×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشافي في الإمامة (ج 4) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

توبتهم ولا بد أن تكون توبتهم مشترطة لأن الله تعالى لا يقبل توبة من لم يتب فيجب عليهم أن يدلوا على وقوع توبة من الجماعة حتى يدخلوا تحت الظاهر.

فأما قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفى الله عنهم) (١) فلنا أن ننازع في اقتضاء ظاهر العموم على ما تقدم وإذا سلمنا ذلك جاز أن يحمل على العفو عن العقاب المعجل في الدنيا دون المستحق في الآخرة، فقد روى هذا المعنى بعينه وقد يجوز أن يعفو الله تعالى عن الجماعة عن عقاب هذا الذنب خاصة بأن يكون سبق من حكمه ووعده أن يعفو عنه، وإن كان منهم من يستحق عقابا على ذنوب أخر لم يعف عنها. فإن العقل لا يمنع من العفو عن بعض العقاب دون بعض كما لا يمنع من العفو عن الجميع والسمع أيضا لا يمنع من ذلك إلا في أقوام مخصوصين.

فأما قوله تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (٢) فلا حجة فيه لأنه علق المغفرة بالسبق إلى الإيمان وهذا شرط يحتاج إلى دليل في إثباته للجماعة، ومع هذا فهو سؤال وليس كل سؤال يقتضي الإجابة.

فأما ادعاؤه أنه أذهب الرجس عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله فلا أدري أي مدخل لذكر الأزواج في هذا الباب المخصوص بالكلام في أن أبا بكر هل يصلح للإمامة (٣) على أنا قد بينا فيما تقدم من هذا الكتاب

(١) آل عمران ١٥٥.

(٢) الحشر ١٠.

(٣) لا يصلح للإمامة، خ ل.

٢١
أن الآية التي ظن أنها تتناول الأزواج لا تتناولهن، وأنها تختص أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام واستقصينا ذلك بما لا طائل في إعادته.

فأما قوله: " كيف تزوج بهن وهن كافرات ".

فالجواب عن ذلك قد تقدم معناه عند كلامنا في تعظيمه عليه السلام لهم مع علمه بأنهم سيدفعون النص وجملة الأمر في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله إذا كان قد اطلع على ما سيكون من حرب زوجته لأخيه وابن عمه فلا يمتنع أن يكون ما اطلع على عاقبتها وكان مجوزا لأن تموت على الاصرار أو التوبة ومع هذا التجويز لا نقطع على كفرها في الحال مع إظهار الاسلام، فإذا قيل: إنه عليه السلام كان يعلم العاقبة لم نمنع أن يكون نكاحه لهن لأجل ما يظهرن من الإيمان والاسلام جايزا وإن لم يجز نكاح كل كافرة ولا إنكاح الكفار، وما طريقه الشرع والعقل يجوز فيه الأمور المختلفة فلا دليل فيه أوضح من فعله صلى الله عليه وآله وسلم.

فأما قوله: " إن من مناقبه أنه سبق إلى الاسلام " فباطل لأنه لا شبهة في أمير المؤمنين عليه السلام هو السابق إلى اتباع النبي صلى الله عليه وآله والإيمان به، والأمر في ذلك بين أهل النقل متعارف، وإنما ادعى قوم من أهل النصب والعناد أن إسلامه وإن كان سابقا فإنما كان على سبيل التلقين دون المعرفة واليقين لصغر سنة عليه السلام، وفضلوا لأجل ذلك إيمان أبي بكر وإن كان متأخرا.

وقد أجابت الشيعة عن هذه الشبهة وبينوا أن الأمر في سنه عليه السلام كان بخلاف ما ظنه الأعداء، وأنه كان في تلك الحال ممن يتناوله التكليف، ويصح منه المعارف، وبينوا ذلك بالرجوع إلى تاريخ وفاته

٢٢
ومبلغ سنه عندنا (١) وأن اعتبار ذلك يشهد بأن سنه لم تكن في ابتداء الدعوة صغيرة بحيث لا يصح معها المعرفة، وأوضحوا ذلك بتمدحه عليه السلام في مقام بعد مقام. ومقال بعد مقال، وافتخاره بأنه أسبق الناس إسلاما. وإيراده ذلك بألفاظ مختلفة كقوله عليه السلام: (اللهم إني لا أعرف عبدا عبدك من هذه الأمة قبلي غير نبيها صلى الله عليه وآله وسلم)، وقوله عليه السلام: (أنا أول من صلى) (٢) وقوله لما شاجره عثمان وقال له أبو بكر وعمر خير منك فقال: (أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما) (٣) وقول النبي صلى الله عليه وآله فاطمة زوجتك: (أقدمهم سلما (٤) وأوسعهم علما) (٥) إلى غير هذا مما يدل على إيمانه، وأنه إيمان العارفين، ولولا ذلك لا تمدح به ولا افتخر ولا افتخر له.

