×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج2) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فمن أراد المدينة فليأت الباب) فقد فعلت كما أمر صلى الله عليه وآله.

وسبب الحديث ما حكاه ابن طلحة عن بعض الشافعية أنه وجد بخطه أنأعرابيا قال للنبي صلى الله عليه وآله (طمش طاح فغادر شبلا لمن النشب)؟ فقال عليه السلام النشبللشبل مميطا فدخل علي عليه السلام فذكر له النبي لفظ الأعرابي فأجاب بما أجابالنبي صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام (أنا مدينة العلم وعلي بابها.)فائدة: ليس في قوله صلى الله عليه وآله (من أراد المدينة فليأت الباب) تخيير بل هو إيجابوتهديد، مثل قوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)(١) ودليل الايجاب أنه ليسبعد النبي صلى الله عليه وآله نبي آخر حتى يكون المكلف مخيرا في الأخذ عنه، وعن عليعليه السلام، فمن أخذ علما من غير الباب فهو سارق غاصب.

وقد أسند ابن بابويه إلى الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآلهمن دان بغير سماع ألزمه الله التيه إلى الفناء، ومن دان بسماع من غير الباب الذيفتحه الله لخلقه فهو مشرك، والمأمون على وحي الله محمد وآله، والآل علي وأولادهالمعصومون، لحديث (مدينة العلم) ولما رواه الطوسي عن الصادق عليه السلام كانأمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتي إلا منه، وسبيله الذي من تمسك بغيره هلككذلك جرى حكم الأئمة بعده واحد بعد واحد، ولنعم ما قال البشنوي:


فمدينة العلم الذي هو بابهاأضحى قسيم النار يوم مآبه
فعدوه أشقى البرية في لظىووليه المحبور يوم حسابه

قال المخالف: (وعلي بابها) أي بابها علي، قلنا تأويل بالهوى، لم ينقلهذي هدى ويبطله ما أخرجه ابن المغازلي في المناقب من قوله عليه السلام (أنا مدينةالعلم وأنت الباب، كذب من زعم يصل إلى المدينة إلا من الباب) وقال ابن المغازليفي كتابه أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله فلما صرت بين يدي ربي، ناجاني فما علمني شيئاإلا وعلمته عليا فهو باب علم مدينتي، وعلى هذا الحديث إجماع الأمة.

روي عن جابر بطريق، وعن أم سلمة بطريق، وعن علي بطريقين، وعن

(١) الكهف: ١٨.

٢١

ابن عباس بطريقين، ورواه الخطيب ويحيى بثلاث طرق، وابن شاهين بأربعة، والجعابي بخمسة، وابن بطة بستة والثقفي بسبعة، وأحمد بثمانية، ورواه ابن جبرفي نخبه، والمفيد في إرشاده، وابن بابويه في نصوصه، وأخرجه صاحب المصابيحوصاحب المستدرك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجه البخاري ومسلم.

قال: في الحديث زيادة هي أن أبا بكر وعمر وعثمان حيطانها وأركانها، وظاهر فضل الحائط الملا، على الباب الخلا. قلت: الزيادة مكذوبة، ويكفي الثلاثةعلى تقدير صحتها كونهم حائلين بين العلم والناس، وعلى الموصوف بمشرعته وبابه، من دخله كان آمنا من الزيغ برفع حجابه.

قالوا: لا رجحان لعلي بذلك، لقول النبي صلى الله عليه وآله: أصحابي كالنجوم بأيهماقتديتم اهتديتم.

قلنا: إثبات الاهتداء بهم لا يدل على نفي زيادة علي عليه السلام عليهم، كالأنبياءالسابقين، ولما أخرجه أبو نعيم في حليته من قول سيد المرسلين في أمير المؤمنين عليه السلامقسمت الحكمة عشرة أجزاء أعطي علي عليه السلام تسعة وأعطي الناس كلهم واحدا، معأن منهم الناكثون والقاسطون والمارقون، وقد عرف ما جاء في حقهم، فيلزم كونالاقتداء بمن يمرق من الدين اهتداء، وقد أجمع من الصحابة خلق على قتل عثمانفإن كان صوابا كفاه خزيا، وإن كان خطأ كان الاقتداء بهم اعتداء لا اهتداء، وقدعرفت إيضاحه لمشكلات أعجزت غيره، وتحير فيها من تقدمه.

ومنها: قصة الأرغفة والمسألة الدينارية، وعلم زنة قيد العبد قبل فكهوقد سلف ذلك ونحوه في الفصل التاسع عشر من باب فضائله(١) وغير ذلك من عجائبه.


فإن قلت إنهم كالنجومفنور علي هو الأزهر
ولا ريب في فضلهم جملةوبينهم رتب تبصر
فإن مدح المصطفى صحبهفمدح علي هو الأظهر

(١) راجع: ج ١ ص ٣٢٣ و ٣٢٤.

٢٢

فكيف يفضل مفضولهويدفع عن حقه حيدر

قالوا: لو سلمت الأعلمية لجاز أن يكون الإمامة العظمى للمفضول فيها كماكانت الرياسة العامة لموسى والخضر أعلم منه، والهدهد في رعية سليمان واستفادمنه وأصاب سليمان في حكم الحرث دون أبيه وولى عمر عليا على قضاء المدينة حينخرج إلى العراق وهو عندكم أعلم منه.

قلنا: لا عموم لرياسة موسى لقصور دعوته على بني إسرائيل، وقد قيل إنالخضر عليه السلام كان نبيا وقيل كان ملكا.

