×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج2) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

والجهال تهذي بتركها، وتعتمد على نفيها.

قالوا: روى الحكم وأبو وائل وصعصعة بن صوحان أنه قد قيل لعلي: ألاتوصي؟ فقال: أوصى رسول الله فأوصي؟ قلنا: ذلك شاذ نادر مختلف، فلا يعارضما ذكرناه من المتواتر المؤتلف، لأن في الخبر (ما أوصى رسول الله فأوصي ولكنإن أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خير كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) فهذايدل على أفضلية أبي بكر على علي عليه السلام والمشهور منه أنه كان يقدم نفسه علىأبي بكر وغيره، وقد علم طرف من ذلك في باب فضائله، على أن الخبر يقبل التأويلبأن يكون (ما) بمعنى (الذي) أي الذي أوصى رسول الله فأوصي، ويكون قوله:

إن أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم، عنى به ولديه وذريته، وإضافةالجمع إلى الله يعني بألطافه الزائدة عن القدر الواجب، وقوله: كما جمعهم بعدنبيهم: أي جمعهم على علي حين أوحى النص فيه، فبلغ النبي صلى الله عليه وآله.

فإن قلت: لو جمعهم الله عليه لم يتخلفوا عنه، قلت: لا يلزم من جمعهم اجتماعهمإذ ليس يواقع كل مراد على سبيل الاختيار، بل ذلك إنما يكون بالاكراه والاجبار، وستأتي وصيته على أولاده في النصوص إن شاء الله تعالى.

ولقد رأيت ثلاثا وثلاثين طرفة في الوصية المذكورة نقلها السيد الإمام ابنطاؤوس رضي الله عنه، في خبر مفرد سأضع محصلها في هذا الباب، ليهتدي به أولواالألباب، ولأتيمن بذكرها، وأتقرب إلى الله تعالى بنشرها، فإن فيها شفاء لمافي الصدور، يعتمد عليها من يريد تحقيق تلك الأمور، وقد روى يونس بن الصباحالمزني عن الصادق عليه السلام أن الله تعالى عرج بالنبي صلى الله عليه وآله مائة وعشرين مرة، ما منمرة إلا ويوصيه الله بالولاية لعلي عليه السلام والأئمة، أكثر مما يوصيه بالفرائض.

٤١

(٣)
فصل


أذكر فيه ما وعدت فيه من نص النبيين على الوصيينأسند ابن جبر في كتاب نخب المناقب إلى أمير المؤمنين وإلى الصادق والرضامن أولاده الغر الميامين، ما قاله الرسول الأمين: إن آدم أوصى إلى ابنه شيثوشيث إلى شبان وشبان إلى محلث، ومحلث إلى محوق، ومحوق إلى عتميشا، وعتميشاإلى أخنوخ، وهو إدريس، وإدريس إلى ناحور، وناحور إلى نوح، ونوح إلىسام وسام إلى عثامر، وعثامر إلى برغيشاثا، وبرغيشاثا إلى يافث، ويافث إلىبرة، وبرة إلى حفيسة، وحفيسة إلى عمران، وعمران إلى إبراهيم، وإبراهيمإلى إسماعيل، وإسماعيل إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، ويعقوب إلى يوسفويوسف إلى بثريا، وبثريا إلى شعيب، وشعيب إلى موسى، وموسى إلى يوشعويوشع إلى داود، وداود إلى سليمان، وسليمان إلى آصف، وآصف إلى زكرياوزكريا إلى عيسى، وعيسى إلى شمعون، وشمعون إلى يحيى، ويحيى إلىمنذر، ومنذر إلى سلمه، وسلمه إلى برده.

ثم قال صلى الله عليه وآله: ودفعها بردة إلي وأنا أدفعها إليك يا علي وأنت ادفعهاإلى وصيك، ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك واحدا بعد واحد، حتىتدفع إلى خير أهلي بالأرض.

وقد روى الشيخ محمد بن بابويه القمي أن الله تعالى أمر آدم أن يستخلفشيثا ففعل، ثم توالى الاستخلاف في أولاده يوصي ماضيهم إلى باقيهم، إلى أن بعثالله تعالى إبراهيم عازما على الأمة بترك عبادة الأوثان، فلما استوفى أجله، أمرهأن يستخلف ابنه إسماعيل ففعل، ثم أوصى إسماعيل إلى أخيه إسحاق لأن أولادإسماعيل كانوا صغارا.

فلما كبروا قاموا مقام أبيهم، وتوالت الوصية فيهم، إلى أن بعث الله موسى

٤٢
٤٣

(٤)
فصل


خلق الله تعالى قبل آدم الجن والنسناس، وأسكنهم الأرض، فأفسدوا فيهاوسفكوا الدماء، فخلق آدم خليفة فيها وأسجد له الملائكة فأبى إبليس تعظما لقوله:

(خلقتني من نار وخلقته من طين(١)) ولم يدر أن الطين أنور من النار، لأن النارمن الشجر الذي هو من الطين.

