×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبادة حدّها ومفهومها / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
كتاب العبادة حدّها ومفهومها للعلامة الشيخ جعفر السبحاني (ص ١ - ص ٢٥)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية


قال الله تبارك وتعالى:

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ}


٥
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه وحده نستعين وعليه وحده نتوكل

والحمد لله ربّ العالمين، والصَّلاة والسلام على سيد رُسُله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

يهتم المسلمون اهتماماً كبيراً بالعقيدة الصحيحة لأنّها تشكّل حجر الزاوية في سلوكهم ومناراً يضيءُ دروبهم وزاداً لمعادهم.

ولهذا كرّسَ رسُولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفترة المكيّة من حياته الرسالية نفسه لإرساء أُسس التوحيد الخالص، ومكافحة الشرك والوثنية، ثم بنى عليها في الفترة المدنية صَرحَ النظامِ الأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي والسياسيّ.

ولهذا ـ ونظراً للحاجةِ المتزايدة ـ رأينا أن نقدّم للأُمةِ الإسلاميّة الكريمة دراسات عقائدية عابرة مستمدَّة من كتاب اللهِ العزيز، والسُنّةِ الشريفة الصحيحة، والعقل السليم، وما اتَّفق عليه علماءُ الأُمةِ الكرام، والله الموفِّق.


معاونيّة التعليم والبحوث الإسلاميّة

٦
٧
بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم


العبادة من الموضوعات التي تطرق إليها الذكر الحكيم كثيراً. وقد حثَّ عليها في أكثر من سورة وآية وخصَّها بالله سبحانه وقال: {وقَضى ربُّكَ ألاّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ وبِالوالِدَينِ إحساناً} (الإسراء/٢٣) ونهى عن عبادة غيره من الأنداد المزعومة والطواغيت والشياطين، وجعلها الأصل الأصيل بين الشرائع السماوية وقال: {يا أهلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمة سَواء بَينَنا وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ إيّاهُ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً ولا يَتَّخذَ بَعضُنا بَعضاً أرباباً مِنْ دُونَ اللهِ} (آل عمران/٦٤) كما جعلها الرسالة المشتركة بين الرسل فقال سبحانه: {ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ اُمَّة رَسولا أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ فمِنهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ ومِنهمْ مَنْ حَقَّتْ عَليهِ الضَّلالةُ} (النحل/٣٦).

فإذا كان لهذا الموضوع تلك العناية الكبيرة فجدير

٨
بالباحث المسلم أن يتناولها بالبحث والتحقيق العلمي، حتى يتميّز هذا الموضوع عن غيره تميزاً منطقياً.

والذي يُضفي على الدراسة، أهمية أكثر، هو أنّ التوحيد في العبادة أحد مراتب التوحيد التي لا محيص للمسلم من تعلّمه، ثم عقد القلب عليه، والتحرر عن أيّ لوم من الوان الشرك. فلا تُنال تلك الاُمنيةُ في مجالي العقيدة والعمل إلاّ بمعرفة الموضوع معرفة صحيحة، مدعمة بالدليل حتى لا يقع في مغبَّة الشرك، وعبادة غيره سبحانه.

ورغم المكانة الرفيعة للموضوع لم نعثر على بحث جامع حول مفهوم العبادة يتكفّل بيان مفهومها، وحدّها الذي يُفصله عن التكريم والتعظيم أو الخضوع والتذلل، وكأنَّ السلف (رضوان الله عليهم) تلقّوها مفهوماً واضحاً، واكتفوا فيها بما توحي إليهم فطرتُهم.

ولو صحّ ذلك فإنّما يصح في الأزمنة السالفة، دون اليوم الذي استفحل عند بعض الناسِ أمر ادّعاء الشرك في العبادة، فيما درج عليه المسلمون منذ قرون إلى أن ينتهي إلى عصر التابعين والصحابة فأصبح ـ بادعائهم ـ كل تعظيم

٩
وتكريم للنبيّ، عبادة له، وكلّ خضوع أمام الرسول شرك، فلا يلتفت الزائر يميناً وشمالا في المسجد الحرام والمسجد النبوي إلاّ وتوقر سمعه كلمةُ "هذا شرك يا حاج"، وكأنّه ليس لديهم إلاّ تلك اللفظة، أو لا يستطيعون تكريم ضيوف الرحمن إلاّ بذلك.

فاللازم على هؤلاء ـ الذين يعدون مظاهر الحبّ والودّ، والتكريم والتعظيم شركاً وعبادة ـ وضعَ حدٍّ منطقيّ للعبادة، يُميَّز بها، مصاديقُها عن غيرها حتى يتّخذه الوافدون من أقاص العالم وأدانيه، ضابطة كلّية في المشاهد والمواقف، ولكن ـ وللأسف ـ لا تجد بحثاً حول مفهوم العبادة وتبيينها في كتبهم ونشرياتهم ودورياتهم.