فإن قال: فهبوا أن أبا بكر لم يسبق الناس كلهم إلى الاسلام أليس كان من السابقين إليه؟ وهذا يدل على صلاحه للإمامة وعلى أنه لم يكن كافرا منافقا.

قيل له: ليس كل من سبق إلى إظهار الاسلام أو كان أسبق الناس

(١) عندها، خ ل.

(٢) ورد ذلك عنه عليه السلام في غير واحد من الصحاح والمسانيد وبحسبك أن تنظر صحيح الترمذي ٢ / ٣٠١ وخصائص النسائي ص ٢ ومستدرك الحاكم ٣ / ١١٢ ومسند أحمد ١ / ٩٩ الخ.

(٣) انظر الحكمة ٦٨ من الحكم المنثورة في آخر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.

(٤) ع " إسلاما ".

(٥) أخرجه جماعة من الحفاظ وأرباب المسانيد كالإمام أحمد في المسند ٥ / ٢٦ من طريق معقل بن يسار، وابن الأثير في أسد الغابة ٥ / ٥٢٠، والمتقي في كنز العمال ٥ / ١٥٣ و ٣٩٧ وقال: أخرجه الخطيب في المتفق والمفترق عن بريدة، والمحب في الرياض النضرة ٢ / ١٨٢ وغيرهم.

٢٣
كتاب الشافي في الإمامة (ج٤) للشريف المرتضى (ص ٢٤ - ص ٤١)
٢٤
بلا خلاف بين أهل العلم (١) وأنه عليه السلام كان يطعم المسكين واليتيم والأسير وحتى نزلت في ذلك سورة هل أتى على الإنسان (٢) وفيه نزل وفي معنى نفقته ورد قوله: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (٣) ولما تصدق بخاتمه وهو راكع نزل فيه قوله تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) (٤) وهذه جهات لا تدفع ولا تجهل فأين نفقات أبي بكر والشاهد عليها إن كانت صحيحة. على أن الذي ادعى من إنفاق أبي بكر لا يخلو من أن يكون وقع بمكة قبل الهجرة لو كان صحيحا، أو بالمدينة، فإن كان بمكة فمعلوم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يجهز هناك جيشا ولا بعث بعثا ولا حارب عدوا وإنما يحتاج مثله عليه السلام إلى النفقة الواسعة في تجهيز الجيوش وإعداد الكراع (٥) لأنه كان ممن لا يتفكه ولا يتنعم بإنفاق الأموال على أنه عليه السلام كان بمكة في كفاية واسعة من مال خديجة رضي الله عنها وقد كانت باقية عنده إلى سنة الهجرة وسعة حالها معروفة. ولما كان فيه من الكفاية والاتساع ضم أمير المؤمنين عليه السلام إلى نفسه وكفله واقتطعه عن أبيه تخفيفا عنه، وهذا لا يفعله المحتاج إلى نفقة أبي بكر، وإن كانت النفقة بعد الهجرة فمعلوم أن أبا بكر ورد المدينة فقيرا بلا مال، ولهذا احتاج إلى مواساة الأنصار.

وقد روى الناس كلهم أن النبي صلى الله عليه وآله كان في ضيافة

(١) انظر تفسير الرازي ٢٩ / ٢٧١ و ٢٧٢.

(٢) انظر الكشاف ٤ / ٩٧ وأسد الغابة ٥ / ٥٣٠ في ترجمة فضة.

(٣) تفسير الرازي ١٢ / ٢٦.

(٤) المائدة ٥٥.

(٥) الكراع: اسم لجمع الخيل.

٢٥
الأنصار يتداولون ضيافته، ولم يرو أحد أن أبا بكر أضافه، وقام بمؤنته بالمدينة وقد كان صلى الله عليه وآله يبقى اليومين والثلاثة لا يطعم شيئا وربما شد الحجر (١) ووجوه الانفاق في المدينة معروفة لأنها الجهاد وتجهيز الجيوش وليس يمكن أحد أن يبين له إنفاق في شئ من ذلك.

