×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 4) / الصفحات: ٣٤١ - ٣٦٠

خذ لعثمان مني حتى يرضى، وروي أن عليا وقف عليه يوم الحرب وهو مقتول فقال: " يرحمك الله أبا محمد " وترحمه عليه يدل على توبته، وروي عنه صلوات الله عليه أنه قال: " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله عز وجل: (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) (١) ولو لم يكن التوبة حصلت منهما لم يجز أن يقول ذلك، وروي عن الزبير أنه لما نظر إلى عمار في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، قال: وانقطاع ظهراه، فقال له بعض أصحابه:

مم ذاك يا أبا عبد الله، قال: سمعت رسول الله يقول: " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وعند ذلك لحق بأمير المؤمنين عليه السلام ثم إنه انصرف، وليس لأحد أن يقول: " لو كان تائبا لوجب أن يعدل إلى علي صلوات الله وسلامه عليه ويحارب معه [ ويصلح ما أفسده حتى تصح توبته (٢) ] لأن ذلك هو الذي يكون التوبة من الندامة. وذلك لأن عدوله إلى حيث يملك الأمر فيه كعدوله في أنه ترك للبغي، دلالة للندامة، وإنما يجب أن يحارب معه لو طلب ذلك منه، فأما إذا لم يتشدد عليه فليس ذلك بواجب حتى يقدح تركه في التوبة) وحكي عن أبي علي:

(إن الخبر المروي عن علي عليه السلام في بشارة طلحة والزبير بالجنة يدل على توبتهما، لأنه لا يجوز أن يريد أنهما من أهل الجنة في الحال لأن من يستحق الجنة لا يقال له إنه في الجنة وكذلك إذا كان مصيره إلى النار لأن الخبر يكون كذبا فوجب أن يكون في وقت الخبر في الدنيا في آخر الأمر في النار ولا يحصل وقت يكون فيه في الجنة فلا بد إذا من أن نحمل البشارة

(١) الأعراف / ٤٣.

(٢) التكملة من " المغني ".

٣٤١
على العاقبة فلو لم يتوبا لم يصح ذلك).

وحكي عنه: (إن الخبر مما لا خلاف فيه بين أهل الروايات ولا فرق بين من أنكر ذلك فيهما، وبين من أنكره في أبي بكر وعمر وفي ذلك إبطال خبر البشارة وروي أيضا: أن الزبير حيث ولى تبعه عمار بن ياسر حتى لحقه فعرض عمار وجه فرس الزبير بالرمح، ثم قال: أين أبا عبد الله، فوالله ما أنت بجبان، ولكني أراك شككت؟ فقال: هو ذاك أيها الرجل فقال له عمار يغفر الله لك، وروى وهب بن جرير قال: قال رجل من أهل البصرة لطلحة والزبير: إن لكما فضلا وصحبة فأخبراني عن مسيركما هذا وقتالكما، أشئ هو أمركما به رسول الله؟ أم رأي رأيتماه فأما طلحة فسكت، وجعل ينكث في الأرض وأما الزبير فقال: ويحك حدثنا أن ها هنا دراهم كثيرة فجئنا لنأخذ لأنفسنا منها) (١) يقال له: قد نبهنا عند الكلام عليك فيما ادعيته من توبة الزبير أخبارا أكثرها يعارض لما ترويه في توبة طلحة والزبير جميعا نحو ما رويناه من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام بالفتح إلى أهل المدينة والكوفة وذكرهما وذكر كل من حضر الحرب وقتل فيهما بأنهم قتلوا على النكث والبغي، وأنه ترحم على قتلاه ووصفهم بالبشارة، ولم يترحم في الكتاب على طلحة والزبير ولا وصفهما بالشهادة ونحو قوله عليه السلام: (لقد علمت صاحبة الهودج أنهم ملعونون على لسان النبي الأمي) ومن تأمل ما ذكرناه من الأخبار بأن له ما يشترك الرجلان فيه منهما، وما ينفرد أحدهما به.

(١) المغني ٢٠ ق ٢ / ٨٨، ٨٩.

٣٤٢
فأما الكلام في توبة طلحة فهو على المخالف أضيق وأحرج من الكلام في توبة الزبير، لأن طلحة قتل بين الصفين، وهو مباشر للحرب مجتهد فيها، ولم يرجع عنها حتى أصابه السهم، فأتى على نفسه وادعاء توبة مثل هذا مكابرة.

فأما قوله: (إنه لما أصابه السهم انشد البيت الذي ذكره وأنه يدل على توبته) فبعيد من الصواب، بل البيت المروي بأنه يدل على خلاف التوبة أولى لأنه جعل ندمه مثل ندامة الكسعي وخبر الكسعي معروف (١) لأنه ندم حيث لا ينفعه الندامة، وحيث فات الأمر وخرج عن يده، ولو كان ندم طلحة واقعا على وجه التوبة الصحيحة لم يكن مثل ندامة الكسعي، بل كان شبيها لندامة من تلافى ما فرط على وجه ينتفع به.

