×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

شبهات السلفية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

وهو عين ما نقول به، فإذا وصلت إلى الدماء، فلا تقيّة، كما ورد عن أئمّتنا (عليهم السلام) (١) .

٣ ـ الشافعية وقولهم بالتقيّة:

قال الشافعي: قال الله عزّ وجلّ: (من كفر بالله من بعد إيمانه إلاّ من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان) ، فلو أنّ رجلا أسره العدو، فأُكره على الكفر، لم تبن منه امرأته ولم يحكم عليه بشيء من حكم المرتدّ، وقد أُكره بعض من أسلم في عهد النبيّ (صلى الله عليه وسلم) على الكفر، فقاله، ثمّ جاء إلى النبيّ (صلى الله عليه وسلم) فذكر له ما عذّب به فنزلت هذه الآية، ولم يأمره النبيّ (صلى الله عليه وسلم) باجتناب زوجته، ولا بشيء ممّا على المرتدّ(٢) .

وقال الفخر الرازي الشافعي في تفسيره: ظاهر الآية يدلّ على أنّ التقيّة إنّما تحلّ مع الكفّار الغالين، إلاّ أنّ مذهب الشافعي (رض) أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت بين المسلمين والمشركين حلّت التقيّة محاماة على النفس، وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله (صلى الله عليه وسلم) : حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ولقوله (صلى الله عليه وسلم) : من قتل دون ماله فهو شهيد، ولأنّ الحاجة إلى المال شديدة، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء، وجاز الاقتصار على التيمّم دفعاً لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز ههنا؟ والله أعلم(٣) .

ـ وقال ابن حجر العسقلاني الشافعي: قوله، وقول الله تعالى (إلاّ

(١) الوسائل ج ١٦ ص ٢٣٤ كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ باب عدم جواز التقيّة في الدم.

(٢) أحكام القرآن للإمام الشافعي ـ جمع الإمام البيهقي ص ٣١٦.

(٣) تفسير الرازي ج ٨ ص ١٥.

٤١
من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان) وساق إلى (عظيم) هو وعيد شديد لمن ارتدّ مختاراً، وأمّا من أُكره على ذلك فهو معذور بالآية، لأنّ الاستثناء من الإثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أُكره على الكفر تحت الوعيد، والمشهور أنّ الآية المذكورة نزلت في عمّار بن ياسر كما جاء من طريق عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر...

وعن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: عذّب المشركون عمّاراً حتّى قال لهم كلاماً تقيّة فاشتدّ عليه... الحديث.

وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان) ، قال: أخبر الله أنّ من كفر بعد إيمانه فعليه غضب من الله، وأمّا من أُكره بلسانه وخالفه قلبه بالإيمان لينجو بذلك من عدوّه فلا حرج عليه، إنّ الله إنّما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم.

قلت: وعلى هذا فالاستثناء مقدّم من قوله: فعليهم غضب، كأنّه قيل: فعليهم غضب من الله إلاّ من أُكره، لأنّ الكفر يكون بالقول والفعل من غير اعتقاد وقد يكون باعتقاد فاستثنى الأوّل وهو المكره. قوله: (وقال: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) وهي تقيّة) أخذه من كلام أبي عبيدة قال: تقاة وتقيّة واحد، ومعنى الآية: لا يتّخذ المؤمن الكافر وليّاً في الباطن ولا في الظاهر إلاّ للتقيّة في الظاهر، فيجوز أن يواليه إذا خافه ويعاديه باطناً...

قوله: (وقال الحسن) أي البصري (التقيّة إلى يوم القيامة) وصله عبد ابن حميد وابن أبي شيبة من رواية عوف الأعرابي (عن الحسن البصري قال: التقيّة جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلاّ أنّه لا يجعل في القتل تقية) ولفظ عبد بن حميد (إلاّ في قتل النفس التي حرّم الله) يعني: لا يعذر من

٤٢
أُكره على قتل غيره لكونه يؤثر نفسه على نفس غيره.

قلت: ومعنى التقيّة: الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير، وأصله وقية بوزن حمزة فعلة من الوقاية.

وأخرج البيهقي من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس، قال: (التقيّة باللسان والقلب مطمئنٌّ بالإيمان ولا يبسط يده للقتل) .

قوله: (وقال ابن عبّاس في من يكرهه اللصوص فيطلّق ليس بشيء، وبه قال ابن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن) .

أمّا قول ابن عبّاس فوصله ابن أبي شيبة من طريق عكرمة أنّه سئل عن رجل أكرهه اللصوص حتّى طلّق امرأته، فقال: قال ابن عبّاس: ليس بشيء، أي لا يقع عليه الطلاق.

وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن عكرمة، عن ابن عبّاس، أنّه كان لا يرى طلاق المكره شيئاً.

وأمّا قول ابن عمرو وابن الزبير، فأخرجهما الحميدي في جامعه، والبيهقي من طريقه قال: (حدّثنا سفيان، سمعت عَمراً يعني ابن دينار، حدّثني ثابت الأعرج، قال: تزوّجت أُمّ ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطّاب، فدعاني ابنه ودعا غلامين له فربطوني وضربوني بالسياط وقال: لتطلّقها أو لأفعلنّ وأفعلنّ، فطلّقتها، ثمّ سألت ابن عمر وابن الزبير فلم يرياه شيئاً) .

وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن ثابت الأعرج نحوه.

وأمّا قول الشعبي فوصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، قال: إنْ أكرهه اللصوص، فليس بطلاق، وإن أكرهه السلطان وقع، ونقل عن ابن عيينة توجيهه وهو أنّ اللصّ يقدم على قتله والسلطان لا يقتله، وأمّا قول

٤٣
الحسن، فقال سعيد بن منصور (حدّثنا أبو عوانة عن قتادة عن الحسن أنّه كان لا يرى طلاق المكره شيئاً) وهذا سند صحيح إلى الحسن.

قال ابن بطال تبعاً لابن المنذر: أجمعوا على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان أنّه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته، إلاّ محمّد بن الحسن، فقال: إذا أظهر الكفر صار مرتدّاً وبانت منه امرأته ولو كان في الباطن مسلماً، قال: وهذا قول تغني حكايته عن الردّ عليه لمخالفته النصوص، وقال قوم: محلّ الرخصة في القول دون الفعل كأن يسجد للصنم أو يقتل مسلماً أو يأكل الخنزير أو يزني، وهو قول الأوزاعي وسحنون، وقالت طائفة: الإكراه في القول والفعل سواء، واختلف في حدّ الإكراه، فأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عمر قال: (ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أُوثق أو عذّب) ، ومن طريق شريح نحوه وزيادة، ولفظه (أربع كلهن كره: السجن والضرب والوعيد والقيد) .

وعن ابن مسعود قال: " ما كلام يدرأ عنّي سوطين إلاّ كنت متكلماً به) ، وهو قول الجمهور، وعند الكوفيّين فيه تفصيل، واختلفوا في طلاق المكره فذهب الجمهور إلى أنّه لا يقع، ونقل فيه ابن بطال إجماع الصحابة.

قوله: (وقال النبيّ (صلى الله عليه وسلم) : الأعمال بالنيّات) ... قال: وكأنّ البخاري أشار بإيراده هنا إلى الردّ على من فرّق في الإكراه بين القول والفعل لأنّ العمل فعل، وإذا كان لا يعتبر إلاّ بالنيّة كما دلّ عليه الحديث فالمكره لا نيّة له، بل نيّته عدم الفعل الذي أُكره عليه(١) .

(١) فتح الباري ج ١٢ ص ٣٨٦ ـ ٣٨٩.

٤٤

٤ ـ الحنابلة وقولهم بالتقيّة:

أمّا الحنابلة فقد كانوا أشدّ الناس فزعاً إلى التقيّة عندما لم يجدوا مندوحة عنها لمّا دال الدهر عليهم يوماً من الأيّام، وكوتهم نار الاضطهاد، وذلك في أيّام المحنة بخلق القرآن(١) عندما حمل المأمون والواثق

(١) من المسائل الكلامية التي شغلت بال المسلمين في القرن الثاني الهجري وما تلاه من القرون وبلغت الذروة زمن المأمون وحتّى زمن المتوكّل هي مسألة قدم كلام الله وحدوثه والتي عرفت بـ (محنة خلق القرآن) ، وإن شئت فسمّها مهزلة المحنة، والتي بسببها أريقت الدماء وأُزهقت النفوس، والحقّ أنّ كل عاقل يرى أنّ الخوض فيها مضيعة للوقت، بل من التفاهات، وقد أمر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أصحابهم بعدم الخوض فيها، وعلى العموم فالأقوال فيها ثلاثة:

١ ـ جعل التكلّم من صفات الذات والقول بقدمه، وتبنّى هذا القول أهل الحديث، والحشوية، والحنابلة وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، قال في كتاب السنّة ص ٤٩: (والقرآن كلام الله ليس بمخلوق فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم، وكلّم الله موسى تكليماً، من الله سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده) ، بل قال بعضهم: الجلد والغلاف قديمان، كما في المواقف ص ٢٩٣، شرح التجريد ص ٤١٦.