وعهد الله إلى آدم وإلى صور ذريته في السادة عليهم السلام، فعزم بعضهم أنذلك كذلك فسموا أولي العزم، أي القوة، ثم ولد هابيل وقابيل، فلما تقرباتقبل من هابيل دون قابيل، فعاداه فقتله، فأولد الله لآدم شيث، وهو هبة اللهفأوحى الله تعالى إلى آدم أني متوفيك فأوص إلى خير ولدك وهو هبة الله فإني لاأخلي الأرض من عالم أجعله على خلقي ففعل، وأوصاه أن يفعل مثل ذلك، إذاحضرته الوفاة، وأن يوصي من بعده إلى من بعده، وهكذا.

فلما قبض آدم أوحى الله إلى هبة الله أن: صل عليه وكبر خمسا، فصلى وكبر فجرت السنة، وكبر سبعين أخرى سنة بعدد صفوف الملائكة كلهم، ممنصلى خلفه، ودفن بأبي قبيس، ثم حمل نوح عظامه ودفنها بالغري، فقام هبة اللهبأمر الله، فجاء قابيل إليه وتوعده أنه إن أظهر أنه وصي أبيه قتله.

فلما حضرت هبة الله الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ريسان ابن نزله وهي الحورية التي نزلت إليه من الجنة، وروي أن اسمه ايونش ففعل، فلما حضرتهالوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أمخوق وروي اسمه قينان ففعل، وظهرعوج بن عناق من ولد قابيل فأفسد في الأرض، فاشتدت المحنة على الشيعة، فلماحضرت أمخوق الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه مخليب ففعل، فقام بأمر اللهمتخفيا من عوج فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه عميشا ففعل.

فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أخنوخ وهو إدريس

(١) الأعراف: ١٢.

٤٤

ثم نشأ في زمنه بنو راسب، من ولد قابيل، فعمل السحر، وكان له قصبة من ذهبينفخ فيها فيأتيه كلما يريد، فلما أراد الله رفع إدريس أوحى الله إليه أن يوصي إلىابنه يزد ففعل فقام بأمر الله متخفيا فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصيإلى ابنه اختوخ ففعل فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنهمتوشلخ ففعل.

فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أرفخشد، ففعل، فلماحضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه نوح ففعل.

وكان اسم نوح عبد الغفار سمي نوحا لنوحه على قومه، فلما حضرته الوفاةأوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه سام ففعل، فآمن به شيعته وخالف عليه أخواه حامويافث، وولد لحام كنعان أبو نمرود، وأقام أولاد قابيل وعوج على كفرهم، فلماحضر سام الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه أرفخشد ففعل، وملك في زمانهافريدون وهو ذو القرنين، وروي أن الخضر عليه السلام وهو ابن أرفخشد بن سام كانعلى مقدمته.

فلما حضرت أرفخشد الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه شالخ ففعل فلماحضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه هود ففعل، فلما حضرته الوفاةأوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه قالع ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أنيوصي إلى ابنه يروع ففعل فقام يروع بأمر الله مستخفيا حتى قتله عوج فعند ذلكاختار الله لأمره بوسيا بن أمين الله، وجمع له المؤمنين، فلم يزل يجاهد حتى رفعهالله إليه بغير موت، وأمره قبل ذلك أن يوصي إلى ضارع بن يروع بن قالع، ففعلفلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه ناخور ففعل فلما حضرته الوفاةأوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه تارخ ففعل، وهو أبو إبراهيم عليه السلام وأمر نبوتهمشهورة، وكان آزر جده لأمه منجما لنمرود بن كنعان بن حام بن نوح، وهذانمرود الذي ملك المغربين وهو صاحب النسور والتابوت.

فلما حضرت إبراهيم الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه إسماعيل، فلما

٤٥

حضرته الوفاة أوحى الله إليه يوصي إلى أخيه إسحاق فلما حضرته الوفاة أوحىالله إليه أن يوصي إلى ابنه يعقوب، ففعل، فخالفه العيص أخوه وغلبه على البيتالمقدس، وهو أول من قطع القطائع، وأخذ الخراج، فصارت سنة إلى اليوم.

فلما حضرت يعقوب الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه يوسف ففعلفلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه لاوا، فلما حضرته الوفاة قامابنه يزد مقامه فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه ميتاح فاتبعهالمؤمنون مستخفون من الجبابرة، فلما حضرت ميتاح الوفاة أوحى الله إليه أن يوصيإلى ابنه عاف ففعل، فلما حضرته الوفاة أوحى الله إليه أن يوصي إلى ابنه حتام ثمأوصى إلى ابنه أدوم، وأوصى أدوم إلى شعيب، وهو ابن ثابت بن إبراهيم ثم ظهرفرعون موسى واسمه الوليد بن مصعب ثم بعث الله آبور بن آمون بن العيص بنإسحاق بن إبراهيم ثم ولد هارون وموسى وأمرهما مشهور.