فلأجل ذلك قمنا في هذه الرسالة، بمعالجة هذا الموضوع، بشرح مفهومها لغة وقرآناً، حيث بيّنا أنّ حقيقة الشرك في تعاليم الأنبياء أخصّ ممّا ورد في المعاجم وكتب اللّغة.


جعفر السبحاني         
تحريراً في ٢٥ / ٢ / ١٤١٦ هـ

١٠

تخصيص العبادة والاستعانة بالله سبحانه


إنّ المسلم في شرق الأرض وغربها، يخصّ العبادة والاستعانة بالله سبحانه في كلّ يوم في صلواته الخمس فيقول: {إيّاكَ نَعبُدُ وإيّاكَ نَستَعِينُ} ولا خلاف بين المسلمين في هذه الضابطة الكلّية، أي أنّ العبادة مختصّة بالله سبحانه، ولا يصحّ إصدار هوية إسلامية لشخص إلاّ بعد الاعتراف بهذه الكُبرى، وإنّما الخلاف بينهم في بعض الأُمور والأحوال الخارجية، فهل هي عبادة أو لا؟ فلو صحّت كونها عبادة فلا يجوز الإتيان بها لغيره سبحانه وإن أتى بها لغيره يُعدّ مشركاً.

مثلا تقبيل الأضرحة هل هو عبادة لصاحب القبر أو تكريم وتعظيم له؟ وهكذا الصلاة في المشاهد وعند قبور الأنبياء، فهل هي عبادة لصاحب القبر (وإن كانت الصلاة

١١
لله) أو هي عبادة لله ولكن تتضمّن التبرّك بصاحب القبر؟

ومثل ذلك مسألة الاستعانة في نفس الآية، فمع الاعتراف بحصر الاستعانة بالله سبحانه، فلا شكّ عند العقلاء عامة أنّه تجوز الاستعانة بالأحياء في الأُمور الدنيوية، ولكن إذا استعان بإنسان حيّ فيما يرجع إلى الأُمور الغيبية، كردّ ضالته وبرء مرضه فهل هو استعانة تخالف الحصر المذكور في الآية أو لا؟

وهناك صورة ثالثة أبهم من الصورة الثانية وهي: إذا استعان بميّت بنحو من الأنحاء كما إذا طلب منه الدعاء والاستغفار في حقّه فهل هي استعانة تخالف الحصر أو لا؟ وقس على ذلك بعض ما يرد عليك من الصور المردّدة بين العبادة والتكريم، أو بين الاستعانة الجائزة والمحرّمة.

ولأجل أن يكون البحث أكثر علمية وموضوعية علينا أولا البحث في مسألتين:

١ ـ تحديد مفهوم العبادة حتى تتميّز عن التكريم والتبجيل والتبرّك.

٢ ـ تحديد الاستعانة المختصة بالله وفصلها عن الاستعانة الجائزة.

كل ذلك في ضوء القرآن الكريم.

١٢

المسألة الاُولى:

مفهوم العبادة وحدّها


بالرغم من عناية اللغويين والمفسّرين بتفسير لفظ العبادة وتبيينها، لكن لا تجد في كلماتهم ما يشفي الغليل، وذلك لأنّهم فسّروه بأعمّ المعاني وأوسعها وليس مرادفاً للعبادة طرداً وعكساً.

١ ـ قال الراغب في المفردات: "العبودية: إظهار التذلّل، والعبادة أبلغ منها، لأنّها غاية التذلّل، ولا يستحقّ إلاّ من له غاية الإفضال وهو الله تعالى ولهذا قال: {وقَضى ربُّكَ ألاَّ تَعبُدوا إلاّ إيّاهُ...} ".

٢ ـ قال ابن منظور في لسان العرب: "أصل العبودية: الخضوع والتذلل".

٣ ـ قال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: "العبادة:

١٣
الطاعة".

٤ ـ قال ابن فارس في المقاييس: "العبد: الذي هو أصل العبادة، له أصلان متضادّان، والأول من ذينك الأصلين، يدلّ على لين وذل، والآخر على شدّة وغلظ".

هذه أقوال أصحاب المعاجم ولا تشذّ عنها أقوال أصحاب التفاسير وهم يفسّرونه بنفس ما فسّر به أهل اللغة، غير مكترثين بأنّ تفسيرهم، تفسير لها بالمعنى الأعم.

