×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج2) / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

عن القوم الذين كانوا مع خالد قالوا: أذن مؤذننا ومؤذنهم، وصلينا وصلوا وتشهدنا وتشهدوا.

واحتج على جواز قتالهم بالاجماع وعدم النزاع قلنا: إن عرفتم الاجماعبخبر الواحد فلا إجماع.

وإنما حمل أبا بكر على ذلك ما رواه الشيخ العمي(١) في كتاب الواحدة عنالبراء أن وفد تميم أتوا النبي فقال أميرهم مالك بن نويرة: علمني الإيمان فعلمهالشهادتين، وأركان الشريعة، ونهاه عن مناهيها، وأمره أن يوالي وصيه من بعدهوأشار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فلما ذهب قال النبي: من أحب أن ينظر إلىرجل من أهل الجنة فلينظر إليه، فلحقه الشيخان وسألاه الاستغفار لهما فقال: لاغفر الله لكما، تدعان صاحب الشفاعة وتسألاني؟ فغضبا ورجعا فرأهما النبي فتبسموقال: في الحق مبغضة.

فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جاء مالك لينظر من قام مقامه فرأى أبا بكر يخطبفقال: أخو تيم؟ قالوا: نعم، قال: فوصي رسول الله الذي أمرني بموالاته؟ قالوا:

الأمر يحدث بعده الأمر، قال: تالله ما حدث شئ ولكنكم خنتم الله ورسوله، ونظر إليه شزرا، وتقدم وقال: ما أرقاك هذا المنبر؟ ووصي رسول الله جالس؟

فأمر قنفذا وخالدا بإخراجه فدفعاه كرها، فركب راحلته وقال:

(١) هو محمد بن جمهور العمي، قال في معجم قبائل العرب:

العم: بطن اختلف في نسبهم، فقيل: إنهم نزلوا بني تميم بالبصرة في أيام عمر بنالخطاب، فأسلموا، وغزوا مع المسلمين، وحسن بلاؤهم، فقال الناس. أنتم، وإن لمتكونوا من العرب وإخواننا وأهلنا، أنتم الأنصار والإخوان وبنو العم. فلقبوا بذلكوصاروا في جملة العرب.

وقالوا: العم لقب مالك بن حنظلة، وقالوا: لقب مرة بن مالك، وهم العميون فيتميم، وقال أبو عبيدة: مرة بن وائل بن عمر وبن مالك بن حنظلة بن فهم، من الأزد. وهم: ينو العم في تميم، ثم قالوا: مرة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.

٢٨١

أطعنا رسول الله ما كان بيننافيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر
إذا مات بكر قام بكر مقامهفتلك وبيت الله قاصمة الظهر
بدت وتغشاه العثار كأنمايجاهد حمى أو يقوم على جمر
فلو قام فينا من قريش عصابةأقمنا ولو كان المقام على الجمر

فبعث أبو بكر خالدا بجيش لقتله، فجاء فلم يجد فيهم مؤذنا فقال: ارتددتمعن الاسلام؟ فقالوا: بل ذهب المؤذن إلى امتيار فلم يسمع، وصافهم الحرب وكان مالك يعد بألف فارس فخافه خالد فنظر مالك إلى امرأته وهي تنظر الحرب وتستر وجهها بذراعيها فقال: إن قتلني أحد فأنت فوقعت في نفس خالد، فأعطاه الأمانفاستوثق منه، فطرح سلاحه وأخذه وقتله، وعرس بامرأته من ليلته، وطبخ علىرأسه لحم جزور لوليمته.

فخرج متمم أخو مالك فاستعدى أبا بكر على خالد، واستعان بعمر، فقالعمر لأبي بكر: أقتل خالدا بمالك فقال: ما كنت لأقتل صحابيا بأعرابي في ردةعمياء قال عمر: لم يرتد بل حمله على ذلك جمال امرأته، فتشاتما فقال عمر: لو ملكتأمرا لقتلته به، فلما ولى عمر جاءه متمم وقال: قد وعدتني بقتله، فقال: ما كنتلأغير شيئا فعله صاحب رسول الله.

إن قالوا: قد يعلم من الردة ما يخفى على عمر قلنا: كيف ذلك وقد أوصاهم:

إن أدنوا وأقاموا كفوا عنهم، وكيف يخفى ذلك والقصة مشهورة؟ فقد حدثأبو قتادة أنهم أقاموا الصلاة، فلم يلتفت خالد إليهم وأمر بقتلهم فحلف: لا يسيرله تحت لواء، ورجع فأعلم أبا بكر فقال عمر: قد وجب علينا القصاص.

قالوا: ذكر خالد لمالك النبي صلى الله عليه وآله فقال: صاحبك؟ فأوهم أنه ليس بصاحبله فقتله، قلنا: قد قال أبو بكر: إنه تأول فأخطأ، فلو أراد مالك الاستخفافبالنبي صلى الله عليه وآله لم يكن خالد أخطأ بل أصاب، ولاعتذر أبو بكر إلىعمر بذلك.

٢٨٢

تذنيب:

روى صاحب العقد وصاحب الأغاني عن الرياشي أن متمما خاطب عبداللاة وخالدا فقال:


نعم القتيل إذا الرماح تنافجتبين البيوت قتلت يا بن الأزور
أدعوته بالله ثم قتلتهلو هو دعاك بذمة لم يغدر
فاذهب فلا تنفك حامل لعنةما زعزعت ريح غصون العصفر

ومنها: منعه فاطمة قريتين من قرى خيبر نحلهما رسول الله صلى الله عليه وآله لها وقدادعتها مع عصمتها في آية التطهير، وأورد في مناقبها: فاطمة بضعة مني يريبني ماأرابها، ومن أغضبها فقد أغضبني، وليس للنبي أن يغضب لغضبها إلا وهو حقوإلا لجاز أن يغضب لغضب كل مبطل وقد شهد لها علي مع قول النبي صلى الله عليه وآله فيه: علييدور معه الحق حيث دار، وقوله: علي مع الحق والحق مع علي، وأم أيمنواسمها بركة وهي حاضنة النبي صلى الله عليه وآله وقد كانت تخبر بفضائله قبل ظهور حاله، معأنه روي أنها كانت في يدها فأخرج عمالها منها.