وقد أخرج البخاري عن البكالي أن موسى المذكور غير موسى بني إسرائيلوقد جاء في التفسير أنه لما لقي موسى، قال: علمني الله ما لا تعلم، وعلمك ما لاأعلم، فجاز أن يعلم الخضر ما لا يتعلق بالأداء، ويكون موسى أعلم منه بما يتعلقبالأداء، وأما الهدهد فلا شك أنه إلهام لا اكتساب، فلله أن يخص به منيشاء، ولم يدع أحد أن النبي صلى الله عليه وآله يعلم الغيب إلا بالإعلام فضلا عن الإمامولم يستدل عاقل بـ (- هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون(١)) على أنسليمان لا يستوي بالهدهد، وحكم سليمان عليه السلام كان ناسخا لحكم داود كما قالالجبائي لا أن داود عليه السلام أخطأ، ولا نسلم أن سليمان في ذلك الوقت كان في رعيةأبيه لقوله تعالى (كلا آتينا حكما وعلما(٢)) وظاهره أن الحكم النبوة.

وقولهم ولى عمر عليا قلنا: إن صح فلعلي التوصل بما أمكن إلى حقهإذ يجب عليه إقامة شرع نبيه، وقد تولى يوسف الطاهر الفاضل من قبل العزيزالكافر الجاهل، وقد تولت القضاة من قبل الظلمة فلا فرح للمخالف في هذه الكلمةوقد رجع إليه عمر عن خطائه في مواضع كما في المجنونة التي أراد أن يحدها علىالزنا، فقال له علي: أما علمت أن القلم رفع عن المجنون، على ما أخرجه البخاري.

فاعتذر له الرازي بعدم علمه بالجنون قلنا: هذا ساقط بأنه عرفه بما

(١) الزمر: ٩.

(٢) الأنبياء: ٧٩.

٢٣

يترتب على المجنون ولم يعرفه بنفس الجنون. وقد أخرج ابن المغازلي أن رجلاسأل معاوية فقال سل عليا فإنه أعلم مني، قال أنت أحب إلي قال: بئس ماقلت، لقد كرهت من كان النبي يغره العلم غرا، ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنهثم قال له قم، ومحى اسمه عن ديوان العطاء.

وقولهم: لا نسلم أن الأعلمية توجب الإمامة قلنا: هذا خلاف ما ذكرتمأن فقهاء المذاهب الأربعة نصوا على استحقاق الأعلم، ومع ذلك نقول لهم: إنعنيتم بالاستحقاق على سبيل الوجوب، فقد خالفتم مذهبكم، إذ لا وجوب للإمامةعندكم، وإن قلتم على الوجوب بطل احتجاجكم.

قالوا: رجع علي في مسألة المذي إلى غيره، فالغير أعلم منه، قلنا: ذلكالغير هو النبي صلى الله عليه وآله فإنه سأله بواسطة وهو حاضر يسمعه حياء منه لمكان فاطمةكما أخرجه البخاري وغيره.

قالوا: خولف علي في الفروع مثل بيع أمهات الأولاد، قلنا: ذلك جرأةمن المخالف على من دعا النبي صلى الله عليه وآله له بإدارة الحق معه، والمخالف له لم يوجبخطأه، وإلا لكان النبي صلى الله عليه وآله مخطئا حيث خالفه عمر وجماعة في منع الكتاب.

وقد خالف أبو حنيفة النبي صلى الله عليه وآله في مواضع وقال لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله فيزماني لأخذ بكثير من أقوالي ذكره ابن الجوزي في المنتظم، ولما نقل الغزاليما قال الناس في مثالب الثلاثة، قال: أما علي فلم يقل فيه ذو تحصيل شيئا.

ومنها: ما أسنده الحافظ في الحلية من قول النبي صلى الله عليه وآله لأبي برزة: إنالله عهد إلي في علي عهدا: إنه راية الهدى، ومنار الإيمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني، وصاحب رايتي في القيامة، وأميني على مفاتيح خزائن ربيوهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أطاعه أطاعني، ومن أحبه أحبني، ومنأبغضه أبغضني، وقد سلف نحو هذه.

وقد نظم الضعيف مصنف هذا الكتاب اللطيف نحو هذه في معاني الحديثالظريف بما قيل لبعض الفضلاء: لم عدلت عن النثر إلى النظم فقال: لم يحفظ؟ س من

٢٤

النظم عشرة ولم يحفظ من النثر عشرة، وقد أشار الشيخ تاج الدين بن راشد فيقوله:


والنظم أولى بقبول الذهنله وأحلى موقفا في الأذن

فقلت:


قد أسند الحافظ في حليتهقول النبي في علي مستطر
عهد من الله إلي قد أتىبأنه منار ديني المفتخر
وأنه إمام أوليائهونور من أطاعه من البشر
وحامل الراية في العرض وقدأمنته على المفاتيح الغرر
وأنه كلمة الله التيألزمها للمتقين في الأثر
وأن من أحبه أحبهوعكسه كذا أتى به الخبر
عن رجل ليس بذي حميةلأنه يولي عتيقا وعمر

ومنها: لما نزلت (إنما المؤمنون إخوة(١)) ونزلت (إخوانا على سررمتقابلين(٢)) قال جبرائيل: هم أصحابك يا محمد، أمرك الله تعالى أن تواخي بينهمفي الأرض كما وآخى الله بينهم في السماء، فقلت: إني لا أعرفهم قال: أنا قائمبإزائك كلما أقمت مؤمنا قلت لك أقم فلانا فإنه مؤمن وكلما أقمت كافرا قلتلك أقم فلانا فإنه كافر، فواخ بينهمافلما فعل ذلك ضج المنافقون فأنزل الله تعالى (ما كان الله ليذر المؤمنينعلى ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب(٣)) فحزن علي عليه السلام إذ أخرهبأمر جبرائيل فأنزل الله تعالى إليه إنما خبأته لك، وآخيت بينكما في السماء والأرض، فقام النبي صلى الله عليه وآله وذكر لنفسه مزايا وذكر لعلي نحوها ليدل بها على

(١) الحجرات: ١٠.