٢ ـ جعل التكلّم من صفات الفعل والقول بخلقه، وتبنّى هذا القول المعتزلة والإمامية، وأبو حنيفة الذي استتيب من القول به تقيّة.

٣ ـ ثمّ برز رأي ثالث أتى به إمام الأشاعرة أبو الحسن الأشعري والذي كما يبدو أنّه ورث الذكاء والنباهة من جدّه التاسع بطل التحكيم يوم صفّين، فقد قسّم الكلام إلى قسمين: الكلام النفسي، وجعله من صفات الذات، وقال بقدمه، والحروف والأصوات المسموعة وجلعها من صفات الفعل، وهي دالّة عليه.

ونقول: لا شكّ في أنّه تعالى متكلّم، والمعقول من الكلام عبارة عن الحروف والأصوات المسموعة، ولا تلتئم كلاماً مفهوماً إلاّ بأحد الوجوه التي يحصل بها

=>

٤٥

<=

الإفهام، وذلك بأن يكون خبراً أو أمراً أو نهياً أو استفهاماً أوتنبيهاً، وهو الشامل للتمنّي، والترجّي، والتعجّب، والقسم، والنداء، ولا وجود له إلاّ في هذه الجزئيات، غير إنّ الذين أثبتوا قدم الكلام وجعلوه مغايراً لهذه المعاني أثبتوا شيئاً لا يعقل ولا يتصوّر مطلقاً.

وخلاصة القول: إنّ الكلام إمّا أن يكون إخباراً وليس وراءه شيء سوى التصوّرات والتصديقات، فيدخل في صفة العلم، وإمّا أن يكون إنشاءً وليس وراء الجملة الإنشائية المتضمّنة للأمر والنهي سوى الإرادة والكراهة، فلا وجود للكلام النفسي، لأنّه ليس بمتصوّر ولا يعقل، حتّى الأشاعرة أنفسهم لم يعقلوه.

والصحيح أنّ كلامه تعالى محدث ليس بقديم عقلا وسمعاً، فمن جهة العقل: إنّ الكلام مركّب من حروف وأصوات، ومن المحال اجتماع حروف كلمة واحدة، بل حرفين في السماع في آن واحد ودفعةً واحدة، فلابدّ أن يكون أحدهما سابق الآخر، والمسبوق حادث بالضرورة، والسابق متناه، فهو حادث بالضرورة.

وأمّا من جهة السمع: فقد قال تعالى: (ما يأتيهم من ذكر من ربّهم محدث) سورة الأنبياء الآية ٢.

وأجمع المفسّرون على أنّ الذكر هو القرآن، وقوله تعالى: (إنّما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) سورة النحل الآية ٤٠، وهذا إخبار عن المستقبل فيكون حادثاً.

ولا يخفى ماذا يعني الالتزام بهذه المقالة الفاسدة من استلزام نسبة السفه والجهل إليه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، فكيف يخاطب في الأزل بمثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة) و (يا أيّها الناس اعبدوا ربّكم) و (أوفوا بالعقود) ولا مخاطب هناك، ولا ناس عنده؟! كما ويستلزم نسبة الكذب إليه جلّ وعلا عن ذلك بمثل قوله تعالى: (إنّا أرسلنا نوحاً) ولا نوح هناك، وقوله تعالى: (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ) ولا ابن أُبَي بن سلول عنده، وقوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) ولا خولة الأنصارية عنده، وقوله تعالى: (إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات) ولا مناد ولا حجرات هناك، بل يستلزم أن يكون كلّ ما ذكر في القرآن من سماوات وأرضين ونجوم وكواكب وإنسان وحيوان وجانّ وشجر وثمر وماء وهواء أن يكون قديماً أزلياً.

نعوذ بالله من هذا الرأي الفاسد.

ولا بُدّ من التنبيه ها هنا على أنّ أصل شيوع هذه الفكرة في الأوساط الإسلامية كان على يد يوحنّا الدمشقي وأصحابه من النصارى الذين كانوا من حاشية البلاط الأُموي، لأنّه أراد بثّ فكرة قدم كلام الله حتّى يحصل القول ضمناً بقدم المسيح عيسى بن مريم، لأنّ القرآن ذكر بأنّه كلمة الله ألقاها إلى مريم، وبذلك تثبت دعوى النصارى بقدم المسيح.

٤٦
كتاب شبهات السلفية لـ جواد حسين الدليمي (ص ٤٧ - ص ٦٧)
٤٧

قال: شيئاً بعد شيء، أو جملة؟

قال: علمته شيئاً بعد شيء.

قال: فبقي عليك شيء لم تعلمه؟

قال: بقي عليّ.

