×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 4) / الصفحات: ٣٠١ - ٣٢٠

قال صاحب الكتاب: (فأما جمعه الناس على قراءة واحدة، فقد بينا أن ذلك من عظيم ما خص (١) بها القرآن، لأنه مع هذا الصنيع قد وقع فيه من الاختلاف، ما وقع، فكيف لو لم يفعل ذلك، ولم لم يكن فيه إلا إطباق الجميع على ما أتاه من أيام الصحابة إلى وقتنا هذا، لكان كافيا).

ثم ذكر ما نسب إليه من تعطيل الحد في الهرمزان وحكي عن أبي علي (إنه لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه، والإمام ولي من لا ولي له، وللولي أن يعفو كما له أن يقتل، وقد روي أنه سأل المسلمين أن يعفوا عنه فأجابوا إلى ذلك).

قال: (وإنما أراد عثمان * بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين، لأنه خاف أن يبلغ العدو قتله، فيقال قتلوا إمامهم وقتلوا ولده ولا يعرفون الحال في ذلك، فيكون شماتة (٢) * وحكي عن الخياط (٣) أن عامة المهاجرين أجمعوا على ألا يقاد بالهرمزان، وقالوا: هو دم سفك في غير ولايتك، فليس له ولي يطلب به، وأمره إلى الإمام، فاقبل منه الدية، فذلك صلاح المسلمين).

قال: (ولم يثبت أن أمير المؤمنين عليه السلام كان يطلبه ليقتله بالهرمزان، لأنه لا يجوز قتل من قد عفى عنه ولي المقتول، وإنما كان يطلبه ليضع من قدره ويصغر من شأنه).

(١) غ " خص ".

ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٣) حكاية الخياط ساقطة من " المغني ".

٣٠١
قال: (ويجوز أن يكون ما روي عن علي عليه السلام أنه قال:

" لو كنت بدل عثمان لقتلته " يعني أنه كان يرى ذلك أقوى في الاجتهاد أو أقرب إلى التشدد في دين الله).

قال: (فأما ما يروون (١) أن عثمان ترك بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن، وجعلهم ذلك طعنا (٢) فليس بثابت، ولو صح ذلك لكان طعنا على من لزمه القيام به) وحكي عن أبي علي (أنه لم يمتنع أن يشتغلوا بإبرام البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام خوفا على الاسلام من الفتنة فيؤخر وقته) قال: (وبعيد مع حضور قريش وقبائل العرب وسائر بني أمية ومواليهم أن يترك عثمان فلا يدفن في هذه المدة، ويبعد أن يكون أمير المؤمنين لا يتقدم بدفنه فلو مات في جواره يهودي أو نصراني ولم يكن له من يواريه ما تركه ألا يدفن، فكيف يجوز مثل ذلك في عثمان، وقد روي أنه دفن في تلك الليلة وهو الأولى) قال: (فأما تعلقهم، بأن الصحابة لم تنكر على القوم، ولا دفعت عنه، فقد بينا ما يسقط كل ذلك، وبينا أن الصحيح عن أمير المؤمنين عليه السلام تبرؤه عن (٣) قتل عثمان، ولعنه قتلته في البر والبحر، والسهل والجبل (٤) وإنما كان يجري من حديثه (٥) هذا القول على وجه المجاز، لأنا نعلم أن جميع من كان يقول: نحن قتلناه، لم يقتله، لأن في الخبر أن العدد الكثير كانوا يصرحون بذلك، والذين دخلوا عليه وقتلوه هم نفسان أو ثلاثة وإنما كانوا يريدون بهذا القول احسبوا أنا قتلناه فما بالكم وهذا الكلام لأن الإمام هو الذي يقوم بأمر الدين

(١) غ " ما يروى ".

(٢) في المغني " فعلى ما بيناه إن صح كان طعنا على من لزمه القيام به ".

(٣) غ " من ".

(٤) " السهل والجبل " ساقطة من المغني.

(٥) حيث خ ل.

٣٠٢
في القود وغيره، وليس للخارج عليه أن يطالب بذلك ولم يكن لأمير المؤمنين عليه السلام أن يقتل قتلته، ولو عرفهم ببينة أو إقرار، وميزهم من غيرهم إلا عند مطالبة ولي الدم [ فأما على جهة الابتداء فلم يكن ] (١) والذين كانوا أولياء الدم لم يكونوا يطالبونه، ولا كانت صفتهم صفة من يطالب، لأنهم كلهم، أو بعضهم يدعون أن عليا عليه السلام (٢) قتله، وأنه ليس بإمام، ولا يحل لولي الدم مع هذا الاعتقاد أن يطالب بالقود، فلذلك لم يقتلهم [ أمير المؤمنين (٣) ] هذا لو صح أنه كان يميزهم. فكيف وذلك غير صحيح.

فأما ما روي عنه من قوله عليه السلام (قتله الله وأنا معه) فإن صح فمعناه مستقيم، يريد أن الله أماته ويميتني (٤) معه، وسائر العباد.

