×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج3) / الصفحات: ٢٨١ - ٣٠٠

٢٨١

قالوا: الإشهاد يتعلق بالنكاح في قوله عن المطلقات: (فإذا بلغن أجلهنفأمسكوهن) لا بقوله: (أو فارقوهن) قلنا: قال القاضي في تفسيره: إنه متعلقبالرجعة والفرقة، ولأن العطف ب (أشهدوا) لا يجوز رجوعه إلى الفرقة، لأنهاليست شيئا يفعل، وإنما هي العدول عن الرجعة، ولم يوجب الإشهاد فيها أحد، ولايرجع إلى الرجعة التي عبر الله عنها بالامساك لأنه لم يوجب الإشهاد فيها سوىالشافعي في أحد قوليه، وليس حجة علينا، مع أنه محجوج بقوله الآخر، وقولمقاتل: إنه مستحب، فتعين رجوع العطف إلى الطلاق.

قالوا: العطف على الأقرب أولى. قلنا: الأولوية تتبع المعنى لا القربقال الله: (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه (١)) عادت (وتسبحوه) إلى الله، وهو الأبعد لعدم صلاحها للأقرب، وبهذا يظهر لك الجوابعن قولهم: إن جملة الطلاق تقدمت.

قالوا: لا يلزم من عطف الإشهاد على الطلاق كونه شرطا فيه بأن يكون أمرإرشاد كما أمر في الدين بالكتابة والإشهاد، وأمر في البيع بالإشهاد، وليس هذانشرطا في صحة الدين والبيع.

قلنا: الأمر حقيقة في الوجوب، فلا يصار عنه إلا عن دليل، فلا تشنيع علىمن تبع ظواهر الآيات.

قالوا: المحتاج في الإشهاد النكاح لأن فيه انتقال البضع إلى الزوج، فيحتاجإلى تثبت الانتقال، والطلاق حل هو التخلية فيكفي فيه النية قلنا: وفي الطلاق ردالبضع إليها فيحتاج إلى تثبيته، وقد ساعدنا الخصم عليه فقال ابن المرتضى في تفسيره:

فائدة الإشهاد على أن يموت أحدهما فيدعي الباقي بقاء الزوجية ليرث، ولأنه لما

(١) الفتح: ٩.

٢٨٢

ثبت التزويج لو ادعت المرأة الطلاق لم تثبت إلا ببينة، وبدونها تكون كالمعلقة وكذا لو ادعاه الزوج، لم يخلص من لوازم النكاح إلا ببينة، فلهذا صار الإشهادشرطا في الطلاق، بخلاف النكاح لملك المرأة بضعها، ولا منازع لها، فإذا تراضياعلى وجه شرعي تم الأمر، ولم يحتج إلى الأشهاد وفاقا.

على أنا لا نثبت شرطية الإشهاد هنا بمجرد الأمر به لورود الأمر بالندبوغيره، بل نثبت بالأخبار الصحيحة عن أئمة الاسلام أهل البيت عليهم السلام وبها أيضاأثبتنا عدم شرطية النكاح به، وقد وافق بعضهم على أنهما إذا تواصيا بالكتمان صحبلا شهود، وقد جاء النكاح في مواضع من الكتاب عاريا عن ذكر الشهود.

قالوا: جاء بالسنة (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل). قلنا: على تقديرصحته محمول على نفي الكمالية كلا صدقة وذو رحم محتاج، وبه يسقط الاحتجاجويترك اللجاج، وقد خالف مالك ذلك وقد أضاف الله النكاح إليهن في قوله: (فلاجناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن (١)) (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن حتىتنكح زوجا غيره (٢)).