(٢) الحجر: ٤٧.

(٣) آل عمران: ١٧٩.

٢٥

عظيم منزلته، فإنه مستحق خلافته، أوردها محمد بن جعفر المشهدي في كتاب مااتفق من الأخبار حذفناها طلبا للاختصار، وهذه المواخاة أدل على الفضل منمواخاة النسب، لأن الكافر قد يكون أخو المؤمن من النسب، وفي هذه المماثلةمن الأوصاف (ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها(١)) (يا أخت هارون(٢))ولم يكن بينهما نسب كما ذكر ذلك جماعة من المفسرين، وأسند ابن حنبل وابنالمغازلي أن النبي صلى الله عليه وآله رأى في الإسراء على باب الجنة (محمد رسول الله علي أخورسول الله) ورواه في الجزء الثالث من الجمع بين الصحيحين من صحيح أبي داود وصحيح الترمذي.

فانظر إلى مرتبته حيث أمر الله نبيه بالمواخاة بين صحابته، فلم يجد فيهمغير علي يصلح لأخوته، لأنه نظيره في النسب وصراحته، وفي آية التطهير المفوهةبعصمته، وفي آية (إنما وليكم الله(٣)) المبينة لإمامته، وفي كونه منه في حديثسورة براءة وتأديته، وفي قوله تعالى: (قل تعالوا ندع(٤)) يوم المباهلة، وفياستطراق مسجده جنبا وفتح باب سدته.

شعر:


آخا النبي عليا والأخوة لاتدعوا سوى المثل عند الضرب للمثل

وقد تمدح به علي عليه السلام في قوله:


ومن حين آخا بين من كان حاضرادعاني وآخاني وبين من فضلي

وقد علم كل ذكي أن من تقدم على علي فقد تقدم على نظيره أي النبيصلى الله عليه وآله.

(١) الزخرف: ٤٨.

(٢) مريم: ٢٨.

(٣) المائدة: ٥٥.

(٤) آل عمران: ٦١.

٢٦

نكتة:

قيل لابن بابويه: أتفضل عليا على أبي بكر؟ قال: لا، قيل: أتفضل أبا بكرعلى علي؟ قال: لا، قيل: فلا تفاضل بينهما؟ قال: نعم، قيل: وكيف تقول؟

قال: الأشياء إما أضداد، وظاهر أنه لا تفاضل بينهما، أو أشباه وأمثال، وأبو بكرلا يشابه عليا، لما علم من مساواته للنبي صلى الله عليه وآله حين واخاه.

وحديث المواخاة له قد اتفق الفريقان على صحته وقد أورده شارح المصابيحفي مناقبه، والترمذي في صحيحه، وابن حنبل في مواضع بطرق مختلفة في مسندهوالبلاذري والسلامي وأبو عمرو القاضي، وابن بطة من طرق ستة، والقطانفي تفسيره، وذكره الحسن ووكيع، وأبو داود في سننه، والثعلبي في تفسيره، وفي الجزء الثالث من الجمع بين الصحاح الستة لرزين العبدي وهذه تبطل ما رووهمن قوله: (ادعوا إلي أخي وصاحبي(١)).

وذكره أيضا ابن المغازلي الشافعي في مناقبه وفي بعضها أنه عليه السلام أرقاهالمنبر وقال: اللهم إن هذا مني وأنا منه، ألا إنه بمنزلة هارون من موسى، ألامن كنت مولاه فهذا علي مولاه. فبخبخ الثاني واعترف بأنه مولاه، ثم أنكرالمواخاة يوم طلبه للبيعة، فأبى، فقال: نقتلك، فقال: إذن تقتلوا عبد الله وأخورسول الله، قال: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسول الله فلا.

وقد جرى الأعور الواسطي على سنة إمامه الغوي، ولو أمكن إنكار هذاالحديث القوي، أمكن هدم أحكام شريعة النبي، وما احتج به أن النبي صلى الله عليه وآلهلم يواخ إلا بين المهاجرين والأنصار للتأليف بينهما، فلا فائدة في مواخاته لعليفاسد بما أنه آخا بين أبي بكر وعمر، وكل منهما مهاجري.

قالوا: الاحتجاج بطرقنا لا ينفعكم لفسق رجالنا عندكم، والاحتجاج بطرقكملا تضرنا لكونكم خصومنا قلنا: هذه الطريقة تسد باب الاحتجاج بالأحاديث منالجانبين، والحق أن ما نذكره من طرقكم إنما هو إلزام لكم، ويعز عليكم

(١) يريدون أبا بكر بن أبي قحافة.

٢٧

أن تذكروا من طرقنا ما هو إلزام لنا.