فلما ماتا كان وصي موسى يوشع بن نون، فخرجت عليه صافورا، وهي غيرصفرا بنت شعيب امرأة موسى ثم أوصى يوشع إلى ابنه فنحاس، وفنحاس إلى ابنهشبر، وشبر إلى ابنه حيويل، وحيويل إلى ابنه آثاب، وآثاب إلى ابنه أحمروأحمر إلى ابنه عرق، وعرق إلى ابنه طالوت، وطالوت إلى داود، وداود إلىسليمان، وسليمان إلى آصف، وآصف إلى ابنه صفور، وصفور إلى ابنه منبهومنبه إلى ابنه هند، وهند إلى ابنه أسفر، وأسفر إلى ابنه خامر، وخامر إلىابنه إسحاق، وإسحاق إلى زكريا ابن أذن.

وقبل أن تنشره اليهود(١) سلم الأمر إلى عيسى عليه السلام وقيل: إلى شايع وأوصىشايع إلى ابنه دوييل، فلما مات بعث الله المسيح عليه السلام فلما رفعه الله قام شمعونمقامه، فلما حضرته الوفاة أمره الله أن يسلم الأمر إلى يحيى، فلما أراد اللهقبضه أوحى إليه أن يجعل الإمامة في ولد شمعون فجعلها في ابنه منذر بن شمعونوفي زمان منذر خرج بخت نصر بن بلينصر.

(١) أي يقطعوه بالمنشار.

٤٦

ثم بعث الله العزير وأوحى الله إليه أن يوصي إلى دانيال ففعل، وفي زمانهملك مهرقية بن بخت نصر وكان كافرا خبيثا وهو صاحب الأخدود، وأوحى اللهإلى دانيال أن يوصي إلى ابنه مكيخا ففعل، وفي خبر آخر أن دانيال وعزير كاناقبل المسيح ثم أوصى مكيخا إلى ابنه انسوا وفي زمانه ملك هرمز ثم ملك بعدابنا سابور، ثم أخوه أردشير وفي زمان أردشير بعث أصحاب الكهف.

ثم أوصى انسوا إلى ابنه وسيخا وملك في زمانه سابور بن سابور، ثم ابنهيزدجرد، وأوصى وسيخا إلى ابنه نسطورش، وملك في زمانه بهرام بن يزدجردأيضا ثم ابنه فيروز ثم أوصى نسطورش إلى مرعيد، ومرعيد إلى بحير.

ثم استخلص الله من الشجرة الطاهرة سيد الأولين والآخرين محمدا صلى الله عليه وآلهكل واحد ممن قدمناه بوحي الله إليه أن يوصي عند وفاته بمن أخرناه.

وفي خبر آخر إن الله تعالى لما أراد قبض يحيى بن زكريا أوحى إليهبالوصية إلى منذر بن شمعون، ففعل، فأوصى شمعون إلى ابنه سلمة، وسلمة إلىابنه برزة، وبرزة إلى أبى، وأبى إلى دوس، ودوس إلى أسيد، وأسيد إلى هوفوهوف إلى ابنه يحيى، ويحيى إلى قانا، وهو السيد محمد صلى الله عليه وآله.

فهذا ما أجراه من سننه في الأنبياء السالفين من الوحي إليهم بالنص على الوصيينفكيف يخرق عادته في سيد المرسلين، وقد وجدت نحو ذلك في بصائر الأنس مرويابرجاله، ولكن فيه زيادات ومغايرات في الأسماء، فاقتنعت بهذا عن إيراده، وفيآخره:

ودفعها إلي بردة، وأنا أدفعها إليك يا علي وأنت تدفعها إلى ولدك واحدابعد واحد، وسماهم عليهم السلام، تركتهم هنا لألحقهم بالفصل المخصوص بإفراد الأسماءفمن توسع إلى ذلك طلبه منه، ووجدته أيضا في الكتاب المذكور مرويا برجالآخرين وفيه أسماء الأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد، وسأورده إن شاء الله تعالى.

٤٧

(٥)
فصل
* (من غير هذا) *


أسند ابن جبر في نخبه عن الصادق عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نودي أينخليفة الله في أرضه؟ فيقوم داود فيقال له: لسنا إياك أردنا، وإن كنت لله خليفةفيقوم أمير المؤمنين فيأتي النداء: يا معشر الخلائق، هذا علي بن أبي طالب خليفة اللهفي أرضه، وحجته على عباده، فمن تعلق بحبله في الدنيا فليتعلق بحبله اليومفيستضئ بنوره ويتبعه إلى الجنة.

وأسند أيضا في الكتاب المذكور أن عليا قال: من لم يقل: إني رابع الخلفاءفعليه لعنة الله، ثم ذكر عليه السلام آدم، وداود، وموسى عليهم السلام(١).

وأسند الشيرازي إلى علقمة بن الأسود: وقعت الخلافة من الله لثلاثة: آدم:

(إني جاعل في الأرض خليفة(٢)) داود (إنا جعلناك خليفة في الأرض(٣))علي بن أبي طالب (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض(٤))ونحوه في تفسيره ابن أبي عبيدة والطائي وقد سلف ذلك.

وأسند ابن حنبل إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله يوم خرج إلى تبوك: أنتمني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنتخليفتي، وهذا يعم كل ذهاب، وإن كان سببه ذلك، فإن السبب لا يخص كماتبين في الأصول، وقد سلف ذلك مستوفى.