وقد بين أصحابنا في الكلام على نفقة أبي بكر وادعائها تارة أنه كان مملقا غير موسر ودلوا على ذلك من حاله بأشياء:

منها، أنه كان يعلم الناس ويأخذ الأجر على تعليمه، وليس هذا صنيع الموسرين.

ومنها، أنه كان يخيط الثياب ويبيعها.

ومنها، أن أباه كان معروفا بالمسكنة والفقر وأنه كان ينادي في كل يوم على مائدة عبد الله بن جدعان بأجر طفيف، فلو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه.

وبعد، فلو سلمنا لهم يساره وإنفاقه على ما يدعون لكان غير دال على الغرض الذي أجروا إليه، لأن المعتبر في الانفاق بالمقاصد والنيات.

فمن أين لهم أن غرض أبي بكر كان محمودا؟ وهذا مما لا بد لهم فيه من الرجوع إلى غير ظاهر الانفاق.

فأما قوله: " إنه كان صاحبه في الغار " فإنا متى اعتبرنا قصة الغار لم نجد فيها لأبي بكر فضلا بل وجدناه منهيا، والنهي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يتوجه إلا إلى قبيح ونحن نبين ما يقتضيه استقراء الآية.

(١) أي شد الحجر على بطنه لدفع النفخ الحادث عن الجوع وخلو الجوف.

٢٦
أما قوله تعالى: (ثاني اثنين) فليس فيه أكثر من إخبار عن عدد وقد يكون ثانيا لغيره من لا يشركه في إيمان ولا فضل ثم قال: (يقول لصاحبه) (١) وليس في التسمية بالصحبة فضل لأنها قد تحصل من الولي والعدو والمؤمن والكافر قال الله تعالى مخبرا عن مؤمن وكافر اصطحبا (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا) (٢) ثم قال: (لا تحزن) فنهاه عن الاستمرار على حزن وقع منه بلا خلاف لأن الرواية وردت بأنه جزع ونشج بالبكاء، وإنما ذكرنا ذلك لئلا يقولوا: إنما نهاه عما لم يقع منه فظاهر نهيه عليه السلام يدل على قبح الفعل، وإنما يحمل النهي في بعض المواضع على التشجيع والتسكين بدلالة توجب العدول عن الظاهر، وهذا يدل على وقوع المعصية من الرجل في الحال فأما قوله تعالى: (إن الله معنا) فمعناه إنه عالم بحالنا كما قال تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا) (٣) فليس في ذلك أيضا فضل.

وقد قيل: إن لفظة (معنا) تختص النبي وحده صلى الله عليه وآله دون من كان معه وقد يستعمل الواحد العظيم هذه اللفظة في العبارة عن نفسه كما قال تعالى: (إنا أرسلنا نوحا) (٤) و (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٥) ثم قال: (فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) وإنزال السكينة إنما كان على النبي صلى الله عليه وآله بدلالة قوله

(١) التوبة ٤٠.

(٢) الكهف ٣٧.

(٣) المجادلة ٧.

(٤) نوح ١.

(٥) الحجر ٩.

٢٧
(وأيده بجنود لم تروها) وهم الملائكة وبدلالة أن الهاء من أول الآية إلى آخرها كناية عن النبي صلى الله عليه وآله ولم ينزل السكينة على النبي صلى الله عليه وآله في غير هذا المقام إلا عمت من كان معه من المؤمنين قال الله تعالى في يوم حنين (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) (١) وقال تعالى: (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) (٢) وفي اختصاص الرسول صلى الله عليه وآله في الغار بالسكينة دون من كان معه ما فيه.