قالوا: روينا في أئمتنا ما يوافق مذهبنا، فنحن آمنا بالكل، وأنتم بالبعضفكنتم كما قال الله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض(١)) الآيةقلنا: إذا رويتم ما يوافقكم ويخالفكم، وجب الأخذ بالمجمع عليه، وإلا اجتمعالنقيضان، وليس ذلك من باب الإيمان ببعض، بل هو من قبيل (يستمعون القولفيتبعون أحسنه(٢)) قال مؤلف الكتاب في هذا الباب:


واخاه من بين الصحابة كلهموالأقربين وليس ذاك بخاف
فمن اعتراه الشك فيه فخارقالاجماع حيث أتى بغير خلاف
قد صار يوسف خارجا عن ملةالاسلام إذ قذفوه بالاعساف
فعليه لعن الله ثم رسولهوالمؤمنون وذا من الإنصاف

ومنها ما أورده الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل وقد ادعىإجماع المسلمين عليه في رواية ابن عباس لما نزل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوااتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة(٣)) قال النبي صلى الله عليه وآله: من ظلمعليا مقعده هذا بعدي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء من قبلي، وأسنده ابنالسراج في كتابه إلى ابن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وآله حتى قيل له: فكيف وليتالظالمين؟ وسمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: حلت عقوبته علي لأني لم أستأذنإمامي كما استأذنه جندب وعمار وسلمان، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه.

ولو لم يكن لنا في تعيين علي للخلافة وفي نفي غيره كافة سوى هذا الحديثلكفى وشفى، فإنه الكحلة الواحدة التي تزيل العمى، وتقمع العدا، والشربةالرائقة التي تذهب الظمأ، وتنقع الصدا، ولها بحمد الله نظائر من الآيات المحكمات

(١) البقرة: ٨٥.

(٢) الزمر: ١٨.

(٣) الأنفال: ٢٥.

٢٨
٢٩

وأسند نحوه ابن جبر في نخبه عن سفيان الثوري إلى سلمان عن عدة طرقوفي بعضها قول النبي صلى الله عليه وآله له لما سأله عن وصيه من وصي موسى؟ قال: يوشعلأنه كان أعلم أمته، فقال: وصيي أعلم أمتي بعدي علي بن أبي طالب. وقريب منه عن ابن حنبل، وعن أبي رافع وعن زيد بن علي أن أبا ذر لقي علياعليه السلام فقال: أشهد لك بالموالاة والأخوة والوصية.

وأسند في نخبه المذكور قول النبي صلى الله عليه وآله: خلق الله مائة ألف نبي وأربعةوعشرين ألف نبي أنا أكرمهم عند الله، ومثلهم من الأوصياء وعلي أكرمهم على الله.

وأسند الطبري إلى أبي الطفيل قول علي لأصحاب الشورى: أناشدكمبالله هل تعلمون للنبي وصيا غيري؟ قالوا: اللهم لا، وفي كتاب المناقب لابنالمغازلي مرفوعا إلى ابن عباس من قول النبي صلى الله عليه وآله: من انقض هذا الكوكبفي منزله فهو الوصي بعدي، فقام فئة من بني هاشم، فرأوه في منزل علي عليه السلامفقالوا: غويت في حب علي: فأنزل الله تعالى (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكموما غوى).

وأسند أيضا إلى ابن بريدة قول النبي صلى الله عليه وآله: ما من نبي إلا وله وصي ووارثوإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب وفي الجمع بي الصحيحين للحميدي أنهذكر عند عائشة أن عليا [ كان ] وصيا فقالت: سمعته من النبي حين وفاته.

وأسند ابن مردويه وهو حجة عند الخصم إلى أم سلمة أنه كان لها مولىيسب في عقب كل صلاة له عليا، فقالت: ما حملك على سبه؟ فقال: قتل عثمانوشرك في دمه، فقالت: لولا أنك ربيتني وأنت بمنزلة والدي ما حدثتك بسررسول الله صلى الله عليه وآله اجلس فجلس فحدثته بمناجاة رسول اللهله في بيتها وأنه من دخولها عليهما منعها حتى ظنت أنه قد ذهب يومها، ثم أذنالنبي صلى الله عليه وآله لها، وقال: لا تلوميني فإن جبرائيل أتاني فيما هو كائن بعدي، وأمرنيأن أوصي به عليا من بعدي، وكان جبرائيل عن يميني، وعلي عن شمالي، فأمرنيأن آمره بما هو كائن إلى يوم القيامة، فاعذريني، إن الله تعالى اختار من كل

٣٠

أمة نبيا، ولكل نبي وصيا، فأنا نبي هذه الأمة، وعلي وصيي في عترتيوأهل بيتي وأمتي من بعدي، فتاب مولاها من ذلك، وجعل يناجي الله تعالى ليلاونهارا بالمغفرة منه.

وأسند إلى أنس أنه قال: كنا نهاب أن نسأل النبي صلى الله عليه وآله فنسأل سلمان أنيسأله فقال له يوما: يا رسول الله من أسأل بعدك؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب، وقد سلف قريبمنه و [ مسند ] إلى زيد بن أرقم قول النبي صلى الله عليه وآله: علي بن أبي طالب إمامكم ودليلكمفوازروه، فإن ربي أمرني بما قلت لكم.

قال عبد المحمود: تصفحت بعض كتب ابن مردويه فوجدت فيه مائة واثنينوثمانين منقبة لعلي بن أبي طالب من النبي صلى الله عليه وآله منها تصريحاته بالنص علىخلافته، وأنه القائم مقامه في أمته.