ومنها: نجاسة المشرك يدل عليها قوله تعالى: (إنما المشركون نجس فلايقربوا المسجد الحرام (٣)) فقد أجراهم الله مجرى القذر، وقد جاء من طرق المخالفما رواه ابن المرتضى والزمخشري عن الحسن: من صافح مشركا فليتوضأ وحكىالفراء في المعالم عن الضحاك وأبي عبيدة أنه قدري، وحكى ابن المرتضى والزمخشري في تفسيرهما عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، ولفظة (نجس) حقيقة شرعية في نجاسة العين، فلا يعدل عنها مع إمكانها سوى ذي مين

(١) البقرة: ٢٤٠.

(٢) البقرة: ٢٢٣.

(٣) براءة، ٢٨.

٢٨٣

وإنما رجعوا في ذلك إلى فعل عمر، فقد ذكر أبو حامد في الإحياء أنه توضأ منجرة نصرانية، على أن في الجمع بين الصحيحين سأل تغلبة الحسني النبي صلى الله عليه وآلهعن الأكل في آنيتهم، فقال: إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، وإن لم تجدوافاغسلوها.

ورووا أن أبا بكر قال: ندمت أن لا أكون سألت النبي صلى الله عليه وآله عن ذبائحأهل الكتاب، وروى النضر بن شميل عن هاشم بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدةقال: سألت عليا عليه السلام عن ذبائح النصارى فقال: لا تأكلوا ذبائحهم. فإنهم لميتعلقوا بشئ من دينهم إلا بشرب الخمر.

قال مؤلف الكتاب:

أباحوا ذبائح أهل الكتابفيا ويلهم من أليم العقاب
أليس رووا النهي عنها وقدبتنجيسهم جاء نص الكتاب


قالوا: حل طعامهم في قوله: (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم (١))دليل طهارتهم، فوفقنا بين هذه وآية التنجيس بأن نجاستهم باطنة، وذلك استعارةلا على الحقيقة في عينهم، أو ذلك للمبالغة في ذمهم، أو للملازمة بين النجايس كالدموالخمر وبينهم، فقبلت التأويل بذلك وبوجود الخلاف، وحل الطعام لا يقبلالتأويل.

قلنا: قد بينا أن النجاسة حقيقة في العينية على أن ظاهر آية حل الطعاممتروك عندهم بخروج الخمر والخنزير، وما لم يذكر اسم الله عليه، فالمرادالحبوب أو غير المباشرة من غيرها.

قالوا: حل نكاحهم بالاتفاق، دليل على طهارتهم في قوله: (والمحصناتمن الذين أوتوا الكتاب (٢)) فآية حل الطعام والنكاح ناسخة للنجاسة للنص

(١) المائدة: ٥.

(٢) المائدة: ٥.

٢٨٤

على أن (المائدة) آخر القرآن نزولا.

قلنا: نمنع الاتفاق إلا أن يكون منكم، ولا نسلم أن (المائدة) * لم يدخلهامنسوخ، وقد ذكر صاحب التقريب أن آيتها منسوخة بقوله تعالى: (ولا تنكحواالمشركات حتى يؤمن (١)) ونسبه الطبري إلى ابن عباس، ورواه ابن المغربيعن ابن عمر وهو مذهب عمر انتهى كلامه.

وقال هبة الله المفسر البغدادي منهم: إن عبد الله بن عمر قال: آية البقرةمحكمة، وآية المائدة، ولهذا قال هبة الله: إن المائدة دخلها الناسخ والمنسوخ، وعند أكثرهم أن آيتي البقرة والمائدة مجهولتا التاريخ.

قالوا: ومن ثم اختلف في أيتهما الناسخة؟ قال صاحب التقريب فيهما وفي آية الممتحنة: لا أعلم نقلا يعتمد في المتقدم والمتأخر منها.

قلنا: فحينئذ يترجح أحكام آية البقرة لقوله عليه السلام: ما اجتمع الخلال والحرام إلا غلب الحلال الحرام.

