×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبادة حدّها ومفهومها / الصفحات: ٤١ - ٦٠

في صورة العجز غير مفيد، لا متّسماً بالشرك، فلو افترضنا أنّ الأنبياء والأئمة في حال الممات غير قادرين على شيء فالدعاء والتوسّل بهم مع كونهم عاجزين لا يجعل العمل شركاً، بل يجعله لغواً، مع أنّ أصل المبنى باطل أي أنّهم غير قادرين في حال الممات.

٤ ـ طلب الشفاعة من الأنبياء أو النبيّ الأكرم ليس شركاً لأنّه يطلبها منه بقيد أنّه عبد مأذون لا أنّه مفوّض إليه أمرها، وفي الواقع إمّا أن يكون مأذوناً فيشفع وإما أن يكون الطلب لغواً.

٥ ـ الاستغاثة بالأرواح المقدّسة ليس إلاّ كالاستغاثة بهم في حال حياتهم، فهي على وجه يتّسم بالشرك من غير فرق بين حالي الحياة والممات ولا يتّسم به على وجه آخر، كذلك فلو استغاث به بما أنّه عبد أقدره الله تعالى على الإجابة حياً وميتاً، يكون من قبيل التوسّل بالأسباب، وإن استغاث به بما أنّه إله أو ربّ يقوم بالاستغاثة أصالة واستقلالا وأنّه فوّض إليه حياة المستغيث عاجلا وآجلا، فهو شرك من غير فرق بين الحالتين.

هذا خلاصة البحث حول حصر العبادة بالله سبحانه،

٤١
وإذا أمعنت فيما ذكرنا يمكنك على بعض ما أثارته بعض المناهج الفكرية في الأوساط الإسلامية حول هذه الأُمور، التي نسبت جلّ المسلمين إلى الشرك في العبادة مع أنّهم بمنأى عن الشرك.

الفوضى في التطبيق بين الإمام والمأموم

لقد ترك الإهمال في تفسير العبادة تفسيراً منطقياً، فوضى كبيرة في مقام التطبيق بين الإمام والمأموم فنرى أنّ إمام الحنابلة أحمد بن حنبل (٦٤١ـ١٤٢هـ) صدر عن فطرة سليمة في تفسير العبادة، وأفتى بجواز مسِّ منبر النبيّ (صلى الله عليه وآله)والتبرّك به وبقبره وتقبيلهما عندما سأله ولده عبد الله بن أحمد، وقال: سألته عن الرجل يمسُّ منبرَ النبيِّ (صلى الله عليه وآله)ويتبرّك بمسِّه، ويُقَبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرّب إلى الله عزّ وجلّ؟ فقال: "لابأس بذلك"(١).

هذه هي فتوى الإمام ـ الذي يفتخر بمنهجه أحمد بن تيمية، وبعده محمد بن عبد الوهاب ـ ولم ير بأساً بذلك،

١- أحمد بن حنبل، العلل ومعرفة الرجال ٢: ٤٩٢، برقم: ٣٢٤٣، تحقيق الدكتور وصي الله عباس، ط بيروت ١٤٠٨.

٤٢
لما عرفت من أنّ العبادة ليست مجرّد الخضوع، فلا يكون مجرّد التوجّه إلى الأجسام والجمادات عبادة، بل هي عبارة عن الخضوع نحو الشي، باعتبار أنّه إله أو ربّ، أو بيده مصير الخاضع في عاجله وآجله، وأمّا مسّ المنبر أو القبر وتقبيلهما، كل ذلك لغاية التكريم والتعظيم لنبيّ التوحيد، وإن كان لغاية التبرّك فلا يتجاوز التبرّك في المقام عن تبرّك يعقوب بقميص ابنه يوسف، ولم يخطر بخلد أحد من المسلمين إلى اليوم الذي جاء فيه ابن تيمية بالبدع الجديدة، أنّها عبادة لصاحب القميص والمنبر والقبر أو لنفس تلك الأشياء.

ولمّا كانت فتوى الإمام ثقيلة على محقق الكتاب، أو من علق عليه لأنها تتناقض مع ما عليه الوهابية وتبطل أحلام ابن تيمية، ومن لفَّ لفَّه، حاول ذلك الكاتب أن يوفّق بين جواب الإمام وما عليه الوهابية في العصر الحاضر، فقال: "أمّا مسّ منبر النبيّ فقد أثبت الإمام ابن تيمية في الجواب الباهر (ص١٤) فعله عن ابن عمر دون غيره من الصحابة، ورى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٤/١٢١) عن زيد بن الحباب قال: حدّثني أبو مودود قال:

٤٣
حدّثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط قال: رأيت نفراً من أصحاب النبيّ إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى زمانة المنبر القرعاء فمسحوها، ودعوا قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك.