قال: فهذا ممّا لم تعلمه، وقد علّمكه أمير المؤمنين.

قال: فإنّي أقول بقول أمير المؤمنين.

قال: في خلق القرآن؟

قال: في خلق القرآن.

فأشهد عليه وخلع عليه، وأطلقه إلى منزله(١) .

وحكى أبو بكر ابن العربي التجاء أحمد بن حنبل إلى التقيّة والتورية زمن فتنة القول بخلق القرآن (أنّه دعي إلى أن يقول بخلق القرآن، فقال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ـ يعدّدهن بيده ـ هذه الأربعة مخلوقة، يقصد هو بقلبه أصابعه التي عدّدها بها، وفهم الذي أكرههُ أنّه يريد الكتب الأربعة المنزّلة من الله على أنبيائه، فخلص في نفسه، ولم يضره فهم الذي أكرهه) (٢) .

ـ قال ابن قدامة الحنبلي في المغني: ومن أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر لم يصر كافراً، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي، ثمّ استدلّ بقوله تعالى: (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان) ثمّ ذكر حديث

(١) تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٤٣٢.

(٢) أحكام القرآن ج ٣ ص ١٦١.

٤٨
تعذيب المشركين لعمّار بن ياسر(١) ، وراجع كلامه في مسألة (من أُكره على الطلاق لم يلزمه) (٢) .

ـ وقال ابن الجوزي: الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها ; وفي الإكراه المبيح لذلك عن أحمد روايتان، إحداهما: أنّه يخاف على نفسه أو على بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أُمر به، والثانية: أنّ التخويف لا يكون إكراهاً حتّى ينال بعذاب، وإذ ثبت جواز التقيّة فالأفضل أن لا يفعل، نصّ عليه أحمد في أسير خُيّر بين القتل وشرب الخمر، فقال: إن صبر على القتل فله الشرف وإن لم يصبر فله الرخصة، فظاهر هذا الجواز.

وروى عنه الأثرم أنّه سُئل عن التقيّة في شرب الخمر، فقال إنّما التقيّة في القول(٣) .

٥ ـ السلفية والوهّابية والتقيّة:

ـ قال الآلوسي في تفسير قوله تعالى: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) : وفي الآية دليل على مشروعية التقيّة وعرّفوها بمحافظة النفس، أو العرض، أو المال من شرّ الأعداء.

والعدوّ قسمان: الأوّل: من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم، والثاني: من كانت عداوته مبنيّة على أغراض دنيوية كالمال والمتاع و الملك والإمارة، ومن هنا صارت التقيّة قسمين:

أمّا القسم الأوّل: فالحكم الشرعي فيه أنّ كلّ مؤمن وقع في محلّ لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرّض المخالفين وجب عليه الهجرة إلى محلّ

(١) المغني ج ١٠ ص ١٠٥.

(٢) المغني ج ٨ ص ٢٥٩ وما بعدها.

(٣) زاد المسير ج ٤ ص ٣٧٨.

٤٩
يقدر فيه إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبّث بعذر الاستضعاف فإنّ أرض الله واسعة، نعم إن كان ممّن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوّفهم المخالفون بالقتل، أو قتل الأولاد، أو الآباء، أو الأمّهات تخويفاً يظنّ معه إيقاع ما خوّفوا به غالباً، سواءً كان هذا القتل بضرب العنق أو بحبس القوت، أو بنحو ذلك، فإنّه لا يجوز له المكث مع المخالف والموافقة بقدر الضرورة، ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه ولو كان التخويف بفوات المنفعة أو بلحوق المشقّة التي يمكنه تحمّلها كالحبس مع القوت والضرب القليل الغير المهلك لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة الجواز أيضاً موافقتهم رخصة وإظهار مذهبه عزيمة، فلو تلفت نفسه لذلك فإنّه شهيد قطعاً، وممّا يدلّ على أنّها رخصة ـ ما روي عن الحسن ـ أنّ مسيلمة الكذّاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فقال لأحدهما: أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال: أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخر فقال له: أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال أتشهد أنّي رسول الله؟ قال: إنّي أصمّ، قالها ثلاثاً، وفي كلّ مرّة يجيبه بأنّي أصمّ، فضرب عنقه، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أمّا هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئاً له، وأمّا الآخر فقد رخّصه الله تعالى فلا تبعة عليه.

ثمّ قال: وعدّ قوم من باب التقيّة مداراة الكفّار والفسقة والظلمة وإلانة الكلام لهم والتبسّم في وجوههم والانبساط معهم وإعطاءهم لكفّ أذاهم وقطع لسانهم وصيانة العرض منهم، ولا يعدّ ذلك من باب الموالاة المنهي عنها، بل هي سُنّة وأمرٌ مشروع.