إن قيل: آية البقرة مخصوصة بالوثني قلنا: لام الجنس للعموم، وقد روىشهر بن حوشب عن ابن عباس أن عمر فرق بين طلحة وحذيفة، وامرأتيهماالكتابيتين، ذكره صاحب التقريب وغيره، وقال: وأخرج الطبري عن ابن عباسأن الله حرم نكاح كل كافرة بقوله: (ولا تمسكوا بعصم الكوافر (٢)) ومنالكفار أهل الكتاب لقوله: (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب (٣)) (مايود الذين كفروا من أهل الكتاب (٤)) وقد بين الله مورد النكاح أنه المؤمنات

(١) البقرة: ٢٢١.

(٢) الممتحنة: ١٠.

(٣) البينة: ١.

(٤) البقرة: ١٠٥.

٢٨٥

ولو جاز غيره لم يخصصهن، ولأن النكاح مودة لقوله: (وجعل بينكم مودة (١))والكافر محرم له المودة لآية (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادونمن حاد الله ورسوله) الآية (٢)).

إن قالوا: مخصصة بالحربية لآية (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكمفي الدين (٣)) قلنا: منسوخة الحكم، وقد حكى البلخي أن المراد بالكتابياتاللواتي أسلمن، لأنهم كانوا يتحرجون من نكاحهن، ومن علمائنا من خصالآية بالمتعة والملك للروايات وهم محجوجون بما ذكرناه، فالأولى عدمه إلاعند الضرورة.

قالوا: (ولقد كرمنا بني آدم (٤)) يقتضي بعمومه عدم التنجيس، قلنا:

إنما استدللنا بالنص على التنجيس، على أن التكريم لو اقتضى عموم رفع التنجيسلزم أن لا ينجس المسلم بنجاسة عارضية، والاجماع خلافه، وقد فسر ابن عباسوعطاه والضحاك وغيرهم كما نقله الفراء وابن المرتضى عنهم التكريم بسبعة عشرخصلة منها العقل، والأكل بيده، والنظر إلى السماء، والنطق، واعتدال القامةوحسن الصورة، وتسخير الأشياء، والرجال والنساء، بالذوائب واللحاءولم يذكروا التطهير، ولو فرضنا أن الله قال: ولقد طهرنا بني آدم، مع قوله:

(إنما المشركون نجس) (٥)) لم يتناقضا، ولم يلزم مساواة ذوات الأنبياء في الطهارة

(١) الروم: ٢١.

(٢) المجادلة: ٢٢.

(٣) الممتحنة: ٨.

(٤) الإسراء: ٧٠.

(٥) براءة: ٢٨.

٢٨٦

للكافر، وبطلانه ظاهر.

ومنها: ما نقموا علينا من تركنا (ربنا لك الحمد) عند القيام من الركوعوقد ذكر في الحديث الثاني من الجمع بين الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله كان إذارفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ومثله في الحديث الثاني والخمسين من المتفقعليه ونحوه أبو داود في صحيحه (١) فنحن يحسن منا أن نذمهم، حيث تركوا أسوةنبيهم، وصحيح أخبارهم، وقالوا: ربنا لك الحمد، بأهوائهم.

ومنها: ما نقموا علينا في ترك الوضوء مع غسل الجنابة، وقد ذكر ابن حنبلفي مسنده أن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يتوضأ بعد الغسل، وفي الحلية قال النبي صلى الله عليه وآله:

من توضأ بعد الغسل فليس منا، وذكره أيضا أبو داود في سننه (٢) وقد سلف ذلكفيما سلف.

ومنها: فساد الصوم الواجب سفرا لما صح من روايات أهل البيت فيه، وساعد الخصم عليه، قال ابن المرتضى: الصوم جائز يعني في السفر عند عامة أهلالعلم إلا منعا روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بنالحسين فإنهم قالوا: لا يجوز وأوجبوا القضاء قال: وهو مذهب أهل البيتلقوله عليه السلام: ليس من البر الصيام في السفر، وقال ذلك بعينه الفراءفي معالمه.