وهذا لما كان منبره الذي لامس جسمه الشريف، أمّا الآن بعد ما تغيّر لا يقال بمشروعية مسحه تبركاً به".

ويلاحظ على هذا الكلام:

بعد وجود التناقض بين ما نقل عن ابن تيمية من تخصيص المسّ بمنبر النبيّ با بن عمر، وما نقله عن المصنف لابن أبي شيبة من مسح نفر من أصحاب النبيّ زمانة المنبر:

أوّلا:

لو كان جواز المسّ مختصّاً بالمنبر الذي لامسه جسم النبي الشريف دون ما لايمس كان على الإمام المفتي أن يذكر القيدَ، ولا يُطلق كلامَه، حتى ولو افترضنا أنّ المنبر الموجود في المسجد النبوي في عصره كان نفسَ المنبر الذي لامسَه جسمُ النبيّ الأكرم، وهذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل أحد المنبرين نفس التوحيد، وتقبيل المنبر الآخر عينَ الشرك، لما جاز للمفتي أن يغفل التقسيم والتصنيف.

وثانياً:

أنّ ما يفسده هذا التحليل أكثر ممّا يصلحه،

٤٤
وذلك لأنّ معناه أنّ لجسمه الشريف تأثيراً في المنبر وما تبرّك به، وهذا يناقض التوحيد الربوبي من أنّه لا مؤثّر في الكون إلاّ الله سبحانه، فكيف يعترف الوهابي بأنّ لجسمه الشريف في الجسم الجامد تأثيراً وأنّه يجوز للمسلمين أن يتأثروا به عبر القرون.

ثم إنّ المعلّق استثنى مسّ قبر النبي (صلى الله عليه وآله) والتبرك به، ومنعهما وقال في وجهه:

"وأمّا جواز مسّ قبر النبيّ والتبرّك به فهذا القول غريب جداً لم أر أحداً نقله عن الإمام، وقال ابن تيمية في الجواب الباهر لزوار المقابر (ص ٣١): اتّفق الأئمة على أنّه لا يمسّ قبر النبي ولا يقبله، وهذا كلّه محافظة على التوحيد، فإنّ من أُصول الشرك بالله اتّخاذ القبور مساجد"(١).

لكن يلاحظ عليه:

كيف يقول: لم أجد أحداً نقله عن الإمام، أوَ ليس ولده أبو عبد الله راوية أبيه وكتبه يروي هذه الفتوى؟ وهو ثقة عند الحنابلة!

وأمّا التفريق بين مسّ المنبر والقبر بجعل الأول نفس

١- تعليقة المحقق، نفس الصفحة.

٤٥
التوحيد، والثاني أساس الشرك، فمن غرائب الأُمور، لأنّ الأمرين يشتركان في التوجّه إلى غير الله سبحانه، فلو كان هذا محرز الشرك، فالموضوعات سيّان، وإن فرّق بينهما بأنّ الماسّ، ينتفع بالأول دون الثاني لعدم مسّ جسده بالثاني فلازمه كون الأول نافعاً والثاني أمراً باطلا دون أن يكون شركاً.

ولو رجع المحقق إلى الصحاح والمسانيد وكتب السيرة والتاريخ، لوقف على أنّ التبرّك بالقبر ومسّه، كان أمراً رائجاً بين المسلمين في عصر الصحابة والتابعين، ولأجل إيقاف القارئ على صحة ما نقول نذكر نموذجين من ذلك:

١ ـ إنّ فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت رسول الله حضرت عند قبر أبيها (صلى الله عليه وآله) وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي وتقول:


ماذا على من شمّ تربة أحمدألاّ يشمّ مدَى الزمان غَواليا

٤٦
كتاب العبادة حدّها ومفهومها للعلامة الشيخ جعفر السبحاني (ص ٤٧ - ص ٦٢)

٤٧

المسألة الثانية:

حصر الاستعانة في الله


هذه هي المسألة الثانية التي طرحت في صدر المقال وقلنا: إنّ المسلمين في أقطار العالم يَحصرون الاستعانة في الله سبحانه ومع ذلك يستعينون بالأسباب العادية، جرياً على القاعدة السائدة بين العقلاء، ولا يرونه مخالفاً للحصر، كما أنّ المتوسّلين بأرواح الأنبياء يستعينون بهم في مشاهدهم ومزاراتهم ولا يرون تعارض ذلك مع حصر الاستعانة بالله سبحانه، وذلك لأنَّ الاستعانة بغير الله يمكن أن تتحقق بصورتين:

١ ـ أن نستعين بعامل ـ سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي ـ مع الاعتقاد بأنّ علمه مستند إلى الله، بمعنى أنّه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من الله

٤٨
وإذنه.