وأسند أيضا حديث الدار وفيه ذكر الخلافة وأسند ابن المغازلي والثعلبيوقد مضى وأسند أيضا إلى سلمان قول النبي صلى الله عليه وآله: كنت أنا وعلي نورا واحدا ثم

(١) بل هارون لقول موسى فيه بأمر الله (اخلفني في قومي).

(٢) البقرة: ٣٠.

(٣) ص: ٢٦.

(٤) النور: ٥٥.

٤٨

قسم ففي النبوة، وفيه الخلافة ونحوه في كتاب الفردوس للديلمي، وذكره أيضاابن المغازلي عن أبي ذر الثابت صدقه بقول النبي صلى الله عليه وآله: من ناصب عليا الخلافةبعدي فهو كافر، ومن شك في علي فهو كافر، والبعدية تقتضي العموم، فلا تخصبما بعد الثلاثة بغير دليل، ولا دليل، وقد سلف ذلك كله، أعدناه استيناسا ولأنهذا محله.

وأسند ابن مردويه والسمعاني إلى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله تنفس فقلت:

ما لك؟ قال: نعيت إلي نفسي فقلت: استخلف، قال من؟ قلت: أبا بكر فسكت صلى الله عليه وآلهثم تنفس، فقلت: ما لك؟ قال: نعيت إلى نفسي، قلت: استخلف قال: من؟

قلت: عمر، فسكت صلى الله عليه وآله ثم تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: نعيت إلي نفسي، قلت:

استخلف، قال: من؟ قلت: عليا فسكت ثم قال: أما والذي نفسي بيده، لو أطاعوهليدخلن الجنة أجمعين أكتعين. فأقسم عليه بذلك بعد أن سكت عن الأولين مؤكدا بقوله: أجمعين أكتعينوالحق لا يكون إلا في واحدة، وهي هنا جهة علي بقول النبي صلى الله عليه وآله.

وفي مناقب ابن مردويه قالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وآله في مرضه: ادعوا ليحبيبي فدعوت أبا بكر فنظر إليه، ثم وضع رأسه، وقال: ادعوا لي حبيبي، فقلت:

ادعوا له عليا فوالله ما يريد غيره، فجاءه فأفرج له الثوب الذي عليه، وأدخلهفيه، فلم يزل يحتضنه حتى قبض. ورواه الطبري في الولاية والدارقطني والسمعانيوالموفق المكي، وفي بعضها أن عمر ادخل أيضا إليه، ففعل معه مثل ما فعلبأبي بكر.

وفي مناقب ابن المغازلي قالت: لقد فاضت نفسه في يد علي فردها في فيه.

فهذه أخبار الفريقين بلفظ الخلافة المقتضية لسلبها عن غيره في زمانه كافةولم يبق بعدها لمقتبس نارا، ولا لملتمس منارا.

وأنشأ السيد المرتضى في ذلك:


إذا ذكروه للخلافة لم تزلتطلع من شوق رقاب المنابر
٤٩

إذا عدد المجد التليد تنحلواعلا يتبرا من عقود الحناجر
جريون إلا أن تهز رماحهضنينون إلا بالعلا والمفاخر

وقال زيد بن مزيد:


خلافة الله في هارون ثابتةوفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
إرث النبي لكم من دون غيركمحق من الله في القرآن مسطور

(٦)
فصل


أذكر فيه أخبارا من القبيلين تجري مجرى النص عليه.

منها: ما أسنده ابن مردويه إلى النبي صلى الله عليه وآله لو أن عبدا عبد الله ما قام نوح في قومهوكان له مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ومد في عمره حتى حج ألف حجة علىقدميه ثم قتل بين الصفا والمروة مظلوما ثم لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنة.

قلت: لأنه ليس بمؤمن، والإيمان شرط وجوب الثواب، في نص الكتاب(ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن(١)).

وفي شرف المصطفى وتاريخ النشوي عن النبي صلى الله عليه وآله لو أن عبدا عبد الله بينالركن والمقام ألف عام، ثم ألف عام، ولم يكن يحبنا أهل البيت لكبه الله علىمنخره في النار.

ونقل ابن المغازلي عن مجاهد عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وآلهفأقبل علي غضبانا وقال: آذاني فيك بنو عمك، فقام النبي غضبانا فقال: أيهاالناس من آذى عليا فقد آذاني، إن عليا أولكم إيمانا وأوفاكم بعهد الله، منآذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا، فقال جابر: وإن أقر بالوحدانيةوالرسالة؟ فقال صلى الله عليه وآله: إن ذلك كلمة يحتجبون بها عن أن تسفك دماؤهم، وتؤخذ أموالهم.

(١) طه: ١١٢.

٥٠

وفي كتاب الخوارزمي والديلمي عن جابر الأنصاري قال النبي صلى الله عليه وآله:

جاءني جبرائيل بورقة آس أخضر. مكتوب فيها ببياض: افترضت محبة علي بنأبي طالب على خلقي، فبلغهم ذلك عني.