إن قلت: فلعله كان لا يرى عصمتها وعصمة شاهدها قلت: فكان يجب إحلافهالأنها في يدها.

إن قلت: فلعله كان لا يرى تكميل البينة باليمين قلت: هذا مردود فإنأكثر علمائكم والمشهور في كتبكم بل وفي سائر المسلمين خلافه.

إن قلت: فالهبة لا بد من قبضها، قلت: قد بينا تصرفها فيها وأنه أخرجعمالها منها.

قالوا: ترك النكير عليه دليل عدم ظلمها قلنا: فترك النكير عليها دل علىصدقها، مع أنه معلوم من عصمتها، فكان يجب الحكم بمجرد قولها، ولهذا أمضىالنبي شهادة خزيمة وحده، ولم يكن حاضرا لما علم من عصمته عليه السلام وجعلها بشهادتين.

٢٨٣

إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر قلنا: إنها أقامت على دعواها وعلى غصبهاثم إن كان إنكاره مغنيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها مغن لهم عن إنكارهم عليه.

وأيضا [ لما ] طلبت ميراثها من أبيها لقوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم(١))الآية وهي محكمة كما قال صاحب التقريب: إنها نسخت المواريث المتقدمة.

عارضها برواية تفرد بها هي قول النبي صلى الله عليه وآله: (لا نورث ما تركناه صدقة)والظاهر تزويرها وإلا كيف يخفى عن أهل بيته وجميع المسلمين حالها، وخبرالواحد إذا لم يكن مشهورا وعارضه القرآن، فكان مردودا لقوله صلى الله عليه وآله: إذا وردعني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه، ولما سألتهعن قسم رسول الله في الغنيمة قالت: أنت ورثت رسول الله؟ قال: لا، بل ورثه أهلهفإذا كان لا يورث فأي شئ ورث أهله، وإذا صح هذا بطل ذلك لتناقضهما، وقدشهدتما بعدم ميراثه، ولفقتما مالك بن أوسى معكما، فوالله ما شك بعد هذا أنكمابالباطل شهدتما، فلعنة الله عليكما، وعلى من أجاز شهادتكما، فولتا تلعنانه وتقولانأخذت سلطاننا، ومنعتنا مالنا، فقال: وأي سلطان لكما ولأبويكما؟

هب أنه لا ميراث، أليس قد أسند علماؤكم بطرق ثلاثة إلى الخدري ورووهأيضا عن مجاهد والسدي أنه لما نزل (وآت ذا القربى حقه(٢)) دفع النبيإليها فدكا؟

إن قيل: خبر الواحد يخصص عموم آيات الميراث كالقاتل ونحوه قلنا: إنماخصصناه بالاجماع لا بخبر الواحد، ولو سلمت صحته فمعناه لا نورث ما تركناهصدقة بل ميراثا.

وقد أخرج ابن قتيبة قولها في جوابه يرثك أهلك ولا نرث رسول الله؟ وأخرجالترمذي أنها قالت من يرثك؟ قال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟

وأخرج البخاري أنها قالت: أترث أباك ولا أرث أبي؟ أين أنت من قوله تعالى:

(١) النساء: ١١.

(٢) الإسراء: ٢٦.

٢٨٤

(وورث سليمان داود(١)) وقول زكريا: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرثمن آل يعقوب(٢)) وإذا أجمع على أنها أتت بآيتي الميراث في احتجاجها، ودلتالدليل على عصمتها، وجب الجزم بحقية قولها.

إن قيل: قد يورث غيره من المرسلين، ولا يورث خاتم النبيين، قلنا: هذاخلاف إجماع المسلمين، فإن من ورثهم عمهم ومن منعهم عمهم.

قالوا: المراد بالآيتين إرث العلم والنبوة، إذ لو أريد المال لما اختص سليماندون زوجات أبيه، وباقي وارثيه، وكذا الكلام في يحيى مع أبيه قلنا: العلموالنبوة تابعان للمصلحة، لا مدخل للنسب والتوارث فيهما ولا يرد قول النبيلعلي في حديث زيد بن آدمي: ما ورث الأوصياء من قبلك كتاب الله وسنة نبيه، لأنهمن طريقكم، وإنما نورده إلزاما لكم، على أن في إرثه للكتاب والسنة دليلالخلافة، إذ لو كان ثم أقرب منه وأولى، لما ورثه الولاية العظمى.

وإذا قالوا: لا تجتمع النبوة والإمامة في بيت عند قولنا: لا تخرجوا سلطانمحمد من بيته قلنا: فالنبي قد يولد منه النبي فما يمنع الوصي مع إجماعكم بعد الثلاثةعلى علي، وإرث العلم موقوف على الاجتهاد لا الميراث، ولهذا إن سليمان أوتيحكما وعلما في حياة أبيه، فلا مدخل للإرث فيه.