فأما قوله: (ما رأيت مصرع شيخ أضيع من مصرعي) فهو أيضا دليل على ضد التوبة النافعة لأنه لو كان واثقا بأن ندمه قد وقع موقعه لم يقل هذا القول، ويجوز أن يريد بأن مصرعه ضائع أنه قتل دون بلوغ

(١) الكسعي: غامد بن الحرث كان لديه قوس وخمسة أسهم فمر به قطيع من الظباء فكمن في قترة وهي ناموس الصائد - فرمى ظبيا فأمخطه السهم أي نفذ فيه - وصدم الجبل فأورى نارا فظن أنه قد أخطأ فرمى ثانيا وثالثا إلى آخرها وهو يظن خطأه فعمد إلى قوسه فكسرها ثم بات فلما أصبح فإذا الظباء مطرحة، وأسهمه بالدم مضرجة فعض إبهامه وأنشد:


ندمت ندامة لو أن نفسيتطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي منيلعمر أبيك حين كسرت قوسي

فضرب بندمه المثل قال الفرزدق:


ندمت ندامة الكسعي لماغدت مني مطلقة نوار

(انظر العقد الفريد ٦ / ١٢٥ والقاموس المحيط مادة " كسع ").

٣٤٣
أمله، ولم يظفر بمراده، وخاب مما كان يأمله، وقوله: " اللهم خذ لعثمان حتى يرضى دليل على الإصرار أيضا فإن فسقه إنما كان بأن طلب بدم عثمان، وليس له ذلك وطالب به من لا صنع له فيه فإذا كان يقول وهو يجود (١) بنفسه اللهم خذ لعثمان حتى يرضى فكأنه مصر على ما ذكرناه، فإن قال: إنما أراد بهذا القول إنني كنت من المجلبين عليه والمؤازرين على قتله، وما لحقني كالعقوبة على ذلك، قيل له: الذي ذكرناه أولى بأن يكون مراده، وهب أن القول محتمل الأمرين من أين لك أنه أراد ما ظننته وبعد فلو حملناه على ما اقترحت ولم يكن فيه حجة لأنه لا يجوز أن يكون نادما على ما صنعه لعثمان وإن لم يكن نادما على غيره وهما فعلان منفصلان.

ثم يقال له: أليس ما ظهر من طلحة مما ادعيت أنه ندم إنما كان بعد وقوع السهم به، وفي الحال التي كان يجود بنفسه فيها فإذا قال:

نعم، لأن الرواية هكذا وردت، قيل له: من أين لك أن ذلك كان في حال تقبل في مثلها التوبة، ألا جوزت وقوعه في حال الإياس من الحياة؟ فإن رام أن يذكر شيئا يقطع على أنه في ذلك الحال كان مكلفا (٢) متردد الدواعي لم يجده.

فأما ما رواه من ترحم أمير المؤمنين عليه السلام وقوله: " إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير إخوانا على سرر متقابلين " خبر ضعيف لا يوجب العلم ويعارضه ما قدمناه من الأخبار التي تدل على الاصرار

(١) يجود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به والمراد قارب أن يقضي.

(٢) ر " متكلفا ".

٣٤٤
ونفي التوبة مما هو أظهر في الرواية وأشهر وأولى من غيره من حيث كانت تلك الأخبار قد تلقتها الفرق المختلفة بالقبول، وأخباره يرويها قوم وينكرها آخرون، ويعارض هذين الخبرين، مضافا إلى ما تقدم ما رواه حسن الأشقر عن أبي يعقوب يوسف البزاز عن جابر عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال: " مر علي أمير المؤمنين عليه السلام بطلحة وهو صريع فقال: أقعدوه، فأقعدوه، فقال: لقد كانت لك سابقة ولكن دخل الشيطان منخريك فأدخلك النار " وروى معاوية بن هشام عن صاحب المزني عن الحارث بن حضيرة عن إبراهيم مولى قريش أن عليا عليه السلام مر بطلحة قتيلا يوم الجمل فقال لرجلين اجلسا طلحة، فأجلساه فقال: يا طلحة هل وجدت ما وعد ربك حقا " ثم قال: " خليا عن طلحة " ثم مر بكعب بن سرر قتيلا فقال: اجلسا كعبا فأجلساه فقال:

" يا كعب هل وجدت ما وعد ربك حقا " ثم قال: " خليا عن كعب ".

فقال بعض من كان معه وهل يعلمان شيئا مما تقول أو يسمعانه؟ فقال:

" نعم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنهما ليسمعان ما أقول كما سمع أهل القليب ما قال لهم رسول الله " وكيف يترحم على طلحة بلسانه من لم يترحم عليه في كتابه، مع ترحمه على المستشهدين في الحرب؟ وكيف يكون ذلك وهو يذكره مع الزبير بأسوأ الذكر في كتبه التي سارت بها الركبان؟

فأما قوله: (إن الزبير لما رأى عمارا رحمه الله قال: وا انقطاع ظهراه، وذكر قول النبي صلى الله عليه وآله " ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار " وإنه عند ذلك لحق بأمير المؤمنين عليه السلام ثم انصرف) فأول ما فيه أنه قد غلط بقوله فلحق بأمير المؤمنين عليه السلام ثم انصرف لأن أحدا لم يرو أن الزبير صار إلى أمير المؤمنين قبل منصرفه فلا يقدر أن يورد في ذلك خبرا واحدا وهذا الخبر مخالف لما رواه