وفي معجم الطبراني من أهل الخلاف قالت فاطمة: قال لي النبي صلى الله عليه وآله: إنالله باهى بكم وغفر لكم عامة، ولعلي خاصة، وإني رسول الله إليكم غير هائبلقومي، ولا محاب لحق قرابتي، هذا جبرائيل يخبرني أن السعيد كل السعيد منأحب عليا في حياته وبعد موته، والشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياتهوبعد موته.

وفي فردوس الديلمي عن عمر قال النبي صلى الله عليه وآله: حب علي براءة من النار.

وروى ابن حنبل في مسنده، وابن بطة في أماليه، والخطيب في أربعينه، والثعلبي فيربيع المذكرين، عن زيد بن أرقم قول النبي صلى الله عليه وآله: من أحب أن يتمسك بالقضيبالأحمر الذي غرسه الله في جنة عدن بيمينه، فليتمسك بحب علي بن أبي طالب.

وأسند المفيد في إرشاده عن حنش قول علي بن أبي طالب عليه السلام على المنبر:

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي إلي: لا يحبك إلا مؤمن، ولايبغضك إلا منافق، ونحوه عن حنش بطريق آخر ونحوه عن الحارث الهمداني ومثله في مسند ابن حنبل ونحوه عن أم سلمة بطريقين، ورواه الحميدي في الحديثالتاسع من الجمع بين الصحيحين في الجزء الثاني من الجمع بين الصحاح الستةمن صحيح أبي داود ومن صحيح البخاري.

وأسند ابن حنبل أيضا عن الخدري: كنا نعرف منافقي الأنصار ببغضهم علياوأسند إليه أيضا قول النبي صلى الله عليه وآله: من أبغضنا أهل البيت فهو منافق، وأسند إلىالزبير: ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم إياه. وأسند إلى عمار قول النبي صلى الله عليه وآلهلعلي: طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك.

وأسند إلى عروة أن رجلا وقع في علي بحضرة عمر، فقال عمر: إن أبغضتهآذيت هذا في قبره، يعني النبي صلى الله عليه وآله.

٥١

وذكر ابن جبر في نخبه معنى هذا الحديث، وزيادات عليه يؤل إليه بعدةرجال في عدة كتب، منهم عطية وابن بطة في الإبانة، من طرق ستة، وأم سلمةوأنس وابن ماجة والترمذي ومسلم والبخاري وأحمد وابن البيع والإصفهانيوابن [ أبي ] شيبة، والعكبري، والحلية، وفضائل السمعاني، وتاريخ بغدادوالآلكاني وابن عقدة، وجامع الموصلي، وعبادة بن يعقوب، والثقفي، والهرويوالطبري.

وهذه الأحاديث ونحوها حذفت إسنادها للتطويل بذكرها، ولأن المسلملها لا يحتاج إلى ذكرها، والطاعن فيها قد يطعن في سندها وقد اتضح بين الأمة بالاتفاقأن حبه علم الإيمان، وبغضه علم النفاق، ولأجل محبة الله ورسوله أمر بمحبته.

وفي الخبر عن الرسول: إذا أحب الله عبدا حببه إلى خلقه. فكيف من فرضحبه على كل مكلف من عباده، وجعله علما لطهارة ميلاده، إذ قال النبي صلى الله عليه وآلهفيه: لا يبغضه ويعاديه إلا منافق أو كافر أو ولد زنية.

وأسند ابن خلاد قول عقبة ابن عامر الجهني: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله علىوحدانية الله، وأنه نبيه، وعلي وصيه، فأي الثلاثة تركنا كفرنا، وقال لنا:

حبوا هذا فإن الله يحبه، واستحيوا منه فإن الله يستحيي منه.

ويعضده قول النبي صلى الله عليه وآله في رواية جابر: أول ثلمة في الاسلام محالفة عليوأول حق فيه اتباع علي، والمحبة هنا الاتباع له والاقتداء به، وقد ظهر أنالمتقدم عليه ومن تبعه لا يحبه، لأنه أغضبه وغصبه حقه، وقد سلف في ألفاظالنبي صلى الله عليه وآله (الشقي كل الشقي من أبغضه، ومن آذاه بعث يهوديا أو نصرانيا)فوجب تقديمه وجوبا ومحتوما لا بد له.

قال الخليفة القاضي العباسي:


قسما بمكة والحطيم وزمزموالراقصات وسعيهن إلى منى
بغض الوصي علامة مكتوبةتبدو على جبهات أولاد الزنا
من لا يوالي في البرية حيدراسيان عند الله صلى أو زنى
٥٢

وقال آخر:


وقول رسول الله فيه مصدقرواه ابن عباس وزيد وجابر
محب علي لا محالة مؤمنوباغضه - والله والله - كافر

(٧)
فصل
* (في تسمية على أمير المؤمنين وهو يؤيد ما سبق) *


أسند المفيد في إرشاده إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله: يدخل عليك الساعةأمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وأقدم الناس إسلاما، وأكثرهم علما، وأرجحهمحلما، فدخل علي، فقال: حدث في حدث؟ فقال صلى الله عليه وآله: ما أحدث فيك إلا خيرأنت مني وأنا منك، وتفي بذمتي، وتغسلني، وتلحدني، وتسمع الناس عنيوتبين لهم ما يختلفون فيه من بعدي. ونحوه روى القاسم به جندب وبشير الغفاريوأبو الطفيل عن أنس، ونحوه أيضا في حلية أبي نعيم وولاية الطبري عن أنس.