٥٠
فقد روى الديلمي عن النبيّ (صلى الله عليه وسلم) أنّه قال: " إنّ الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض " وفي رواية " بعثت بالمداراة " وفي الجامع " سيأتيكم ركبٌ مبغضون فإذا جاؤوكم فرحّبوا بهم ".

وروى ابن أبي الدنيا " رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس " وفي رواية البيهقي " رأس العقل المداراة "، وأخرج الطبراني " مداراة الناس صدقة " وفي رواية له " ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة ".

وأخرج ابن عديّ وابن عساكر " من عاش مدارياً مات شهيداً، قوا بأموالكم أعراضكم، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه ".

وعن بردة عن عائشة (رض) قالت: (استأذن رجل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنا عنده، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : " بئس ابن العشيرة ـ أو أخو العشيرة ـ ثمّ أذن له فألان له القول، فلمّا خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثمّ ألنت له القول؟ فقال: يا عائشة إنّ من أشرّ الناس من يتركه الناس أو يدعه الناس اتّقاء فحشه ".

وفي البخاري عن أبي الدرداء " إنّا لنكشّر في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم " وفي رواية الكشميهني " وإنّ قلوبنا لتقليهم " وفي رواية ابن أبي الدنيا، وإبراهيم الحرمي بزيادة " ونضحك إليهم " إلى غير ذلك من الأحاديث(١) .

ـ وقال جمال الدين القاسمي: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة) أي تخافوا منهم محذوراً، فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه، كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنّه قال: " إنّا لنكشّر في وجوه أقوام وقلوبنا

(١) روح المعاني ج ٣ ص ١٩٥ ـ ١٩٧.

٥١
تلعنهم " وأصل " تقاة " وقية...

ثمّ قال: ومن هذه الآية استنبط الأئمّة مشروعية التقيّة عند الخوف وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه " إيثار الحقّ على الخلق " فقال ما نصّه:

وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران:

أحدهما: خوف العارفين، مع قلتهم، من علماء السوء وسلاطين الجور، وشياطين الخلق، مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولا برح المحقّ لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة (رض) أنّه قال في ذلك العصر الأوّل: حفظت من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.

وما زال الأمر في ذلك يتفاحش، وقد صرّح الغزّالي بذلك في خطبة " المقصد الأسنى " ولوّح بمخالفته أصحابه فيها، كما صرّح بذلك في شرح " الرحمن الرحيم " فأثبت حكمة الله ورحمته، وجوّد الكلام في ذلك، وظنّ أنّهم لا يفهمون المخالفة، لأنّ شرح هذين الاسمين ليس هو موضوع هذه المسألة ولذلك طوى ذلك، وأضرب عنه في موضعه، وهو اسم الضارّ كما يعرف ذلك أذكياء النظار.

وأشار إلى التقيّة الجويني في مقدّمات " البرهان " في مسألة قدم القرآن، والرازي في كتابه المسمّى " الأربعين في أُصول الدين "... إلى آخر ما ساقه المرتضى، فانظره(١) .

(١) محاسن التأويل ج ٤ ص ٧٩ ـ ٨٣.

٥٢
ـ وقال الصابوني: (إلاّ من أُكره وقلبه مطمئنٌّ بالإيمان) أي من تلفّظ بكلمة الكفر مكرهاً والحال أنّ قلبه مملوء إيماناً ويقيناً...

قال المفسّرون: نزلت في عمّار بن ياسر، أخذه المشركون فعذّبوه حتّى أعطاهم ما أرادوا مكرهاً، فقال الناس: إنّ عمّاراً كفر، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من فرقه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه، فأتى عمّار رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يبكي، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنّاً بالإيمان، قال: إن عادوا فعد(١) .

وها هم الوهّابيون ومن انضوى تحت رايتهم نراهم اليوم وقد تلبّسوا بالتقيّة وشربوها حتّى الثمالة عندما دارت عليهم الدوائر وضاقت عليهم السبل ولا سيّما بعد أحداث ما يسمّى بـ ١١ أيلول.

٦ ـ الخوارج وقولهم بالتقيّة:

وحتّى الخوارج مع ما عرفوا به من جرأة وإقدام وبسالة حتّى كانوا يعدّون الموت في سبيل عقيدتهم من الأمانيّ لم يسعهم ترك اللجوء إلى التقيّة والاعتقاد بجوازها.