وذكر سليمان في الإرث لا يدل على اختصاصه به، لعدم دلالة التخصيصبالذكر، على التخصيص بالحكم، والإرث حقيقة في المال وقصة زكريا تدلعليه حيث طلب ولدا يحجب بني عمه عنه، وعن الافساد فيه، لأنهم كانوا فساقاوالتقدير: خفت الموالي أن يعصوا الله بمالي، فذهب بهذا ما يتوهم من نسبة البخلإليه، والعلم والنبوة لا حجب عنها بحال، لأنه بعث لإذاعة العلم، فكيف يخافشئ بعث لأجله.

إن قيل: لم لا يكون خوفه من مواليه الفساق أن يرثوا علمه فيفسدون

(١) النمل: ١٦.

(٢) مريم: ٦.

٢٨٥

الرعية؟ قلنا: هذا العلم إن عنينا به الصحف، فلا يسمى علما إلا مجازا، مع أنهيرجع إلى إرث المال وإن عني به العلم الذي محله القلوب، فهو إما شريعة، فإنما بعثلنشرها، وبنو عمه من جملة أمته، وإن عني علم العواقب والحوادث، فهذا لا يجبالإعلام به، فلا خوف لأجله.

إن قيل: إنما سأل الولي خوفا من اندراس العلم، قلنا: قد كان يعلم منحكمة الله أنه لا يندرس العلم لإزاحة العلة.

إن قيل: خاف انتقاله إلى غير ولده قلنا: هذا خوف دنياوي، وليس هو ممابعث الأنبياء له، فجهة خوفهم يحمل على المضار الدينية.

ثم نرجع ونقول إنه اشترط في الولد كونه (رضيا) أي عاملا بطاعة ربهمصلحا لما له، والنبي لا يكون إلا رضيا، فلا معنى للتقييد بكونه رضيا.

إن قلت: يجوز الدعاء بالواقع، مثل (رب احكم بالحق(١)) واجعلنامسلمين لك(٢)).

قلت: كان ذلك تعبدا وانقطاعا إليه تعالى فيما يعود إلى الداعي، بخلافهذا، ولذلك لا يحسن: رب ابعث نبيا، واجعله عاقلا.

قالوا: روي أنه قال لها: إن كان أبوك يورث فخصمك الزوجات وعمك، وإن كان لا يورث فجميع المسلمين خصمك قلنا: فما بال المسلمين لم يكونوا خصمجابر حيث قال له: النبي صلى الله عليه وآله وعدني بكذا فحثى له من مال البحرين كما أخرجهالبخاري، فأعطاه بمجرد دعواه ومنع فاطمة مع عصمتها وبينتها.

إن قالوا: فلعله علم صدق جابر، قلنا: ومن أين له ذلك مع أن البخاريوغيره رووا أنه لا ينبغي للحاكم الحكم بعلمه لموضع التهمة.

إن قيل: فمذهبكم أن الحاكم يحكم بعلمه قلنا: فيدخل في قسم قوله تعالى:

(أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) إلى آخر الآية(٣).

(١) الأنبياء: ١١٢.

(٢) البقرة: ١٢٨.

(٣) البقرة: ٨٥.

٢٨٦

إن قيل: قولكم ولا نورث ما تركناه صدقة - بالنصب - بل ميراثا، لم يتأولهأحد قلنا: أوله أصحابنا فلا إجماع في غيره.

إن قيل: لو كان هذا التأويل صحيحا لم يكن لتخصيص الأنبياء بالذكرمزية إذ غيرهم كذلك قلنا: يجوز أن يريد إنما ننوي فيه الصدقة ونفرده، وإنلم نخرجه من أيدينا لا يناله وارثنا، وهذه مزية، مع أنه يجوز ترجيح الخاصبالذكر (كفاكهة ونخل ورمان(١)) وما يدريك أن يكون النبي صلى الله عليه وآله علم منحاله إنكار ميراثه، فأفرده بالذكر لهذه المزية.

إن قيل: إنما رويت (صدقة) بالرفع، وهو ينفي ذلك قلنا: إن أهلالرواية ما يجري في هذا المجرى، أو لعلهم نسوا واشتبه عليهم، فرفعوها على ظنهم.

قالوا: لم تنكر الأمة عليه فهو دليل على صوابه.

قلنا: قد سلف ذلك(٢) ولم تنكر الأمة عليها فهو دليل خطائه.

إن قيل: اكتفوا بإنكار أبي بكر عليها قلنا: إنها قامت على دعواها وعلىغصبها، ثم إن كان إنكاره كافيا لهم عن إنكارهم عليها، فإنكارها كاف لهم عن إنكارهمعليه، وقد سلف ذلك ولو دل ترك النكير على الصواب، دل تركه على صوابعمر في إنكار المتعتين، ولكان ترك النكير دليل صوابه في الجمع بين النقيضين أحدهماقوله في السقيفة (إن النبي قال: (الأئمة من قريش) وقوله في شكائه: إن سالمامع كونه عتيقا لامرأة - لو كان حيا لولاه، ويد الخلافة لا تطاولها يد.

إن قيل: فما بال عثمان مع كونه خليفة تطاول الأيدي إليه بما لا خفاء فيهقلنا: عثمان كان ضعيفا في نفسه، مستخفا بقدره، واستأثر بالأموال، فلم يكن لهمن المحبة ما للشيخين.

إن قيل: فإنكار نص القرآن أولى من أحداث عثمان؟ قلنا: اشتبه عليهمأن خبر الواحد يخص القرآن، فلم يظهر للرعية الجحدان، على أن أكثرها لاتعرف القرآن، ولا الحق بالبرهان، وإنما ذلك لقليل من أفراد الانسان.

(١) الرحمن: ٦٨.

(٢) في ص ٢٨٢ ص ٢٠.

٢٨٧

قالوا: شهد لأبي بكر بصحة الخبر عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعيد وابن عوف. قلنا: لم يعرف ذلك منهم إلا بطريق ضعيف، مع أنهم لحل الصدقة لهممتهمون، وإلى دنياهم مائلون.

