×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

شبهات السلفية / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

فإن قيل: المراد من الآية: نأت بخير منها أو مثلها في الثواب، وقد يكون في السُنّة ما هو خير من المنسوخ في الثواب، وربّما يعبّرون عن هذا فيقولون: معنى الآية: نأت بخير منها أو مثلها في النفع، وأمّا قولكم: إنّه قال: (نأت) فقد أضاف الإتيان بالناسخ إلى نفسه.

قلنا: إذا دلّ الدليل على نسخ القرآن بالسُنّة فالذي أتى بذلك هو الله عزّ وجلّ، ألا ترى أنّ الله هو الناسخ على لسان نبيّه (صلى الله عليه وسلم) كما أنّه هو المثبت لسائر الشرائع على لسان نبيّه (صلى الله عليه وسلم) .

قالوا: وعلى هذا سقط تعلّقكم بقوله تعالى: (ألم تعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير) إنّ الله تعالى إذا كان هو الناسخ في الحقيقة على لسان نبيّه (صلى الله عليه وسلم) فالقدرة في ذلك له دون غيره، وأمّا قولهم إنّ قوله: (نأت بخير منها) يقتضي أن يكون ما يأتي من جنسه.

قال: هذا لا يفيد ما قلتم، فإنّ الإنسان إذا قال: ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه، احتمل أن يأتيك بثوب ويحتمل أن يأتيك بشيء آخر، وإذا أتاه بشيء آخر هو أنفع منه سواءً كان ثوباً أو غيره، فقد صدق في قوله ووعده، ثمّ ذكروا سؤالا آخر حكوه عن أبي هاشم ثمّ المتكلّم، وهو أنّ قوله: (نأت بخير منها أو مثلها) ، ليس فيه أنّه يأت بخير منها ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون الذي يأتي به ممّا هو خير منها، أنّه في حكم آخر بعد نسخ الآية، ويكون الناسخ غير الآية.

الجواب:

إنّ الإستدلال بالآية قائم، ونقول على سؤالهم الأوّل: إنّ قوله: (نأت بخير منها أو مثلها) يقتضي أنّ الذي يأتي به خير من الآية

٣٢١
المنسوخة على الإطلاق، وهذا لا يوحي الله تعالى إليه ما يوجد إلاّ في نسخ القرآن بالقرآن، فأمّا في نسخ القرآن بالسُنّة لا يوجد، لأنّه لا تكون السُنّة خيراً من القرآن على الإطلاق بحال، بل يجوز أن يكون خيراً في الثواب أو أنفع منه، وهذا لا يقتضي أن يكون خيراً على الإطلاق، بل الخير على الإطلاق أن يكون خيراً من كلّ وجه.

فإن قيل: إذا دخلتم في أمثال هذا فلا يتصوّر أن يأتي بخير من الأوّل بحال، وإن نسخ القرآن بالقرآن، لأنّ القرآن لا تكون بعض آياته خيراً من البعض.

قلنا: يجوز أن يكون في الثواب أو في إظهار الإعجاز أمثل بتوقّي الإخلاص والإخلاص أكثر في الثواب من غيره وقوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) (١) أبلغ في الإعجاز من غيره، فإذا نسخ القرآن بالقرآن يجوز أن يظهر الخيرية المطلقة، فأمّا إذا نسخ القرآن بالسُنّة فلا يظهر الخيرية المطلقة، لأنّه إن كان خيراً في الثواب فالقرآن خير منه في نفسه في الإعجاز، فإنّه كلام الله عزّ وجلّ وإنّه ينال الثواب بقراءته إلى غير ذلك.

قال الخطّابي: إنّ الشيء إذا أُطلق أنّه خير من الشيء فلا يجوز أن يكون دونه على وجه من الوجوه.

أما قولهم: إنّا إذا نسخنا القرآن بالسُنّة فيكون الذي يأتي بالناسخ هو الله عزّ وجلّ أيضاً، قلنا: لا ننكر هذا لكنّ الحكم المضاف إلى الله تعالى في حقّ الظاهر والإطلاق هو ما أوجبه في كتابه وافترضه نصّاً فيه، وأمّا

(١) سورة هود ١١: ٤٤.

٣٢٢
الذي ثبت بالسُنّة فهو وإن كان صدروه عمّن لا ينطق عن الهوى، لكن على إطلاقه يضاف إلى الرسول وإلى سنته.

هذا كما إنّ الوحي يختلف، فمنه ما يكون رؤيا ومنه ما يكون إلهاماً ونفثاً في الروح، ووحي الكتاب مخالف لكلّ هذا، إذ هو الأعلى والمتقدّم على سائر أنواعه، كذلك هاهنا يكون الحكم الثابت بالكتاب ثابت على وجوه ما يثبت به.

أمّا قولهم على قولنا: إنّ قوله: (بخير منها) يقتضي أن يكون من جنسه، أنّه يجوز أن يكون من جنسه ويجوز أن يكون من غير جنسه والاستشهاد الذي قالوه.