وهذا النوع من الاستعانة ـ في الحقيقة ـ لا ينفك عن الاستعانة بالله ذاته، لأنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل، ذلك الأثر، وأذن بها، وإن شاء سلبها وجرّدها منه.

فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الأرض، فقد استعان بالله ـ في الحقيقة ـ لأنّه تعالى هوالذي منح هذه العوامل: القدرة على إنماء ماأودع في بطن الأرض من بذر ومن ثم إنباته والوصول به إلى حدّ الكمال.

٢ ـ وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقلّ في وجوده، أو في فعله عن الله، فلا شك أنّ ذلك الاعتقاد يصير شركاً والاستعانة به عبادة.

فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنّها مستقلّة في تأثيرها أو أنّها مستقلّة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها، فالاعتقاد شرك والطلب عبادة.

وبذلك يظهر أنّ الاستعانة المنحصرة في الله المنصوص عليها في قوله تعالى {وإيّاك نَستعينُ} هي الاستعانة بالمعونة المستقلّة النابعة من ذات المستعان به،

٤٩
غير المتوقّفة على شيء، فهذا هو المنحصر في الله تعالى، وأمّا الاستعانة بالإنسان الذي لا يقوم بشيء إلاّ بحول الله وقوّته وإذنه ومشيئته، فهي غير منحصرة بالله سبحانه، بل إنّ الحياة قائمة على هذا الأساس، فإنّ الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالأسباب التي تؤثّر وتعمل بإذن الله تعالى.

وعلى ذلك لا مانع من حصر الاستعانة في الله سبحانه بمعنى، وتجويزها بغيره بمعنى آخر وهو ما له نظر في الكتاب العزيز.

ولإيقاف القارئ على هذه الحقيقة نلفت نظره إلى آيات تحصر جملة من الأفعال الكونية في الله تارة، مع أنّها تنسب نفس الأفعال في آيات أُخرى إلى غير الله أيضاً، وما هذا إلاّ لعدم التنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيتهما فهي محصورة في الله سبحانه مع قيد الاستقلال، ومع ذلك تنسب إلى غير الله مع قيد التبعية والعرضية.

الآيات التي تنسب الظواهر الكونية إلى الله وإلى غيره:

١ ـ يقول سبحانه: {وإذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} (الشعراء/٨٠). بينما يقول سبحانه فيه (أي في العسل): {شِفاءٌ لِلنّاسِ} (النحل/٦٩).

٥٠
٢ ـ يقول سبحانه: {إنّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ} (الذاريات/٥٨) بينما يقول: {وارْزُقُوهُمْ فِيها} (النساء/٥).

٣ ـ يقول سبحانه: {أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ} (الواقعة/٦٤). بينما يقول سبحانه: {يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِظَ بِهِمُ الكُفّارُ} (الفتح/٢٩).

٤ ـ يقول تعالى: {واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ} (النساء/٨١). بينما يقول سبحانه: {بَلَى ورُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} (الزخرف/٨٠).

٥ ـ يقول تعالى: {ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ} (يونس/٣). بينما يقول سبحانه: {فالمُدَبِّراتِ أَمراً} (النازعات/٥).

٦ ـ يقول سبحانه: {اللهُ يَتَوفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها} (الزمر/٤٢). بينما يقول: {الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبينَ} (النحل/٣٢).

إلى غير ذلك من الآيات التي تنسب الظواهر الكونية تارة إلى الله، وتارة إلى غيره تعالى.

والحل أن يقال: إنّ المحصور بالله تعالى هو انتساب هذه الأُمور على نحو الاستقلال، وأمّا المنسوب إلى غيره فهو على نحو التبعية، وبإذنه تعالى، ولا تعارض بين

٥١
النسبتين ولا بين الاعتقاد بكليهما.

فمن اعتقد بأنّ هذه الظواهر الكونية مستندة إلى غير الله على وجه التبعية لا الاستقلال لم يكن مخطئاً ولا مشركاً، وكذا من استعان بالنبيّ أو الإمام على هذا الوجه.

هذا مضافاً إلى أنّه تعالى الذي يعلّمنا أن نستعين به فنقول: {إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَستَعِينُ} يحثُّنا في آية أُخرى على الاستعانة بالصبر والصلاة فيقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ} (البقرة/٤٥) وليس الصبر والصلاة إلاّ فعل الإنسان نفسه.

حصيلة البحث:

إنّ الآيات الواردة حول الاستعانة على صنفين:

الصنف الأول: يحصر الاستعانة في الله فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه.