وأسند أيضا إلى ابن عباس قول النبي صلى الله عليه وآله لأم سلمة: اسمعي واشهديهذا علي أمير المؤمنين، وسيد المرسلين، وأسنده الأعمش إلى السدي إلى ابنعباس.

وأسند علي بن الحسين أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: هو أمير المؤمنين بولايةمن الله عقدها له.

وأسند المفيد أيضا وابن مردويه إلى معاوية بن ثعلبة قول أبي ذر: أوصيتإلى أمير المؤمنين قبل عثمان؟ قال: لا ولكنه أمير المؤمنين حقا علي بن أبي طالب.

وروي أيضا عن بريدة قال: وهو مشهور بأسانيد يطول شرحها قال: أمرنيالنبي صلى الله عليه وآله وأنا سابع سبعة، فيهم أبو بكر، وعمر، وطلحة، والزبير بالسلام علىعلي بإمرة المؤمنين، فسلمنا والنبي صلى الله عليه وآله حي بين أظهرنا.

وأسند ابن جبر في نخبه قول الله للنبي في المعراج: من خلفت لأمتك؟

٥٣

قال: الله أعلم، قال: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وقال في نخبه: روى جماعةمن الثقات عن الأعمش والليث والعوام عن مجاهد وابن أبي ليلى عن داود بنجريج عن عطا وعكرمة عن ابن عباس ما أنزل الله في القرآن آية فيها (يا أيهاالذين آمنوا) إلا وعلي أميرها وشريفها، ونحوه في تفسير وكيع والقطان، ونحوه روى الثقفي والعكبري وفي تفسير مجاهد: ما في القرآن (يا أيها الذين آمنوا)إلا وعلي سابقه ذلك، لأنه سابقهم إلى الاسلام، فسماه الله تعالى في تسعة وثمانينموضعا أمير المؤمنين.

تذنيب:

لا يدل سبق إسلامه على تقدم كفره، لأنه دعوة إبراهيم عليه السلام في قوله:

(واجنبني وبني أن نعبد الأصنام(١)) بل المراد أنه صدق بسيد المرسلين، وقدقال إبراهيم عليه السلام: (أنا أول المسلمين(٢)) وموسى (وأنا أول المؤمنين(٣))وقد قال الله تعالى في نبينا صلى الله عليه وآله: (آمن الرسول بما أنزل إليه) (ما كنت تدريما الكتاب ولا الإيمان(٤)).

وأسند السعودي وعباد الأسدي وهما من أهل الخلاف إلى بريدة الأسلميأن النبي صلى الله عليه وآله أمر أبا بكر وعمر بالسلام على علي بإمرة المؤمنين فقالا: يا رسولالله وأنت حي؟ قال صلى الله عليه وآله: وأنا حي. وفي رواية السبيعي أن عمر قال: عن أمرالله وأمر رسوله؟ قال صلى الله عليه وآله: نعم.

وأسند الثقفي إلى الكناني إلى المحاربي إلى الثمالي إلى الصادق عليه السلامأن بريدة قدم من الشام فرأى قد بويع لأبي بكر، فقال له: أنسيت تسليمنا علىعلي بإمرة المؤمنين، واجبة من الله ورسوله؟ فقال له: إنك غبت وشهدنا، وإن

(١) إبراهيم: ٣٥.

(٢) الأنعام: ١٦٣.

(٣) الأعراف: ١٤٣.

(٤) البقرة: ٢٨٥، الشورى: ٥٢.

٥٤

الله يحدث الأمر بعد الأمر، ولم يكن ليجمع لأهل هذا البيت النبوة والملك.

وفي رواية الثقفي والسدي أن عمر قال: إن النبوة والإمامة لا تجتمعفي بيت واحد، فقال بريدة: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقدآتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة [ والنبوة ] وآتيناهم ملكا عظيما(١)) فقدجمع لهم ذلك.

وروى ابن عباس أن عليا سلم على النبي صلى الله عليه وآله فرد عليه بإمرة المؤمنينقال: وأنت حي؟ قال: سماك جبرائيل من عند الله وأنا حي، فإنك مررت عليناونحن في حديث فلم تسلم، فقال: ما بال أمير المؤمنين لم يسلم علينا، ولو سلملسررنا ورددنا عليه.

وفي رواية ابن مخلد أنه سلم فرد عليه جبرائيل بإمرة المؤمنين، وقال:

خذ رأس نبيك في حجرك، فأنت أحق به، فلما انتبه قال: هذا جبرائيل أتىليعرفك أن الله سماك بذلك.

وأسند الخوارزمي إلى ابن عباس نحوه إلا أن فيه سلم فرد عليه دحيةالكلبي وقال: إن عندي مدحة أزفها إليك أنت أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلينوسيد ولد آدم ما خلا النبيين، ولواء الحمد بيدك تزف إلى الجنان مع محمد أنتوشيعتك، قد أفلح من تولاك، وخسر من تخلاك، لن تنالهم شفاعة محمد.

