالة.

٩٩
وصفناه في مقابلة أخبارنا لولا العصبية التي لا تليق بالعلماء، وهذه جملة تسقط المعارضة بهذه الأخبار من أصلها.

ثم نرجع إلى التفصيل فنقول: قد دللنا على ثبوت النص على أمير المؤمنين عليه السلام بأخبار مجمع على صحتها متفق عليها، وإن كان الاختلاف واقعا في تأويلها وبينا أنها تفيد النص عليه عليه السلام بغير احتمال ولا إشكال كقوله صلى الله عليه وآله (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) و (من كنت مولاه فعلي مولاه) إلى غير ذلك مما دللنا على أن القرآن يشهد به كقوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) (١) فلا بد من أن نطرح كل خبر ناف ما دلت عليه هذه الأدلة القاطعة إن كان غير محتمل للتأويل، ونحمله بالتأويل على ما يوافقها ويطابقها إذا ساغ ذلك فيه كما يفعل في كل ما دلت الأدلة القاطعة عليه وورد سمع ينافيه، ويقتضي خلافه، وهذه الجملة تسقط كل خبر يروى في أنه عليه السلام لم يستخلف، على أن الخبر الذي رواه عن أمير المؤمنين، لما قيل له ألا توصي (٢) فقال: " ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وآله فأوصي، ولكن إن أراد الله تعالى بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم "، فمتضمن لما يكاد يعلم بطلانه ضرورة، لأن فيه التصريح القوي بفضل أبي بكر عليه، وأنه خير منه، والظاهر من أحوال أمير المؤمنين، والمشهور من أقواله وأفعاله جملة وتفصيلا يقتضي أنه كان يقدم نفسه على أبي بكر وغيره من الصحابة، وأنه كان لا يعترف لأحدهم بالتقدم عليه، ومن تصفح الأخبار والسير، ولم تمل به العصبية والهوى، يعلم هذا من حاله على وجه لا يدخل فيه شك، ولا اعتبار بمن دفع هذا ممن يفضل عليه لأنه بين أمرين إما أن يكون عاميا أو مقلدا لم يتصفح

(١) المائدة ٥٥.

(٢) في المخطوطة (ألا ترضى) وهو تصحيف قطعا.

١٠٠