فأما قوله: " وصاحبه في الهجرة " فإن أراد بذلك تفضيل هجرته على هجرة غيره في ظاهر الحال فليس الأمر على ما ظنه لأن هجرة أمير المؤمنين عليه السلام أفضل وأجل وأعظم من قبل أنه جمع بين الهجرة وبين ما خلفه النبي صلى الله عليه وآله لإنجازه من أموره المهمة وإخراج أهله ونسائه ولأنه صلوات الله عليه هاجر وحده خائفا على نفسه وعلى من معه من الأهل الذين كلف إخراجهم وحراستهم مستوحشا حتى روي أنه كان يكمن نهارا ويسير ليلا وأنه امتنع من ظهوره نهارا ومشى حتى انتفخ قدماه، وليس يكون خوف من هاجر وحده ومعه النساء والأهل ومن يخاف عليه كخوفه على نفسه كهجرة من كان مصاحبا للنبي صلى الله عليه وآله مستأنسا بقربه واثقا بأنه مرعى محروس لمكانه، ولا خلاف أن هجرة أبي بكر كهجرة عارم بن فهيرة (٣) لأنهما صحباه عليه السلام ثم لا خلاف أن هجرة أمير المؤمنين عليه السلام كانت أفضل من هجرة عامر بن فهيرة

(١) التوبة ٢٦.

(٢) الفتح ٢٦.

(٣) عامر بن فهيرة التيمي بالولاء أحد السابقين ممن يعذب في الله، كان مع النبي صلى الله عليه وآله عندما هاجر إلى المدينة استشهد ببئر معونة (انظر ترجمته في الإصابة ق ١ حرف العين).

٢٨
فكيف يفضل عليها هجرة أبي بكر وإن لم يرد بذكر الهجرة هذا وأراد إثبات الإيمان والاخلاص، فقد قلنا في أن ظواهر هذه الأمور لا تدل على ذلك بما كفي.

فأما أنه: " أنيسه في العريش يوم بدر " فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أفضل وأوثق بالله تعالى من أن يحتاج إلى مؤنس والوجه في احتباس أبي بكر في العريش معروف لأنه عليه السلام كان يعهد منه الجبن والهلع لما ظهر منه في مقام بعد مقام، فهو الفار في يوم خيبر، وأول المنهزمين يوم أحد وحنين، فلو تركه يختلط بالمحاربين لم يأمن أن يظهر من خوره ما يكون سببا للهزيمة. وطريقا إلى استظهار المشركين، فأجلسه معه لتكفي هذه المؤونة ويكفي في هذا الوجه أن يكون ما ذكرناه جائزا، ويبين صحته أنه لو أنس منه رشدا في القتال ووثق بكفايته واضطلاعه بالحرب لم يكن ليحرمه منزلة المحاربين، ودرجة المباشرين للحرب الذين قال الله تعالى فيهم: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) (١) والذين قال الله تعالى فيهم: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) (٢) فأما قوله: " إنه كان المستشار في أموره " فأول ما فيه أن النبي صلى الله عليه وآله لا يستشير أحدا لحاجة منه إلى رأيه، وفقر إلى تعليمه وتوقيفه لأنه عليه السلام الكامل الراجح المعصوم المؤيد بالملائكة، وإنما كانت

(١) التوبة ١١١.

(٢) النساء ٩٥.

٢٩
مشاورته أصحابه ليعلمهم كيف يعملون في أمورهم، وقد قيل فعل ذلك ليستخرج دخائلهم (١) وضمائرهم فلا فضل في المشاورة.

فأما قوله: " إنه كان أميره على الموسم في الحج وحين افتتحت مكة " فغير مسلم له لأن أصحابنا يقولون: إنه لما عزل عن سورة براءة عزل عن إمارة الموسم وحج وهو غير أمير، وأظن أن فيهم من يقول إنه بعد عوده إلى النبي صلى الله عليه وآله الذي لم يختلف فيه (٢) لم يرجع إلى الموسم.

فأما تأميره على الصلاة حين فتح مكة فما نعرفه.

فأما أنه المقدم في الصلاة أيام مرضه، فقد تقدم من كلامنا في ذلك ما فيه كفاية وبينا أنه عليه السلام لم يأذن في تقديمه.

فأما قوله: " إنه شبه بميكائيل من الملائكة. وبإبراهيم من الأنبياء ".

فمما لا يحتج بمثله صاحب الكتاب لأنه طريقة أغتام القصاص (٣) ومن لا يبالي ما يخرج من رأسه، وما يحتج بمثل هذا ويصدق به ويرويه إلا من يروي أنه تعالى بكى على عثمان حتى هاجت عينه (٤) جل وتعالى علوا كبيرا، ومن يروي أن النبي صلى الله عليه وآله لما أسري به رأى في السماء ملائكة متلففين بالأكسية فسأل عنهم، فقيل له: إنهم تشبهوا بأبي بكر في تجلله بالعباءة، ولهذا نظائر لا ينشط صاحب الكتاب لقبولها ولا لسماعهما.