قلنا: لا، بل يفيد أن يكون الذي يأتي به من جنس الأوّل وهذا الذي يفهم عند إطلاق ذلك اللفظ، فأمّا قول القائل: ما أخذت منك من ثوب آتيك بما هو خير منه، إنّما يفيد ما ذكرتم لأنّه ذكر لفظ ما، وهذا اللفظ يقع على الثوب وعلى غيره وليس كذلك الآية، لأنّ الله تعالى لم يقل: بما هو خير منها، وإنّما قال: (نأت بخير منها) ، فنظير قول القائل: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه، وهو مفيد ثوباً خيراً من الثوب الأوّل.

وأمّا الذي نسبوه إلى أبي هاشم من السؤال، فليس بشيء، لأنّه خلاف قول المفسّرين، بل خلاف قول جميع الأُمّة، وقد قال كلّ من تكلّم في هذه الآية من العلماء: إنّ الآية التي تأتي هاهنا هي الناسخة والأُخرى هي المنسوخة، وهذا السؤال من أبي هاشم سؤال جدلي لا يجوز أن يعترض به على إجماع المفسّرين.

ونقول أيضاً على قولهم: إنّ ما يثبت بالسُنّة قد يكون أنفع وأفضل في الثواب.

٣٢٣
قلنا: هذا محال، لأنّ الثابت بالسُنّة إن كان أنفع عملا فيبقى أن الكتاب أنفع لاستحقاقه الثواب بتلاوته وهذا لا يوجد في السُنّة، والاعتماد فى المسألة على هذه الآية وقد تأيد الاستدلال بهذه الآية بقوله تعالى: (قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدّله قل ما يكون لي أن أُبدّله من تلقاء نفسي إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ) (١) ، فأخبر أنّ تبديل القرآن ونسخه يكون من عند الله عزّ وجلّ لا من عند نفسه، وسؤالهم على هذا بما قالوا إنّه وإن كان من عند الرسول (صلى الله عليه وسلم) بصورة ولكنّه من عند الله حقيقة، وقد أجبنا عن هذا، وهذا لأنّه إنّما يضاف إلى الله عزّ وجلّ ما اختصّ به ويضاف إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) ما اختصّ به، ولو كانا مضافين إلى الله عزّ وجلّ لم يجز إضافة أحدهما إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) .

ثمّ قال: وأمّا تعلّقهم بالمواضع التي استدلّوا بها في وجوب نسخ الكتاب بالسنّة فهي دلائل ضعيفة وسنبيّن الكلام على واحد واحد من ذلك... إلى آخره(٢) .

وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في اللمع: وأمّا نسخ القرآن بالسُنّة: فلا يجوز من جهة السمع، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز من جهة السمع ولا من جهة العقل....

والدليل على أنّه لا يجوز من جهة السمع قوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) والسُنّة ليست من مثل القرآن، ألا ترى أنّه لا يثاب على تلاوة السُنّة كما يثاب على تلاوة القرآن، ولا إعجاز

(١) سورة يونس ١٠: ١٥.

(٢) قواطع الأدلّة في الأُصول ج ١ ص ٤٥٠ ـ ٤٥٤.

٣٢٤
في لفظه كما في لفظ القرآن؟! فدلّ على أنّه ليس مثله(١) .

وقال أيضاً في التبصرة: لا يجوز نسخ القرآن بالسُنّة آحاداً كانت أو متواترة، مستدلاّ بقوله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) ، وقال: فأخبر أنّه لا ينسخ آية إلاّ بمثلها، أو بخير منها، والسُنّة ليست مثل القرآن، ولا هي خير منه، فوجب أن لا يجوز النسخ بها.

فإن قيل: المراد نأت بخير منها أو مثلها في الثواب، وقد يكون في السُنّة ما هو خير من المنسوخ في الثواب.

قيل: هذا لا يصلح لوجوه:

منها: إنّه قال: (نأت بخير منها) ، وهذا يقتضي أن يكون هو الذي يأتي به، والسُنّة إنّما يأتي بها النبيّ (عليه السلام) .

ولأنّه قال في سياق الآية: (ألم تعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير) والذي يختصّ الله بالقدرة عليه هو القرآن.

ولأنّه قال: (نأت بخير منها أو مثلها) وهذا يقتضي أن يكون المثل من جنس المنسوخ، كما إذا قال: لا آخذ منك ثوباً إلاّ أُعطيك خيراً منه، اقتضى خيراً منه من جنسه.

ولأنّ المثل يقتضي أن يكون مثله من كلّ وجه، والسُنّة قطّ لا تماثل القرآن في الثواب في تلاوته، ولا في الدلالة على صدق النبيّ (عليه السلام) بنظمه.

فإذا قيل: لو كانت السُنّة لا تماثل القرآن، فالقرآن أيضاً لا يكون بعضه خيراً من بعض، فيجب أن يكون المراد به الأحكام.

قيل: قد يكون بعض القرآن خيراً من بعض فى الثواب، ألا ترى أنّ

(١) اللمع في أُصول الفقه ص ٥٩ ـ ٦٠.