إن قيل: فعلى هذا لا تقبل شهادة مسلمين بصدقة في تركة المسلمين. قلنا:

ليس في هذا إخراج أهل التركة منها، بخلاف ما نحن فيه، إذ يخرجون بتحريمالصدقة عليهم.

وفي هذا نظر إذ فيه قبول شهادة الانسان فيما يشارك.

قال: والعجب أن كل صف ممن خالفنا في الميراث يرد أحاديث مخالفه مماهو أصح إسنادا من رواية أبي بكر (لا نورث) فإذا صاروا إلى ميراث النبي خصواالكتاب بخبر لا يداني بعض ما ردوه.

قالوا: قال علي: ما حدث أحد بحديث إلا استحلفته، ولقد حدثني أبو بكروصدق، وفي هذا دليل صدقه في (لا نورث) قلنا: هذا كذب عندنا، وقد روته آحادكمفليس حجة علينا، على أنه لا يلزم من صدق أبي بكر في خبر صدقه في كل خبرحتى يصدق في (لا نورث) ويكون ترك استحلافه من حيث إن عليا سمعه منالنبي، لا لاستيمانه، هذا، ولما تولى عثمان أقطع فدك، وآوى عدو رسول اللهوطريده مروان، لما زوجه ابنته، فكأنه أولى من فاطمة وأولادها بإقطاعها، وقد قسم عمر خيبر على أزواج النبي لأجل ابنته وابنة صاحبه، أخرجه في جامعالأصول من طريقي البخاري ومسلم وأبو بكر شريك مدعي، شاهد جار، خصمحاكم.

إن قيل: لم يدع لنفسه بل بين ما سمعه قلنا: لما جاءت الصدقة له دونهمكان جارا لنفعه.

قالوا: لو شهد اثنان أن في التركة حقا وجب صرفها عن الإرث، فكذا هناقلنا: الأخبار لا تشبه الشهادة فإن كان ما ترك النبي صدقة فجميع المسلمين خصمهوإلا ففاطمة عندنا، وا؟؟ با خصمه، فلا يجدون لهم جوابا عن سؤاله: (كيف

٢٨٨

خلفتموني فيهم) سوى: آوينا من طردته، وأبعدنا وزوينا عن حقه من أوصيتهفعند ذلك إلى أشد العذاب يردون، فويل لهم مما كسبت أيديهم وويل لهم ممايكتبون.

قالوا: أبو بكر ما منع كتابيا حقه، فكيف فاطمة لو كان لها حق؟ قلنا: لميقع من الشحناء للكتابيين كما وقع لها ولأهلها، وقد ثبت بآية التطهير عصمتهاوأثنت (هل أتى) على صدق طويتها، وما ورد من قول أبيها في حقها، ودخولهافي العترة المأمون ضلالهم من تمسك بها.

فإن كان أبوها بحديث ما تركناه صدقة أعلمها، فلا فرية أعظم من ادعائهاأموال المسلمين وذلك يناقض ما تقدم فيها، وإن لم يكن عرفها فقد أغراها علىالفتنة والسقوط فيها، وفي ذلك وجوب النار له، وحاشاه منه، لما خرج من جامعالأصول عن الترمذي وأبي داود من قوله عليه السلام: إن الرجل ليعمل بطاعة الله ستينسنة، حتى يحضره الموت، فيضار في الوصية فتجب له النار، وأي ضرر أعظم من كتمذلك عن وصيه ووارثه، وسنذكر في ذلك زيادات في باب رد الشبهات.

قالوا: طلبت فدك تارة بالنحلة وتارة بالإرث، فإن وقع ذلك عمدا أو سهوامنها بطل عصمتها قلنا: لما أنكر النحلة عدلت إلى الميراث إلزاما له بالحجة، بأنالمسلم لو حاكم النصراني إلى جاثليقه فأبى أن يحكم له بشهادة المسلمين، واستشهدذميين، لم يكن طالبا لحقه من غير وجهه، ولا يتحظر عليه في أخذه، وقد أمر اللهالنبي أن يقاضي اليهود بالتوراة، مع أنها محرفة ليلزمهم فيها بالحجة.

وما أحسن قول البرقي في ذلك:


فلم يوار رسول الله في جدثحتى تعصب فرعون لهامان
واستخرجا فدكا منها وقد علمابأنها حقها حقا بتبيان
ولا أقول أبا بكر ولا زفرعلى الصواب وإن جاءوا ببرهان
فإن يقولوا أصابا فاليهود إذنبإرث داود أولى من سليمان
٢٨٩

تذنيب:

قال علي لأبي بكر: لو شهد العدول على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا؟

قال: أحدها، قال: إذن تخرج من الاسلام لأنك تركت شهادة الله لها بإذهابالرجس عنها، وصدقت الخلق بإثباته فيها، فقام من المجلس وترك عليا.

قالوا: لا يلزم من عصمتها أخذ مدعاها بغير بينة منها، لأن أباها مع نبوتهلا يحكم له بدون بينة قلنا: هذا يضحك الثكلى، فإذا لم يعرف كون البينة حجةإلا بقوله، فكيف لا يقبل قوله إلا ببينة، إن هذا لشئ عجاب.