ثم قال: (وكيف يقول ذلك وعثمان مات مقتولا من جهة المكلفين).

ثم أجاب: (بأنه وإن قتل فالإماتة من قبله تعالى (٢) ويجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة لا محالة، فإذا مات صحت الإماتة (٦) على طريق الحقيقة).

يقال له: أما ما اعتذرت به من جمع الناس على قراءة واحدة فقد مضى الكلام عليه مستقصى وبينا أن ذلك ليس تحصينا للقرآن ولو كان

(١) الزيادة من المغني.

(٢) لفظة " قتله " ساقطة من نقل ابن أبي الحديد.

(٣) الزيادة من المغني.

(٤) ش " سيميتني ".

(٥) غ " من فعل الله تعالى " (-).

(٦) غ " الإضافة ".

٣٠٣
تحصينا لما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبيح القراءات المختلفة.

وقوله: (لو لم يكن فيه إلا إطباق الجميع على ما أتاه من أيام الصحابة إلى وقتنا هذا) ليس بشئ، لأنا نجد الاختلاف في القراءة والرجوع فيها إلى الحروف مستمرا في جميع الأوقات التي ذكرها إلى وقتنا هذا وليس نجد المسلمين يوجبون على أحد التمسك بحرف واحد، فكيف يدعي إجماع الجميع على ما أتاه عثمان؟

فإن قال: لم أعن بجمعه الناس على قراءة واحدة إلا أنه جمعهم على مصحف زيد، لأن ما عداه من المصاحف كان يتضمن من الزيادة والنقصان مما عداه ما هو منكر.

قيل له: هذا بخلاف ما تضمنه ظاهر كلامك أولا، ولا تخلو تلك المصاحف التي تعدو مصحف زيد من أن تتضمن من الخلاف في الألفاظ والكلم، ما أقر رسول الله صلى الله عليه وآله عليه، وأباح قراءته، فإن كان كذلك، فالكلام في الزيادة والنقصان يجري مجرى الكلام في الحروف المختلفة، وأن الخلاف إذا كان مباحا ومرويا عن الرسول ومنقولا فليس لأحد أن يحظره، وإن كانت هذه الزيادة والنقصان بخلاف ما أنزل الله تعالى، وما لم يبح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تلاوته فهو سوء ثناء على القوم الذين يقرءون بهذه المصاحف كابن مسعود وغيره، وقد علمنا أنه لم يكن منهم إلا من كان علما في القراءة والثقة والإماتة والنزاهة، عن أن يقرأ بخلاف ما أنزل الله، وقد كان يجب أن يتقدم هذا الانكار منه ومن غيره ممن ولي الأمر قبله، لأن إنكار الزيادة في القرآن والنقصان لا يجوز تأخيره.

فأما الكلام في قتل الهرمزان، وفي العدول عن قتل قاتله، واعتذاره من ذلك بما اعتذر به من أنه لم يكن له ولي لأن الإمام ولي من لا ولي له،

٣٠٤
وله أن يعفو كما له أن يستوفي القود، فليس بشئ لأن الهرمزان رجل من أهل فارس، ولم يكن له ولي حاضر يطالب بدمه وقد كان يجب أن يبذل الانصاف لأوليائه ويؤمنوا متى حضروا حتى إن كان له ولي يطالب حضر وطالب، ثم لو لم يكن له ولي لم يكن عثمان ولي دمه لأنه قتل في أيام عمر فصار عمر ولي دمه، وقد أوصى عمر على ما جاءت به الروايات الظاهرة بقتل ابنه عبيد الله إن لم يقم البينة العادلة على الهرمزان وجفينه أنهما أمرا أبا لؤلؤة غلام المغيرة ابن شعبة بقتله، وكانت وصيته بذلك إلى أهل الشورى، فقال أيكم ولي هذا الأمر فليفعل كذا وكذا مما ذكرناه، فلما مات عمر طلب المسلمون إلى عثمان إمضاء الوصية في عبيد الله بن عمر فدافع عنها، وعللهم، فلو كان هو ولي الدم على ما ذكره، لم يكن له أن يعفو، وأن يبطل حدا من حدود الله تعالى وأي شماتة للعدو في إقامة حدود الله تعالى، وإنما الشماتة كلها من أعداء الاسلام في تعطيل الحدود، وأي حرج في الجمع بين قتل الأب والابن حتى يقال: كره أن ينتشر الخبر بأن الإمام وابنه قتلا، وإنما قتل أحدهما ظلما والآخر عدلا، أو أحدهما بغير أمر الله والآخر بأمر الله تعالى.

وقد روى زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق، عن أبان ابن صالح أن أمير المؤمنين عليه السلام أتى عثمان بعد ما استخلف فكلمه في عبيد الله، ولم يكلمه أحد غيره، فقال: اقتل هذا الفاسق الخبيث الذي قتل امرءا مسلما، فقال عثمان: قتلوا أباه بالأمس واقتله اليوم، وإنما هو رجل من أهل الأرض، فلما أبي عليه مر عبيد الله على علي عليه السلام فقال له: (يا فاسق إيه أما والله لئن ظفرت بك يوما من الدهر لأضربن عنقك) فلذلك خرج مع معاوية على أمير المؤمنين عليه السلام.