٣٢٥
سورة الإخلاص، ويس، وغيرهما أفضل من غيرهما من القرآن في الثواب؟! وقد يكون بعضها أظهر في الإعجاز من بعض، ألا ترى أنّ قوله عزّ وجلّ: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) أبلغ في الإعجاز من غيره؟!

فإن قيل: قوله: (نأت بخير منها) ليس فيه أنّ ما يأتي به هو الناسخ ويجوز أن يكون الناسخ غيره.

قلنا: قوله تعالى: (ما ننسخ من آية) شرط، وقوله: (نأت بخير منها) جزاء، ولهذا جزم قوله: (ما ننسخ) ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ما يأتي به لأجله وبدلا عنه، كما إذا قال: ما تصنع أصنع، وما أخذُه أُعط مثله، اقتضى أن يكون الجزاء لأجل الشرط وبدلا عنه، فدلّ على أنّه هو الناسخ.

فإن قيل: النسخ إنّما يقع في الحكم لا في التلاوة، ولا مفاضلة بين حكم الكتاب وحكم السُنّة، وإنّما المفاضلة بين لفظيهما، والنسخ لا يقع إلاّ في اللفظ.

قيل: الخلاف في نسخ التلاوة والحكم واحدة، فإنّ عندهم لو تواترت السُنّة بنسخ التلاوة وجب النسخ بها ولا ممّاثلة بينهما، وعلى أنّ نسخ الحكم أيضاً يقتضي نسخ الآية، ألا ترى أنّه إذا نسخ الحكم الآية قيل هذه آية منسوخة؟! فيجب أن لا يكون ذلك إلاّ بمثلها أو بخير منها.

ويدلّ عليه: هو أنّ السُنّة فرع للقرآن، ألا ترى أنّه لولا القرآن لما ثبتت السُنّة؟! فلو جوّزنا نسخ القرآن بها لرفعنا الأصل بفرعه، وهذا لا يجوز، ولأنّ السُنّة دون القرآن في الرتبة، ألا ترى أنّها لا تساويه في الإعجاز في لفظه، ولا في الثواب في تلاوته؟! فلم يجز نسخه بها.

٣٢٦
ويدلّك عليه: إنّ القياس لمّا كان دون الخبر في الرتبة لم يجز نسخه به فكذلك هاهنا.

واحتجّوا بقوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نُزّل إليهم) (١) والنسخ بيان للمنزل، فيجب أن يكون ذلك بياناً له.

والجواب: هو أنّ البيان يراد به الإظهار والتبليغ، ألا ترى أنّه علّقه على جميع القرآن، والنسخ لا يجوز أن يتعلّق بجميع القرآن؟! فدلّ على أنّ المراد به ما ذكرناه.

ولأنّ النسخ ليس بياناً للمنسوخ، وإنّما هو إسقاط ورفع، فلا يدخل في الآية.

قالوا: ولأنّه دليل مقطوع بصحّته فجاز نسخ القرآن به كالقرآن.

قلنا: هذا يبطل بالإجماع، فإنّه مقطوع بصحّته، ثمّ لا يجوز النسخ به.

وعلى أنّه لا يمتنع أن يتساوى القرآن والسُنّة في القطع، ثمّ يجوز النسخ بأحدهما دون الآخر، ألا ترى أنّ الخبر والقياس يتساويان في أنّ كلّ واحد منهما مظنون، ثمّ يصحّ النسخ بأحدهما دون الآخر.

ثمّ المعنى في القرآن أنّه يماثل المنسوخ في التلاوة والإعجاز، فجاز نسخه به، وليس كذلك هاهنا، فإنّ السُنّة دون القرآن في الثواب والإعجاز فلم يجز نسخه بها.

قالوا: ولأنّ النسخ إنّما يتناول الحكم والكتاب والسُنّة المتواترة في إثبات الحكم واحد، وإن اختلفا في الإعجاز، فيجب أن يتساويا فى النسخ.

قلنا: هما وإن تساويا في إثبات الحكم إلاّ أنّ أحدهما أعلى رتبة من

(١) سورة النح ١٦: ٤٤.

٣٢٧
الآخر فجاز أن يختلفا في النسخ، ألا ترى أنّ الخبر والقياس يتساويان في إثبات الحكم، ثم يجوز نسخ السُنّة بأحدهما دون الآخر لما اختلفا في الرتبة؟! فكذلك هاهنا.

قالوا: ولأنّ المانع من ذلك لا يخلو، إمّا أن يكون فضله على السُنّة في الثواب، أو فضله عليها في الإعجاز، ولا يجوز أن يكون المانع بفضل الثواب، لأنّه يجوز نسخ أكثر الآيتين ثواباً بأقلّهما ولا يجوز أن يكون المانع فضل الإعجاز، لأنّه يجوز نسخ الآية المعجزة بالآية التي لا إعجاز فيها، وإذا بطل هذا الوجهان لم يبق ما يتعلّق به المنع، فوجب أن يجوز.