تذنيب آخر:

أخبرنا المرزباني مسندا إلى قاسم الخياط غلام السيد الحميري قال:

حججت معه فلقينا الكميت فسلم عليه السيد وأعظمه وقال: أنت القائل:


ولا أقول وإن لم يعطيا فدكابنت النبي ولا ميراثه كفرا
الله أعلم ما ذا يأتيان بهيوم القيامة من عذر إذا حضرا

قال: أضعفت عن الحق يقول النبي: (فاطمة بضعة مني يريبني من أرابها)ويشهد لها علي وولداه وأم أيمن ولم يحكم لها والله يقول: (يرثني ويرث منآل يعقوب(١)) (وورث سليمان داود(٢)) ويجعلون هم سبب خلافة أبي بكر بشهادةابنته أن النبي قال: مر أبا بكر فليصل، ما تقول فيمن حلف بالطلاق أن فاطمة وشهودها ما قالوا إلا حقا؟ قال: يقيم على امرأته، قال: فلو حلف أنهم قالوا غيرالحق قال: طلقت امرأته قال: فانظر في أمرك قال: أنا تائب إلى الله من شكيفيما قلت.

تذنيب:

روي عن ابن عباس أنه دخل على أبي بكر رجل فسلم وقال: عزمت الحجفأتتني جارية وقالت لي أبلغك رسالة وهي أني: امرأة ضعيفه، وإني عائلة وكان

(١) مريم: ٦.

(٢) النمل: ١٦.

٢٩٠

لأبي أريضة جعلها لي تعينني على دهري فكنت أعيش منها، وأنا وزوجي وولديفلما توفي أبي انتزعها ولي البلد مني فصيرها في يد وكيله، واستغلها لنفسه وأطعم من شاء وحرمنيفقال أبو بكر: ليس له ذلك ولا كرامة، لأكتبن إليه ولأعذبن هذاالظلوم الغشوم، ولأعزلنه عن ولايتي، وقال عمر: لا تمهله وأنفذ إليه من ينكلبه، ويأتي به مكتوفا وأحسن أدبه على خيانته وفسقه، فقال أبو بكر: من هذاالوالي؟ وفي أي بلد؟ وما اسم المرمية بهذا المنكر.

فقال الرجل: نعوذ بالله من غضب الله، نعوذ بالله من مقت الله، وأي حاكمأجور وأظلم ممن ظلم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ثم خرج.

فقال أبو بكر لخدمه: ردوه، فقالوا: ما خرج علينا أحد وإن الباب لمغلقفقال عمر: لا يهولنك هذا، فربما يخيل إبليس علينا وعلى أمة محمد ليفتنهم، فقالأبو بكر لابن عباس: أعيذك بالله أن تسمع ما سمعت أحدا، فسمعنا هاتفا يقول:


يا من يسمى باسم لا يليق بهاعدل على آل يس الميامينا
أتجعل الخضر إبليسا فقد ذهبتبك المذاهب من رأي المضلينا
فتب إلى الله مما قد ركبت بهآل النبي ودع ظلم الوليينا
فالله يشهد أن الحق حقهملاحق تيم ولا حق المخلينا

فأجابه آخر.


عدلت أخا تيم على كل ظالموجرت على آل النبي محمد
وأغنيت تيما مع عدي وزهرةوأفقرت غرا من سلالة أحمد
أفي فدك شك بأن محمداحباها لها من دون تيم بمشهد
علي وسلمان ومقداد منها؟وجندب مع عمار في وسط مسجد
وأشهدنا والناس أن تراثهلفاطم من دون البعيد المبعد
فنحن شهود يوم لكفى محمدابظلمكم آل النبي المسدد
فلا زلت ملعونا يمسك سخطهولا زلت مخذولا عظيم التلدد
٢٩١
٢٩٢

أبو بكر فدكا بمجرد طلبها، قلنا: طلب الخادم نافلة من أبيها، وطلب فدك بمستحقهافلا يقاس عليها، ولو منعها ذلك استهانة بها، لوجب منعها من جميع حقوقها، ولميتجرء مسلم بذلك عليها، وأي عوض جعله الشيخ لها عند منعها، كما جعله أبوهاإذ ناهيك شرفا وفضلا مشاركتها إلى القيامة من ثواب من أتى بتسبيحها.

قالوا: قلتم إنما منعها كيلا ينتفع بها بعلها كيف ذلك وقد أعطوه من غنيمةعساكرهم قطعة من بساط كسرى باعها بعشرين ألفا.

قلنا: ظاهر منعها عدم انتفاع أهل البيت بها لتمالئهم عليها، وانحرافهم عنهاوعن أهلها، وإقطاع ذلك مروان دونها، مع كونه عدوا لأبيها، وكان الواجبصلتها بها، وإن لم يكن ملكها تقربا إلى أبيها وربها، وإعطاء البساط إن صحلم يناف ما قلناه لكونه حقه إذ الأمر والإمارة له، ولو أمكن منعه لشبهة لفعلوهاكغيرها إذ كل الأمور لا يمكن التلبيس فيها، والعساكر للاسلام لا لأولئك اللئاموقد أخرج البخاري قوله عليه السلام: إن الله ينتصر لهذا الدين بالرجل الفاجر.

قالوا: قلتم غضبت لذلك عليهما، ودفنت ليلا لئلا يصليان عليها لتمنعهماغفران ذنبيهما كيف نسبتم إلى علي ذلك وفيه منع الدعاء لها بالصلاة عليها، ومنعغفران ذنوب الصحابة بتركها، وهل يكون عليا إلا مناعا للخير عنهم وعنها.

قلنا: أما غضبها فقد صار من الأوليات لما جاء من الخائنين في الروايات فقدأخرج في جامع الأصول وحكاه عن مسلم والبخاري عن عائشة مجيئها تلتمس أرضهاوميراثها، فردها أبو بكر بلا نورث، وهجرته حتى ماتت ودفنها علي ليلا ولميؤذنه بها وفي بعض الطرق أنه عتب فقال: بذلك أمرتني على أنه لا حجة في دفنهاليلا لدفن النبي وابن عمر وغيرهما ليلا وقد أسند عيسى بن مهران إلى ابن عباسأنها أوصت أن لا يعلمهما بدفنها، ولا يصليان عليها، رواه الواقدي وغيره، وهذاونحوه دليل غضبها عليهما.

