×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبادة حدّها ومفهومها / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فإنّ مَنْ يتَّبِع قولَ الشَّيطان فيتساهل في الصلاة والصيام، ويترك الفرائض أو يشرب الخمر ويرتكب الزنا، فإنّه بعمله هذا يقترف المعاصي لأنّه يعبده كعبادة الله، أو كعبادة المشركين للأصنام ولأجل ذلك، لا يكون مشركاً محكوماً عليه بأحكام الشرك، وخارجاً عن عداد المسلمين، مع أنّه من عبدة الشيطان لكن بالمعنى الوسيع الأعم من الحقيقي والمجازيّ.

وربما يتوسع في إطلاق العبادة فتطلق على مطلق الإصغاء لكلام الغير، وفي الحديث: "من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عزّ وجلّ فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان"(١).

توجيه غير سديد

إنّ بعض من يفسّر العبادة بالخضوع والتذلّل عندما يقف أمام هذه الدلائل الوافرة، يحاول أن يجيب ويقول: إنّ سجود الملائكة لآدم أو سجود يعقوب وأبنائه ليوسف، لم

١- الكليني، الكافي ٦: ٤٣٤.

٢١
يكن عبادة له ولا ليوسف، لأنّ ذلك كان بأمر الله سبحانه ولولا أمره لانقلب عملهم عبادة لهما.

وهذا التوجيه بمعزِل عن التحقيق، لأنّ معنى ذلك أنّ أمر الله يُغيّر الموضوع، ويبدل واقعه إلى غير ما كان عليه، مع أنّ الحكم لا يغيِّر الموضوع.

فلو نفترض أنّه سبحانه أمر بسبِّ المشرك والمنافق فأمره سبحانه لايخرج السبَّ عن كونه سباً، فلو كان مطلقُ الخضوع المتجلّى في صورة السجود لآدم، أو ليوسف، عبادة لكان معنى ذلك أنّه سبحانه أمر بعبادة غيره، مع أنّها فحشاء بتصريح الذكر الحكيم لا يأمر بها سبحانه، قال تعالى: {إنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحشاءِ أتَقُولونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ} (الأعراف/٢٨).

وهناك تعاريف للعبادة لجملة من المحققين نأتي بها واحداً بعد الآخر:

١ ـ نظرية صاحب المنار في تفسير العبادة

إنّ صاحب المنار لمّا وقف على بعض ما ذكرناه حاولَ أن يُفسّر العبادة بشكل يبعده عن بعض ما ذكرنا،

٢٢
لذلك أخذ في التعريف قيوداً ثلاثة:

أ ـ العبادة ضرب من الخضوع بالِغٌ حدَّ النهاية.

ب ـ ناشئ عن استشعار القلب عظمة المعبود، لا يعرف منشأها.

ج ـ واعتقاده بسلطة لا يُدرَك كنهها وماهيتها.

ويلاحظ على هذا التعريف:

أولا:

أنّ التعريف غير جامع، وذلك لأنّه إذا كان مقوُّم العبادة، الخضوعَ البالغَ حدّ النهاية فلا يشمل العبادة الفاقدة للخشوع والخضوع التي يؤديها أكثر المتساهلين في أمر الصلاة، وربما يكون خضوع الجندي لقائده أشدّ من هؤلاء المتساهلين الذين يتصوّرون الصلاة عبادة وجهداً.

وثانياً:

ماذا يريد من قوله "عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشأها"؟ فهل يعتقد أنّ الأنبياء كانوا يستشعرون عظمة المعبود ولكن لا يعرفون منشأها. مع أنّ غيرهم يستشعر عظمة المعبود ويعرف منشأها، وهو أنّه سبحانه: الخالق البارئ، المصوّر، أو أنّه سبحانه هو

٢٣
الملك القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن العزيز الجبار المتكبر.

وثالثاً:

ماذا يريد من قوله: "واعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها وماهيتها"؟.