ـ قال أبو العبّاس المبرّد: كان مرداس بن حُدير أبو بلال، وهو أحد بني ربيعة بن حنظلة تعظّمه الخوارج، وكان مجتهداً كثير الصواب في لفظه، فلقيه غيلان بن خرشة الضبّي، فقال: يا أبا بلال إنّي سمعت الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء ـ كانت من المجتهدات من الخوارج وهي امرأة من بني حرام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم من رهط سجاح التي كانت تنبّأت ـ وأحسبها ستؤخذ، فمضى إليها أبو بلال

(١) صفوة التفاسير ج ٢ ص ١٤٤.

٥٣
فقال لها: إنّ الله قد وسّع على المؤمنين في التقيّة فاستتري، فإنّ هذا المسرف على نفسه الجبّار العنيد قد ذكرك، قالت: إن يأخذني فهو أشقى بي، فأمّا أنا فما أحبّ أن يعنّت إنسان بسببي، فوجّه إليها عبيد الله بن زياد فأتى بها، فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق، فمرّ أبو بلال والناس مجتمعون فقال: ما هذا؟ فقالوا: البلجاء، فعرّج إليها فنظر ثمّ عضّ على لحيته وقال لنفسه: لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا مرداس(١) .

ـ وقال أبو سعيد الكدمي الإباضي: والعذر في التقيّة في الدين في ما يجوز كالعذر في التقيّة في النفس في ما يجوز... ومن كان في حال التقيّة جاز لهُ أن يدعو لمن لا يتولاّه بما يدعو به لأهل الولاية، ويعقد المعنى لغيره(٢) .

ـ وقال أبو بكر السمدي الإباضي: إنّه من كذب كذبة فهو منافق، إلاّ أن يتوب، فإن تاب، وإلاّ برئ منه، ومن يقول إنّه منافق، يقول: إنّها كبيرة ما كانت إلاّ في تقيّة أو إصلاح(٣) .

التقيّة عند الأديان الأُخرى:

ـ وليس الأمر مقتصراً على الفرق والمذاهب الإسلامية فحسب، بل حتّى بقيّة الأديان لم تجد لها مفزعاً سوى الالتجاء إلى التقيّة، عندما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فقد اتّخذ الرسل وأتباعهم من النصارى دياميس روما ومغاراتها تحت الأرض سكناً وأمناً لهم لما لاقوه من ظلم وقتل

(١) الكامل ـ للمبرّد ـ ج ٢ ص ١٨١ ـ ١٨٢.

(٢) المعتبر ج ١ ص ٢١٦.

(٣) المصنفّ ـ لأبي بكر السمدي ـ ج ٢ ص ٢٠٣.

٥٤
وتعذيب على أيدي أباطرة روما أمثال نيرون الذي أحرق روما، وفسبازيان، ودومتيان، كما تقول رسالة يوحنّا الأُولى، وديسيوس، وأورليوس، ودقلديانوس وغيرهم من الطغاة والظلمة واستمرّوا على هذه الحالة إلى أن بعثهم الله من تلك الدياميس والقبور على يد قسطنطين الأكبر وأُمُّه هيلينا عند تحوّلهم إلى المسيحية.

وقد ذكر ديورانت فصلا مفصّلا حول الموضوع وكيفيّة حفر الطرقات الطويلة تحت الأرض، وقال فيه: فلمّا علا شأن المسيحية وانتصرت على أعدائها... أضحت الدياميس أماكن معظّمة يحجّ إليها الناس، وقبل أن يحلّ القرن التاسع سدّت السراديب ونسيها الناس ولم تكتشف إلاّ بطريق المصادفة عام ١٥٧٨(١) .

كما لا يفوتنا الإشارة إلى قصّة أصحاب الكهف (عليهم السلام) وكيف أخفوا إيمانهم، ثم كيف منّ الله عليهم بحسن الخاتمة حتّى غدت قصّتهم معجزةً للعالمين.

وكذلك الحال بالنسبة لليهود في زمن الفراعنة ـ الذين كانوا يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم ـ اضطرّوا إلى كتم رفضهم لربوبية فرعون إلى أن أنقذهم الله على يد موسى.

وأمّا في زمن العصور الوسطى، فقد لاقوا من شرّ أعمالهم ما لاقوا من التنكيل والقتل حتّى اعتنق الكثير منهم المسيحية خوفاً على حياتهم، ومنهم من تستّر بها خصوصاً في القرن الرابع عشر الميلادي وما بعده.

وكانت أشدّ البلدان وطأة عليهم فرنسا وألمانيا والنمسا وإسبانيا، وقد

(١) قصة الحضارة ج ١١ ص ٢٧٧ ـ ٢٨٩ / الفصل الأوّل.