كم معجز وفواضل وفضائللم تنتمي إلا لمجدك يا علي
أصغى لها سمع الغوي وقلبهحتى أناب فكيف ظنك بالولي

فصل


أنكر بعض المخالفين وصية سيد المرسلين إلى أمير المؤمنين، فقلنا: قال اللهتعالى في كتابه العزيز: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصيةللوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين(١)) فهذه الآية نسخت بآيةالمواريث وجوبها فإنه قد استمر جوازها كما قرر في الأصول، وقد أمر الله تعالىنبيه صلى الله عليه وآله بالاقتداء بالنبيين وقد روى ابن حنبل وغيره أنهم نصبوا الوصيين، وسنذكر شيئا منه قريبا إن شاء الله.

وأيضا فترك الوصية إن كان معصية فالنبي صلى الله عليه وآله منزه عنها، وإن كانطاعة وجب تأسي الأمة فيها، فلا فائدة في الأمر بها، ولو جاز في كل آية ظاهرها

(١) البقرة: ١٨٠.

٣١

الأمر أن يراد خلافه، سقطت الأوامر، وسقطت ثمرة (اتبعوا ما أنزل إليكممن ربكم(١)) وكيف يترك الأمة في حيرتها مع شدة شفقته عليها، وقد أثنى اللهعليه في قوله: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكمبالمؤمنين رؤوف رحيم(٢)).

إن قيل: إنما كتب الله الوصية بأمور الدنيا للوالدين والأقربين، ولمنعليه دين أو كان له طفل ونحو ذلك، أما في أمور الدنيا فلا، قلنا: الوصيةبالدين أعظم، وخصوصا من النبي المرشد إلى الدين فذكر الوصية للدنيا تنبيهبالأدنى على الأعلى، فالوصية به أولى، وبالدين قد أوصى يعقوب بقوله: (يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون(٣)) وقد اعترفالخلفاء والعلماء والصدر الأول وغيره من الشعراء بوصية سيد الأنبياء.

قالوا: أسند مسلم والبخاري في الحديث التاسع من المتفق عليه أن طلحةابن مصرف سأل ابن أبي أوفى: هل أوصى النبي؟ صلى الله عليه وآله فقال: لا، قال: فكيف كتبعلى الناس الوصية وأمر بها؟ قال: أوصى بكتاب الله وفي حديث وكيع كيف أمرالناس بالوصية؟ وفي حديث نمير: كيف كتب على المسلمين الوصية؟

قال الحميدي: وفي الحديث زيادة لم يخرجها مسلم والبخاري ذكرهاأبو مسعود وأبو بكر البرقاني وهي أن أبا بكر كان يتأمر على وصي رسول الله.

فنقول: في صحيح مسلم من طرق عدة ما حق مسلم أن يبيت إلا ووصيته عندهمكتوبة وأخرجه البخاري أيضا وخبر ابن أبي أوفى الذي لم يذكر فيه الوصية بالعترةمردود لأنه لم يسنده إلى أحد ولأنه منحرف عن علي عليه السلام ولأن شهادته على نفيفلا تسمع، ولأنه خبر واحد، ومخالف للشهرة والكتاب وقد أمر النبي صلى الله عليه وآلهباطراح ما خالف الكتاب والسنة، وقد روته الفرقة المحقة في مواضع لا تحصى

(١) الأعراف: ٣.

(٢) براءة: ١٢٨.

(٣) البقرة: ١٣٢.

٣٢

قول النبي صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين إن أخذتم بهما لن تضلوا أحدهما أكبرمن الآخر كتاب الله، وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض.

وروى نحوه ابن حنبل في مسنده من عدة طرق، ومسلم في موضعين من الجزءالرابع من صحيحه، وفي كتاب السنن، وصحيح الترمذي، وابن عبد ربه فيكتاب العقد، وابن المغازلي من عدة طرق في كتابه، والثعلبي في تفسيره في سورةآل عمران في قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا(١)) ورواه الحميدي فيالجمع بين الصحيحين من طرق عدة.

وأسند الزمخشري إلى النبي صلى الله عليه وآله: (فاطمة مهجة قلبي وابناها ثمرة فؤاديوبعلها نور بصري، والأئمة من ولدها أمناء ربي، حبل ممدود بينه وبين خلقهمن اعتصم به نجى، ومن تخلف عنه هوى.

وقد ذكر أهل التواريخ أن المأمون جمع أربعين عالما من أهل المذاهب الأربعةوناظرهم بعد أن أوثقهم من نفسه بالإنصاف لهم فأورد نصوصا من النبي صلى الله عليه وآله علىعلي عليه السلام فاعترفوا له بالخلافة، وله في ذلك أشعار تشعر بما ذكرناه، منها ما نقلهالصولي في كتاب الأوراق:


ألام على شكر الوصي أبي الحسنوذلك عندي من عجائب ذي المنن
ولولاه ما عادت لهاشم إمرةوكانت على الأيام تفضى وتمتهن
خليفة خير الناس والأول الذيأعان رسول الله في السر والعلن

وروى ابن المغازلي في كتاب المناقب عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله أهدي لهبساط، فأجلسن عليه العشرة بعد أن ناجى عليا طويلا ثم قال: يا ريح احملينافحملتهم، ثم قال: ضعينا، فوضعتهم على أهل الكهف، فسلموا عليهم فلم يردوافسلم علي فردوا، فقال لهم علي في ذلك، فقالوا: لا نكلم بعد الموت إلا نبيا أووصيا ثم قال: احملينا فحملتهم، ثم قال: أوضعينا فوضعتهم بالحيرة، فقال عليه السلام:

إنكم تدركون النبي صلى الله عليه وآله في آخر ركعة فأدركناه فيها، وهو يقرأ (أم حسبت

(١) آل عمران: ١٠٣.