وروى القناد، عن الحسن بن عيسى بن زيد، عن أبيه، أن

٣٠٥
المسلمين لما قال عثمان: إني قد عفوت عن عبيد الله بن عمر، قالوا:

ليس لك أن تعفو عنه، قال: بلى إنه ليس لجفينة والهرمزان قرابة من أهل الاسلام، وأنا أولى بهما لأني ولي أمر المسلمين، وقد عفوت فقال علي عليه السلام: " أنه ليس كما تقول إنما أنت في أمرهما بمنزلة أقصى المسلمين، وإنما قتلهما في إمرة غيرك، وقد حكم الوالي الذي قبلك الذي قتلا في إمارته بقتله، ولو كان قتلهما في إمارتك، لم يكن لك العفو عنه، فاتق الله فإن الله سائلك عن هذا " فلما رأى عثمان أن المسلمين قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة وابتنى بها دارا وأقطعه أرضا، وهي التي يقال لها كويفة (١) بن عمر فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه وكثر كلامهم فيه.

وروي عن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: ما أمسى عثمان يوم ولي حتى نقموا عليه في أمر عبيد الله ابن عمر، حيث لم يقتله بالهرمزان.

فأما قوله: (إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يطلبه ليقتله، بل ليضع من قدره) (٢) فهو بخلاف ما صرح به عليه السلام من أنه لم يكن إلا لضرب عنقه.

وبعد فإن ولي الدم إذا عفى عنه على ما ادعوا لم يكن لأحد أن يستخف به، ويضع من قدره، كما ليس له أن يقتله.

(١) ما تقدم من كلام القاضي في هذا الباب نقله المرتضى بحذف ما لا يخل بالمعنى أو لا يرى طائلا في نقله ولا حاجة في إيراده (انظر المغني ج ٢ ق ٢ / ٥٤ - ٥٧).

(٢) في معجم البلدان ٧ / ٣٠٤: كويفة ابن عمر منسوبة إلى عبيد الله بن عمر بن الخطاب، نزلها حين قتل بنت أبي لؤلؤة والهرمزان، وجفينة العبادي.

٣٠٦
وقوله: (إن أمير المؤمنين عليه السلام لا يجوز أن يتوعده مع عفو الإمام عنه) فإنما يكون صحيحا لو كان ذلك العفو مؤثرا وقد بينا أنه غير مؤثر.

وقوله: (يجوز أن يكون عليه السلام ممن يرى قتله أقوى في الاجتهاد، وأقرب إلى التشدد في دين الله) فلا شك أنه كذلك. وهذا بناء منه على أن كل مجتهد مصيب، وقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك. وإذا كان اجتهاد أمير المؤمنين عليه السلام يقتضي قتله فهو الذي لا يسوغ خلافه.

وأما تضعيفه أن يكون عثمان ترك بعد القتل ثلاثة أيام لم يدفن ليس بحجة لأن ذلك قد رواه جماعة الرواة وليس يخالف في مثله أحد يعرف الرواية به. وقد ذكر ذلك الواقدي وغيره، وروي أن أهل المدينة منعوا الصلاة عليه حيث حمل حتى حمل بين المغرب والعشاء، ولم يشهد جنازته غير مروان وثلاثة من مواليه ولما أحسوا بذلك رموه بالحجارة، وذكروه بأسوء الذكر، ولم يقع التمكن من دفنه إلا بعد أن أنكر أمير المؤمنين عليه السلام المنع من دفنه وأمر أهله بتولي ذلك منه.

فأما قوله: (إن ذلك إن صح كان طعنا على من لزمه القيام بأمره) فليس الأمر على ما ظنه بل يكون طعنا عليه من حيث لا يجوز أن يمنع أهل المدينة، وفيها وجوه الصحابة من دفنه والصلاة عليه إلا لاعتقاد قبيح، ولأن أكثرهم وجمهورهم يعتقد ذلك. وهذا طعن لا شبهة فيه واستبعاد صاحب الكتاب لذلك، مع ظهور الرواية لا يلتفت إليه، فأما أمير المؤمنين عليه السلام واستبعاد صاحب الكتاب منه ألا يتقدم بدفنه، فقد بينا أنه تقدم بذلك بعد مماكسة ومراوضة (١).

(١) غ " بعد مماكسته ومراوضته " وما في المتن أوجه.

٣٠٧
وأعجب من كل شئ قول صاحب الكتاب: (إنهم أخروا دفنه تشاغلا بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام) وأي شغل في البيعة يمنع من دفنه، والدفن فرض على الكفاية إذا قام به البعض وتشاغل الباقون بالبيعة لجاز، وليس الدفن ولا البيعة مفتقرة إلى تشاغل جميع المدينة بها، وبهذا الكلام من الضعف ما لا يخفى على متأمل.