٣٤٥
صاحب الكتاب وغيره من أن سبب انصرافه كان مواقفة أمير المؤمنين عليه السلام له وتذكيره بكلام النبي صلى الله عليه وآله وبما رويناه من أنه أقام بين الصفين وقاتل وكفر عن يمينه، فهذا الخبر معارض لكل هذه الأخبار، وقد بينا أن نفس الرجوع لا يكون توبة، ودللنا عليه وبينا أيضا أنه لو كان لم يكن توبة إلا عما رجع عنه من القتال دون غيره، وذكرنا أن الفسق لم يكن بالقتال وحده.

فأما قوله: (إن عدول الزبير إلى حيث يملك الأمر كعدوله إليه في أنه ترك للبغي) فليس يخلو من أن يريد حيث يملك الزبير فيه أو حيث يملك أمير المؤمنين عليه السلام فإن أراد الأول فأي دلالة فيه على الندم والتوبة، وترك البغي إنما عدل عن موضع إلى موضع، وهما يتساويان في هذا الحكم، لأنه قد كان يملك أمره في الموضع الذي عدل عنه، وإن أراد الثاني وهو الأشبه فمن أين له أن عدوله كان إلى موضع بهذه الصفة، وإنما قتل متوجها سائرا غير مستقر، ولعله كان قاصدا إلى معاوية وحيزه، وهو حيث لا يملك أمير المؤمنين عليه السلام الأمر فيه، وقد جرت العادة بأن من أراد الاعتذار من حرب غيره، وخلافه وشقاقه، وندم على ذلك أنه يصير إليه، ويصرح بالاعتذار، ويبذل جهده في التنصل وغسل درن (١) ما كان يستعمله وأنه إذا فعل ذلك وبالغ فيه غلب في الظن توبته، وسقطت لائمته، وكيف خرج الزبير في توبته هذه المدعاة عن عادات جميع العقلاء.

(١) الدرن: الوسخ.

٣٤٦
فأما قوله: (إنه إنما يجب أن يحارب معه لو طلب ذلك معه وتشدد عليه) فقد بينا أن نصرة الإمام وجبة من حيث كان إماما وأن لم يطلب هو النصرة. وذكرنا أن الحال التي كان دفع إليها مستدعية للنصرة من كل مسلم لتضايقها وشدتها أو ما كفى الزبير في طلبه عليه السلام النصرة كتبه النافذة إلى الآفاق يستنصر فيها ويستصرخ ويدعو الناس إلى القتال معه.

فأما ما تعلق به من خبر البشارة بالجنة، فقد بينا فيما تقدم الكلام على بطلان هذا الخبر لما احتج به صاحب الكتاب في جملة فضائل أبي بكر، وقلنا أنه لا يجوز أن يعلم الله تعالى مكلفا ليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنة، لأن ذلك مغر بالقبيح. وليس يمكن أحد أن يدعي عصمة التسعة (١) ولو لم يكن إلا ما وقع من طلحة والزبير من الكبير تكفي، وليس لأحد أن يقول: " ما أنكرتم أن يكون الله تعالى قد علم أن من واقع القبيح من هؤلاء المبشرين بالجنة، يواقعه على كل حال بشر أو لم يبشروا وأنه لا يفعل بعد البشارة قبيحا. ما كان يفعله، لولاها فتخرج البشارة من أن تكون إغراء وذلك أن الأمر متى فرضناه على هذا الوجه، فليس يخرج البشارة من أن تكون مغيرة لداعي القبيح. ومعلوم ضرورة أن من علم وتحقق أن عاقبته الجنة، وأن كل قبيح وقع منه لا بد أن يتوب منه لا يكون إقدامه على القبيح وخوفه من إقدام من يجوز أن يخترم (٢) قبل التوبة وتقوية داعي القبيح إغراء به، وذلك أقبح لا محالة.

وإن لم يرد لهذا المبشر فعلا قبيحا وقد ذكرنا فيما تقدم أن هذا الخبر لو كان

(١) يعني بالتسعة الباقين من العشرة إذ أخرج منهم عليا عليه السلام باعتبار عصمته.

(٢) يخترم: يهلك.

٣٤٧
صحيحا لاحتج به أبو بكر لنفسه واحتج له به في السقيفة وغيرها وكذلك عمر وعثمان، فهو أقوى من كل شئ احتجوا به في مواطن كثيرة لو كان صحيحا.