قلنا: المانع عندنا معنىً آخر، وهو رفع كلام الله تعالى بغير كلامه، وهذا لم يدلّوا على إبطاله، أو المانع من ذلك رفع الأصل بفرعه، وهذا أيضاً لم يدلّوا عليه.

ولأنّا لو جعلنا المانع ما ذكروه من فضل القرآن على السُنّة بالإعجاز لصحّ، وما ذكروه من نسخ الآية المعجزة بغير المعجزة، لا يصحّ، لأنّ الناسخ كالمنسوخ في الإعجاز، ألا ترى أنّ كلّ واحد منهما إذا طال وكثر كان معجزاً، وإذا لم يطل لم يكن معجزاً؟!

واحتجّ من أجاز النسخ بأخبار الآحاد خاصّة: أنّ ما جاز نسخ السُنّة به، جاز نسخ القرآن به، كالقرآن.

والجواب: هو أنّه ليس إذا جاز أن يسقط به مثله، جاز أن يسقط به ما هو أقوى منه، ألا ترى أنّ القياس يجوز أن يعارض مثله، ولا يجوز أن يعارض الخبر؟!

قالوا: ولأنّ النسخ إسقاط لبعض ما يقتضيه ظاهر القرآن، فجاز بالسُنّة، كالتخصيص.

٣٢٨
والجواب: هو أنّه لا يمتنع أن يجوز التخصيص به ولا يجوز النسخ به، ألا ترى أنّ تخصيص الخبر بالقياس(١) جائز، ونسخه به لا يجوز؟!

ولأنّ التخصيص إسقاط بعض ما اشتمل عليه اللفظ بعمومه، فجاز تركه بخبر الواحد، وليس كذلك النسخ، فإنّه إسقاط اللفظ بالكلّيّة، فلم يجز بما دونه.

قالوا: ولأنّه إذا جاز النسخ إلى غير بدل، فجوازه إلى بدل ثبت بلفظ دونه أَوْلى.

قلنا: لو كان هذا صحيحاً، لوجب أن يجوز بالقياس، فيقال: إنّه إذا جاز رفعه إلى غير بدل، فلأن يجوز إلى بدل يثبت بالقياس أَوْلى.

ولأنّ النسخ إلى غير بدل لا يؤدّي إلى إسقاط القرآن بما دونه، لأنّه يجوز أن يكون قد نسخ بمثله أو بما هو أقوى منه، والنسخ بالسُنّة يؤدّي إلى إسقاط القرآن ورفعه بما هو دونه، وهذا لا يجوز(٢) .

هذه بعض أقوال وحجج أعلام أهل السُنّة وأئمّتهم بما فيهم أئمّة المذاهب سوى أبي حنيفة وهو في عداد أهل الرأي، وارتأينا أن نأتي باستدلالهم وردودهم حتّى يكون أبلغ في الحجّة وأقطع للعذر، في ردّ قول القائلين بجواز نسخ الكتاب بالسُنّة.

على أنّ أغلب القائلين بجوازه هم جوّزوه عقلا لا شرعاً وهم بعض الأشاعرة وأصحاب الرأي والكلام، وقليلٌ منهم قالوا بوقوعه سمعاً، ولكن حتّى هذا ليس بتامّ وفق قواعدهم وأُصولهم، وسنردّ عليه نقضاً وحلاّ.

(١) لا يخفى أنّ القياس عندنا ليس بحجّة.

(٢) التبصرة في أُصول الفقه ص ٢٦٤ ـ ٢٦٩.

٣٢٩

إنتقاض أصل المجوّزين للنسخ عقلا:

ونقول للقائلين بجوازه عقلا: إنّ قولكم هذا مخالف لما هو معروف من أصلكم الذي اعتمدتم عليه وبنيتم عليه أُسس عقائدكم من عدم اعتبار جهة العقل في إثبات أهمّ المسائل الأُصولية، وإنّما باعتبار السمع، فقد أوجبتم النظر سمعاً لا عقلا(١) ، وخالفتم بذلك جميع العقلاء، وقلتم: إنّ معرفة الله واجبة بالسمع لا بالعقل(٢) مع ما يوجبه من لزوم الدور، المعلوم بطلانه بالضرورة، لأنّ معرفة الإيجاب تتوقّف على معرفة المُوجِب، فإنّ من لا نعرفه بشيء من الاعتبارات ألبتّة، نعلم بالضرورة أنّا لا نعرف أنّه أوجب، فلو استفيدت معرفة الموجب من معرفة الإيجاب لزم الدور المحال.

وأثبتّم له سبحانه وتعالى صفات خبرية كالوجه، والعين، واليد، والأصابع، والساق، والحقو، والنزول، والصعود، والضحك، والرؤية، وغيرها، من جهة السمع مع استحالة ذلك عقلا، لما يوجبه من التجسيم والتركيب والحلول والكون في جهة أو مكان، وهو محال ضرورة.