فأما قوله: (إنه روي أن عثمان دفن في تلك الليلة) فما نعرف هذه الرواية، وقد كان يجب أن يسندها ويعزوها إلى راويها، والكتاب الذي أخذها منه، والذي ظهر في الرواية هو ما ذكرناه.

فأما إحالته على ما تقدم من كلامه في أن الصحابة لم تنكر على القوم [ المجلبين على عثمان (١) ] فقد بينا فساد ما أحال عليه ولا معنى لإعادته.

فأما روايته عن أمير المؤمنين تبروءه من قتل عثمان، ولعنه قتلته في البر والبحر والسهل والجبل، فلا شك في أنه عليه السلام كان بريئا من قتله، وقد روي أنه قال: " والله ما قتلته ولا مالأت في قتله " والممالاة هي المعاونة والموازرة، وقد صدق عليه السلام في أنه ما قتل ولا وازر على القتل.

فأما لعنه قتلته، فضعيف في الرواية، وإن كان قد روى فأظهر منه ما رواه الواقدي عن الحكم بن الصلت، عن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه، قال: رأيت عليا عليه السلام على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قتل عثمان، وهو يقول: " ما أحببت قتله ولا كرهته ولا

(١) ما بين الحاصرتين من (شرح نهج البلاغة).

٣٠٨
أمرت به ولا نهيت عنه " وقد روى محمد بن سعد عن عفان عن جوين بن بشير عن أبي جلدة أنه سمع عليا عليه السلام يقول وهو يخطب فذكر عثمان وقال: " والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته ولا مالأت على قتله، ولا سائني " ورواه ابن بشير عن عبيدة السلماني قال سمعت عليا عليه السلام يقول: " من كان سائلي عن دم عثمان فإن الله قتله وأنا معه " وقد روي هذا اللفظ من طرق كثيرة، وقد روى شعبة عن أبي حمزة الضبعي قال:

قلت لابن عباس: إن أبي أخبرني أنه سمع عليا عليه السلام يقول:

" ألا من كان سائلي عن دم عثمان، فإن الله قتله وأنا معه " فقال: صدق أبوك، هل تدري ما يعني بقوله، إنما عني أن الله قتله وأنا مع الله؟.

فإن قيل: كيف يصح الجمع بين معاني هذه الأخبار؟

قلنا: لا تنافي بين الجميع لأنه تبرأ من مباشرة قتله والمؤازرة عليه، ثم قال: " ما أمرت بذلك ولا نهيت عنه " يريد أن قاتليه لم يرجعوا إلي ولم يكن مني قول في ذلك ولا نهي.

فأما قوله: " الله قتله وأنا معه " فيجوز أن يكون المراد الله حكم بقتله وأوجبه وأنا كذلك لأن من المعلوم أن الله لم يقتله على الحقيقة، فإضافة القتل إلى الله لا تكون إلا بمعنى الحكم والرضا، وليس يمنع أن يكون مما حكم الله به ما لم يتوله بنفسه، ولا آزر عليه، ولا شايع فيه.

فإن قال: هذا ينافي ما روي عنه " ما أحببت قتله ولا كرهته " وكيف يكون من حكم الله وفي حكمه بأن يقتل وهو لا يحب قتله.

قلنا يجوز: أن يريد بقوله: ما أحببت قتله ولا كرهته، أن ذلك لم يكن مني على سبيل التفصيل ولا خطر لي ببال، وإن كان على سبيل الجملة يجب قتل من غلب على أمور المسلمين، وطالبوه بأن يعزل لأنه بغير حق

٣٠٩
مستول عليهم، فامتنع من ذلك ويكون فائدة هذا الكلام التبروء من مباشرة قتله، والأمر به على سبيل التفضيل، أو النهي، ويجوز أن يريد إنني ما أحببت قتله إن كانوا تعمدوا القتل، ولم يقع على سبيل الممانعة، وهو غير مقصود ويريد بقوله: ما كرهته، إني لم أكرهه على كل حال ومن كل وجه.

فأما لعنه قتلته فقد بينا أن ذلك ليس بظاهر ظهور ما ذكرناه، فإن صح وهو مشروط بوقوع القتل على الوجه المحظور من تعمد له، وقصد إليه وغير ذلك، على أن المتولي للقتل على ما صحت به الرواية كنانة بن بشير التجيبي (١) وسودان بن حمران المرادي (٢) وما منهما من كان غرضه في القتل صحيحا، ولا له أن يقدم عليه فهو ملعون به.

فأما محمد بن أبي بكر فما تولى قتله، وإنما روي أنه لما جثا بين يديه قابضا على لحيته، قال يا ابن أخي دع لحيتي فإن أباك لو كان حيا لم يقعد مني هذا المقعد، فقال محمد: إن أبي لو كان حيا ثم رآك تعمل هذا العمل لأنكره عليك، ثم وجأه بجماعة قداح كانت في يده فخزت في جلده، ولم تقطع وبادره من ذكرناه بما كان فيه القتل.