ومما يبين أيضا بطلانه إمساك طلحة والزبير عن الاحتجاج به لما دعوا الناس إلى نصرتهما واستنفارهم إلى الحرب معهما، وأي فضيلة أعظم وأفخم من الشهادة لهما بالجنة؟ وكيف يعدلان مع العلم والحاجة عن ذكر إلا لأنه باطل، ويمكن أن يسلم مسلم هذا الخبر ويحمل على الاستحقاق في الحال لا العاقبة، فكأنه عليه السلام أراد أنهم يدخلون الجنة إن وافوا بما هم عليه الآن وتكون فائدة الخبر إعلامنا أنهم مستحقون للثواب في الحال، وقول صاحب الكتاب: (إن من يستحق الجنة لا يقال له: إنه في الجنة) ليس بصحيح لأن الظاهر في الاستعمال أن الكافر في النار، والمؤمن في الجنة، والقاتل في جهنم، وليس له أن يقول: إن ذلك مجاز لأنه الأغلب الأكثر في الاستعمال وليس يمتنع أن يكون في الأصل مجازا ثم ينتقل إلى الحقيقة بكثرة الاستعمال لنظائره.

فأما ادعاؤه (إن الخبر لا خلاف فيه بين الرواة) فمكابرة لأنا كلنا نخالف فيه، ومعلوم أنا من أهل الرواية، فأما جمعه بين من أنكر ذلك فيهما وبين من أنكره في أبي بكر وعمر، فالأمر على ما ذكره، وقد بينا أنا منكرون للخبر من أصله.

فأما الخبر الذي رواه من معارضة عمار للزبير، وقوله: (أراك شككت) فقد ذكرناه فيما تقدم إلا أنه زاد فيه قول عمار: (يغفر الله لك) فلم نجد الزيادة في المواضع التي تضمنت هذا الخبر من كتب أهل السيرة، وكيف يستغفر عمار لشاك غير موقن ولا متحقق.

ومن أعجب الأمور استدلاله بالخبر الذي رواه بعد هذا وختم به، وأي دليل في عي طلحة عن جواب المسائل له عن مسيره وقتاله على توبته

٣٤٨
وندامته؟ وأي دليل في قول الزبير: بلغنا أن هاهنا دراهم فجئنا لنأخذها، وذلك دليل إصراره لأن قصده إلى أخذ ما ليس له فسق كبير، ولا سيما إذا كان على سبيل البغي على الإمام، والخروج عن طاعته.

ومما تعلق المخالفون به في توبة الزبير وإن لم يذكره صاحب الكتاب.

ولعله إنما عدل عنه استضعافا له إلا أنه مشهور، وما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام من قوله لما جاء ابن جرموز (١) برأس الزبير: " بشر قاتل ابن صفية بالنار " وأنه لو لم يكن تائبا لما استحق النار بقتله.

والجواب عن ذلك أن ابن جرموز غدر بالزبير بعد أن أعطاه الأمان، وكان قتله على وجه الغيلة والمكر، وهذه منه معصية، لا شبهة فيها، وقد تظاهر الخبر بما ذكرناه، حتى روي أن عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل (٢) وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر فخلف عليها عمر ثم الزبير قالت في ذلك.

(١) * عمرو بن جرموز مذموم عند أهل السنة والشيعة لقتله الزبير وغدره به ولأنه خرج على علي عليه السلام مع الخوارج.

(٢) عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل القرشية العدوية، أخت سعيد بن زيد وابنة عم عمر بن الخطاب من المهاجرات إلى المدينة كانت تحت عبد الله بن أبي بكر وكانت حسناء جميلة فأحبها حبا شديدا حتى غلبت عليه وشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها فتبعتها نفسه فارتجعها ثم شهد عبد الله الطائف فرمي بسهم فمات منه بالمدينة فتزوجها زيد بن الخطاب فقتل عنها باليمامة فتزوجها عمر سنة ١٢ فأولم وليمة دعا إليها جماعة فيهم علي بن أبي طالب، فقال دعني أكلم عاتكة، قال: أفعل، فقال لها باعدية؟؟ نفسها.


فآليت لا تنفك عني حزينةعليك ولا ينفك جلد أغبر

(يعني عليه السلام في رثائها لزيد) فبكت، فقال عمر ما دعاك لهذا يا أبا الحسن كل النساء يفعلن هذا فقال: قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) فقتل عنها عمر فتزوجها الزبير فقتل عنها ثم خطبها علي عليه السلام فقالت يا أمير المؤمنين أنت سيد المسلمين وأنا أنفس بك عن الموت - يعني القتل - وقد ذكر لها ابن الأثير في أسد الغابة مراثيها لأزواجها ومنه الرثاء المذكور في المتن (انظر أسد الغابة ٥ / ٤٩٧).

٣٤٩
كتاب الشافي في الإمامة (ج٤) للشريف المرتضى (ص ٣٥٠ - ص ٣٦٦)
٣٥٠
السامعون حتى كشفوا عن حاله، فوجدوه أنه لما احتمل جريحا إلى منزله، ووجد ألم الجراح قتل نفسه بمشقص فإنما شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالنار عقيب بلائه للوجه الذي ذكرناه، والذي يدل على أن بشارته بالنار لم تكن لكون الزبير تائبا مقلعا، بل لبعض ما ذكرناه هو أنه لو كان كما ادعوه لأقاده أمير المؤمنين عليه السلام به، ولماطل دمه (١) وفي عدوله عن ذلك دلالة على ما ذكرناه.