وحكى صاحب التقريب في الناسخ والمنسوخ أن الطبري نسب القولبنسخ التحريم إلى عدة من الصحابة والتابعين، وأورده بأسانيد.

قال: وزعم بعض الناس أن التخيير منسوخ بحديث ابن عباس خرج النبي

(١) سنن ابن داود ج ١: ١٩٨.

(٢) سنن أبي داود ج ١: ٥٧.

٢٨٧

صلى الله عليه وآله عام الفتح في رمضان فلما بلغ الكديد أفطر إلى آخر الشهرفقيل: إن من الناس من صام؟ فقال مرتين: أولئك العصاة، فالفطر عند هؤلاءواجب على المسافر، ومن صام لم يجزه.

وقريب منه ذكر ابن المرتضى في تفسيره عن جابر والفراء في معالمهأيضا عن جابر، وروي ذلك في الجمع بين الصحيحين في الحديث الثاني منالمتفق عليه.

وفيه لما استوى النبي صلى الله عليه وآله على راحلته دعا بإناء فأراه الناس ثم شربه وشربالناس، وفي حديث آخر من الجمع بين الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك لمابلغ كراع الغميم وقد تقدم في الباب المتقدم.

فهذه روايات الفريقين ويعضدها قوله تعالى: (فعدة من أيام أخر (١))ومن أضمر (فأفطر فعدة) من غير دليل، فقد ضل سواء السبيل.

قالوا: الصوم عزيمة في الحضر، والفطر رخصة في السفر، ومتى صحتالعزيمة قدمت على الرخصة كالماء والتراب قلنا: لا بل الفطر في السفر عزيمةأيضا ولو سلم أنه رخصة لم يناف الوجوب لاجتماعهما في مادة أكل الميتة بخوفالتلف.

قالوا: إذا ارتفع وجوب الصوم لا يلزم منه رفع جوازه لما تقرر في الأصولقلنا: لا بل رفع الوجوب أعم من بقاء الجواز كما في صورة الميتة عند التلف، وقدسلف، والوجوب خاص لا يلزم من ارتفاعه ارتفاع العام الذي أحد أفراده التحريمولو سلم بقاء الجواز من بحث الأصول فالاستناد في وجوب الفطر إلى ما مضى منالمنقول (٢).

(١) البقرة: ١٨٥.

(٢) منها: إن الله يحب أن يؤخذ برخصه، كما يجب أن يؤخذ بعزائمه.

٢٨٨

ومنها: ما أنكروه علينا في القنوت قبل الركوع، وفي الجمع بين الصحيحينفي الحديث التاسع والثلاثين من المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وآله قنت في صلاة الغداةودعا على قوم، فقال رجل: القنوت بعد الركوع أو عند الفراغ من القراءة؟

فقال: بل عند الفراغ من القراءة.

ومنها: فساد صوم متعمد البقاء على الجنابة إلى الصباح استنادا إلى رواياتأهل بيت نبينا، المعتضدة بروايات خصومنا، قال ابن قدامة في المغني: كانأبو هريرة يقول: لا صوم له، ويروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله، وذكر ذلك أكثرالأصوليين في باب التعادل، وحكي عن الحسن وسالم بن عبد الله قالا: يتم صومهويقضي، وعن النخعي: يقضي عن الفرض دون النفل وعن عروة وطاوس: إن علمبجنابته في رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فهو مفطر، وإن لم يعلم قضاها هذاآخر كلام قدامة.

فإن عارضوا بخبر عائشة كان النبي صلى الله عليه وآله يصبح جنبا من غير احتلام ثميصوم يومه، وفي بعض الروايات وذلك في شهر رمضان قلنا: هو من طرقكم دوننافلا يعارضنا.

إن قالوا: الجنابة لا تنافي الصوم كما في المحتلم نهارا، فكذا هنا، قلنا:

يفرق بين عمد البقاء عليها إلى النهار لأجل الاختيار، وبين الاحتلام في النهار لعدمالاختيار، على أن ابتداء الجنابة أضعف من استدامتها ولا يلزم من عدم تأثير الضعيففي إبطال الصوم عدم تأثير القوي.