فإن أراد شرطية هذا الاعتقاد في تحقق العبادة، فلازم ذلك عدم صدقها على عبادة الأصنام والأوثان، فإنّ عُبّاد الأوثان يعبدونها وكانوا يعتقدون بكونهم شفعاء عند الله سبحانه فقط لا أنّ لهم سلطة لا يدرك كنهُها وماهيتُها.

٢ ـ نظرية الشيخ شلتوت، زعيم الأزهر

وقد عرّف شيخ الأزهر الأسبق العبادة بنفس ما عرّفها به صاحب المنار، ولكنّه يختلف عنه لفظاً ويتّحد معه معنىً، فقال: العبادة خضوع لا يحدُّ، لعظمة لا تحد(١).

وهذا التعريف يشترك مع سابقه نقداً واشكالا، وذلك أنّ العبادة ليست منحصرة في خضوع لا يحدّ بل الخضوع المحدّد أيضاً ربّما يعد عبادة، كما إذا كان الخضوع بأقل مراتبه. وكذلك لا يشترط كون الخضوع لعظمة لا تحدّ، إذ

١- تفسير القرآن الكريم: ٣٧.

٢٤
ربما تكون عظمة المعبود محدودة في زعم العابد كما هو الحال في عبادة الأصنام، الذي كان الدافع إلى عبادتها كونها شفعاء عند الله.

٣ ـ تعريف ابن تيمية

وأكثر التعاريف عرضة للإشكال هو تعريف ابن تيمية إذ قال:

"العبادة اسم جامع لكلّ ما يحبّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنية والظاهرية كالصلاة والزكاة والصيام، والحج، وصدق الحديث وأداء الأمانة، وبرّ الوالدين وصلة الأرحام"(١).

وهذا الكاتب لم يفرّق ـ في الحقيقة ـ بين العبادة والتقرّب، وتصوّر أنّ كلّ عمل يوجب القربى إلى الله، فهو عبادة له تعالى أيضاً، في حين أنّ الأمر ليس كذلك، فهناك أُمور توجب رضا الله، وتستوجب ثوابَه لكنها قد تكون عبادة كالصوم والصلاة والحج، وقد تكون موجبة للقرب إليه دون أن تعدّ عبادة، كالإحسان إلى الوالدين، وإعطاء

١- مجلة البحوث الإسلامية، العدد ٢: ١٨٧، نقلا عن كتاب العبودية: ٣٨.

٢٥
كتاب العبادة حدّها ومفهومها للعلامة الشيخ جعفر السبحاني (ص ٢٦ - ص ٤٦)

٢٦

التعريف الأوّل:

العبادة هي الخضوع للشيء بما أنّه إله


إنّ لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة، وربّما يكون ظهور معناها الواضح مانعاً عن التحديد الدقيق لها غير أنّه يمكن تحديدها من خلال الإمعان في الموارد التي تستعمل فيها تلك اللفظة، فقد استعملها القرآن في مورد الموحّدين والمشركين، وقال سبحانه في الدعوة إلى عبادة نفسه {وَلكنْ أعبدُ اللهَ الَّذي يَتَوفّاكُمْ} (يونس/١٠٤) وقال سبحانه: {قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعبُدَ اللهَ مُخلِصاً لَهُ الدِّينَ} (الزمر/١١).

وقال في النهي عن عبادة غيره: {إنَّما تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ أوْثاناً وَتَخْلُقونَ إفْكاً} (العنكبوت/١٧) وقال: {أتَعبُدونَ ما تَنْحِتُونَ} (الصافّات/٩٥): فعلى الباحث أن يقتنصَ معنى العبادة بالدقة في أفعال العباد، وعقائدهم من غير فرق بين عبادة

٢٧
الموحّدين وعبادة المشركين فيجعله حدّاً منطقياً للعبادة.

إنّ الإمعان في ذلك المجال يدفعنا إلى القول بأنّ العبادة عندهم عبارة عن الفعل الدالّ على الخضوع المقترن مع عقيدة خاصة في حقّ المخضوع له، فالعنصر المقوّم للعبادة حينئذ أمران:

١ ـ الفعل المنبني عن الخضوع والتذلّل.