(١) الدخائل جمع دخيلة.

(٢) في الأصل " له يختلف " ولا يستقيم المعنى والتصحيح من " ض ".

(٣) أغتام جمع أغتم وهو من لا يفصح في كلامه.

(٤) هاجت عينه: أي ورمت.

٣٠
فأما الخبر بأنهما (سيدا كهول أهل الجنة) فقد تقدم الكلام عليه خاصة وعلى نظائره وقد تقدم أيضا الكلام فيما يروى من تعظيم أمير المؤمنين عليه السلام وتكلمنا أيضا على ما ادعى من وصفه بأنه خليله وأخوه واستقصينا كل ذلك استقصاء لا يحوج إلى زيادة.

وأما ما ادعاه من بشارته له ولغيره بالجنة فأول ما فيه أن راويه واحد ولا شبهة في أنه غير معلوم ولا مقطوع به فكيف يحتج في هذا الموضع به؟

ثم الذي رواه أحد العشرة وهو سعيد بن زيد بن نفيل (١) وهو مزك لنفسه مع تزكيته غيره، ودخوله في جملة من تضمنه الخبر شبهة، وطريق إلى التهمة.

وبعد، فقد علمنا أن الله تعالى لا يجوز أن يعلم مكلفا يجوز أن يقع منه القبيح والحسن، وليس بمعصوم من الذنوب بأن عاقبته الجنة، لأن ذلك يغريه بالقبيح ولا خلاف أن التسعة لم يكونوا معصومين من الذنوب وقد أوقع بعضهم على مذهب خصومنا كبائر وواقع خطايا وإن ادعوا أنهم تابوا منها.

ومما يبين بطلان هذا الخبر أن أبا بكر لم يحتج به لنفسه ولا احتج له به في مواطن دفع فيها إلى الاحتجاج كالسقيفة وغيرها، وكذلك عمر وعثمان أيضا لما حصر وطولب بخلع نفسه وهموا بقتله وقد رأيناه احتج بأشياء تجري مجري الفضائل والمناقب، وذكر القطع له بالجنة أولى منها وأحرى أن يعتمد عليه في الاحتجاج، وفي عدول الجماعة عن ذكره دلالة

(١) سعيد بن زيد بن نفيل العدوي، هو ابن عم عمر بن الخطاب وزوج أخته فاطمة أسلم قبل عمر، وهو أحد العشرة المبشرة مات بالعقيق أو المدينة واختلفوا في سنة وفاته بين سنة ٥٠ - ٥٨ (انظر أسد الغابة ٢ / ٣٠٧).

٣١
واضحة على بطلانه.

فأما قوله: " إنهم شكوا (١) في الفضل بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام وإن ذلك يدل على التقارب وظهور الفضل وأكثر ما فيه الدلالة على الفضل الظاهر الذي لا يختلف فيه، ولأجله وقع التمثيل، فمن أين الفضل الباطن؟ على أنه يلزم صاحب الكتاب على هذا الاعتلال أن يكون معاوية مستحقا للإمامة ومستوفيا لشرائطها لأن الناس قد ميلوا (٢) في الإمامة بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام.

وقد بينا أن الإمام يجب أن يكون معصوما فسقط قوله: " إن عصمته غير واجبة ".

وبينا أيضا الكلام على الأخبار التي ادعاها من قوله: " إن وليتم أبا بكر " وبشارته بالخلافة واستقصيناه.

فأما قوله عن أبي علي " إن من جوز مقامه على الكفر كمن جوز مقامه بمكة ونفى انتقاله إلى المدينة " فإنما يكون ذلك مثالا لمن نفى انتقاله إلى إظهار الاسلام، وقد بينا أن ذلك لا ينفيه عاقل.

فأما قوله: " إنه عليه السلام كان يحذر نبيه صحبة المنافقين ويمنعه من ذلك " فهذا وإن كان على ما ذكره فقد كان في جملة أصحابه والمختلطين به منافقون، معروفون لا شبهة على أحد في أمرهم الآن، فأي شئ قاله فيمن ذكرناه أمكن أن يقال له في غيره.

فأما ما عارض به من قول الخوارج في أمير المؤمنين عليه السلام فما

(١) ميلوا، خ ل، والمعنى واحد.

(٢) في ض " مثلوا " تصحيف.