قال صاحب الكتاب: (فأما توبة عائشة فمشهورة لأن عمرها امتد بعد الصنيع الذي كان منها، وتواتر عنها ما كانت تذكره من الندامة حالا بعد حال، فروي عن عمار أنه أتاها فقال: سبحان الله ما أبعد هذا من الأمر الذي عهد إليك، أمرك الله إلا أن تقري في بيتك، فقالت: من هذا أبو اليقظان؟ قال: نعم قالت: أما والله ما علمت إلا أنك لقوال بالحق، فقال الحمد لله الذي قضي لي على لسانك (٢) والمشهور عن عمار أنه خطب بالكوفة عند الاستنفار فذكر عائشة. فقال أما إنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها لشقوة (٣) وإياها وذكر عن ابن عباس أنه قال لعائشة ألست إنما سميت أم المؤمنين بنا، قالت بلى أولسنا أولياء زوجك قالت بلى، قال: فلم خرجت بغير إذننا؟ فقالت أيها الرجل كان

(١) طل دمه: ذهب هدرا.

(٢) تاريخ الطبري ٤ / ٥٤٥.

(٣) غ " لتبتغوه " أو يبدو أنه تصحيف.

٣٥١
قضاء وأمر خديعة ويروي عنها عبد الله بن عبيد الله بن عمير أنها قالت:

والله لوددت أني كنت غصنا رطبا وأني لم التبس في هذا الأمر، تعني يوم الجمل وروي أن سائلا سأل أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن عائشة ومسيرها في تلك الحرب فاستغفر لها فقال له: أتستغفر لها وتتولاها فقال نعم أما علمت ما كانت تقول يا ليتني كنت شجرة يا ليتني كنت مدرة. وذلك توبة وروى أبو الحسن عن الحسن (١) أنه قال قالت عائشة لأن أكون جلست (٢) من مسيري الذي سرت أحب إلي من أن يكون لي عشرة أولاد من رسول الله صلى الله عليه وآله كلهم مثل ولد الحارث ابن هشام. وثكلتم وروي عن حذيفة أنه قال: (إني لأعلم قائد فتنة في الجنة، وأتباعه في النار) (٣) وروي أن عائشة أرسلت إلى أبي بكرة (٤) رجلا من بني جمح. فقالت: ما يمنعك من إتياني أعهد عهده إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أحدثت بدعة. فأرسل إليها لا هذا ولا هذا ولكن تذكرين يوما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندك فبشر بظفر أصحابه (٥) فخر ساجدا، ثم قال الرسول (حدثني) فقال كان الذي يلي أمرهم امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: (هلكت الرجال حيث أطاعت النساء) قالها ثلاثا فلما رجع الرسول إلى عائشة بكت حتى بلت خمارها. وكل ذلك يبين ما وصفناه من توبتها وقد كانت وجدت في قلبها، ما كان من أمير المؤمنين صلوات الله عليه يوم الإفك عند استشارة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما يحكي عنها بعد ذلك، لا يدل على

(١) أبو الحسن الظاهر أنه المدائني والحسن البصري.

(٢) غ " جلست في منزلي ".

(٣) في المغني " ومن اتبعه في النار ".

(٤) غ " بكر " تحريف.

(٥) غ " أصحاب له ".

٣٥٢
خلاف التوبة، وإنما كانت تائبة لهذا الوجه. ولم يكن الذي تأتيه مما يقدح في إعظامها لأمير المؤمنين عليه السلام، لأن الواحد قد يعظم الواحد في الدين ومع ذلك (١) يجد في قلبه الألم والغم من بعض أفعاله) (٢) يقال له: ما بيناه من الطرق الثلاث من قبل في الكلام على توبة طلحة والزبير وما يدعونه منها هي المعتمدة فيما يدعونه من توبة عائشة فأول الطرق أن جميع ما رويته من الأخبار وليس يمكنك ولا أحد أن يدعي أنه معلوم ولا مقطوع على صحته، وأحسن أحواله أن يوجب ذلك استقصاء لا يحتاج إلى إعادته.

فأما ما يعارض الأخبار ليس يمكنك ولا أحد أن يدعي أنه معلوم ولا مقطوع على صحته، وأحسن أحواله أن يوجب ذلك استقصاء لا يحتاج إلى إعادته.

فأما ما يعرض الأخبار التي رواها فإن الواقدي، روى بإسناده عن شعبة عن ابن عباس قال: أرسلني علي عليه السلام إلى عائشة بعد الهزيمة، وهي في دار الخزاعيين يأمرها أن ترجع إلى بلادها، قال:

فجئتها، فوقفت على بابها ساعة لا يؤذن لي، ثم أذنت فدخلت ولم توضع لي وسادة، ولا شئ أجلس عليه، فالتفتت فإذا وسادة في ناحية البيت على متاع فتناولتها وضعتها، ثم جلست عليها، فقالت عائشة: يا ابن عباس أخطأت السنة تجلس على متاعنا بغير إذننا، فقلت لها ليست بوسادتك تركت متاعك في بيتك الذي لم يجعل الله لك بيتا غيره فقالت والله ما أحب أن أصبحت في منزل غيره، قلت أما حين اخترت لنفسك فقد كان الذي رأيت، فقالت: أيها الرجل أنت رسول فهلم ما

(١) غ " وأي كان ذلك ".