فأما تأول صاحب الكتاب ما روي من قوله عليه السلام: " الله قتله وأنا معه " على (أن المراد به الله أماته وسيميتني معه) فبعيد من الصواب لأنه لفظة " أنا " لا تكون كناية عن المفعول وإنما تكون كناية عن

(١) كنانة بن بشير التجيبي له إدراك شهد فتح مصر وقتل بفلسطين سنة ٣٦ (انظر الإصابة حرف الكاف ق ١).

(٢) سودان بن حمران المرادي (ممن شرك في قتل عثمان رضي الله عنه (انظر التاريخ لابن الأثير ٣ / ١٥٥ و ١٥٨ و ١٧٨.

٣١٠
الفاعل، ولو أراد ما ذكره لكان يقول: وإياي معه، وليس له أن يقول إنما يجعل قوله وأنا معه مبتدأ محذوف الخبر، ويكون تقدير كلامه وأنا معه مقتول، وذلك لأن هذا ترك للظاهر، وإحالة على ما ليس فيه، والكلام إذا أمكن حمله على معنى يستقبل ظاهره به من غير تقدير وحذف كان أولى مما يتعلق بمحذوف، على أنهم إذا جعلوه مبتدأ وقدروا خبرا لم يكونوا بأن يقدروا ما يوافق مذهبهم بأولى من تقدير خلافه، وجعل بدلا من لفظ المقتول المحذوف لفظ معين أو ظهير فإذا تكافأ القولان في التقدير وتعارضا سقطا ووجب الرجوع إلى ظاهر الخبر على أن عثمان مضى مقتولا، وكيف يقال: إن الله أماته، والقتل كاف في انتقام الحياة، وليس يحتاج معه إلى ناف لحياة يسمى موتا.

وقول صاحب الكتاب: (ويجوز أن يكون ما ناله من الجراح لا يوجب انتفاء الحياة) فليس ذلك بجائز لأن المروي أنه ضرب على رأسه بعمود حديد عظيم، وأن أحد قتلته قال: جلست على صدره فوجأته تسع وجاءات (١) علمت أنه مات في ثلاث منهن، ولكن وجأته الست الأخر لما كان في نفسي عليه من الحنق والغيظ.

وبعد، فإذا كان ذلك جائزا من أين علمه أمير المؤمنين عليه السلام حتى يقول: الله أماته وإن الحياة لم تنتف بما فعلت القتلة، وإنما انتفت بشئ زاد على فعلهم من قبل الله تعالى مما لا يعلمه على التفصيل إلا الله علام الغيوب تعالى وهذا واضح لمن تأمله (٢).

(١) ش " طعنات ".

(٢) كلام القاضي في أمر عثمان (رض) ورد المرتضى عليه، نقله ابن أبي الحديد عن الشافي في شرح نهج البلاغة ج ٢ / ٣٢٤ فما بعدها و ج ٣ ص ٣ - ٦٩ ولكنه قطع كلام القاضي فصولا جعل في قبال كل فصل نقض المرتضى له مع اختلاف في بعض الحروف والكلمات.

٣١١

فصل
في تتبع كلامه في إثبات إمامة أمير المؤمنين صلوات الله عليه


إعلم إنا وإن كنا نقول بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام على استقبال وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وإلى حين وفاته هو عليه السلام فعندنا أن من لم يسلك في إمامته طريقتنا، ولم يعتمد أدلتنا، فإن إمامته لا تثبت له، وصاحب الكتاب إنما اعتمد في هذا الفصل على أن من بايعه واحد برضا أربعة على الصفات التي ذكرها كان إماما، وإن لم تجتمع الأمة على الرضا به، وهذه الطريقة مما قد بينا فسادها فيما تقدم، فيجب فساد ما فرعه عليها، وليس يمكنه أن يدعي الإجماع على إمامته، وإنما الخلاف في ذلك ظاهر، وإذا كان ما ذكره من الطريقة ليس بصحيح، والاجماع غير ثابت، فلم يبق في يد من نفى النص عن أمير المؤمنين عليه السلام من إمامته شئ، ثم ذكر في هذا الفصل عن أبي جعفر الإسكافي رحمه الله (١) من شرح ما وقعت عليه البيعة، وأن طلحة والزبير بايعا طائعين

(١) نقل القاضي ذلك من كتاب المقامات لأبي جعفر الإسكافي (انظر المغني ٢٠ ق ٢ / ٦٥ - ٦٨، وأبو جعفر الإسكافي: هو محمد بن عبد الله من أكابر علماء المعتزلة ومتكلميهم صنف سبعين كتابا في الكلام ومن كتبه كتاب " المقامات في مناقب أمير المؤمنين عليه السلام، وهو الذي نقض كتاب " العثمانية " لأبي عثمان الجاحظ وقد لخص الكتابين ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١٣ / ٢١٥ - ٢٩٥، وكان يقول بالتفضيل على قاعدة معتزلة بغداد، توفي الإسكافي سنة ٢٤٠ وقد طبعت رسالة العثمانية في دار الكتاب العربي بتحقيق الأستاذ عبد السلام هارون والحق به بعض ما عثر عليه من نقض الإسكافي لها.