وأنكرتم الحسن والقبح العقليّين، وقلتم الحسن ما حسّنه الشرع، والقبيح ما قبّحه الشرع، وأنّ العقل لا يحكم بحسن الشيء ألبتّة ولا بقبحه(٣) ، مع ما فيه من لزوم محالات عدّة، وجوّزتم التكليف بما لا يطاق

(١) الملل والنحل ج ١ ص ٨٨، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين ص ٦٤ ـ ٦٥، شرح المقاصد ج ١ ص ٢٦٢، شرح المواقف ج ١ ص ٢٧٠ ـ ٢٧١.

(٢) الملل والنحل ج ١ ص ٨٨، المواقف ص ٢٨، شرح المواقف ج ١ ص ٢٧٠ ـ ٢٧١.

(٣) أربعين الفخر الرازي ج ١ ص ٣٤٦ ـ ٣٤٩، المواقف ص ٣٢٣، شرح المقاصد ج ٤ ص ٢٨٢.

٣٣٠
سمعاً، وقلتم لا يجب على الله شيء ولا يقبح منه شيء، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد(١) ، مع أنّه محال عقلا.

وبنيتم أساس عقائدكم في القضاء والقدر من جهة السمع لا العقل، وجوّزتم المعاصي على الأنبياء سمعاً(٢) ، مع استحالة ذلك عقلا ومنعه شرعاً، واعتبرتم تصديق الأنبياء ومعاجزهم من جهة السمع لا العقل(٣) ، مع ما فيه من لزوم الدور، لأنّ تصديق النبيّ يتوقّف على العلم بصدقه، والعلم بصدقه يتوقّف على العلم بصحّة معجزته، والعلم بصحّة معجزته يتوقّف على العلم بصدقه، ولا يمكن حلّ هذه المعضلة إلاّ بالنظر الواجب بالعقل والاعتقاد بالحسن والقبح العقليَّين.

ولطالما تذرّعتم عندما تضيق عليكم دائرة الحجاج بقولكم: جرت عادة الله على ذلك، حتّى لا ينتقض أصلكم الذي اعتمدتم عليه في اعتبار جهة السمع والمنع من ذلك عقلا، فما الذي دهاكم هذه المرّة حتّى تنحنحتم وحككتم عثانينكم وأشحتم بأبصاركم، وقلتم بجواز نسخ الكتاب عقلا مع قولكم بعدم وقوعه شرعاً، وخالفتم أصلكم بمنع اعتبار العقل؟!

ومن جهة أُخرى كيف يستقيم قولكم هذا مع قولكم بقدم كلام الله سبحانه وتعالى؟!(٤) ، أليس في هذا تناقض واضح؟!

(١) محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين ص ٢٩٣ و ٢٩٥، المواقف ص ٣٣٠ ـ ٣٣١، شرح المقاصد ج ٤ ص ٢٩٤.

(٢) محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين ص ٣٢٠، المواقف ص ٣٥٩، شرح المواقف ج ٨ ص ٢٦٤ ـ ٢٦٥.

(٣) أربعين الفخر الرازي ج ٢ ص ١٠١ ـ ١٠٢، محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين ص ٣٠٥ ـ ٣٠٦، المواقف ص ٣٤١ ـ ٣٤٢.

(٤) اللمع ـ للأشعري ـ ص ٣٦، الملل والنحل ـ للشهرستاني ـ ج ١ ص ٨٢، أربعين الفخر الرازي ج ١ ص ٢٥٠ ـ ٢٥٨، المواقف ـ للأيجي ـ ص ٢٩٣.

٣٣١
وأمّا بالنسبة لمن جوّزه شرعاً ـ وهم قليل ـ فيردّه قول الأكثرين بمنع وقوعه سمعاً، بل نقل بعضهم عن أبي منصور البغدادي الإجماع على عدم وقوعه، كما عن الشوكاني في الإرشاد وغيره.

تفنيد أدلّة المجوّزين شرعاً:

وأمّا الموارد التي استشهدوا بها فلا يخفى ما فيها من ضعف وركاكة كما سنبينه، على أنّها أخبار آحاد لا تفيد علماً ولا توجب عملا.

١ ـ قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقّاً على المتّقين) (١) .

فقد ادُّعي أنّها منسوخة بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا وصية لوارث(٢) ، وادّعى آخرون أنّها منسوخة بآية المواريث، والصحيح أنّ الآية محكمة ولا تعارض بينها وبين آية المواريث أو الخبر، لأنّ الآيات قد دلّت على أنّ الميراث مترتّب على عدم الوصيّة، بل فيها تأكيد على تقديم الوصية مطلقاً، أمّا حديث (لا وصية لوارث) ، فمع غضّ النظر عن الخدشة في سنده، فلا يقتضي إلاّ الظنّ، وليس هناك تناف بينه وبين الآية، فغاية ما يفيد أن يكون مقيّداً لإطلاق الآية، فتختصّ الوصية بالوالدين إذا لم يستحقّا الإرث لمانع، وبمن لا يرث من الأقربين، مع أنّه معارض بما رويَ عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: سألته عن الوصية للوارث، فقال: تجوز.