٣٢
نعرف ما ادعاه من قول الخوارج والمعروف من مذهبهم تعظيم أمير المؤمنين عليه السلام وتفضيله والقول فيه بأحسن الأقوال قبل التحكيم، ولو كان هذا الذي حكاه على بطلانه قولا لبعضهم لكان الفرق بين الأمرين واضحا لأنهم إنما بنوا هذا الاعتقاد الفاسد عليه أن التحكيم كفر، وقد دلت الأدلة على أنه صواب وحق فسقط ما فرعوه عليه.

والقول الذي عارضه بهذا، إنما بني على دفع النص وأنه ضلال وذلك مما قد دلت الأدلة على صحته، والرجوع إلى الأدلة يفرق بين الأمرين ويقتضي سلامة باطن أمير المؤمنين عليه السلام على وجه لا يقتضي سلامة باطن غيره.

فأما ما حكاه من الاحتجاج بالتزويج فليس ذلك مما يحتج به ولا يعول عليه، وهذا واضح.

قال صاحب الكتاب: " وقد ذكر شيخنا أبو علي من القرآن ما يدل على ذلك وهو قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) (١) وقال (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين) (٢) وقال: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) (٣) يعني قوله: (لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي

(١) الفتح ١١.

(٢) التوبة ٨٣.

(٣) الفتح ١٥.

٣٣
عدوا) (١) ثم قال: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) (٢) فتبين أن الذي يدعو هؤلاء المخلفين من الأعراب إلى قتال قوم أولي بأس شديد غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه تعالى قد بين أنهم لا يخرجون معه، ولا يقاتلون معه عدوا بآية متقدمة، ولم يدعهم بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قتال الكفار إلا أبو بكر وعمر وعثمان لأن أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل، فقال بعضهم: عني بقوله (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) بني حنيفة، وقال بعضهم: عني بذلك فارس والروم، وأبو بكر هو الذي دعى إلى قتال بني حنيفة، وقتال فارس والروم. ودعاهم بعده إلى قتال فارس والروم عمر، فإذا كان الله تعالى قد بين أنهم بطاعتهم لهما يؤتيهم الله أجرا حسنا، وإن تولوا عن طاعتهما يعذبهم الله عذابا أليما صح أنهما على حق وأن طاعتهما طاعة الله، وهذا يوجب صحة إمامتهما وصلاحهما لذلك.

ثم قال: فإن قيل: إنما أراد تعالى بذلك أهل الجمل وصفين فذلك فاسد من وجهين:

أحدهما: قوله تعالى (يقاتلونهم أو يسلمون) والذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السلام كانوا على الاسلام، ولم يكونوا يقاتلون على الكفر [ ولا كان هو يقاتلهم ليسلموا، بل كان يقاتلهم ليردهم إلى طاعته والدخول في بيعته ويردهم عن البغي ] (٣).

(١) التوبة ٨٣.

(٢) الفتح ١٦.

(٣) جميع الزيادات تحت هذا الرقم من " المغني ".

٣٤
والوجه الثاني: أنا لا نعرف من الذين عناهم بذلك من بقي إلى أيام أمير المؤمنين عليه السلام كما علمنا أنهم كانوا باقين إلى أيام أبي بكر [ فوجب بهذا أن الذي دعوا هؤلاء المخالفين إلى قتال قوم أولي بأس شديد هم أبو بكر وعمر ] (١) وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) (٢) " ثم قال: " وهذا خبر من الله تعالى ولا بد من أن يكون كائنا على ما أخبر به، والذين قاتلوا المرتدين هم أبو بكر وأصحابه فوجب أنهم الذين عناهم بقوله: (يحبهم ويحبونه) [ وأنهم (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) ] (٣) وذلك يوجب أن يكون على صواب [ وأن يكون ممن وفى ويمنع من قول من يدعي النص وأنه كان على باطل ] (٣).

قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا) (٤) فلم نجد هذا التمكين والاستخلاف في الأرض الذي وعده الله من آمن وعمل صالحا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله إلا في أيام أبي بكر وعمر لأن الفتوح كانت في أيامهم وأبو بكر فتح بلاد العرب، وصدرا من بلاد

(١) ما بين المعقوفين من " المغني ".

(٢) المائدة ٥٤.

(٣) الزيادة من المغني.

(٤) النور ٥٥.