١ ـ قال الطبري في تفسير قوله: {إيّاكَ نَعبُد} اللّهمّ لك نخشع ونذلّ ونستكين إقراراً لكَ يا ربّنا بالربوبية لا لغيرك. إنّ العبودية عند جميع العرب أصلها الذلّة وأنّها تسمّى الطريق المذلّل الذي قد وطئته الأقدام وذلّلته السابلة معبَّداً، ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب للحوائج: معبَّد، ومنه سمّي العبد عبداً، لذلّته لمولاه(١).

٢ ـ قال الزجاج: معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع، يقال: هذا طريق معبّد إذا كان مذلّلا لكثرة الوطء، وبعير معبّد إذا كان مطليا بالقطران، فمعنى {إيّاكَ نَعبدُ}: إياك نطيع،

١- الطبري، التفسير ١: ٥٣، ط دار المعرفة، بيروت.

١٤
الطاعة التي نخضع منها(١).

٣ ـ وقال الزمخشري: العبادة: أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه ثوب ذو عبدة أي في غاية الصفافة، وقوة النسج، ولذلك لم تستعمل إلاّ في الخضوع لله تعالى لأنّه مولى أعظم النعم فكان حقيقاً بأقصى غاية الخضوع(٢).

٤ ـ قال البغوي: العبادة: الطاعة مع التذلل والخضوع وسمّي العبد عبداً لذلّته وانقياده يقال: طريق معبّد، أي مذلّل(٣).

٥ ـ قال ابن الجوزي: المراد بهذه العبادة ثلاثة أقوال:

أ ـ بمعنى التوحيد {إيّاك نعبد} عن علي وابن عباس.

ب ـ بمعنى الطاعة كقوله تعالى {لا تَعبُدِ الشَّيطانَ}.

ج ـ بمعنى الدعاء(٤).

٦ ـ قال البيضاوي: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل، ومنه الطريق المعبّد أي مذلّل، وثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفافة، ولذلك لا تستعمل إلاّ في الخضوع

١- الزجاج، معاني القرآن ١: ٤٨.

٢- الزمخشري، الكشاف ١: ١٠.

٣- البغوي، التفسير ١: ٤٢.

٤- ابن الجوزي، زاد المستنير ١: ١٢.

١٥
لله تعالى(١).

وسيأتي أنّ تفسير العبادة بغاية الخضوع ربّما يكون تفسيراً بالأخص، إذ لا تشترط في صدقها غاية الخضوع، ولذلك يعدُّ الخضوع المتعارف الذي يقوم به أبناء الدنيا أمام الله سبحانه عبادة، وإن لم يكن بصورة غاية التعظيم، وربّما يكون تفسيراً بالأعم، فإنّ خضوع العاشق لمعشوقه ربّما يبلغ نهايته ولا يكون عبادة.

٧ ـ وقال القرطبي: نعبُد، معناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريق معبّد إذا كان مذلّلا للسالكين(٢).

٨ ـ وقال الرازي: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير وهو مأخوذ من قولهم: طريق مُعبَّد(٣).

وإذا قصّرنا النظر في تفسير العبادة، على هذه التعاريف وقلنا بأنّها تعاريف تامّة جامعة للأفراد ومانعة للاغيار، لزم رَمي الأنبياء والمرسلين، والشهداء

١- البيضاوي، أنوار التنزيل ١: ٩.

٢- القرطبي، جامع أحكام القرآن ١: ١٤٥.

٣- الرازي، مفاتيح الغيب ١: ٢٤٢، في تفسير قوله تعالى: (إيّاكَ نعبدُ).

١٦
والصدّيقين بالشرك وأنّهم ـ نستعيذ بالله ـ لم يتخلّصوا من مصائد الشرك، ولزم ألاّ يصحّ تسجيل أحد من الناس في قائمة الموحّدين. وذلك لأنّ هذه التعاريف تفسّر العبادة بأنّها:

١ ـ إظهار التذلّل.

٢ ـ إظهار الخضوع.

٣ ـ الطاعة والخشوع والخضوع.

٤ ـ أقصى غاية الخضوع.

وليس على أديم الأرض من لا يتذلّل أو لا يخشع ولا يخضع لغير الله سبحانه وإليك بيان ذلك:


*  *  *

ليست العبادة نفس الخضوع أو نهايته

إنّ الخضوع والتذلّل حتى إظهار نهاية التذلّل لا يساوي العبادة ولا يعدّ حداً منطقياً لها، بشهادة أنّ خضوع الولد أمام والده، والتلميذ أمام اُستاذه، والجنديُّ أمام قائده، ليس عبادة لهم وإن بالغوا في الخضوع والتذلّل حتى ولو قبّل الولدُ قدمَ الوالدين، فلا يعد عمله عبادة، لأنّ الله

١٧
سبحانه يقول: {واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمة} (الإسراء/٢٤).