وفي البخاري (من أغضبها فقد أغضبني) وفي مسلم (يريبني ما أرابها ويؤذينيما آذاها) ورووا جميعا أنه عليه السلام قال: إن الله يغضب لغضبها، وقد قال الله تعالى:

٢٩٣

(إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة)(١) ولهذا قالت لهما:

أنشد كما الله هل سمعتما النبي يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي؟

من أرضاها فقد أرضاني، ومن أسخطها فقد أسخطني؟ قالا: نعم قالت: أشهد اللهوملائكته أنكما قد أسخطتماني فبكى أبو بكر وهي تقول: والله لأدعون عليك فيكل صلاة.

قولهم: منعها الدعاء قلنا: ليس كل دعاء مقبول، وقد يدعو عليها في صلاتهويتشفى بها في حضوره، كما قصد أذاها مرارا في حياتها، فيكون عليا بذلكمناعا للشر عنها، وقد منع الله غير المستحقين من جنات النعيم، فكذا أمير المؤمنينليس بمناع للخير معتد أثيم.

قالوا: ليس في ردها بالحق أذى لها قلنا: وأي حق أوجب ردها، بعدنزول آية التطهير فيها، وثبوت عصمتها الموجبة لصدق دعواها، وأن النبي يغضبلغضبها، ويستحيل غضبه بغير الحق لها، وقد أورد العلماء حديث (يريبني ما أرابها)في جملة مناقبها.

قالوا: حديث (يؤذيني ما آذاها) إنما قال النبي لعلي عند خطبته لعنتأبي جهل بن هشام قلنا: لا صحة لهذا الحديث فإنه من وضع الكرابيسي وهو مشهورلأهل البيت بعداوتهم، والازراء على فضائلهم، ويشهد بكذبه إنكار النبي جهات الحلالأربع الذي جاء به ولو فرض أنه نفر عن إغارة ابنته بطبعه، لأنكر عليه سراوتكلم في العدول عنه خفيا لما وصفه الرب الحكيم في قوله: (وإنك لعلى خلقعظيم)(٢)وهذا المأمون لما أنكح الجواد ابنته فتزوج عليها، كتبت بذلك إلى أبيهافأجابها منكرا عليها: إنا ما أنكحناه لنحظر ما أحله الله، وليس للمأمون ولا لغيرهما كان للنبي في احتماله وغيره(٣) وليس في الخطبة وصمة لعلي توازي النقيصة في

(١) الأحزاب: ٥٧.

(٢) القلم: ٤.

(٣) يعني الغيرة بمعنى الآنفة والحمية.

٢٩٤

إنكار النبي، وقد اتفق النقلة على أن الله اختار عليا لها، وزوجه في السماء بهاولا يختار لها من يغيرها ويغمها، على أن ما ثبت من عصمتها يرفع الغم بذلك عنهاعلى أنه لم يعهد إليه من علي الإقدام على ما يكره النبي، ولو كان الخبر صحيحالعنون به بنو أمية في العيب عليه، ولضموه إلى ما يتخر صونه من العيوب فيه، ولميتنبه القائل به لما فيه من ذم نبيه، وقد أورد فيه الفاجر قول النبي: (لا تستويبنت مؤمن ولا كافر) وقد استوى عند النبي ذلك وهو ظاهر.

تذنيب:

قد سلف الكلام في تأدية براءة وما فيها في الباب التاسع فليراجع منه.

ومنها، ما رواه مسلم في صحيحه على حد ثلاث كراريس أنه لما بعثت فاطمةتطلب إرثها وحقها من فدك ومن خمس خيبر لم يعطها شيئا، وأقسم أن لا يغيرشيئا من صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد غير ذلك وحنث في يمينه.

ففي الجمع بين الصحيحين في الحديث الثالث أن النبي صلى الله عليه وآله ما كان يعطيبني نوفل، وبني عبد شمس من خمس خيبر شيئا، وكان أبو بكر يقسم نحو قسمالنبي غير أنه ما كان يعطي قرابة النبي صلى الله عليه وآله كما كان النبي يعطيهم، قال ابنشهاب: وكان عمر يعطيهم وعثمان بعده.

ومنها: ما ذكره الطبري في تاريخه والبلاذري في أنساب الأشرف والسمعاني في الفضائل(١) وأبو عبيدة من قوله على المنبر حين بويع: أقيلوني لست بخيركموعلي فيكم، وهذا يدل على أنه ليس خليفة رسول الله، وإلا فمن يقيله مع إنفاذكتبه بذلك إلى الآفاق والولاة، حتى روي أن أباه نقض عليه ما أملاه، وكانالواجب أن يكتب من خليفة عمر لأنه أول من بايعه وتولاه، وفي قوله: (لستبخيركم) تكذيب لما رووه من قول النبي صلى الله عليه وآله ما طلعت الشمس وما غربت على

(١) ورواه في الصواعق المحرقة ص ٣٠ ولفظه (أقيلوني أقيلوني لست بخيركم) و وفيالإمامة والسياسة: (لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي).

٢٩٥

أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر، فكان يحسن منه تكذيب النبي صلى الله عليه وآله.

قالوا: قال ذلك تواضعا كقول النبي صلى الله عليه وآله: (لا تفضلوني على يونس)مع أنه أفضل منه ومن غيره.