٣٥
العجم. وعمر فتح مدائن كسرى وإلى حد (١) خراسان والشام ومصر * ثم كان من عثمان فتح ناحية المغرب * (٢) وخراسان وسجستان وغيرها، وإذا كان التمكين والاستخلاف الذي تضمنته الآية لهؤلاء الأئمة وأصحابهم علمنا أنهم محقون، فلو لم يكن لهؤلاء لم يصح لأنه لم يكن لغيرهم الفتوح، ولو كان لغيرهم أيضا لوجب كون الآية متناولة للجميع (٣) وقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله...) (٤) ولو كان الأمر على ما يقوله كثير من الإمامية أنهم ارتدوا بعد نبيهم صلى الله عليه وآله وخالفوا النص الجلي لما كانوا خير أمة، لأن أمة موسى لم يرتدوا بعد موسى بل كانوا متمسكين به مع يوشع ".

وقال حاكيا عن أبي علي: " وكيف يتصور عاقل مع عظم حال الاسلام عند موت الرسول صلى الله عليه وآله أن يكون الجميع ينقادون لأبي بكر ولا ينكرون إمامته، وقد نص رسول الله نصا ظاهرا على واحد بعينه فلا يتخذه أحد إماما ولا يذكرون ذلك. ولو جاز ذلك لجاز أن يكون للرسول صلى الله عليه وآله ولد ولا نص عليه (٥) ولم يذكر ذلك وكيف يكونون مرتدين مع أنه تعالى أخبر أنه جعلهم (أمة وسطا) (٦) وكيف يصح مع قوله عز وجل: (السابقون الأولون من المهاجرين

(١) غ " إلى جهة ".

(٢) ما بين النجمتين ساقط من " المغني ".

(٣) العبارة في " المغني " ناقصة ومشوشة.

(٤) آل عمران ١١٠.

(٥) في المغني " ولذا نص عليه " وهو تصحيف ظاهر وفي ض " ولد نص عليه ".

(٦) البقرة من الآية ١٤٣.

٣٦
والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) (١) وكيف يقول تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) (٢) وكيف يصح ذلك مع قوله تعالى (محمد رسول الله والذين معه) (٣) الآية فشهد بمدحهم وبأنهم غيظ الكفار، ونحن نعلم أنه لا يغيظ الكفار بستة نفر على ما يقوله الإمامية، وكيف يصح ما قالوه مع قوله صلى الله عليه وآله (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم)، وكل ذلك يبين بطلان قولهم: إنه لم يصلح للإمامة، وإنه مشكوك في فضله وإيمانه،... " (٤) يقال له: أما ما بدأت به من الآية التي زعمت أن أبا علي اعتمدها، واستدل بها، فالغلط في تأويلها ظاهر، وقد ضم إلى الغلط في التأويل أيضا الغلط في التاريخ. ونحن نبين ما في ذلك.

ولنا في الكلام على هذه الآية وجهان.

أحدهما: أن ننازع في اقتضائها داعيا يدعو هؤلاء المخلفين غير النبي صلى الله عليه وآله ونبين أن الداعي لهم فيما بعد كان الرسول صلى الله عليه وآله والوجه الآخر أن نسلم أن الداعي غيره عليه السلام ونبين أنه لم يكن أبو بكر وعمر على ما ظن أبو علي وأصحابه، بل كان أمير المؤمنين.

(١) التوبة ١٠٠.

(٢) الحديد ١٠.

(٣) الفتح ٢٩.

(٤) كل ما نقله المرتضى هنا تجده في المغني ٢٠ ق ١ / ٣٢١ - ٣٢٧.

٣٧
فأما الوجه الأول، فواضح لأن قوله تعالى: (سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا) (١) إنما أراد به الذين تخلفوا عن الحديبية بشهادة جميع أهل النقل وإطباق المفسرين (٢) ثم قال تعالى: (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) (٣) وإنما التمس هؤلاء المخلفون أن يخرجوا إلى غنيمة خيبر فمنعهم الله تعالى من ذلك وأمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهم لن تتبعونا إلى هذه الغزوة لأن الله تعالى كان حكم من قبل بأن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية وأنه لاحظ فيها لمن لم يشهدها وهذا هو معنى قوله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) وقوله: (كذلكم قال الله من قبل) ثم قال تعالى (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) (٤) وإنما أراد أن الرسول صلى الله عليه وآله سيدعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي بأس شديد وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وآله بعد

(١) الفتح ١١، ١٢.