٣١٢
راغبين فالرواية بخلافه، فإن الواقدي روى في كتاب الجمل من طرق مختلفة:

إن أمير المؤمنين عليه السلام لما قتل عثمان خرج إلى موضع يقال له بئر سكن وطلحة والزبير معه لا يشكان الأمر شورى، فقام الأشتر مالك بن الحارث النخعي فطرح عليه خميصة (١) وقال: هل تنتظرون من أحد وأخذ السيف، ثم قال يا علي: أبسط يدك فبسط يده فبايعه، ثم قال: قوموا فبايعوا، قم يا طلحة، قم با زبير، والله لا ينكل منكما، أحد إلا ضربت عنقه تحت قرطه فقاما وبايعا.

وفي بعض الروايات عن عبد الله بن الطفيل أن طلحة قام ليبايع، وأنا أنظر إليه يجر رجليه، فكان أول من بايع، ثم انصرف هو والزبير يقولان:

" إنما بايعناه واللج على رقابنا فأما الأيدي فقد بايعت، وأما القلوب فلم تبايع ".

وروى الواقدي بإسناده عن المنذر بن جهم قال: سألت عبد الله بن تغلبة:

كيف كانت بيعة علي عليه السلام؟

قال: أرأيت بيعة رأسها الأشتر، يقول: من لم يبايع ضربت عنقه وحكيم بن جبلة وذووهما، فما ظنك بها، ثم قال: أشهد لرأيت الناس يجرون إلى بيعته

(١) الخميصة: ثوب من خز أو صوف ولا تكون خميصة إلا أن تكون سوداء، معلمة وجمعها الخمائص.

٣١٣
فيعثرون، فيؤتى بهم فيضربون ويعنفون، فبايع من بايع، وانفلت من انفلت (١).

وروى الواقدي بإسناده عن سعيد بن المسيب (٢) أنه قال لقيت سعيد ابن زيد (٣) فقلت: بايعت؟ فقال: ما أصنع إن لم أفعل قتلني الأشتر، وقد روي من طرق مختلفة أن ابن عمر لما طولب بالبيعة لأمير المؤمنين عليه السلام قال: لا والله لا أبايع حتى تجتمع الأمة، فأفرج عنه، ولو كان الأمر على ما يراه المخالفون، لوجب أن يقول له: أليس الإجماع معتبرا في عقد الإمامة ولا اعتبرتموه في عقد إمامة أحد ممن تقدمني فتعتبرونه في العقد وفي بعض من عقد لي كفاية، وفي عدوله عن أن يقول ذلك لابن عمر ونظرائه وتهاونه بهم، وتمكينه من تهديد طلحة والزبير وحملهما على البيعة دلالة على أنه عليه السلام لم يعتبر في صحة إمامته بالبيعة، وإنما كانت ثابتة بالنص المتقدم.

(١) غ " وانقلب من انقلب " خ ل.

(٢) سعيد بن المسيب ولد لسنتين من خلافة عمر، ورباه علي عليه السلام لأن جده أوصى به إليه، ويعد سعيد من كبار التابعين جمع بين الحديث والفقه وسمع جماعة من الصحابة، وأكثر روايته المسندة عن أبي هريرة وكان زوج ابنته، واتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، واضطربت كلمات علماء الإمامية فيه، فبعضهم يرى أنه شديد الانحراف عن أهل البيت عليهم السلام، وبعضهم يرى أنه من حواري زين العابدين عليه السلام، وثقاة أصحابه، وكل ما صدر عنه من قول يوهم الخلاف والانحراف إنما صدر إبقاء على نفسه، وإبعادا لها عن التهمة بالتشيع (انظر إتقان المقال ٣ / ٣٦) توفي بالمدينة واختلف في سنة وفاته على أقوال هي بين ٩٢ و ١٥٠ والمسيب - بفتح الياء - وكان سعيد يكسرها ويقول: سيب الله من سيب أبي (مصادر نهج البلاغة ٤ / ٦٦).

(٣) العدوي، تقدمت ترجمته.

٣١٤
كتاب الشافي في الإمامة (ج٤) للشريف المرتضى (ص ٣١٥ - ص ٣٣٢)
٣١٥
مؤمنين فمن أجمع أهل الإيمان عليه كان إماما، ولم يلتفت إلى خلاف غيره بل الواجب على غيرهم أن يرجعوا إلى الحق في باب الاعتقاد كما يجب عليهم أن يسلموا إلى أهله ومن امتنع من ذلك كان عاصيا، وعلى قريب من هذا الكلام اعتمد صاحب الكتاب فيما مضى عند نصرته لصحة الاختيار، ورده الكلام على الطاعن منه بذكر الاختلاف بين الأمة، وأن بعضهم. لا يرضى بما فعله بعض.