ونحوه روى محمد بن جعفر المشهدي وزاد: إن النبي صلى الله عليه وآله قال: لجبرائيلكيف سميته أمير المؤمنين؟ قال: إن الله تعالى أوحى إلي يوم بدر: اهبط على محمدفمره أن يأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يجول بين الصفين قال النبي صلى الله عليه وآله:

فسماك الله [ أمير المؤمنين ] فأنت أمير من الله على من مضى ومن بقي: لا يجوزأن يسمى به من لم يسمه الله.

ولما سمى رجل الصادق عليه السلام بذلك أنكره وقال: لا يرضى به أحد إلاابتلي ببلاء أبى؟ ل.

(١) النساء: ٥٤.

٥٥

الحارث بن الخزرج: قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي لا يتقدمك إلا كافرولا يتأخر عنك إلا كافر، وأذن لأهل السماوات أن يسموك أمير المؤمنين.

قال سلمان: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك فقال: تمتارون منه العلم ولا يمتارمن أحد.

وفي أمالي القطان وكافي الكليني قال أبو جعفر: لو علم الناس متى سميأمير المؤمنين، ما أنكروا ولايته، قلت: فمتى سمي بذلك؟ قال: إن الله تعالىحين أخذ من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم قال:(١) (ألستبربكم ومحمد رسولي وعلي أمير المؤمنين وليي؟ قالوا: بلى).

وذكر الخطيب في مواضع من تاريخ بغداد أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ بيد علىيوم الحديبية وقال: هذا أمير البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذولمن خذله، يمد بها صوته، ونحوه روى الشافعي ابن المغازلي عن جابر الأنصاري.

وأسند ابن جبر في نخبه إلى الباقر عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن قولالله تعالى: (واسأل الدين يقرؤن الكتاب من قبلك(٢)) من المسؤول؟ قال:

الملائكة والنبيون والشهداء والصديقون، حين صليت بهم في السماء، قال ليجبرائيل: قل لهم: بم تشهدون؟ قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول اللهوأن عليا أمير المؤمنين.

وأسند المشهدي أيضا إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: طوبى لمن أحبكوويل لمن أبغضك، أنت العلم لهذه الأمة، أنا المدينة وأنت الباب، أنت أمير المؤمنينذكرك في التوراة والإنجيل، وذكر شيعتك قبل أن يخلقوا بكل خير، أهل الإنجيليعظمون اسمك اليا، وشيعتك وما يعرفونهم، خبر أصحابك أن ذكرهم في السماءأعظم وأفضل من الأرض، ليفرحوا وليزدادوا اجتهادا فإنهم على منهاج الحق

(١) راجع سورة الأعراف: ١٧٢.

(٢) يونس: ٩٤.

٥٦

لا يستوحشون لكثرة من خالفهم، ليسوا من الزنا ولا الزنا منهم، أولئك مصابيحالدجى.

وأسند أيضا إلى عائشة قول النبي صلى الله عليه وآله: أنا سيد الأولين والآخرين، وعلي سيد الوصيين، وهو أخي ووارثي وخليفتي في أمتي، ولايته فريضة، أولياؤهأولياء الله، وأعداؤه أعداء الله، هو إمام المسلمين ومولى المؤمنين، وأميرهم بعديفقال لها الراوي: وهو سعيد بن جبير: فما حملك على حربه؟ فبكت وقالت:

بغض بيت الأحماء.

وأسند ابن مردويه إلى الأصبغ بن نباتة أن زيد بن صوحان لما أصيبيوم الجمل، وقف عليه فرفع رأسه إليه، وقال: والله ما قاتلت معك عن جهل، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: علي أمير البررة، وقاتل الفجرة، منصور مننصره، مخذول من خذله، ألا وإن الحق معه يتبعه، فميلوا معه، وقد ذكرنا هذافي موضع آخر.

وأسند ابن جبر في نخبه إلى الصادق عليه السلام إنما سمي أمير المؤمنين عليه السلامميرة العلم(١) لأن العلماء من علمه امتاروا، ومن ميرته اشتغلواوقد روي أن رجلا من الشام قال لعمر: يا أمير المؤمنين! فسمعه العباسفقال: أنا أحق به منك، فقال له عمر: أحق به والله مني ومنك رجل خلفناهبالأمس في المدينة يعني عليا.

وقد تضمنت أحاديث الفريقين، وكتب القبيلتين، بالتصريح بإمامة عليعليه السلام لا بالتضمين والالتزام، وهي قطرة من بحره الزخار، وقبة من ضوءالنهار، وقد أنشأ الفضلاء فيه أنواع الأشعار، تركنا أكثرها طلبا للاختصار قالالسيد الحميري:


وفيهم علي وصي النبيبمحضرهم قد دعاه أميرا
وكان خصيصا به في الحياةوصاهره واجتباه عشيرا

(١) الميرة: الطعام يمتاره الانسان.