٢ ـ العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له.

أمّا الفعل، فلا يتجاوز عن قول أو عمل دالّ على الخضوع والتذلّل بأيّ مرتبة من مراتبها، كالتكلّم بكلام يؤدي إلى الخضوع له أو بعمل خارجي كالركوع والسجود بل الانحناء بالرأس، أو غير ذلك مما يدلّ على ذلّته وخضوعه أمام موجود.

وأمّا العقيدة التي تدفعه إلى الخضوع والتذلّل فهي عبارة عن:

١ ـ الاعتقاد بإلوهيته.

٢ ـ الاعتقاد بربوبيته.

أمّا الأوّل فالإلوهية منسوبة إلى الله وهو ليس بمعنى المعبود ـ وإن اشتهر في الألسن ـ بل كونه معبوداً من لوازم

٢٨
كونه إلها لا أنّه نفس معناه، بل إلاله ـ كما يشهد عليه الذكر الحكيم ـ مرادف، للفظ الجلالة ويختلف معه في الكلّية والجزئية، فالله كلّي ولفظ الجلالة علم جزئي.

وتوضيح ذلك أنّ الموحّدين عامة والوثنيين كلّهم، وعبدة الشمس والكواكب يعتقدون بإلوهية معبوداتهم إمّا لكون المعبود إلهاً كبيراً أو إلهاً صغيراً، إمّا إلهاً صادقاً أو إلهاً كاذباً، فالاعتقاد بإلوهية المعبود بهذا المعنى هو المقوّم لصدق العبادة.

ولأجل أنّه لا يستحق العبادة إلاّ من كان إلهاً لذلك يؤكّد القرآنَ بأنّه لا إله إلاّ الله ومع ذلك فكيف تعبدون غيره.

يقول سبحانه: {الَّذِينَ يَجْعَلونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَسوفَ يَعْلَمونَ} (الحجر/٩٦).

{والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ} (الفرقان/٦٨).

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهةً لِيكُونُوا لَهُمْ عِزّاً} (مريم/٨١).

{أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أنَّ معَ اللهِ آلِهةً أُخْرى} (الأنعام/١٩).

وحاصل الآيات أنّ غيره سبحانه لا يستحق العبادة لأنّها من شؤون الإلوهية وهي من خصائص الله سبحانه لا

٢٩
غير، فيتحصّل من ذلك أنّ العبادة عبارة عن الخضوع أمام موجود للاعتقاد بأنّه إله حقيقيّ أو مجازيّ، ولو لا ذلك الاعتقاد لا يوصف الخضوع بالعبادة، والشاهد عليه أنّ العاشق الولهان إذا خضع لمعشوقته، خضوعاً بالغاً لا يعد عبادة لها، لأنّه لم يصدر عن الاعتقاد بإلوهيتها وأنّها إله، وإنّما صدر عن اعتقاد بأنّها جميلة تجذب الإنسان بنفسيتها وجمالها.

ويدل على ما ذكرنا من أنّ دعوة المشركين وخضوعهم ونداءهم وسؤالهم كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أصنامهم، أنّه سبحانه يفسّر الشرك في بعض الآيات باتّخاذ إله مع الله.

ويقول: {وأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ * إنّا كَفَيْناكَ المُستَهزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلونَ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَسوفَ يَعْلَمونَ} (الحجر/٩٤ـ٩٦).

وفي بعض الآيات يندّد بالمشركين بأنّه ليس لهم إله غير الله فكيف يعبدون غيره، ويقول: {أمْ لَهُمْ إلهٌ غَيرُ اللهِ سُبحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ} (الطور/٤٣).