والصنف الثاني: يدعونا إلى سلسلة من الأُمور المعينة (غير الله) ويعتبرها ناصرة ومعينة، إلى جانب الله.

أقول: اتضح من البيان السابق وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات، وتبيّن أنّه لا تعارض بين الصنفين

٥٢
مطلقاً، إلاّ أنّ فريقاً نجدهم يتمسّكون بالصنف الأوّل من الآيات فيخطِّئون أيّ نوع من الاستعانة بغير الله، ثم يضطرّون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الإنسانية والأسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله بنحو التخصيص، بمعنى أنّهم يقولون:

إنّ الاستعانة لا تجوز إلاّ بالله إلاّ في الموارد التي أذن الله بها، وأجاز أن يستعان فيها بغيره، فتكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية والعوامل الطبيعية ـ مع أنّها استعانة بغير الله ـ جائزة ومشروعة على وجه التخصيص، وهذا ممّا لا يرتضيه الموحّد.

في حين أنّ هدف الآيات هو غير هذا تماماً، فإنّ مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو: عدم الاستعانة بغير الله، وأنّ الاستعانة بالعوامل الأُخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة في الله بل تكون بحيث تعدّ استعانة بالله لا استعانة بغيره.

وبتعبير آخر: إنّ الآيات تريد أن تقول: بأنّ المعين والناصر الوحيد والذي يستمدّ منه كلّ معين وناصر، قدرته وتأثيره، ليس إلاّ الله سبحانه، ولكنّه ـ مع ذلك ـ أقام

٥٣
هذا الكون على سلسلة من الأسباب والعلل التي تعمل بقدرته وأمر باستمداد الفرع من الأصل، ولذلك تكون الاستعانة به كالاستعانة بالله، ذلك لأنّ الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل.

وإليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين:

{ومَا النَّصرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزيزِ الحَكيمِ} (آل عمران/١٢٦).

{إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَستَعِينُ} (الحمد/٥).

{ومَا النَّصْرُ إلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكيمٌ} (الأنفال/١٠).

هذه الآيات نماذج من الصنف الأول وإليك فيما يأتي نماذج من الصنف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير الله من العوامل والأسباب:

{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ} (البقرة/٤٥).

{وتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى} (المائدة/٢).

{ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّة} (الكهف/٩٥).

{وإنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَليْكُمُ النَّصْرُ} (الأنفال/٧٢).

ومفتاح حلّ التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه وملخّصه:

إنّ في الكون مؤثراً تاماً، ومستقلا واحداً، غير معتمد

٥٤
على غيره لا في وجوده ولا في فعله وهو الله سبحانه:

وأمّا العوامل الأُخر فجميعها مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إليه وهي تؤدي ما تؤدي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم يعط سبحانه تلك العوامل ما أعطاها من القدرة ولم تجر مشيئته على الاستمداد منها لما كانت لها أيّة قدرة على شيء.

فالمعين الحقيقي في كل المراحل ـ على هذا النحو تماماً ـ هو الله فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معيناً مستقلاّ. لهذه الجهة حصر هنا الاستعانة في الله وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتاً من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقلّ (أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الإلهية) ومعلوم أنّ استعانة ـ كهذه ـ لا تنافي حصر الاستعانة في الله سبحانه لسببين:

أوّلا:

لأنّ الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعوامل الأُخرى، فالاستعانة المخصوصة بالله هي: (ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات، وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أنّ الاستعانة بغير الله سبحانه إمّا هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأنّ المستعان قادر

٥٥
على الإعانة مستنداً على القدرة الإلهية، لا بالذات، وبنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانة ـ على النحول الأوّل ـ خاصّة بالله تعالى فإنّ ذلك لا يدل على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.

ثانياً:

إنّ استعانة ـ كهذه ـ غير منفكّة عن الاستعانة بالله، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس في نظر الموحّد (الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل الله ومستنداً إليه) مناص من هذا.

وأخيراً نذكّر القارئ الكريم بأنّ مؤلّف المنار حيث إنّه لم يتصوّر للاستعانة بالأرواح إلاّ صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال:

"ومن هنا تعلمون: إنّ الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسير أُمورهم وشفاء أمراضهم ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، وعن ذكر الله معرضون"(١).

ويلاحظ عليه:

بأنّ الاستعانة بغير الله (كالاستعانة

١- المنار ١: ٥٩.

٥٦
بالعوامل الطبيعية) على نوعين:

إحداهما عين التوحيد، والأُخرى موجبة للشرك، إحداهما مذكّرة بالله، والأُخرى مبعدة عن الله.