٣٣

أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا(١)).

وذكره الثعلبي في تفسيره وزاد فيه: ثم صاروا في رقدتهم إلى آخر الزمانعند خروج المهدي فيحييهم الله تعالى ثم يرقدون إلى يوم القيامة، وروى الفرقةالمحقة هذا الحديث من طرق كثيرة وقد اشتمل طاعة الريح لعلي عليه السلام كسليمانوإحياء الموتى لعيسى، وشهادتهم له بالوصية وعلم الغيب، وقد أسلفنا قول النبيصلى الله عليه وآله: لكل نبي وصي ووصي ووارثي علي بن أبي طالب. وفيحديث ابن مهدي زيادة ذكرها أبو مسعود وأبو بكر البرقاني وهي أن أبا بكر كانيتأمر على وصي رسول الله.

وروى أخطب خوارزم: صاح نخل المدينة: هذا محمد سيد النبيين وهذا علي.

سيد الوصيين.

فهذه الآثار ليست من كتب الروافض كما تزعمون، ولا من تدليس الشيعةكما تتوهمون.

إن قيل: قوله: (وصيي) لا يقتضي نفي وصية غيره، قلنا: لم أجد لغيرهوصية نبي، مع أن تالي الخبر يبنى على مقدمته، ومقدمته (لكل نبي وصي)وأيضا فيجب حصر المبتدأ في الخبر، بحكم العربية؟، فالقوم يعز عليهم أن يأتوابخبر من طرقنا فيه قريب مما ذكرنا من طرقهم.

ولقد حلف عبادة بن الصامت أن عليا كان أحق بالخلافة من أبي بكر كماأن النبي صلى الله عليه وآله أحق بالنبوة من أبي جهل، وقال: دخل أبو بكر وعمر على النبيصلى الله عليه وآله ثم دخل على أثرهما علي، فكأنما سفي الرماد في وجهه أيوجه النبي صلى الله عليه وآله وقال: أيتقدمان عليك وقد أمرك الله تعالى عليهما؟ فقالا: نسينايا رسول الله، فقال صلى الله عليه وآله: لا والله وكأني بكما وقد سلبتموه ملكه ثم بكى، وقال:

يا علي صبرا صبرا فإذا أمنك الأمر فالسيف السيف، القتل القتل، حتى يفيئوا إلىأمر الله، فإنك وذريتك على الحق إلى يوم القيامة، ومن ناواك على الباطل.

(١) الكهف: ٩.

٣٤

وأسند الخوارزمي إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: تختم تكنمن المقربين جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، قال: يا رسول الله بما أتختم؟ قالصلى الله عليه وآله: بالعقيق الأحمر، فإنه أول حجر أقر لله بالوحدانية، وليبالنبوة، ولك بالوصية، ولولدك بالإمامة، ولمحبيك بالجنة، ولشيعة ولدكبالفردوس.

وأسند ابن المغازلي الشافعي إلى أبي أيوب الأنصاري أن فاطمة دخلتعلى النبي صلى الله عليه وآله في مرضه، فبكت، فقال: إن الله تعالى اطلع على الأرض اطلاعةفاختار منها أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منها بعلك، وأوحى إليفأنكحته واتخذته وصيا، نبينا أفضل الأنبياء وهو أبوك، ووصينا خير الأوصياءوهو بعلك، ومنا مهدي هذه الأمة. وفي هذا الحديث عدة فضائل أخذنا منها موضعالغرض، وأما الفرقة المحقة فروت من ذلك ما لا يحصى.

وروى الشيخ محمد بن جعفر المشهدي الحائري في كتاب ما اتفق من الأخبارفي فضل الأئمة الأطهار إلى الباقر، إلى أبيه، إلى جده، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أنهقال: علي بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي، وحجة الله وحجتي، وباب الله وبابيوصفى الله وصفيي، وحبيب الله وحبيبي، وخليل الله وخليلي، وسيف الله وسيفي، وهوأخي وصاحبي، ووزيري، ووصيي، محبه محبي، ومبغضه مبغضي، ووليه ولييوعدوه عدوي، وحربه حربي، وسلمه سلمي، وقوله قولي. وأمره أمري، وزوجتهابنتي، وولده ولدي، وهو سيد الوصيين وخير أمتي أجمعين.

وأسند علي بن الحسين عليه السلام أن جابرا انكب يوما على أيدي الحسنينوأرجلهما وجعل يقبلهما، فقال له رجل قرشي في ذلك، فقال له: لو علمت ما أعلممن فضلهما، لقبلت ما تحت أقدامهما، إن رسول الله صلى الله عليه وآله أمرني يوما أن: آتبهما! فحملت هذا مرة وهذا مرة وجئته بهما، فلما رأى تكريمي إياهما قال لي:

يا جابر أتحبهما؟ قلت: كيف لا أحبهما ومكانهما منك مكانهما؟

فقال صلى الله عليه وآله: ألا أخبرك يا جابر بفضلهما؟ قلت: بلى جعلت فداك قال:

٣٥

إن الله خلقني من نطفة بيضاء، فنقلها من آدم في الأصلاب والأرحام الطاهرةفافترقت شطرا إلى أبي فولدني، وختم الله تعالى بي النبوة، وشطرا إلى أبي طالبفولد عليا فختم الله به الوصية، ثم اجتمعت النطفتان مني ومن علي وفاطمةفولدنا الجهر والجهير، فختم الله بهما أسباط النبوة، وجعل ذريتي منهما، وأقسمربي ليظهرن بهما ذرية طيبة يملأ بهم الأرض عدلا كما ملئت جورا فهما طاهرانمطهران، وهما سيدا شباب أهل الجنة، طوبى لمن أحبهما، وأباهما وأمهما، وويل لمن عاداهم وأبغضهم.