والإمعان في هذه الآيات ونظائرها يؤكد أنّ اندفاع المشركين إلى عبادة الأصنام أو اندفاع الموحّدين إلى

٣٠
عبادة الله هو اعتقادهم بكونهم آلهة أو كونه إلهاً، فهذا الاعتقاد كان يدفعهم إلى العبادة، ولأجل ذلك كانوا يقدّمون لمعبوداتهم النذور والقرابين وغيرهما من التقاليد والسنن. ولمّا كانت كلمة التوحيد تهدِّم عقيدتهم بإلوهية غيره سبحانه لذلك كانوا يستكبرون عند سماعها، كما قال سبحانه: {إنَّهُمْ كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ} (الصافات/٣٥).

ثم إنّ الاعتقاد بإلوهية الأصنام لا يلازم الاعتقاد بكون المعبود خالقاً للعالم حتى يقال بأنّ المشركين في الجاهلية كانوا موحدين في الخالقية، كما يدل على ذلك أكثر من آية. قال سبحانه:

{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ} (الزخرف/٩).

إذ للإلوهية شؤون عندهم يقوم ببعضها الإله الأعلى كخلق السماوات والأرض، وبعضها الآخر الآلهة المزعومة المتخيّلة عندهم، كغفران الذنوب والشفاعة المطلقة المقبولة بلا قيد وشرط، وبما أنّ هذين الأمرين الأخيرين من شؤون الإله الأعلى أيضاً وليس للآلهة

٣١
المزعومة فيها حظّ ولا نصيب، يركّز القرآن على إثباتهما لله سبحانه فقط ويقول: {ومَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللهُ} (آل عمران/١٣٥). ويقول: {قُلْ للهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً} (الزمر/٤٤).

وفي ضوء ذلك فالمشركون كانوا معتقدين بالإله الأعلى الأكبر وفي الوقت نفسه يعتقدون بآلهة شتّى ليس لهم من الشؤون ماللإله الأعلى منها، وفي الوقت نفسه كانت الآلهة عندهم مخلوقين لله سبحانه، مفوّضين إليهم بعض الشؤون كما عرفت.

ترادف الإله ولفظ الجلالة

إنّ الدليل الواضح على أنّ الإله يرادف لفظ الجلالة ولكن يفترق عنها بالجزئية والكلية الأُمور التالية:

أ ـ وحدة المادة، إذ الأصل للفظ الجلالة هو الإله، فحذفت الهمزة وعوّض اللام، ولذلك قيل في النداء: "يا الله، بالقطع كما يقال: يا إله"(١).

ب ـ الآيات التي استدلّ فيها على وحدة الإله صريحة في أنّ المراد من الإله هو المتصرّف المدبّر، أو من بيده

١- الزمخشري، الكشاف ١: ٣٠.

٣٢
أزمّة الأُمور أو ما يقرب من ذلك، ولا يصح تفسير الإله بالمعبود وإلاّ لفسد الاستدلال، وإليك الآيات الواردة في ذلك المجال.

١ ـ {لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللهُ لَفَسدَتا} (الأنبياء/٢٢) فإنّ البرهان على نفي تعدّد الآلهة لا يتم إلاّ إذا جعلنا "الإله" في الآية بمعنى المتصرّف المدبّر أو من بيده أزمّة الأُمور أو ما يقرب من هذين، ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقص البرهان لبداهة تعدّد المعبودين في هذا العالم، مع عدم فساد النظام الكوني وقد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة بل ومركزها مع انتظام العالم وعدم فساده.

وعندئذ يجب على من يجعل "الإله" بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ "بالحق" أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا، ولمّا كان المعبود بالحقّ مدبراً أو متصرّفاً لزم من تعدّده فساد النظام وهذا كلّه تكلّف لا مبرّر له.

٢ ـ {مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَد وما كانَ مَعَهُ مِنْ إله إذاً لَذَهَبَ كُلُّ إله بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعض} (المؤمنون/٩١).

ويتمّ هذا البرهان أيضاً لو فسّرنا الإله بما ذكرنا من أنّه كلّيّ، ما يطلق عليه لفظ الجلالة. وإن شئت قلت: إنّه كناية

٣٣
عن الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من يقوم بأفعاله وشؤونه، والمناسب في هذا المقام هو الخالق، ويلزم من تعدّده ما رتّب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق واعتلاء بعضهم على بعض.