(٢) المغني ٢٠ ق ٢ / ٩٠.

٣٥٣
قيل لك قال: فقلت: إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترحلي إلى منزلك وبلدك فقالت: ذاك أمير المؤمنين عمر (١) قال ابن عباس فقلت: أمير المؤمنين عمر والله يرحمه، وهذا والله أمير المؤمنين فقالت: أبيت ذلك. فقلت:

أما والله ما كان إلا فواق عنز (٢) حتى ما تأمرين ولا تنهين كما قال الشاعر الأسدي:


ما زال أعداء القصائد بينناشتم الصديق وكثرة الألقاب
حتى تركت كأن أمرك فيهمفي كل مجمعة طنين ذباب (٣)

قال ابن عباس فوالله يعلم لبكت حتى سمعت نشيجها، فقالت:

أفعل ما بلد أبغض إلي من بلد لصاحبك مملكة بعد، وبلد قتل فيه أبو محمد وأبو سليمان، تعني طلحة بن عبيد الله وابنه. فقلت: أنت والله قتلتهما قالت: وأجلهما إلي قلت: لا ولكنك لما شجعوك على الخروج خرجت، فلو أقمت ما خرجا، قال: فبكت مرة أخرى أشد من بكائها الأول، ثم قالت: والله لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن، نخرج لعمري من بلدك، فأبغض بها والله بلد إلي وبمن فيها، فقلت: الله ما هذا جزاؤنا بأيدينا (٤) عندك ولا عند أبيك، لقد جعلنا أباك صديقا، وجعلناك للناس أما، فقالت: أتمنون علي برسول الله؟ قلت إي والله لأمتنن به عليك، والله لو

(١) غ " عمر يرحمه الله ".

(٢) الفواق - بضم الفاء وفتحها - ما بين الحلبتين في الوقت لأنها تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الجدي لتدر ثم تحلب. ويضرب ذلك مثلا: في قصر المدة فيقال: ما أقام عنده إلا فواقا، وفي الحديث " العيادة فواق ناقة، وكان في الأصل " فواق عنز غدير " والتصحيح من ر.

(٣) المجمعة " موضع الإجماع.

(٤) غ " جزاء أيدينا عندك ".

٣٥٤
كان لك لمننت به، قال ابن عباس: فقمت وتركتها فجئت عليا عليه السلام فأخبرته خبرها وما قلت لها فقال عليه السلام: (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) (١).

فإن قيل: في الخبر دليل على توبتها، وهو قولها عقيب بكائها: لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن.

قلنا: قد كشف الأمر ما عقبت هذا الكلام به، من اعترافها ببغض أمير المؤمنين عليه السلام وبغض أصحابه المؤمنين، وقد أوجب الله عليها محبتهم وتعظيمهم. وهذا دليل على الاصرار وأن بكائها إنما كان للخيبة لا للتوبة، وما في قولها: لئن لم يغفر الله لنا لنهلكن، من دليل للتوبة، وقد يقول المصر مثل ذلك إذا كان عارفا بخطئه فيما ارتكبه وليس كل من ارتكب ذنبا يعتقد أنه حسن حتى لا يكون خائفا من العقاب عليه، وأكثر مرتكبي الذنوب يخاف المصاب مع الاصرار ويظهر منهم مثل ما يحكى عن عائشة ولا يكون توبة.

وروى الواقدي بإسناده أن عمارا استأذن على عائشة بالبصرة بعد الفتح فأذنت له فدخل فقال: يا أمة كيف رأيت صنع الله حين جمع الحق والباطل، ألم يظهر الحق على الباطل، وزهق الباطل؟ فقالت: إن الحرب دول وسجال (٢) وقد اديل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن انظر يا عمار كيف تكون في عاقبة أمرك.

(١) آل عمران.

(٢) دول - بكسر الدال - جمع دولة بالضم - وهي الشئ الذي يتداول، وقال أبو عمرو ابن العلاء: بالضم في المال وبالفتح في الحرب " وقال عيسى بن عمر " كلتاهما تكونان في المال والحرب سواء " (انظر المادة في صحاح الجوهري).

٣٥٥
وروى الواقدي أنها لما دخل عليها عمار أيضا فقال: كيف رأيت ضرب بنيك على الحق وعلى دينهم فقالت: استبصرت من أجل إنك غلبت فقال: أنا أشد استبصارا من ذلك والله لو غلبتمونا حتى تبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنكم على الباطل فقالت عايشة:

هكذا تخيل إليك إتق الله يا عمار إن سنك قد كبرت ودق عظمك ودنى أجلك إذ وهبت دينك لابن أبي طالب قال: أي والله اخترت لنفسي في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فرأيت عليا عليه السلام أقرأهم لكتاب الله، وأعلمهم بتأويله، وأشدهم تعظيما لحق الله وحرمته، مع قرابته وعظم بلائه وعنائه في الاسلام قال فسكتت.