إنّ حدّ التوحيد والشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية وإنّما هو استقلال المعين وعدم استقلاله، وبعبارة أُخرى المقياس: هو الغنى والفقر، هو الأصالة وعدم الأصالة.

إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلّة المستندة إلى الله، التي لا تعمل ولا تؤثر إلاّ بإذنه تعالى غير موجبة للغفلة عن الله، بل هو خير موجّه، ومذكّر بالله. إذ معناها: انقطاع كلّ الأسباب وانتهاء كلّ العلل إليه.

ومع هذا كيف يقول صاحب المنار: "أُولئك عن ذكر الله معرضون" ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجباً لنسيان الله والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضاً موجبة للغفلة عنه.

على أنّ الأعجب من ذلك هو شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل ـ في هذا المجال ـ نصّ كلمات عبده دون زيادة ونقصان، وختم المسألة بذلك، وأخذ

٥٧
بالحصر في {إيَّاكَ نَسْنَعِين} غافلا عن حقيقة الآية وعن الآيات الأُخرى المتعرّضة لمسألة الاستعانة(١).

اجابة على سؤال

إذا كانت الاستعانة بالغير على النحو الذي بينّاه جائزة فهي تستلزم نداء أولياء الله والاستغاثة بهم في الشدائد والمكاره، وهي غير جائزة وذلك لأنّ نداء غير الله في المصائب والحوائج تشريك الغير مع الله، يقول سبحانه: {وَأنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً} (الجن/١٨) ويقول تعالى: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} (الأعراف/١٩٧) ويقول عزّ من قائل: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير} (فاطر/١٣). إلى غير ذلك من الآيات التي تخص الدعاء لله ولا تسيغ دعوة غيره.

وقد طرح هذا السؤال الشيخ الصنعاني حيث قال: وقد سمّى الله الدعاء عبادة بقوله: {اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} فمن هتف باسم نبيّ أو صالح بشيء فقد دعا النبي والصالح، والدعاء عبادة بل مخُّها فقد عبد

١- راجع تفسير شلتوت: ٣٦ـ٣٩.

٥٨
غير الله وصار مشركاً(١).

الجواب:

إنّ النقطة الحاسمة في الموضوع تكمن في تفسير الدعاء وهل كل دعاء عبادة وبينهما من النسب الأربع هي التساوي حتى يصح لنا أن نقول كل دعاء عبادة، وكل عبادة دعاء، أو أنّ الدعاء أعمّ من العبادة وأنّ قسماً من الدعاء عبادة وقسماً منه ليس كذلك؟ والكتاب العزيز يوافق الثاني لا الأول، وإليك التوضيح:

لقد استعمل القرآن لفظ الدعاء في مواضع عديدة ولا يصح وضع لفظ العبادة مكانه، يقول سبحانه حاكياً عن نوح: {رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَاراً} (نوح/٥) وقال سبحانه حاكياً عن لسان إبليس في خطابه للمذنبين يوم القيامة: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} (إبراهيم/٢٢) إلى غيرهما من الآيات التي ورد فيها لفظ الدعاء، أفيصح القول بأنّ نوحاً دعا قومه أي عبدهم، أو أنّ الشيطان دعا المذنبين أي عبدهم؟ كل ذلك يحفزنا إلى أن نقف في تفسير الدعاء وقفة تمعّن حتى نميّز الدعاء. الذي

١- الصنعاني، تنزيه الاعتقاد كما في كشف الارتياب: ٢٨٤.

٥٩
هو عبادة عمّا ليس كذلك.

والإمعان فيما تقدم في تفسير العبادة يميِّز بين القسمين فلو كان الداعي والمستعين بالغير معتقداً بألوهية المستعان ولو ألوهية صغيرة كان دعاؤه عبادة ولأجل ذلك كان دعاء عبدة الأصنام عبادة لاعتقادهم بألوهيتها، قال سبحانه: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْء} (هود/١٠١).

وما ورد من الآيات في السؤال كلها من هذا القبيل فأنها وردت في حق المشركين القائلين بألوهية أصنامهم وأوثانهم باعتقاد استقلالهم في التصرف والشفاعة وتفويض الأُمور إليهم ولو في بعض الشؤون. ففي هذا المجال يعود كل دعاء عبادة، ويفسر الدعاء في الآيات الماضية والتالية بالعبادة، قال تعالى:

{إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} (الأعراف/١٩٤). {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاَ} (الاسراء/٥٦). {أُولئك الَّذِينَ يَدعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةُ} (الاسراء/٥٧). {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ} (يونس/١٠٦). {إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} (فاطر/١٤).

٦٠