قالوا: لا معنى للطهارة والحدث في الصوم إذ ليس عملا كالصلاة.

قلنا: إنما أثبتنا شرطية الطهارة بالأحاديث، لا بقياس الصوم على الصلاةثم لا نسلم أن الطهارة لا يكون إلا لعمل، فإنها تكون للزمان والمكان، فلا يلزممن عدم تعلقهم المعنى بين الطهارة والصيام عدم المعنى، وقد أوجب الله اعتداد الصغيرة

٢٨٩

واليائسة وغير ذلك، ولا يعقل له معنى، ثم كيف تقولون ذلك؟ وعندكم أن اللهيفعل لا لغرض؟ على أن عدم المعنى بينهما لا يلزم منه تنافيهما.

قالوا: أباح الله الجماع والأكل والشرب إلى الفجر فيقع الغسل في جزءمن اليوم، قلنا: جاز تعلق الغاية بالجملة الأخيرة وقد تواتر أن المباشرة قبلنزول الآية كانت منتفية نفيا كليا فتكون الآية الناسخة لتحريمها إيجابا جزئيالأن السلب الكلي إنما يناقضه الايجاب الجزئي.

وأما الأكل والشرب، فكان نفيهما جزئيا متعلقا باليوم، فيكون إيجابهماكليا في عامة الليل، وإن السنة بنيت إجمال الآية كما بينت إجمال أقيموا الصلاةوآتوا الزكاة، ونحوهما.

قالوا: وإذا جاز الوطئ إلى الفجر، وقع النزع الذي هو جزء منه بعد الفجرقلنا: إذا جعلتم النزع جزءا منه والفجر غاية له فهو غاية لجزئيه فلا يجوز تأخيرالجزء إلى الفجر إذ يجب خروج الغاية هنا تغليبا للحرمة بخلاف المسجد الأقصىفي آية الأسرى.

ومنها: ما نقموا علينا في السجود على شئ تتخذوه، وفي الجمع بينالصحيحين في الحديث الثالث من المتفق عليه في مسند ميمونة كان النبي صلى الله عليه وآلهيصلي على خمرته، ومنه: في أفراد مسلم في الحديث الثاني كان النبي صلى الله عليه وآله يصليعلى الخمرة (١) ونحوه في مسند عائشة عن الخدري وقد ذكر صاحب الصحاح وغيره من أهل اللغة أن الخمرة سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل، فإذا كانالنبي صلى الله عليه وآله فعل ذلك ولنا به أسوة حسنة، فعلام تنكره الفرقة المفتتنة؟

ومنها: إنكار بعضهم فضيلة الجمعة والمنافقين في الجمعة وفي مسند أبي نعيم

(١) وتراه في سنن أبي داود ج ١ ص ١٥٢.

٢٩٠

وأبي حنيفة وابن حنبل كان النبي صلى الله عليه وآله في الجمعة يقرأ بهما وفي الجمع بينالصحيحين في مسند ابن عباس في الحديث الحادي والعشرين من أفراد مسلم قرأأبو هريرة بهما فقيل له: كان علي بن أبي طالب في الكوفة يقرأ بهما! فقال: سمعتالنبي صلى الله عليه وآله في الجمعة يقرأ بهما.

ومنها: إنكارهم الجريدتين مع الميت وقد أسلفنا في الباب السالف حديثالحميدي فيها، ونزيد هنا ما أسنده أيضا إلى كعب الأسلمي وجابر الأنصاريأن النبي أمر أن يقطع غصنين من شجرتين، ويوضع كل منهما على قبر، وقال:

أحببت بشفاعتي أن ترد عنهما العذاب ما داما رطبين.