قلنا: قياس باطل لأن النهي إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، بخلاف الجبر؟

وحينئذ نقول: إذا كان صادقا لم يصلح للإمامة، وإن كان كاذبا فكذلك، فالعذربالتواضع فاضح غير واضح.

ثم نقول: إن كانت الإقالة محرمة فطلبها معصية، وإن كانت جائزة فما بالعثمان لما طلبوا خلعه اختار القتل دونها، وقد أبيحت كلمة الكفر وغيرها منالمحرمات عند الخوف على النفس، فالخلع عنده أعظم من الكفر والقتل، وأبو بكردعا إلى الخلع فكل منه ومن عثمان يكفر الآخر التزاما.

على أن الاختيار كان إلى الأمة في؟ معنى لطلبها خلع عثمان، بل لها عزلهوإن كان إلى الإمام فلا معنى لطلب الآخر الإقالة، بل له عزل نفسه.

قالوا: نبه بذلك على أنه لا يبالي بخروج الأمر عنه قلنا: ظاهره الإقالةفلا يعدل عنه بغير دليل، ولو أراد غيره لقال: ما أكرهتكم على بيعتي ولا أبالي أنلا يكون هذا الأمر لي، وما أحسن ما قال في ذلك الجزري:


قال أقيلوني فما أقالهالثاني فأي الرجلين أظلم
مهدها لغيره في نفسهبالله ما يفعل هذا مسلم

وقد ذكرنا طرفا في آخر باب النصوص من الرسول صلى الله عليه وآله.

تذنيب:

سبب طلبه ما رواه أبان ابن عثمان عن ابن عباس أن عليا احتج عليه بمناقبهفنام فرأى النبي صلى الله عليه وآله في منامه، فسلم فأعرض بوجهه، وأمره أن يرد الحق إلىأهله، فصعد المنبر وبدأ في تفسير منامه، فقام الثاني وقال: ما دهاك؟ والله لا أقلناكفرد عزمه، وسيأتي ذلك تاما في باب المجادلة.

٢٩٦

ومنها قوله على منبر المدينة: (أعينوني وقوموني)(١) رواه القاسم بن سلامعن هشام ومن المعلوم أن المحتاج إلى الرعية أحوج إلى الإمام وأين ذلك منقول علي عليه السلام: (سلوني قبل أن تفقدوني) أورده شارح المصابيح وغيره.

قالوا: كان تحت منبره الرعية والجهال فأراد إرشادهم بالسؤال، وأبو بكركان تحت منبره علماء الأمة وصدورها، فأراد بذلك استمالة قلوبهم، لا ليستفيدمنهم، ولم يخالفوه.

قلنا: قد ذكر سائر المؤرخين أنه كان عند علي أكابر الصحابة كأبي أيوبوابن عباس وخزيمة وعمار وعدي وعثمان ابن حنيف وغيرهم.

قولهم: (لا يستفيد منهم) منقوض بما أخرجه الترمذي أنه لم يعرف ميراثالجدة، حتى شهد له ابن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلى الله عليه وآله أعطاها السدس، ونمنع عدم المخالفة بما في كتبهم عن علي (إن القوم استضعفوني) وقول أبي بكر:

(ليتني كنت تركت بيت فاطمة)(٢) وقول فاطمة له، كما رواه ابن قتيبة وغيره فأيمخالفة أعظم منه، هذه ومثلها لمن تأملها.

ومنها: ما رواه الواقدي من قول أبي بكر: قد علمت أني داخل النار أو واردهافليت شعري هل أخرج منها أم لا؟ ومن يرمي بنفسه بهذه الطامة كيف يصلح للإمامةالعامة؟ وأين ذلك من قول علي بعد ضربة ابن ملجم: فزت والله، وقال للحسنما يرى أبوك سوءا بعد اليوم، وقال لما بكته أم كلثوم: هذه الملائكة والنبيونيقولون: يا علي انطلق فما أمامك خير لك مما أنت فيه.

ومنها: أنه تخلف عن جيش أسامة مع تكرير النبي الأمر بتجهيزه، ولعنهالمتخلف عنه، فقد أخرج الطبري في المسترشد أن جماعة من الصحابة كرهوا تأمير

(١) راجع تاريخ الطبري ج ٣ ص ٢١٠، الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٦ وهكذا سيرةابن هشام ج ٢ ص ٦٦١(٢) رواه الطبري في تاريخه ج ٤ ص ٣؟.

٢٩٧

أسامة فبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك، فخطب وأوصى به، ثم دخل بيته وجاء المسلمونيودعونه ويلحقون بأسامة، وفيهم أبو بكر وعمر والنبي يقول: أنفدوا جيش أسامةفلما بلغ الجرف بعثت أم أسامة وهي أم أيمن أن النبي صلى الله عليه وآله يموت، فاضطربالقوم وامتنعوا عليه، ولم ينفذوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله ثم بايعوا لأبي بكر قبل دفنهفادعى القوم أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة.

فحدث الواقدي عن ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة أن أبيه قال: كانفيهم أبو بكر، وحدث أيضا مثله عن محمد بن عبد الله بن عمر وذكره البلاذري فيتاريخه والزهري وهلال بن عامر ومحمد بن إسحاق وجابر عن الباقر عليه السلامومحمد بن أسامة عن أبيه ونقلت الرواة أنهما كانا في حالة خلافتهما يسلمان علىأسامة بالإمرة.

وفي كتاب العقد اختصم أسامة وابن عثمان في حائط فافتخر ابن عثمان فقالأسامة: أنا أمير على أبيك وصاحبيه، فإياي تفاخر؟ ولما بعث أبو بكر إلى أسامةأنه خليفة، قال: أنا ومن معي ما وليناك أمرنا، ولم يعزلني رسول الله عنكماوأنت وصاحبك بغير إذني رجعتما، وما خفي على النبي صلى الله عليه وآله موضع وقد ولىعليكما، ولم يولكما.