ولو جعلناه بمعنى المعبود لانتقص البرهان، ولا يلزم من تعدّده أيّ اختلال في الكون. وأدلّ دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، وقد كان في أطراف الكعبة المشرّفة ثلاثمائة وستون إلهاً ومع ذلك لم يقع أيّ فساد أو اختلال في الكون.

فيلزم من يفسّر (الإله) بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدمة.

٣ ـ {قُلْ لَوْ كانَ مَعهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولونَ إذاً لاَبْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا} (الإسراء/٤٢) فإنّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق المدبّر المتصرف، أو من بيده أزمّة أُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الإلوهية، وأمّا تعدّد المعبود فلا يلازم ذلك إلاّ بالتكلّف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

٤ ـ {إنَّكُمْ وما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها

٣٤
وارِدُونَ * لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها} (الأنبياء/٩٨ـ٩٩) والآية تستدل بورود الأصنام والأوثان في النار، على بطلان كونها آلهة إذ لو كانت آلهة ما وردوا النار.

والاستدلال إنّما يتم لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه، فإنّ خالق العالم أو مدبّره والمتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال الله أجلّ من أن يحكم عليه بالنار وأن يكون حصب جهنم.

وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلا يتم البرهان، لأنّ المفروض أنّها كانت معبودات وقد جعلت حصب جهنّم. ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله والآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.

حصيلة البحث:

أنّ العبادة عبارة عن الخضوع الصادر عمّن يتّخذه الخاضع إلهاً، وما ذكرناه على وجه التفصيل هو الذي أفرغه الشيخ جواد البلاغي في قالب التعريف وقال: العبادة ما يرونه مشعراً بالخضوع لمن يتّخذه الخاضع إلهاً، ليوفيه بذلك ما يراه له من حقّ الامتياز بالإلوهية(١).

١- البلاغي، آلاء الرحمن: ٥٧، ط صيدا.

٣٥

التعريف الثاني:

العبادة عبارة عن الخضوع للشيء
على أنّه ربّ


واللغويون وإن ذكروا للربّ معاني مختلفة كالخالق والمالك والصاحب والمصلح، ولكن الظاهر أنّ أكثر هذه المعاني من لوازم المعنى الواحد، ويمكن تصويره بأنّه من فوّض إليه أمر الشيء من حيث الإصلاح والتدبير والتربية، فلو أُطلق الربّ على الخالق فلأنّه يقوم بإصلاح مخلوقه وتدبيره، وتربيته. ولو أُطلق على صاحب المزرعة ربّ الضيعة، أو على سائس القوم أنّه ربّهم، فلأنّ الأوّلَ يقوم بتصليح أُمور المزرعة، والثاني بتدبير أُمور القوم وشؤونهم وقس على ذلك سائر الأُمور، فالله سبحانه ربّ العالمين، و{رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ} (الصافات/٥) و{هُوَ رَبُّ

٣٦
الشِّعْرى} (النجم/٤٩) فلأجل أنّه سبحانه مدبّر ومدير ومتصرّف في شؤونها والقائم عليها. فلو أُطلق الربّ على مالك الدابة فلأجل أنّه فُوِّض إليه إصلاح المملوك.

هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى الله سبحانه يعلّل في بعض الآيات حصر العبادة في الله سبحانه حيث حصر الربوبية به دون غيره، فتدلّ بصراحة على أنّ العبادة من شؤون الربوبية، وإليك بعض الآيات.

وقال المسيح:

{يا بَنِي إسْرائيلَ اعْبُدوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ} (المائدة/٧٢). {إنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء/٩٢). {إنَّ اللهِ رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتقِيمٌ} (آل عمران/٥١).

وإذا عرفت هذين الأمرين:

١ ـ الربّ من فوّض إليه تدبير الشيء وإصلاحه وتربيته.