وقال البخاري (١): أمر بريدة الأسلمي أن يوضع في قبره جريدتان، وذكر الإصفهاني في كتاب الترغيب، وأخرجه مسلم والبخاري عن يعلى بن سيابةقال: إن النبي صلى الله عليه وآله مر على قبر يعذب صاحبه، وقال: كان يأكل لحوم الناسثم وضع عليه جريدة، وقال: لعله أن يخفف ما دامت رطبة.

قال المرتضى والحسن: والتعجب من ذلك كتعجب الملحدة من الطوافوالرمي وتقبيل الحجر، ونحو ذلك وكثير من الشرائع مجهول العلل.

ومنها: ما نقمونا في الجمع بين الفرائض وقد جاء القرآن (بأقم الصلاةلدلوك الشمس إلى غسق الليل (٢)) ولم يعين تفريق الصلاة، ولا خص كل واحدةبوقت معين من دلك؟، وقد عرف في الأصول بطلان من خص الوجوب بأول الوقتأو آخره.

قالوا: السنة بينت قلنا: بيانها محمول على الاستحباب ولا لوم في تركه.

(١) كتاب الجنائز باب الجريد على القبر ج ١ ص ٢٣٦.

(٢) أسرى: ٧٨.

٢٩١

قالوا: مداومة النبي صلى الله عليه وآله على تفريقها دليل الوجوب فيها، قلنا: لا بلالمقرر في الأصول حمل أفعال النبي صلى الله عليه وآله على الندب إذا جهل وجهها، وقد داومعلى مندوبات فلم يلزم وجوبها.

على أنه قد روى الحميدي في الحديث الثامن والثمانين من المتفق عليهفي مسند عبد الله بن عباس قال: صلى النبي الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاءجميعا، من غير خوف ولا سفر، قال ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته وفي صحيحمسلم من حديث حبيب مثل ذلك (١).

وفي رواية جابر بن زيد في مسند ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله صلى في المدينةسبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

وفي فرائد الأفراد للدارقطني عن عائشة: جمع النبي صلى الله عليه وآله بين الظهرين والعشائين في المدينة من غير خوف ولا مطر، ونحوه روى صاحب الحلية عن سفيانالثوري عن جابر أن النبي جمع بين الظهرين بالمدينة من غير مطر ولا سفر ولاخوف، وجمع بين العشائين أيضا ونحوه في موطأ مالك عن ابن عباس.

وقد روى مسلم في صحيحه أن عبد الله بن شقيق نازع ابن عباس في الجمعبين الصلاتين فقال: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ فسألت أبا هريرة فصدقه.

شعر:
ولو أنصفت في حكمها أم مالكإذا لرأت تلك المساوي محاسنا


(١) أخرجه في نيل الأوطار ج ٣ ص ٢٢٩، والحديث متفق عليه، تراه في سنن أبيداود ج ١ ص ٢٧٦ و ٢٧٧.

٢٩٢

تذنيب:

لا خلاف في وجوب اتباع المجمع عليه، وترك المختلف فيه إذ فيه براءةالذمة عن يقين، والبعد عن تجويز اتباع المضلين، فنقول: أجاز بعض السنةالوضوء بالنبيذ، والماء مجز إجماعا، ومسح الخفين، والقدمان مجزيان إجماعاوالصلاة في الدار المغصوبة، والمباحة مجزية إجماعا، وترك النية والتسمية فيالفاتحة، وفعلهما غير مبطل إجماعا، و (مدهامتان (١)) عوضها، وفعلها وتمامالسورة غير مبطل إجماعا وترك الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع منهما، وفعلهما غير مبطل إجماعا، وفعل الكتف والتأمين وتركهما غير مبطل إجماعا، والسجود على الملبوس، وعلى الأرض ونباتها غير مبطل إجماعا، وترك التشهد معقول النبي صلى الله عليه وآله لابن مسعود لما علمه إياه: إذا فعلت هذا فقد قضيت صلاتك معأن فعله غير مبطل إجماعا، والخروج من الصلاة بحبقة (٢) والتسليم مخرج إجماعاإلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة، وما كفاهم ترك ما أجمع فيه حتى شنعوا على العاملينبه، فما أحسن قول بعض الفضلاء في ذلك ونحوه:

شعر:
إذا محاسني اللاتي أمت بهاصارت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر


وقد وضعت أشياء أخر من ذلك في باب تخطئة كل واحد من الأئمة الأربعةوما فيها من المخالفات للمعقولات، ومنطوق الآيات، وأخبار الثقات، فإذا أريدالتطرف به فليطلب من موضعه.