وأوضح دليل على أنّ الخضوع المطلق وإن بلغ النهاية لا يعدّ عبادة هو أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم وقال: {وإذْ قُلنا لِلمَلائِكةِ اسْجُدوا لآدَمَ} (البقرة/٣٤) وآدم كان مسجوداً له ككونه سبحانه مسجوداً له، مع أنّ الأول لم يكن عبادة وإلاّ لم يأمر بها سبحانه، إذ كيف يأمر بعبادة غيره وفي الوقت نفسه ينهى عنها بتاتاً في جميع الشرائع من لدن آدم (عليه السلام) إلى الخاتم(صلى الله عليه وآله)، ولكن الثاني أي الخضوع لله، عبادة.

والله سبحانه يصرّح في أكثر من آية بأنّ الدعوة إلى عبادة الله سبحانه والنهي عن عبادة غيره، كانت أصلا مشتركاً بين جميع الأنبياء، قال سبحانه: {ولَقدْ بَعثنا في كُلِّ اُمَّة رَسولا أنِ اعبدُوا اللهَ واجْتنِبوا الطّاغوتَ} (النحل/٣٦) وقال سبحانه: {وَما أرسَلنا مِنْ قَبلِكَ مِنْ رَسول إلاّ نُوحي إليهِ أنَّهُ لا إلـهَ إلاّ أنَا فَاعْبُدونِ} (الأنبياء/٢٥) وفي موضع آخر من الكتاب يعد سبحانه التوحيد في العبادة: الأصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية، إذ يقول: {قل يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمة سَواء بَينَنا وبَينَكمْ ألاّ نَعْبدَ إلاّ اللهُ ولا نُشرِكَ بهِ شَيئاً} (آل عمران/٦٤)،

١٨
ومعه كيف يأمر بسجود الملائكة لآدم الذي هو من مصاديق الخضوع النهائي؟ وهذا الاشكال لايندفع إلاّ بنفي كون الخضوع عبادة، ببيان أنّ للعبادة مقوّماً لم يكن موجوداً في سجود الملائكة لآدم.

ولم يكن آدم فحسب هو المسجود له بأمره سبحانه، بل يوسف الصديق كان نظيره، فقد سجد له أبواه وإخوته، وتحقّق تأويل رؤياه بنفس ذلك العمل، قال سبحانه حاكياً عن لسان يوسف: {إنّي رأيتُ أحدَ عشَر كوكباً والشَّمسَ والقَمَر رأَيتُهُمْ لي ساجِدِينَ} (يوسف/٤).

كما يحكي تحققه بقوله سبحانه: {ورَفعَ أبَويهِ عَلَى العَرشِ وخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وقالَ يا أبَتِ هـذا تَأْويلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلها رَبِّي حَقّاً} (يوسف/١٠٠) ومعه كيف يصحّ تفسير العبادة بالخضوع أو نهايته.

إنّه سبحانه أمر جميع المسلمين بالطواف بالبيت، الذي ليس هو إلاّ حجراً وطيناً، كما أمر بالسعي بين الصفا والمروة، قال سبحانه: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ العَتِيقِ} (الحج/٢٩) وقال سبحانه: {إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيتَ أوِ اعْتَمَر فَلا جُناحَ عَلَيهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما} (البقرة/١٥٨).

١٩
فهل ترى أنّ الطواف حول التراب والجبال والحجر عبادة لهذه الأشياء بحجّة أنّه خضوع لها؟!

إنّ شعار المسلم الواقعي هو التذلّل للمؤمن والتعزّز على الكافر، قال سبحانه: {فَسَوْفَ يأْتِي اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أذِلَّة عَلَى المُؤْمِنينَ أعِزَّة عَلى الكافِرينَ} (المائدة/٥٤).

فمجموع هذه الآيات وجميع مناسك الحج، يدلاّن بوضوح على أنّ مطلق الخضوع والتذلّل ليس عبادة. ولو فسّرها أئمة اللغة بالخضوع والتذلّل، فقد فسّروها بالمعنى الأوسع، فلا محيص حينئذ عن القول بأنّ العبادة ليست إلاّ نوعاً خاصاً من الخضوع. ولو سُميت في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة، فإنّما سُميت من باب المبالغة والمجاز، يقول سبحانه: {أَرأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَواهُ أفأَنتَ تَكونُ عَليهِ وَكيلا} (الفرقان/٤٣) فكما أنّ إطلاق اسم الإله على الهوى مجاز فكذا تسمية متابعة الهوى عبادة لها، ضرب من المجاز.

ومن ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه: {ألَمْ أعْهَدْ إلَيكُمْ يا بَني آدمَ أنْ لا تَعبُدوا الشَّيطانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُستقيمٌ} (يس/٦٠ـ٦١).

٢٠