(١) سورة البقرة ٢: ١٨٠.

(٢) سنن الترمذي ج ٤ ص ٣٧٧ ح ٢١٢٠ و ٢١٢١، سنن النسائي ج ٦ ص ٢٤٧، سنن ابن ماجة ج ٢ ص ٩٠٥ ح ٢٧١٢ و ٢٧١٣، مسند أحمد ج ٤ ص ١٨٦، ٢٣٨، وانظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ١٤١.

٣٣٢
٢ ـ قوله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهنّ أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهنّ في البيوت حتّى يتوفاهنّ الموت أو يجعل لهنّ سبيلا) (١) .

قيل: نسخت بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيّب بالثيّب جلد مئة والرجم(٢) .

وليس في ذلك نسخ، قال ابن قدامة: إنّ الله سبحانه أمر بإمساكهنّ إلى غاية يجعل لهنّ سبيلا، فبيّن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنّ الله جعل لهنّ السبيل، وليس ذلك بنسخ(٣) ، وقد حمل بعضهم لفظ الفاحشة على خصوص المساحقة، وقيل: إنّ الحكم في الآية منسوخ بالحدّ المفروض في قوله تعالى: (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مئة جلدة) (٤) ، وإليه ذهب الحسن البصري ومجاهد وقتاة والضحّاك وغيرهم، والله العالم.

وعلى كلّ حال، فلا يمكن قبول القول بنسخ الآية بهذا الحديث، لأنّه أمارة ظنّيّة والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً.

٣ ـ قوله تعالى: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتّى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم) (٥) .

قيل: نسخت بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : اقتلوا ابن خطل ولو كان متعلّقاً بأستار

(١) سورة النساء ٤: ١٥.

(٢) صحيح مسلم ج ٥ ص ١١٥، سنن الترمذي ج ٤ ص ٣٢ ح ١٤٣٤، سنن ابن ماجة ج ٢ ص ٨٥٢ ـ ٨٥٣ ح ٢٥٥٠، مسند أحمد ج ٥ ص ٣٢٠، وانظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٢١٤.

(٣) روضة الناظر ج ١ ص ٢٦٣.

(٤) سورة النور ٢٤: ٢.

(٥) سورة البقرة ٢: ١٩١.

٣٣٣
الكعبة(١) .

وقيل: إنّها نسخت بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) (٢) .

والصحيح أنّ الآية محكمة، ولا مانع من تخصيصها بحالة خاصة مثل قتل عبد الله بن خطل لعظم جرمه، على أنّها من مختصّات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لكلّ أحد، كما أنّه خبر ظنّي لا يثبت به النسخ.

أمّا بالنسبة للقول بنسخها بقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين...) فلا نسخ أيضاً، لأنّ الأُولى مخصّصة لعموم الثانية، وتُحمل على قتال المشركين في غير الحرم إلاّ أن يبدأوا هم بالقتال.

٤ ـ قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أُوحي إليّ محرّماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير...) (٣) .

قيل: نسخت بما روي أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن أكل كلّ ذي ناب من السباع، وكلّ ذي مخلب من الطيور(٤) .

والصحيح لا نسخ فيها لأنّها إخبار، والنسخ لا يقع في الجملة الخبرية، والآية بصدد بيان عدم حرمة ما حرّمه المشركون على أنفسهم كما يظهر من سياق الآيات السابقة لها.

كما أنّه لا مانع من تخصيص عموم الآية بما ذكر، قال الإمام أبو

(١) سنن الدارمي ج ٢ ص ٥١ ح ١٩٣٧، و ص ١٥٣ ـ ١٥٤ ح ٢٤٥٤، وانظر: التبصرة في أُصول الفقه ص ٢٧٠.

(٢) سورة التوبة ٩: ٥.

(٣) سورة الأنعام ٦: ١٤٥.

(٤) مسند أحمد ج ١ ص ٣٣٢، سنن النسائي ج ٧ ص ٢٠٠، سنن ابن ماجة ج ٢ ص ١٠٧٧ ح ٣٢٣٤، وانظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص ٢٨٨.

٣٣٤
إسحاق الشيرازي: فالمراد به ما هو مستطاب عندهم وليس ذلك من الخبائث، فهو عموم دخله التخصيص(١) .

٥ ـ قوله تعالى: (وأُحلّ لكم ما وراء ذلكم) (٢) .

قيل: نسخت بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها.

قال أبو إسحاق الشيرازي: هو عموم دخله التخصيص بالخبر، وإذا أمكن الجمع لم يصحّ حمله على النسخ، فسقط ما قالوه(٣) .

وقال ابن السمعاني: هذا وأمثاله ليس بنسخ وإنّما هو عموم خصّ ونحن نجوّز تخصيص الكتاب بالسُنّة، وإنّما الكلام في النسخ، وقد منع الشرع من النسخ، ولم يمنع من التخصيص(٤) .

وقال الشاطبي: وهذا من باب تخصيص العموم(٥) .