وروى الطبري في تاريخه إنما لما انتهى قتل أمير المؤمنين عليه السلام إلى عائشة قالت:


فألقت عصاها واستقر بها النوىكما قر عينا بالإياب المسافر

فمن قتله؟ فقيل: رجل من مراد لعنه الله فقالت:


فإن يك نائيا فلقد نعاهتباع ليس في فيه التراب

فقالت زينب بنت سلمة ابن أبي سلمة (١): العلي تقولين هذا؟ فقالت إني انسي فإذا نسيت فذكروني (٢).

(١) تاريخ الطبري ٥ / ١٥٠ حوادث سنة ٤٠.

(٢) زينب بنت أبي سلمة المخزومية يقال: ولدت بأرض الحبشة، وضعتها أمها بعد مقتل ابن سلمة وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله أمها وهي ترضعها، وكان اسمها برة فغيره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانت من أفقه نساء المدينة، (انظر كتاب النساء من الإصابة حرف الزاي ق ١ بترجمتها).

٣٥٦
وهذه سخرية منها بزينب وتمويه عليها تخوفا من شناعتها، ومعلوم ضرورة أن الناسي الساهي لا يتمثل بالشعر في الأغراض التي تطابق مراده، ولم يكن ذلك منها إلا عن قصد ومعرفة.

وروي أيضا عن ابن عباس أنه قال لأمير المؤمنين عليه السلام لما أبت عايشة الرجوع إلى المدينة: أرى أن تدعها يا أمير المؤمنين بالبصرة ولا ترحلها فقال صلوات الله عليه له: إنها لا تألو شرا ولكني أردها إلى بيتها الذي تركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه، فإن الله بالغ أمره.

وروى محمد بن إسحاق أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة، لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين عليه السلام وكتبت إلى معاوية وإلى أهل الشام مع الأسود بن أبي البختري (١) لتحرضهم عليه، وروي عن مسروق أنه قال: دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثني واستدعت غلاما لها أسود يقال له: عبد الرحمن حتى وقف، فقالت: يا مسروق أتدري لم سميته عبد الرحمن فقلت: لا فقالت: حبا مني لعبد الرحمن بن ملجم.

فأما قصتها لدفن الحسن عليه السلام (٢) ومنعها من مجاورته عليه السلام لجده وخروجها على بغلة تأمر الناس بالقتال، وتقول: لا تدخلوا بيتي من لا أهوى، فمشهورة حتى قال لها عبد الله بن عباس رضي الله عنه: يوما على بغل ويوما على جمل فقالت: ما نسيتم يوم الجمل يا ابن عباس إنكم ذوو حقد، ولو ذهبنا إلى ذكر ما روي عن هذه المرأة من

(١) الأسود بن أبي البختري واسم أبي البختري العاص قتل أبوه يوم بدر كافرا أسلم يوم الفتح سيره معاوية مع بسر بن أرطاة ليقتل شيعة علي بالمدينة (انظر أسد الغابة ١ / ٨٢).

(٢) ر " في دفن ".

٣٥٧
الكلام الغليظ الشديد الدال على بقاء العداوة واستمرار الحقد والعصبية، لأطلنا وأكثرنا، فأي دليل أدل على أنها معاوية لأمير المؤمنين عليه السلام عداوة قديمة لا سبب لها من تهمته بقتل عثمان وغيره مع (١) أنها كانت تؤلب على عثمان، فتأمر صريحا بقتله، ولم يكن عليه السلام إلا بريئا، ولم يكن على عثمان أشد منها ولا أغلظ، فلما قتل كما أرادت أظهرت السرور والابتهاج، ظنا منها أن الأمر يعدل به إلى طلحة أو غيره، وأن أمير المؤمنين عليه السلام لا يحظى بطائل، فلما عرفت الأمر على حقيقته رجعت على أدراجها تزكي عثمان وتبكيه وتندبه، فما الذي بان لها من أمره بعد الأقوال المسموعة منها فيه! وهل هذا إلا شح منها على أمير المؤمنين عليه السلام بالأمر؟

وروى البلاذري عن عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو يوسف الأنصاري أنه سمع أهل الكوفة يحدثون أن الناس لما بايعوا عليا عليه السلام بالمدينة بلغ عائشة أن الناس قد بايعوا طلحة فقالت: إيه ذا الإصبع (٢) لله أنت لقد وجدوك لها مجلسا وأقبلت جذلة مسرورة، حتى انتهت إلى سرف (٣) استقبلها عبيد بن سلمة الذي يدعى ابن أم كلاب (٤) فسألته عن الخبر، فقال: قتل الناس عثمان، قالت: نعم ما صنعوا قال: خيرا جازت بهم الأمور إلى خير مجاز بايعوا ابن عم نبيها عليه السلام فقالت: أو فعلوها، وددت بأن هذه انطبقت على هذه، إن تمت الأمور لصاحبك الذي ذكرت، فقال لها: ولم والله ما أرى اليوم في الأرض مثله، فلم تكرهين سلطانه؟ فلم ترجع إليه

(١) في الأصل " من ".