٥٥
ذكر المؤرّخ ديورانت في قصّة الحضارة هذه الأحداث بالتفصيل.

التقيّة حالة فطرية وطبيعية:

وبغضّ النظر عن كون التقيّة مسألة تعبّدية، رخصة كانت أم عزيمة في بعض الحالات التي تجب فيها، فهي غريزة عقلية وفطرية لكلّ إنسان، موحّداً كان أم مشركاً، وحتّى الملحدين بدافع الطبيعة والجبلّة، وبما أنّ الدين الإسلامي لم يأتِ بما يصادم العقول ويخالف البديهيات والفطريات، فلذلك كانت التقيّة من إحدى ضرورياته.

بل لو تجاوزنا عالمنا الإنساني إلى عالم الحيوان نجده ليس بمجانب لها، فنجد كثيراً من الحيوانات المائية منها والبريّة وحتّى الحشرات نجدها تقي أنفسها عندما يداهمها الخطر من أعدائها بأساليب وأشكال متنوعة مظهرةً عجيب صنع الله تعالى، فمنها ما يظهر الخضوع والتذلّل للأقوى اعترافـاً منه بسطوته وبطشه ولا سيّما في الحيوانات المفترسـة، وبهذه الطريقة قد يسلم على نفسـه، ومنها مـا يتلوّن بلون الطبيعة كالأرض وحشائشها، والأشجار وأوراقهـا، كبعض أنواع العضايات والسحالي والجنادب واليعاسيب، بـل منهـا مـا يغيّر لونـه في لحظـات يسيرة إلى عـدّة ألوان وفقاً لِلَون المحيط أو الطبيعة التي يعيش فيها كبعض أنواع الحرباء والأُخطبوط.

فتبيّن أنّ جميع مخلوقات الله سبحانه وتعالى تعمل بالتقيّة، وتلجأ إليها عندما يداهمها الخطر توقّياً من الضرر، فَلِمَ خُصصنا بشناعة القول بها؟!

نعم، باء غيرنا مسموح لها أن تجرّ وترفع وتنصب، وباؤنا ممنوعة ولو من الجرّ فحسب.

٥٦

الشيعة كانوا أحوج إلى التقيّة من غيرهم ولا سيّما في فترة ما يسمّى بخير القرون وهي الثلاث الأوّل:

نعم، كان شيعة أهل البيت أحوج الناس إليها لما لاقوه من قتل وتشريد وظلم واضطهاد طيلة أربعة عشر قرناً.

ـ قال ابن أبي الحديد: روي أنّ أبا جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) قال لبعض أصحابه: يا فلان، ما لقينا من ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبّونا! إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا، ثمّ تداولتها قريش، واحدٌ بعد واحد، حتّى رجعت إلينا، فنكثت بيعتنا، ونصبت الحرب لنا، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود، حتّى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثمّ غدر به، وأُسلم ووثب عليه أهل العراق حتّى طعن بخنجر في جنبه، ونهبت عسكره، وعولجت خلاخيل أُمّهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته، وهم قليل حقٍّ قليل، ثمّ بايع الحسين (عليه السلام) من أهل العراق عشرون ألفاً، ثمّ غدروا به، وخرجوا عليه، وبيعته في أعناقهم وقتلوه، ثمّ لم نزل ـ أهل البيت ـ نستذلّ ونستضام، ونقصى ونمتهن ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله، ليبغّضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (عليه السلام) ، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي

٥٧
والأرجل على الظنّة، وكان من يُذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره، ثمّ لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (عليه السلام) ، ثمّ جاء الحجّاج فقتلهم كلّ قتلة، وأخذهم بكلّ ظِنّة وتهمة، حتّى إنّ الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال: شيعة علي، وحتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير ـ ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً ـ يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها، ولا كانت ولا وقعت، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب ولا بقلّة ورع(١) .

ذكر ما فعله معاوية بالشيعة:

ومن الأحداث الشنيعة ما فعله معاوية في سنة ٣٩ من شنّ الغارات على شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقد فرّق جيوشه في مختلف الأصقاع وولّى عليها أُناساً ممّن لا خلاق لهم كالضحّاك بن قيس، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وسفيان بن عوف، والنعمان بن بشير، وزهير بن مكحول العامري، وبسر بن أرطأة، لقتل الأبرياء أينما كانوا(٢) .

ومن الفجائع التي تصكّ أنباؤها المسامع ما فعله بسر في المدينة واليمن، من سفك للدماء وقتل للشيوخ والأطفال، وسبي للنساء، ولا سيّما مع نساء همدان، فكنّ أوّل مسلمات سبين في الإسلام، فكان يكشف عن سوقهن، فأيّتهنّ كانت أعظم ساقاً اشتُريت على عظم ساقها، وقتل أحياء

(١) شرح ابن أبي الحديد ج ١١ ص ٤٣، الدرجات الرفيعة ص ٥.