فهم الأول أن يخلع نفسه فنهاه الثاني فرجع أسامة ووقف بباب المسجدوصاح: يا معشر المسلمين عجبا لرجل استعملني عليه فتأمر علي وعزلني، ولوفرض أنهما لم يكونا فيه، أليس قد عطلاه بعدم تنفيذه، وعصيا أمر النبي صلى الله عليه وآلهبتنفيذه قال الحميري:


أسامة عبد بني هاشمومولى عتيق ومولى زفر
لقد فضل الله ذاك بن زيدبفضل الولاء له إذ شكر
على زفر وعتيق كمارواه لنا فيهما من حضر
ولو كان دونهما لم يكنليرجع فوقهما في الخبر
فصيره لهما قائدافقالا له قد سئمنا السفر

٢٩٨

وقال عتيق ألا يا زفريكلفنا الغزو بعد الكبر
فولا وماتا جميعا ولميطيعا أسامة فيما أمر

وأنشأ الناشي والعوني، وابن الحجاج، وديك الجن، والنمري، والجزري أشعارهم في ذلك.

إن قيل: لو كانا فيها ورجعا لأنكروا عليهما، قلنا: كان الحال وهو موتالنبي صلى الله عليه وآله يمنع الانكار عليهما أولم يعرف الكل الأمر بالكون فيه، أو جوزواأن أسامة ردهما أو عاند بعض لغرضه في رجوعهما.

قال الجاحظ: لو جهد أحد على حديث أن أبا بكر كان في جيش أسامة لميجده قلنا: ذكره منهم من لا يتهم عن البلاذري وأسند أبو بكر الجوهري في كتابالسقيفة أن أبا بكر وعمر كانا فيه وقد سلف.

قالوا: خطابه بالتنفيذ إنما هو لأسامة، لأنه الأمير قلنا: الأمر الفوريبالانفاذ يتضمن الأمر بخروج كل شخص إذ لا يتم الجيش بدونه، على أن لفظةأنفذوا تدل على الجميع.

قالوا: الأمر بالتنفيذ لا بد من شرطه بالمصلحة قلنا: إطلاق الأمر يمتنع منهذا الشرط، ولو كان كذلك لسرى في جميع أوامر الله، فإنها تابعة للمصلحة لأنهالا تفعل حتى يحضر المصلحة.

إن قالوا: حروبه عليه السلام بالاجتهاد فجازت مخالفتها لمصلحة قلنا: لا فإنأعظم تعلقها بالدين، ولو جاز الاجتهاد فيها جاز في الأحكام كلها فساغت المخالفةفي جميعها.

قالوا: ترك علي المحاربة لمصلحة مع أمر الله بها قلنا: إنما ترك لفقد القدرةأما الخروج في الجيش فقد كان فيه قدرة.

إن قالوا: رجع ليختاره النبي صلى الله عليه وآله للإمامة قلنا: خروجه لا يمنع النبيمن اختياره، وأيضا فلم لم يخرج بعد البيعة له وقد زعمتم أن النبي صلى الله عليه وآله أمرهبالصلاة كيف ذلك وقد كان بروايتكم في جيش أسامة، وقد علم النبي موت نفسه

٢٩٩

ونعاها قبل ذلك بشهر، كما رواه الواقدي عن عبد الواحد بن أبي عون فكذلكأخرج أبو بكر ومن خافه على تبديل أمره في جيش أسامة وقد ذكر أبو هاشم المغربيفي كتابه الذي سماه الجامع الصغير أن أبا بكر استرجع عمر من جيش أسامة وقدكان في أصحابه.

ومنها: كذبه على رسول الله صلى الله عليه وآله بتسمية نفسه خليفة وكتب إلى الأطرافمن خليفة رسول الله مع إجماعهم على أنه عليه السلام لم يستخلف، وإنما ثبتت إمامتهببيعة عمر له، ورضى أربعة، فكان الصحيح أن يكتب من خليفة عمر لأنه المستخلفله، فقد ذكر المبرد في كامله أنه حين أوصى إلى عمر كتب (هذا ما عهد أبو بكر خليفةرسول الله أني استعملت عليكم عمر بن الخطاب) وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: من كذبعلي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، فهذه الفرية خاتمة عمله والأعمال بخواتيهما.

قال ابن حماد:


قالوا أبا بكر خليفة أحمدكذبوا عليه ومنزل القرآن
ما كان تيمي له بخليفةبل كان ذاك خليفة الشيطان

تذنيب:

أخرج الغزالي في الإحياء عن زيد بن أسلم قال: دخل الثاني على الأول وهو يجيل لسانه وفي موضع آخر ينضنض بلسانه فقال: هذا أوردني الموارد.

وفي تنفيس الكرابيسي وزهرة البستي ومواعظ الكرامي أن الأول قالعند موته يا ليتني كنت طيرا في القفار آكل من الثمار، وأشرب من الأنهار، وآويإلى الأشجار، ولم أول على الناس، فدخل عليه الثاني فقال: هذا أوردني الموارد.

وقد اشتهر أنه قال: يا ليتني كنت تبنة في لبنة، أو شعرة في صدر مؤمن، وسيأتيمن الثاني نحو ذلك في بابه.

وحدث الحسين بن كثير عن أبيه قال: دخل محمد بن أبي بكر على أبيه وهويتلو شيئا فقال: ما حالك؟ قال مظلمة ابن أبي طالب فلو استحللته، فقال؟ لعلي

٣٠٠