وأما قوله: (إن نصب الإمام واجب على أهل المدينة التي مات فيها وهم بوجوب ذلك أولى لأنه لا يجوز أن يجب ذلك عليهم على وجه لا يتم ولو لم يتم إلا بالإجماع لكان قد لزمهم على وجه لا يتم (١)) فليس بشئ وذلك أن من خالف في هذا الباب لا يسلم له أن نصب الإمام يتعين وجوبه على أهل المدينة التي مات فيها ولا يجعلهم بذلك أولى من غيرهم، ثم لو سلم هذا لم يمتنع أن يجب عليهم ما يقف في صحته وتمامه على إمضاء غيرهم ورضاه، وليس ذلك بتكليف لما لا يطاق على ما ظنه، لأنه إنما يلزمهم أن يختاروا ويتفقوا على واحد بعينه، لتسكن النفوس إلى ارتياد الإمام والعدول عن باب الاهمال، ثم استقرار إمامته وثبوتها يعتبر فيه رضا جميع المؤمنين، فما في هذا من المنكر.

فأما قوله: (بأن هذا يقتضي أن يكون تقديم البيعة من القوم كعدمه في أن الاختيار قائم، ولو كان كذلك لم يصح دخوله في فروض الكفايات، لأن الفائدة في ذلك، أن قيام فريق به يسقط عن الباقين) فليس بصحيح لأن تقدم البيعة وإن كان رضا الجميع معتبرا له معنى أو فيه

(١) المغني: ٢٠ ق ٢ / ٦٨.

٣١٦
فائدة لأن الرضا من الجماعة يقتضي صحة ذلك العقد المتقدم ولا يحتاج معه إلى استيناف عقد جديد وهذا يقتضي أن وجوده بخلاف عدمه، فأما التعلق بأنه من فروض الكفايات فيمكن أن يقال: إنه منها بهذا الشرط لأن عقد النفر للإمامة من رضى الجميع يكون ماضيا ولا يحتاج كل واحد إلى أن يعقد بنفسه وبعد فإن كان معنى فروض الكفاية هو ما فسروه فلمن خالفه أن يقول له ليس له عقد الإمامة من فروض الكفايات.

فأما قوله: (لو وجب اعتبار الإجماع لكان موت بعض من يدخل في الإجماع في حال البيعة يقدح في تمامها وصحتها وإن اتفق الباقون عليها) (١) فواضح البطلان لأن الإجماع إذا كان المعتبر منه باهل العصر، لم يكن موت من دخل فيه مخلا بالاجماع، ولا مخرجا لاتفاق الباقين من أن يكون إجماعا، وهذا المعنى لو قدح في اعتبار الإجماع في باب الإمامة لقدح في اعتباره في كل موضع، ثم وجدنا صاحب الكتاب في هذا الفصل لما حكى اعتراض من اعترض بخلاف معاوية، ومن كان معه في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام اعتمد على سب معاوية ورجمه بالكفر والفسق جملة بغير تفصيل، وإنه مبغض للحسن والحسين عليهما السلام وأن الرسول قال: (من أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله (٢)) وبأنه كان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام وقد شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن بغضه نفاق (٣) وذكر ما

(١) المغني ٢٠ ق ٢ / ٦٨.

(٢) روي هذا الحديث بطرق متعددة، ووجوه مختلفة ولكنها لا تخرج عما نقله المرتضى عن القاضي (انظر مسند أحمد ٢ / ٢٨٨، وكنز العمال، عن ابن أبي شيبة والطبراني، والخطيب ١ / ٢٨٨).

(٣) حديث (لا يحب عليا إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق) رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه ١ / ٤٧ باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنه من الإيمان، والترمذي ٢ / ٣٠١ والمتقي في الكنز ٦ / ٣٩٤ وقال أخرجه الحميدي وابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل والعدني والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان وأبو نعيم وابن أبي عاصم.

٣١٧
فعله بحجر وأصحابه، واستلحاق زياد، وتفويض الأمر إلى يزيد، وتحكيمه على أموال المسلمين، ووضعها في غير مواضعها، وأنه كان يستهزئ بالدين في كثير من أحواله (١) وأن كثيرا من الصحابة شكوا في إسلامه، وأنه بعث أصناما إلى بلاد الروم * وروي عنه القول بالجبر (٢) * وأن النبي صلى الله عليه وآله قال: (سباب المؤمن فسوق وقتله كفر (٣) وإن معاوية داخل في ذلك لا محالة، وكل هذا ليس بشئ يعتمد عليه، في هذا الموضع، ولا يغني عن صاحب الكتاب شيئا فيما قصده، لأن أكثر ما ذكره مما طعن به عليه إنما ظهر منه بعد هذا الوقت الذي تكلمنا عليه لأنه إنما استلحق زيادا، وحكم يزيد في أموال المسلمين، وقاتل أمير المؤمنين عليه السلام إلى غير ذلك، مما عدده بعد حال البيعة لأمير المؤمنين عليه السلام وخلافه فيها بأزمان طويلة، وكثير منه إنما فعله لما صار الأمر إليه، ولم يبق له مخالف، وليس ظهور الفسق في حال من الأحوال بمؤثر فيما تقدمها، فهب أنه كان فاسقا بقتال أمير المؤمنين عليه السلام وبسائر ما عدده، مما استأنف فعله من أين يجب أن يكون خلافه قبل هذا الحال غير معتد به؟ وأما الثاني مما ذكره من الطعون فيه فغير مسلم له ولا معترف له بوقوعه، وما يقوم في دعوى ذلك مع دفع

(١) ما نقله القاضي في المغني من استهزاء معاوية بالدين أطبق عليه المعتزلة (انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ / ٣٤٠).