(١) الرحمن: ٦٤.

(٢) الحبقة: الضرطة، وأكثر استعمالها في العنز يقال: ما يساوي حبقة عنزة.

٢٩٣

إن قالوا: فأنتم خالفتم أيضا ما أجمع عليه، فيلزمكم ما ألزمتمونا فيهفأجزتم جمع الفرائض والتفريق مجز إجماعا ونكاح المرأة على عمتها وخالتها بإذنهاوعدمه جايز إجماعا، واستحببتم الجريدتين، وتركهما غير مخل إجماعا، ولم توجبواالوضوء مع غسل الجنابة وفعله غير مبطل إجماعا، وأجزتم النكاح بغير ولي ولاشهود، وبهما صحيح إجماعا ونحو ذلك يظهر لمن تتبعه.

قلنا: أما تفريق الفرائض فندب إجماعا، والنكاح على العمة منطوق القرآن(فانكحوا ما طاب (١)) (وأحل لكم ما وراء ذلكم (٢)) وقد أسلفنا في الجريدتينما رويتم، وقدمنا الدليل على عدم اشتراط الولي والإشهاد، والوضوء من كتابالله وكتبكم، فلا اشتراك بيننا وبينكم ولله المنة.

*  *  *

فهذا ما تهيأ لي في جمع الصراط المستقيم، إلى مستحقي التقديم. وقد أردفتهمن المعقول معان مستغربة الإشارات، مستعذبة العبارات، وأردفته من المنقولتقريب الكلمات، وتهذيب المقدمات، فجاء بحمد الله محصول فصوله متخلصا منتضليل معانيه، وكان بعون الله مدلول أصوله ملخصا من تطويل مبانيه، حيث استعنتمن الله بمنه ومنعته، واستبنت من لطفه ورحمته واعتضدت بطوله وعزته، واعتمدت على حوله وقوته.

وأسأل الله الكريم أن يستمر بي على اعتقاد صحته، وأطلب من فضله العميمأن يجازيني على جمعه النعيم بجنته، عالما بأنه يجيب من دعاه من عباده، ولا يخيبمن رجاه لمعاشه ومعاده، ولأختمه بأبيات سنحت لي عند نظامه، وسمحت بهافكرتي عند تمامه:

(١) النساء: ٣.

(٢) النساء: ٢٤.

٢٩٤


شعر:
جمعت من الدين القويم صحائفاهداني إليها خالقي بجلاله
وحررت فيه للولي لطائفاتجلى عمى عين الغبي وباله؟؟
وأوضحت فيه للغوي طرائفاسرائرها مطوية في خياله؟؟
وقررت فيه كل قول منضديزحزحه في دينه عن؟؟؟ له
فلا وامق إلا هدى بكمالهولا وامق (١) إلا هوى بفعاله
يساق إليه الموت عند نزالهوينساق للأفحام عند جداله
وسميته باسم الصراط تيمناليسلك فيه للنبي وآله
وأرجو إلى الرحمن منهم شفاعةتصرف عني من عظيم وباله
لنصف وثلث من ربيع آخر أتىلا عوام (ذق ند) تمام (٢) جماله


تم والحمد لله

(١) ولا مارق خ ل.

(٢) عدد حروفها ٨٥٤، راجع ج ٢ ص ٢٠ من مقدمة المجلد الثاني؟ دمة العلامةآقا بزرك الطهراني مد ظله.

٢٩٥