وأسند ابن المغازلي في مناقبه إلى النبي صلى الله عليه وآله أنه قال صلى الله عليه وآله: كنت أناوعلي نورا قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق آدم ركب ذلك النور في صلبهولم يزل كذلك حتى افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة، وفي علي الخلافة.

وأسند نحوه أيضا بطريقين آخرين، ونحوه أسند الديلمي في الباب الخامسمن كتاب الفردوس.

وأسند عثمان بن عفان أن راهبا نصرانيا دخل المسجد ومعه بختي موقورذهبا وفضة، فقال: من أميركم؟ فأومأنا إلى أبي بكر، فقال: ما اسمك؟ قال:

عتيق، قال: ثم ما اسمك؟ قال: صديق، قال: ثم ما اسمك؟ قال: لا غير، قال:

لست بصاحبي، قال: ما حاجتك؟ قال: مسألة إن أجبت عنها أسلمت، وهذا المالفيكم فرقت، وإن عجزت عنها رجعت، قال: سل.

قال: ما شئ ليس لله، وليس عند الله، ولا يعلمه الله؟ فلم يحر جوابا، ودعاعمر، وسأله فعجز، فجاء سلمان بعلي عليه السلام، ففرح المسلمون به، فقال أبو بكر:

سل هذا فإن عنده ما سألت من ملتمسك وهو يغنيك، فقال: ما اسمك؟ فقال: أماعند اليهود أليا، وعند النصارى أيليا وعند والدي عليا وعند أمي حيدرة، فقال:

ما محلك من نبيك؟ قال: أخوه وصهره وابن عمه، قال: أنت صاحبي ورب عيسىثم سأله فقال علي عليه السلام: على الخبير سقطت(١) ليس لله صاحبة ولا ولد، وليس عنده

(١) مثل سائر للعرب، أي على العارف وقعت وعثرت، يقال: إن المثل لمالك بن جبير العامري وكان من حكماء العرب، وتمثل به الفرزدق للحسين بن علي عليه السلامحين أقبل يريد العراق فلقيه وهو يريد الحجاز فقال له الحسين عليه السلام: ما وراءك؟

قال: على الخبير سقطت، قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والأمر ينزل من السماءفقال الحسين عليه السلام: صدقتني. راجع مجمع الأمثال ج ٢ ص ٢٤.

٣٦

ظلم للعباد، ولا يعلم له شريكا في ملكه.

فقطع الراهب الزنار من رقبته، وقبل بين عينيه، وأسلم على يدي عليعليه السلام، واعترف له بالخلافة والتسمية، وأنها في كتبهم، وأخذ المال وفرقهفي المحاويج من وقته.

فقد اشتمل هذا الحديث على اعتراف أبي بكر له بالعلوم، وهي موجبة للخلافةلآية: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع(١)) وبالإمامة حيث قال: هذا يغنيكوإنما طلب الخليفة، وعلي ذكر اسمه في الكتب السالفة كما ذكر اسم النبيصلى الله عليه وآله فيها، كما قال الرب الجليل: (يجدونه مكتوبا عندهم في التوراةوالإنجيل(٢)).

وذكر الراوندي في خرائجه عن أبي خيثمة قال: خرجت إلى الروم لئلاأكون مع علي أو عليه، فسمعت على نهر ميا فارقين(٣):


يا أيها الساري بشط فارقمفارقا للحق دين الخالق

فالتفت فلم أر أحدا، فقلت:


أنا أبو خيثمة التميميتركت قومي عازما للروم
حتى يكون الأمر بالصميم

فقال:


إسمع مقالي واوع قولي ترشدارجع إلى نحو علي المسدد
إن عليا هو وصي أحمد

(١) يونس: ٣٥.

(٢) الأعراف: ١٥٧.

(٣) قال الفيروزآبادي: ميابنت أدبنت مدينة فارقين فأضيفت إليها.

٣٧

قال: فرجعت إلى علي عليه السلام فهذه الجن مع الإنس، قد شهدت له بالوصية.

وأسند سليم بن قيس الهلالي إلى علي قول النبي صلى الله عليه وآله: افترقت اليهودأحدا وسبعين فرقة: واحدة ناجية، وهي التي اتبعت وصي موسى عليه السلام وافترقتالنصارى اثنين وسبعين فرقة: واحدة ناجية، وهي التي اتبعت وصي عيسى عليه السلاموستفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة واحدة ناجية وهي من اتبعت وصيي، وضرببيده على منكب علي.

وقد اشتهر في الأزمان والبلاد، ما استغنى عن الإسناد، لتلقيه بالقبول منسائر العباد(١) أنه عليه السلام لما توجه إلى صفين عطش عسكره عطشا شديدا، فأخذوايمينا وشمالا يلتمسون ماء، فعدل بهم عليه السلام عن الجادة قليلا، فلاح لهم دير فسألواصاحبه عن الماء، فقال: هو على رأس فرسخين فأرادوا المشي إليه فقال لهم عليه السلام:

لا حاجة لكم إلى ذلك ثم أمرهم بكشف مكان بقرب الدير، فوجدوا صخرة ملساءأعجزهم قلعها، فقلعها عليه السلام ودحى بها أذرعا، فشربوا ثم ردها وأعفى أثرها، فنزلالراهب، وقال له: أنت نبي؟ فقال: لا، قال: فمن أنت؟ قال عليه السلام: وصي محمدفأسلم وأقر له عليه السلام بالوصاية، وقال: إنا نجد في كتبنا أن هنا عينا. لا يعرفمكانها إلا نبي، وآية معرفته كشفها، وقلع الصخرة عنها، وإنما بني هذا الديرطلبا لها، فلما سمع المسلمون ذلك شكروا الله على معرفة حق أمير المؤمنين.