والحقّ أنّ الآية ليس لها عموم لفظي، وإنّما يستفاد عمومها من الإطلاق وقرينة الحكمة، فهذا من باب تقييد إطلاق الآية فلا نسخ، وحتّى هذا التقييد مقيّد عندنا بما رويناه من طرقنا باشتراط موافقة العمّة والخالة رضاعاً ونسباً.

هذه أدلّة المجوزين لنسخ الكتاب بالسُنّة وهي كما ترى في غاية الضعف والسقوط.

ولم يبق في البين ما يصلح لأنّ يستدلّ به على الجواز مطلقاً.

(١) التبصرة في أُصول الفقه ص ٢٧١.

(٢) سورة النساء ٤: ٢٤.

(٣) التبصرة ص ٢٧١.

(٤) قواطع الأدلّة ج ١ ص ٤٥٥.

(٥) الموافقات ج ٢ ص ٦٧.

٣٣٥
ولا يخفى على الباحث المحقّق أنّ كلّ الذي قيل ويقال ممّا تقدّم والذي طفحت به الصحاح والسنن والمسانيد من أخبار التحريف، والذي ابتلي أرباب الأُصول والكلام بالتعامل معه، الأمر الذي أوجب عليهم القول بما قالوا، مخالفين بذلك ما تمّ تشييده على أيديهم من قواعد وأُصول حتّى لا تُعرَّض الصحاح وهيبتها للانهيار، فلو ردّوا هذ الأخبار لردّوا غيرها بناءً على وحدة الملاك، وبذلك تهدم بيع وصوامع، ومع كلّ هذا فلم يحسنوا صنعاً من جميع الوجوه فتراهم يتخبّطون بين الظلمات، والله الهادي إلى سواء الصراط.

منع نسخ التلاوة دون الحكم وصحّة نسخ الحكم دون التلاوة:

وأمّا بالنسبة لنسخ التلاوة دون الحكم، ومثّلوا له بآية الرجم، ونسخ التلاوة والحكم معاً، ومثّلوا له بآية الرضعات العشر، فهو مستحيل عقلا ; لأنّه يوجب الشكّ في المجعولات الشرعية وعدم ثبوتها شرعاً، على أنّهم رووا في الصحاح والسنن والمسانيد عن عليّ (عليه السلام) ما يعارض ذلك من أنّه جلد بكتاب الله ورجم بسُنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (١) .

نعم، وقد نسخ الحكم دون التلاوة، وهو المشهور بين المسلمين، وقد غالى بعض المصنّفين بجمع الآيات الناسخة والمنسوخة كالنحّاس في " الناسخ والمنسوخ " وغيره، ولكنّ كثيراً من المحقّقين أنكروا جلَّ ذلك، لأنّ أكثر هذه الآيات مُحكمة، فهي إمّا مخصّصة لعموم تلك، أو مقيّدة

(١) صحيح البخاري ج ٨ ص٢٩٤ ح ١١ باب رجم المحصن، مسند أحمد ج ١ ص ٩٣ و ١٠٧ و ١١٦ و ١٤٠ ومواضع أُخر، مسند أبي يعلى ج ١ ص٢٤٩ ح ٢٩٠، سنن الدارقطني ج ٣ ص ٨٤ ح ٣٢٠٢ ـ ٣٢٠٦ من عدّة طرق.

٣٣٦
لإطلاقها، أو أنّها ناظرة ومفسّرة لها، ولا تكاد تبلغ عدد أصابع اليد الواحدة ; بل أقلّ من ذلك، كآية النجوى (يا أيُّها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقة) (١) ، فقد ذهب العلماء والمفسّرون إلى نسخها بقوله تعالى: (أأشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة...) (٢) ، وعندما نرى سبب نزولها نجد أنّها تبيّن فضيلة للإمام عليّ (عليه السلام) (٣) .

قال الشاطبي بعد أن استعرض عدداً من الآيات وأثبت عدم نسخها: " وأكثر القرآن على ذلك، معنى هذا أنّهم كانوا يفعلون ذلك بحكم الأصل من الإباحة فهو ممّا لا يعدّ نسخاً، وهكذا كلّ ما أبطله الشرع من أحكام الجاهلية، فإذا اجتمعت هذه الأُمور ونظرت إلى الأدلّة من الكتاب والسُنّة لم يتخلّص في يدك من منسوخها إلاّ ما هو نادر، على أنّ هاهنا معنىً يجب التنبيه له ليفهم اصطلاح القوم في النسخ، وذلك أنّ الذي يظهر من كلام المتقدّمين أنّ النسخ عندهم في الإطلاق أعمّ منه في كلام الأُصوليّين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً وعلى تخصيص العموم بدليل متّصل أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً "(٤) .

(١) سورة المجادلة ٥٨: ١٢.

(٢) سورة المجادلة ٥٨: ١٣.