٥٧
٥٨

وفي صريح وصف النبي صلى الله عليه وآله له وكلامه دليل ظاهر على أنه أحق بمقامهإذ تخصيصه بهذا القول دون غيره من أمته، دليل فضيلته الموجب لاستحقاق رتبتهوسيأتي شئ من ذلك في باب المطاعن، وسنورد ذلك أيضا في هذا الكتاب من طريقالخصم، ليكون أدعى إلى التسليم.

ففي الجزء الرابع من أجزاء ثمانية في صحيح البخاري قال عمر: توفيالنبي صلى الله عليه وآله وهو راض عن علي، وقال له: أنت مني وأنا منك، ونحوه في الجزءالخامس في رابع كراس من أوله.

وفي الجزء الثاني من الجمع بين الصحيحين من عدة طرق عن أبي جنادةقال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: علي مني وأنا من علي، لا يؤدي عني إلا أنا وعلي، ومثله في سنن أبي داود وصحيح الترمذي ورواه ابن حنبل أيضا.

ورواه ابن المغازلي الشافعي من عدة طرق وفي بعضها: (علي مني وهوولي كل مؤمن بعدي) ومثله في فردوس الديلمي ونحوه عن عمرو بن ميمون عنابن عباس ونحوه في رواية الخدري وفيها (علي مني كخاتمي من ظهري، منجحدر ما بين ظهري من النبوة فقد كفر) وروى نحوه الواعظ في شرب النبي صلى الله عليه وآلهورواه التميمي في الجزء الثالث من جواهر الكلام، ورواه ابن سيرين أيضا وفيتاريخ الخطيب وفضائل السمعاني وفردوس الديلمي زيادة: علي مني مثل رأسيمن بدني.

وأسند ابن حنبل إلى عبد الله بن أخطب قول النبي صلى الله عليه وآله لبني ثقيف: لتسلمنأو لأبعث إليكم رجلا مني - أو قال: مثلي أو مثل نفسي - يضرب أعناقكم، ويسبيذراريكم، ويأخذ أموالكم، قال عمر: فوالله ما اشتهيت الإمارة إلا يومئذ، فنصبتصدري رجاء أن يقول علي(١)، فأخذ بيد علي وقال: هو هذا.

وروى ابن حنبل أيضا من طريقين قول جبرائيل للنبي صلى الله عليه وآله يوم أحد وقدقتل علي أصحاب الألوية: إن هذه لهي المواساة فقال صلى الله عليه وآله: إنه مني وأنا منه.

(١) عنى: خ. إلى، ظ، ويقول أي يشير.

٥٩

وروي أن الشيخين هربا ورجع عمر وهو ينشف دموعه، ويسأل عليا العفوفقال له: ألست المنادي: قتل محمد ارجعوا إلى أديانكم؟ فقال: إنما قاله أبو بكر فقالعليه السلام: أنتما ومن اتبعكما حينئذ حصب جهنم، أنتم لها واردون، ثم نزلت(إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان(١)).

وروى ابن حنبل أيضا أن عليا أخذ في اليمن جارية فكتب خالد مع بريدةإلى النبي صلى الله عليه وآله فأعلمه فغضب وقال: يا بريدة لا تقع في علي فإنه مني وأنا منه.

وأورده ابن مردويه من طرق عدة وفي بعضها أن النبي صلى الله عليه وآله قال لبريدة:

إيها عنك فقد أكثرت الوقوع في علي، فوالله إنك لتقع في رجل أولى الناس بكمبعدي، وفي بعضها إنه طلب من النبي صلى الله عليه وآله الاستغفار، فقال له: حتى يأتي عليفلما أتى علي قال النبي صلى الله عليه وآله لعلي: إن تستغفر له(٢) فاستغفر، وفي بعضها أنبريدة امتنع من بيعة أبي بكر لأجل النص الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وآله بالولايةبعده، وفي بعضها أن بريدة بايع النبي صلى الله عليه وآله على الاسلام جديدا، ولولا أن الانكارعلى علي يوجب تكفيرا، لم يكن لبيعة بريدة ثانيا معنى، وهذا شئ لم يوجد لغيرهمن أصحابه قطعا.

فهذه كتب القوم التي هي عندهم صادقة، بولاية علي عليه السلام ناطقة، إذ في جعلهمن بدنه مثل الرأس، دليل تقديمه على سائر الناس.

إن قيل: فقوله: لا يؤدي عني إلا هو، فيه رفع الإمامة عن أولاده، وليسذلك من مذهبكم قلنا: لا، فإن حكمهم واحد، وأمرهم واحد، لأن ما أداه عليأخذه أولاده منه واحد بعد واحد، فكان المؤدي إلى الناس هو وإن كان بواسطةولأن النبي صلى الله عليه وآله كان يعلم تغلب القوم على أمره، فنفى التأدية عنهم لا عنأولاده، كيف ذلك وقد نص عليهم في مقام بعد مقام، وسيأتي ذلك في جملة من نصوصهعليه السلام، فيجب حمل نفي التأدية على غيرهم، دفعا لتناقض الكلام.

(١) آل عمران: ١٥٥.

(٢) أي إن شئت أن تستغفر له.

٦٠