(٢) ما بين النجمتين ساقط من المغني.

(٣) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير ٢ / ٣٠ هكذا (سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر وحرمة ماله كحرمة دمه).

٣١٨
خصومة إلا مقام من يسميه بالرفض فيما يدعونه على أبي بكر وعمر وعثمان، ويدفعهم هو عنه، ومن هذا الذي يسلم له أن كثيرا من الصحابة شكوا في إسلامه وقد كان يجب ألا يرسل هذا القول إرسالا حتى كأنه لا خلاف فيه، وهو يعلم أن من دونه خرط القتاد وحز الحلاقيم (١).

وأما ما يروى عنه من الجبر فشاذ ضعيف، وكان صاحب الكتاب ومن رافقه فيه بين أمرين بين دفع لما لا يحتمل التأويل والتخريج، وبين تأويل المحتمل فألا فعل ذلك فيما يروون عن معاوية لولا قلة الانصاف؟

فأما بعثه الأصنام إلى بلد الروم فما كنا نظن أن مثل صاحب الكتاب يصححه، ويحتج به، لأن هذا وأمثاله لا يكاد يحتج به إلا من هو معترف بالترفض معرق فيه، ولا يزال من سمع الأخبار بهذا وأمثاله من المعتزلة وغيرهم يتضاحكون، ويستهزئون، ويقولون كيف يظن بمعاوية تجهيز الأصنام! وهو وإن شككنا في دينه، فليس نشك في عقله، وجودة تحصيله، فكيف يستجيز ذلك الفعل من يتسمى بإمرة المؤمنين، وخلافة رسول رب العالمين، ويجعلون هذا في حيز الممتنع المستبعد، ومن قبيل ما يورده من لا يتأمل موارد الأمور ومصادرها، فإن كان قد نشط صاحب الكتاب للتصديق لما جرى هذا المجرى، فقد فتح للخصوم طريقا لا يملك سدها، وما يلزمونه إياه في مقابلة ذلك معروف.

فأما جعله قتال المسلمين كفرا فكيف نسي ذلك في أصحاب الجمل؟ وما فعل معاوية من قتال المسلمين إلا كفعلهم، والخبر الذي

(١) القتاد: شجر صلب له شوك كالأبر وقد مر معنى هذا المثل، والحلاقيم جمع حلقوم وهو الحلق، والحز القطع.

٣١٩
رواه عام لا استثناء فيه.

فأما إدخاله معاوية في النفاق بقوله: (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) فمن أين له أن معاوية كان يبغض أمير المؤمنين عليه السلام؟

فإن قال: من حيث حاربه. قلنا: فقد حاربه عندك من لم يكن مبغضا له، ولا تسميه منافقا كطلحة والزبير وعائشة فإن قال: لست أعول في أنه مبغض له على فعل بعينه لأنني أعلم ضرورة، قيل له: علم الضرورة لا يختص بك مع مساواة غيرك لك في طريقه، فما بال السفيانية، وجميع أصحاب الحديث لا يشركونك في هذا العلم الضروري، وقد سمعوا الأخبار كسماعك وأكثر، وما الفصل بينك وبين من ادعى في أهل الجمل وغيرهم العلم الضروري، بأنهم كانوا يبغضون أمير المؤمنين عليه السلام ولم يحفل بخلافك في ذلك كما لم تحفل أنت بخلاف من ذكرناه.

وأما دعواه بأنه كان يبغض الحسن والحسين عليهما السلام (١) فالكلام عليه في ذلك كالكلام فيما ذكره من بغض أمير المؤمنين عليه السلام، والذي ظهر من بعض عائشة خاصة لأمير المؤمنين عليه السلام سالفا وآنفا في أيام الرسول صلى الله عليه وآله وبعد وفاته وما روي عنها في ذلك من الأقوال والأفعال، والتصريح والتلويح، هو الذي لا يمكن أحدا دفعه، ولعلنا أن نذكر طرفا من ذلك عند الكلام فيما ادعاه من توبتها.

وبعد، فلم يكن معاوية وحده مخالفا له في العقد، بل كان جميع أهل الشام ومن انضوى إليهم، ممن خرج عن المدينة، فهب له معاوية كان

(١) انظر المعنى ٢٠ ق ٢ / ٧١.

٣٢٠