وفي هذا الحديث علمه بالأشياء الغائبة، وقوته الباهرة، وذكره في الكتبالخالية وتثبيت الوصية، والمزية السامية، وقد أنشأ السيد الحميري في ذلك قصيدتهالبائية المذهبة(٢) فمن أرادها وقف عليها، وله أيضا في ذكر الوصية:

(١) وفي بعض النسخ: وقد اشتهر في الأزمان والبلدان، ما استغنى عن الإسناد والإعلانلتلقيه بالقبول من سائر العباد والاذعان.

(٢) في بعض النسخ: اليائية، وفي بعضها التائية، والصحيح ما في المتن، والقصيدةعلى ما في إرشاد المفيد ص ١٥٩ هكذا:


ولقد سرى فيما يسير بليلةبعد العشاء بكربلا في موكب
حتى أتى متبتلا في قائمألقى قواعده بقاع مجدب
يأتيه ليس بحيث يلقى عامراغير الوحوش وغير أصلع أشيب
فدنا فصاح به فأشرف ماثلاكالنسر فوق شظية من مرقب
هل قرب قائمك الذي بوأتهماء يصاب؟ فقال: ما من مشرب
إلا بغاية فرسخين ومن لنابالماء بين نقي وقى سبسب؟
فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلىملساء يلمع كاللجين المذهب
قال اقلبوها إنكم إن تقلبواترووا ولا تروون إن لم تقلب
فاعصو صبوا في قلعها فتمنعتمنهم تمنع صعبة لم تركب
حتى إذا أعيتهم أهوى لهاكفا متى ترد المغالب تغلب
فكأنها كرة بكف حزورعبل الذراع دحى بها في ملعب
؟ سقاهم من تحتها متسلسلاعذبا يزيد على الألذ الأعذب
حتى إذا شربوا جميعا ردهاومضى فخلت مكانها لم تقرب
٣٨

علي وصي المصطفى وابن عمهوأول من صلى لذي العزة العالي
وناصره في كل يوم كريهةإذا كان يوما ذو هرير وزلزال

وذكر ابن عبد ربه في الجزء الأول من كتاب العقد أبيات المذحجية:


إما هلكت أبا حسين فلم تزلبالحق تعرف هاديا مهديا
فاذهب عليك صلاة ربك ما دعتفوق الأراك حمامة قمريا
قد كنت بعد محمد خلفا لناأوصى إليك بنا وكنت وفيا
فاليوم لا خلف يؤمل بعدههيهات نأمل بعده إنسيا

وقال ابن العودي:


وقلتم مضى عنا بغير وصيةألم أوص لو طاوعتم وعقلتم
وقد قلت من لم يوص من قبل موتهيمت جاهلا بل أنتم قد جهلتم
نصبت لكم بعدي إماما يدلكمعلى الله فاستكبرتم وضللتم

وقال خزيمة ذو الشهادتين في أبياته المشهورة:


إذ نحن بايعنا عليا فحسبناأبو حسن مما نخاف من المحن
٣٩

وصي رسول الله من دون أهلهوفارسه قد كان في سالف الزمن

ومن أبيات لعبد الرحمن بن حنبل:


لعمري إن بايعتم ذا حفيظةعلى الدين معروف العفاف موافقا
أبا حسن فارضوا به وتبايعوافليس كمن فيه لذي العيب منطقا
عليا وصي المصطفى ووزيرهوأول من صلى لذي العرش واتقى

ومن أبيات النعمان بن زيد:


يا ناعي الاسلام قم وانعهقد مات عرف وأتى منكر
يا لقريش لا علا كعبهامن قدموا اليوم ومن أخروا
ولست تطوي علما باهراسام يد الله به تنشروا
حتى تزيلوا صدع ملمومةوالصدع في الصخرة لا يجبر
كبش قريش في وغى حربهاصديقها فاروقها الأكبر
وكاشف الكرب إذا خطةأغلى على واردها المصدر

وقال المهيار فيه:


الناس للعهد ما لاقوا وما قربواوللخيانة ما غابوا وما اشتبعوا
هذي وصايا رسول الله مهملةغدرا وشمل رسول الله منصدع
أطاع أولهم في الغدر ثانيهموجاء ثالثهم يقفو ويتبع
تضاع بيعته يوم الغدير لهمبعد الرضا وتحاط الروم والبيع

تتمة:

سمع حارثة بن زيد عمر بن الخطاب يقول: اللهم حببني إلى وصي نبيكقلت: من هو يا عمر؟ قال: علي بن أبي طالب فإن النبي صلى الله عليه وآله قال لي عند موته:

إنه خليفته، قلت: فلم تقدمت عليه؟ قال: بأمر منه.

وأنا أقول: ما اشتهر من تظلماته يبطل هذه الدعوى، ولأن المنصوب من اللهورسوله لا يجوز له خلع نفسه عن الإمامة، وجعلها في غيره، فقد ظهر للناظر بقولالخمصين المتعاديين، والقبيلين المتباينين، إثبات وصية النبي صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام

٤٠