(٣) انظر: سنن الترمذي ج ٥ ص ٣٧٩ ح ٣٣٠٠، سنن النسائي الكبرى ج ٥ ص ١٥٢ ـ ١٥٣ ح ٨٥٣٧، صحيح ابن حبّان ج ٩ ص ٤٧ ـ ٤٨ ح ٦٩٠٢ و ٦٩٠٣، مصنّف ابن أبي شيبة ج ٧ ص ٥٠٥ ح ٦٢ و ٦٣، منتخب عبد بن حميد: ص ٥٩ ـ ٦٠ ح ٩٠، مستدرك الحاكم ج ٢ ص ٥٢٤ ح ٧٣٩٤، تفسير مجاهد: ص ٦٥١، تفسير الطبري ج ١٢ ص ٢٠ ح ٣٣٧٨٨ ـ ٣٣٧٩١، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ ج ٣ ص ٦٤٠، تفسير الثعلبي ج ٩ ص ٢٦١ ـ ٢٦٢.

(٤) الموافقات ج ٣ ص ٦٤ ـ ٦٥.

٣٣٧
هذه أهمّ الموارد التي استدلّوا بها، وقد أتينا عليها وجعلناها هباءً منثوراً، فلم يبقَ أمامهم سوى أمرين لا ثالث لهما.

إمّا أن يلتزموا بما رووه في الصحاح من روايات تصرّح بحصول النقص والزيادة والتحريف في القرآن الكريم، ثمّ الاعتقاد بمضمونها حملا على ما يروونه من صحّة أخبار الصحيحين وباقي السنن.

وإمّا أن يرفضوا هذه الروايات التي وردت في الصحاح والسنن والمسانيد، ولا سيّما البخاري ومسلم، وبهذا يسقط السور المحيط بهيبة الصحيحين، ويصبح حالهما حال بقية الجوامع الحديثية، فيها الصحيح والضعيف، بل والموضوع، وإلاّ فهو الضلال المحض.

ويحقّ لنا أن نسأل صاحب المقالة ومن يقول بقوله: لم جوّزتم حمل هذه الآيات على نسخ التلاوة ومنعتموه على غيركم ـ لو فرضنا جدلا القول به ـ؟! ولكن الحقّ ما تقدّم من استحالة هذا الحمل.

وبهذا نختم كلامنا آملين أن نكشف به عن بعض ما ينشره ويروّج له صاحب هذه المقالة ومن لفّ لفّه من الافتراءات والخزعبلات التي ليس الهدف منها إلاّ الطعن والتشهير بأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وشقّ وحدة الصفّ الإسلامي، ونحن في ظرف أحوج ما نكون فيه إلى جمع الشتات، ورأب الصدع ورتق الفتق ونبذ ما يوجب الفرقة والاختلاف.

نعم، هذا الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم، إذ العالم الإسلامي يُعرّض إلى أصعب الأوقات حراجة وأشدّ الهجمات شراسة، ها هو قلب الإسلام ـ أعني العراق ـ مستباح وتحت الاحتلال، ولعلّ المرحلة التالية ستكون بلاد صاحب المقالة أو التي يهوي إليها قلبه إن لم يكن من أهلها، ولنا أن نسأله وقومه ألا يوجد غير الشيعة غرضاً لهذه السهام المسمومة؟!

٣٣٨
كتاب شبهات السلفية لـ جواد حسين الدليمي (ص ٣٣٩ - ص ٣٥٧)
٣٣٩

مصادر الكتاب

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن ـ للشيخ البلاغي (ت ١٣٢٥ هـ) ط / مؤسسة البعثة ١٤٢٠ هـ.

٣ ـ الإبانة عن أصول الديانة ـ لأبي الحسن الأشعري (ت ٣٢٤ هـ) ط / مكتبة دار البيان / دمشق ١٤١٦ هـ.

٤ ـ آثار الوزراء ـ لسيف الدين عقيلي ط / طهران ١٩٨٥ م.

٥ ـ الإتحاف بحب الأشراف ـ للشبراوي (ت ١١٧١ هـ) ط / المطبعة الأدبية / مصر.

٦ ـ الإتقان في علوم القرآن ـ للسيوطي (ت ٩١١ هـ) ط ٣ / دار إحياء العلوم ١٤١٦ هـ.

٧ ـ أجوبة مسائل جار الله ـ للسيّد محسن الأمين (ت ١٣٧١ هـ) .

٨ ـ أجوبة المسائل المهناوية ـ للعلاّمة الحلّي (ت ٧٢٦) .

٩ ـ الإحكام في أصول الأحكام ـ للآمدي (ت ٦٣١ هـ) ط / دار الكتب العلمية.

١٠ ـ الأحكام السلطانية ـ للقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي (ت ٤٥٨ هـ) ط / دار الفكر ١٤١٤ هـ.

١١ ـ أحكام القرآن ـ لأبي بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ) ط / دار الكتب العلمية ١٤١٦ هـ.

١٢ ـ أحكام القرآن ـ لأبي بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) ط / دار الفكر ١٤١٤ هـ.

١٣ ـ أحكام القرآن ـ للشافعي، جمع الإمام البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ط / دار إحياء العلوم / بيروت ١٤١٠ هـ.

٣٤٠