(٢) راجع تاريخ الطبري ج ٣، تاريخ ابن الأثير ج ٣، تاريخ أبي الفداء ج ١ (أحداث سنة ٣٩ هـ) .

٥٨
بني سعد(١) ، وما فعله من فعلة شنعاء من ذبحه طفلي عبيد الله بن العبّاس، وكان يومئذ عاملا لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) على اليمن فهرب إليه من بسر، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وكان جدّ الطفلين لأُمّهما، فقتله بسر في من قتل، وقتل ابنه، وبحث عن الطفلين فوجدهما عند رجل من كنانة في البادية فلمّا أراد بسر قتلهما قال له الكناني: لم تقتلهما وهما طفلان لا ذنب لهما، فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما، فقتله ثمّ ذبحهما، وقالت له امرأة من كنانة لمّا ذبحهما: يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام، والله يا بن أرطأة إنّ سلطاناً لا يقوم إلاّ بقتل الصبي الصغير والشيخ الكبير، ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء، ونال أُمّهما من ذلك أمر عظيم وهامت على وجهها جنوناً ممّا نالها، وكانت تأتي في الموسم تنشدهما فتقول:


يا من أحسّ بُنيَّيَّ اللذين هماكالدرّتين تشظّى عنهما الصدف
يا من أحسّ بُنيَّيَّ اللذين هماقلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف
يا من أحسّ بُنيَّيَّ اللذين همامخّ العظام فمخّي اليوم مزدهف
من دلّ والهةً حرّى مدَلّهةًعلى صبيّينِ ضلاّ إذا هوى السلف
نُبّئت بُسراً وما صدّقت ما زعموامن قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحى على ودَجَي ابني مُرهفةًمشحوذةً وكذاكَ الإثمُ يقترف
حتّى لقيتُ رجالا من أرومتهشمُّ الأُنوف لهم في قومهم شرفُ
فالآن ألعنُ بسراً حقّ لعنتههذا لعَمر أبي بسر هو السرفُ(٢)

(١) الاستيعاب ج ١ ص ١٦١.

(٢) الأغاني ج ١٦ ص ٢٩١ ـ ٢٩٢، الاستيعاب ج ١ ص ١٥٩ ـ ١٦٠، تاريخ ابن الأثير ج ٣ ص ٢٥٠ ـ ٢٥١، تاريخ أبي الفداء ج ١ ص ١٧٩.

٥٩
فلمّا سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) بقتلهما جزع جزعاً شديداً ودعا على بسر، فقال: اللّهمّ اسلبه دينه وعقله، فأصابه ذلك وفقد عقله فكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زقّ منفوخ فلا يزال يضربه ولم يزل كذلك حتّى مات(١) .

وقتل معاوية حجر بن عديّ الكندي وأصحابه وهم: ولده، وشريك ابن شداد الحضرمي، وصيفيّ بن فسيل الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب المنقري، وكدام بن حيان، وعبد الرحمن بن حيان العنزيان، صبراً في مرج عذراء قرب دمشق على التشيّع وامتناعهم من سبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وهو الذي فتحها وأوّل من كبّر بها، وكان من خيار الصحابة مستجاب الدعوة ويسمّى راهب أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) كما عن الحاكم، وابن عبد البرّ(٢) .

روى ابن عساكر بإسناده عن أبي الأسود، قال: دخل معاوية على عائشة، فقالت: ما حملك على قتل حجر وأصحابه؟ فقال: يا أُمّ المؤمنين رأيت قتلهم صلاحاً للأُمّة وأنّ بقاءهم فساداً للأُمّة، فقالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: " سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء "(٣) .

وروى بإسناده عن علي بن أبي طالب، قال: يا أهل الكوفة سيقتل فيكم سبعة نفر خياركم، مثلهم كمثل أصحاب الأُخدود، منهم حجر بن الأدبر وأصحابه. قتلهم معاوية بالعذراء من دمشق كلّهم من أهل الكوفة(٤) .

(١) الأغاني ج ١٦ ص ٢٩٢، تاريخ ابن الأثير ج ٣ ص ٢٥٢.

(٢) المستدرك ج ٣ ص ٥٣١، الاستيعاب ج ١ ص ٣٣١.

(٣) تاريخ دمشق ج ١٢ ص ٢٢٦.

(٤) تاريخ دمشق ج ١٢ ص ٢٢٧.

٦٠