٢ ـ إنّ الآيات تعلّل حصر العبادة في الله بكونه ربّاً.

فستعرف أنّ اتّسام الخضوع، والسؤال والدعاء بالعبادة من شؤون الاعتقاد بكون المخضوع له ربّاً بيده مسير الخاضع ومصيره، وإن شئت قلت: بيده شأن أو

٣٧
شؤون مَن حياته الدنيوية أو الأُخروية بيده، فالخضوع المقرون بهذا الاعتقاد يُضفي عليه عنوان العبادة.

وليعلم أنّ المراد من كون الرب مالكاً لشأن من شؤون حياته ليس المراد هو المالكية القانونية والوضعية التي تُعطى للإنسان حيناً وتسلَب عنه حيناً آخر، بل المراد المالكية التكوينية المستمدّة من الخالقية كما في الإله الأعلى أو من تفويض الإله الأعلى لها، كما هو الحال عند آلهة المشركين ـ على زعمهم ـ الذين يعتقدون بأنّه سبحانه فوّض إليهم بعضَ شؤون حياتهم، كغفران الذنوب والشفاعة، بل يظهر ممّا نقله ابن هشام في سيرته أنّ الشرك دخل مكّة في صورة الشرك في الربوبية فيما يرجع إلى الاستمطار، يقول ابن هشام:

"كان عمرو بن لحي" أول من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثانَ وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلا:

ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟

قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا!

٣٨
فقال لهم: أفلا تعطوني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟

وهكذا استحسن طريقتهم واستصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم "هبل" ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعا الناس إلى عبادتها(١).

إذن فاستمطار المطر من هذه الأوثان والاستعانة بها يكشف عن أنّ بعض المشركين كانوا يعتقدون بأنّ لهذه الأوثان دخلا في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان.

نتيجة البحث

إذا عرفنا أنّ مقومّ العبادة عبارة عن اعتقاد السائل والخاضع والداعي أو المنادي بأنّ المسؤول والمخضوع له "إله" و "ربّ" يملك شيئاً ممّا يرجع إليه في عاجله أو آجله، في مسيره ومصيره، وإنّه يقوم بذلك لكونه خالقاً أو مفوَّضاً إليه من قبل الخالق، فيقوم على وجه الاستقلال والأصالة، تستطيع أن تقضي في الأعمال التي يقوم بها اشياع الأنبياء ومحبّوهم، بأنّها ليست عبادة أبداً وإنّما هي

١- سيرة ابن هشام ١: ٧٩.

٣٩
من مصاديق التكريم والاحترام وإن بلغت نهاية التذلّل، لأنّها لا تنطلق من اعتقاد الخاضع بإلوهية النبي، ولا ربوبيته بل تنطلق عن الاعتقاد بكونهم عباد الله الصالحين، وعباده المكرمين الذين لا يعصون الله وهم بأمره يعملون، نظير:

١ ـ تقبيل الأضرحة وأبواب المشاهد التي تضمّ أجساد الأنبياء والأولياء، فإنّ ذلك ليس عبادة لصاحب القبر والمشهد، لفقدان عنصر العبادة فيما يفعله الإنسان من التقبيل واللّمس وما شابه ذلك.

٢ ـ إقامة الصلاة في مشاهد الأولياء تبركاً بالأرض التي تضمنت جسد النبي أو الإمام، كما تبرّك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتّباعاً لقوله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إبراهِيمَ مُصَلّى} (البقرة/١٢٥).

٣ ـ التوسّل بالنبي سواء كان توسلا بذاته وشخصه، أو بمقامه وشخصيته أو بدعائه في حال حياته ومماته، فإنّ ذلك كلّه لا يكون عبادة لعدم الاعتقاد بإلوهية النبيّ ولا ربوبيته، ويعدّ من التوسّل بالأسباب، سواء كان المدعوّ قادراً على إنجاز العمل أو عاجزاً، غاية الأمر يكون التوسّل

٤٠