(٢) تعني طلحة لأنه أشل.

(٣) سرف - بكسر الراء - موضع من مكة على عشرة أميال (نهاية ابن الأثير مادة " سرف ".

(٤) قال ابن حجر في القسم الرابع من حرف العين من الإصابة: " عبيد بن أم كلاب له رواية عن عمر ".

٣٥٨
جوابا، وانصرفت إلى مكة فاتت الحجر فاستبرزت (١) فقالت: إنا عبنا على عثمان في أمور سميناها له، ووقفناه عليها، وتاب منها واستغفر الله، فقبل المسلمون منه ذلك. ولم يجدوا من ذلك بدا فوثب عليه من إصبع من أصابع عثمان خير منه فقتله، فقتل والله وقد ماصوه كما يماص الثوب الرحيض (٢) وصفوه كما يصفى القليب، ومن تأمل ما روي عنها في هذا المعنى وهو كثير حق تأمله وانقلابها في عثمان مادحة بعد أن كانت في الحال ذامة لا لشئ سوى حصول الأمر لمن يستحقه علم من أمرها ما لا يخرجه من قلبه تأويل، ولا يدفعه تذليق (٣) وفي بعض ما ذكرناه من الأخبار كفاية، في معارضته أخباره لو لم يكن فيها تأويل ولا احتمال ونحن نتكلم الآن على ما تعلق به صاحب الكتاب في توبتها من الأخبار.

أما الأخبار فالخبر الذي تضمن موافقة عمار لها إنك لقوال بالحق، فأبعد شئ من حجة في التوبة أو شبهه، وما روي من اعترافها بصدق عمار بأنها مأمورة بأن تقر في بيتها من الدلالة على التوبة والندم، وهل كانت من جحد ذلك متمكنة، وأي منافاة بين الاعتراف بذلك. وبين الاصرار.

فأما ما حكاه بعد عن عمار من أنها زوجته في الدنيا والآخرة فظاهر البطلان. لأن أقوال عمار المشهورة بخلاف ذلك، وبعد فإن عمارا إنما قال ذلك بالكوفة عند الاستنفار وقبل الحرب، ويجوز أن يكون ظانا أن الأمر لا يفضي إلى ما أفضى إليه فقال: إنها زوجته في الدنيا والآخرة على

(١) استبرزت: ظهرت بعد خفاء.

(٢) ماص الشئ دلكه، وموص الثوب غسله، والرحيض: المغسول.

(٣) في المطبوعة، " تزليق " واخترنا ما في ر فيكون من الذلاقة وهي الفصاحة والبلاغة.

٣٥٩
ما ظنه في الحال ولم يسند خبره إلى النبي صلى الله عليه وآله فيقطع به وليس كل ما ظنه كان يكون صحيحا وكيف يقول عمار ومذهبه معروف في تنزيه الله عن القبيح: إن الله ابتلاكم بها، وكيف يبتلي الله بالمعاصي وبما قد نهى عنه وحذر منه.

وأما الخبر الثاني وقولها مجيبة لابن عباس أيها الرجل كان قضاء وأمر خديعة فأول ما فيه أن يحيل على الله بذنبه، ويدعي أنه هو الذي قضاه عليه لا يقبل توبته عند جماعتنا، وليس له أن يحمل القضاء ها هنا على العلم دون الخلق والحكم، ليخرجها من أن تكون غالطة، وذلك أن المعلوم إنها كانت معتذرة بكلامها، ولا عذر لها في أن يعلم الله منها القبيح، وإنما العذر في القضاء المخالف العلم ألا ترى أنها ضمت إلى ذلك ذكر الخديعة لتلقي اللوم على غيرها، ولا مطابقة بين الخديعة والقضاء الذي هو العلم، فكيف تكون مخدوعة وقد ظهر منها بعد التمكن منها، وزوال كل شبهة عنها، من الكلام الغليظ في أمير المؤمنين عليه السلام وفي متبعيه ما يدل على استبصارها في عداوته، وإصرارها على مشاقته.

فأما قولها: وددت أني كنت غصنا رطبا، وفي بعض الأخبار:

شجرة أو مدرة، فإنه لا يدل على التوبة، وإنما يدل على التلهف والتحسر، ويجوز أن يكون من حيث خابت عن طلبتها، ولم تظفر ببغيتها، مع الذل الذي لحقها وألحقها العار في الدنيا، والإثم في الآخرة. فمن أين أن ذلك ندم على الفعل القبيح من الوجه الذي يسقط الذم؟ وليس فيه أكثر من لفظ التمني الذي يستعمله المستبصر المحقق وتارة يكون ندما وتوبة، إذا كان خوفا من ضرر الآخرة، وندما على القبيح لقبحه، وتارة يكون على الاستضرار في الدنيا لفوت غرض أو خيبة أو بعض ما ذكرناه، وهذا هو الجواب عن تعلقهم ببكائها وتمنيها الموت، وقولها لأن لا أكون شهدت هذا اليوم أحب إلي من أن يكون لي من رسول

٣٦٠