(٢) انظر تفسير الطبري ج ٢٦ / ٤٨ و ٤٩ وتفسير الرازي ج ٢٨ / ٨٨ والكشاف ٣ / ٥٤٣ والتبيان ٩ / ٣١٩.

(٣) الفتح ١٥.

(٤) الفتح ١٦.

٣٨
ذلك إلى غزوات كثيرة، وقتال قوم أولي بأس شديد كمؤتة (١) وحنين (٢) وتبوك (٣) وغيرها فمن أين يجب أن يكون الداعي لهؤلاء غير النبي صلى الله عليه وآله مع ما ذكرناه من الحروب التي كانت بعد خيبر؟ وقوله: " إن معنى قوله تعالى: (كذلكم قال الله من قبل) إنما أراد به ما بينه في قوله:

(فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) (٤) وهو الغلط الفاحش من طريق التاريخ والرواية التي وعدنا بالتنبيه عليها لأن هذه الآية في سورة التوبة، وإنما نزلت بتبوك سنة تسع وآية الفتح نزلت سنة ست، فكيف يكون قبلها؟

وليس يجب أن يقال في القرآن بالآراء أو بما يحتمل من الوجوه في كل موضع دون الرجوع إلى تاريخ نزول الآية والأسباب التي وردت عليها وتعلقت بها.

(١) مؤتة تقدم ذكرها.

(٢) حنين: قال ياقوت في معجم البلدان ٢ / ٣١٢: يجوز أن يكون تصغير الحنان وهو الرحمة - تصغير ترخيم - ويجوز أن يكون تصغير الحن وهو حي من الجن وهو الموضع المعروف بين مكة والطائف، ويوم حنين من أيام الاسلام المشهورة، وحنين يذكر ويؤنث فإن قصدت به البلد والموضع ذكرته، وصرفته، وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته ولم تصرفه قال الشاعر:


نصروا نبيهم وشدوا أزرهبحنين يوم تواكل الأبطال

(٣) تبوك - بالفتح ثم الضم وواو ساكنة: موضع معروف بين وادي القرى والشام، توجه إليه النبي صلى الله عليه وآله في سنة تسع للهجرة وهي آخر غزواته حين انتهى إليه تجمع الروم وعاملة ولخم وجذام فوجدهم قد تفرقوا فلم يلق كيدا ونزلوا على عين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا أحد يمس من مائها فسبق إليها رجلان وهي تبض بشئ من ماء فجعلا يدخلان فيها سهمين ليكثر ماؤها فقال لهما صلى الله عليه وآله (ما زلتما تبوكان منذ اليوم فسميت بذلك تبوك) والبوك إدخال اليد في شئ وتحريكه، وركز صلى الله عليه وآله عنزته فيها ثلاث ركزات فجاشت ثلاث أعين فهي تهمي بالماء إلى الآن (انظر معجم البلدان ٢ / ١٤ مادة " تبوك ").

(٤) التوبة ٨٣.

٣٩
ومما يبين لك أن هؤلاء المخلفين غير أولئك لو لم يرجع في ذلك إلى نقل وتاريخ قوله في هؤلاء: (فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما) (١) فلم يقطع فيهم على طاعة ولا معصية، بل ذكر الوعد والوعيد على ما يفعلونه من طاعة أو معصية، وحكم المذكورين في آية التوبة بخلاف هذا لأنه تعالى قال بعد قوله:

(إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) (٢) واختلاف أحكامهم وصفاتهم يدل على اختلافهم لو أن المذكورين في آية سورة الفتح غير المذكورين في آية التوبة.

فأما قوله: " لأن أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل " ذكرهما فباطل لأن أهل التأويل قد ذكروا أشياء أخر لم يذكرها لأن ابن المسيب (٣) روى عن الضحاك في قوله تعالى: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) (٤) الآية قال: هم ثقيف. وروى هيثم عن أبي بشير عن سعيد بن جبير قال: هم هوازن يوم حنين. وروى الواقدي عن معمر عن قتادة قال: هم هوازن وثقيف (٥) فكيف ذكر

(١) الفتح ١٦.

(٢) التوبة ٨٣ و ٨٤.

(٣) هو أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني من المفسرين في القرن الثاني.

(٤) الفتح ١٦.

(٥) انظر تفسير الطبري ج ١٦ / ٥١ / ٥٢،

٤٠