×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عصمة الاَنبياء في القرآن الكريم / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٢ فارغة
عصمة الأنبياء للأستاذ جعفر السبحاني ص ١ - ص ٢٩
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة الطبعة الاَُولى

الاَنبياء والرسُل في القرآن الكريم

إنّ النظرة الفاحِصَة إلى الكون والحياة والاِنسان تشهد بأنّ الخلق لم يكن عبثاً وسدى، وأنّ الاِنسان لم يُخلَق بلا غاية ولا هدف، إنّما خلقه الله سبحانه، وأتى به إلى فسيح هذا الوجود لغاية روحيّة عليا، وللوصول إلى كمالٍ معنوىّ ممكنٍ.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقائق بمختلف التعابير قال سبحانه: (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالاََرضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) .(١) وقال سبحانه أيضاً: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرجَعُون) .(٢)

غير أنّ بلوغ تلك الغاية المنشودة يتوقف على أمرين:

١. موَهلاتٍ تكوينية ذاتيةٍ كامنةٍ في وجود الاِنسان، تبعثه بدافع من ذاته للسير باتجاه الكمال.

٢. قادة أقوياءٍ متعلّمين بتعليمٍ من الله ومرسلين من جانبه لقيادة الاِنسان

١. ص: ٢٧.

٢. الموَمنون: ١١٥.

٣
الصفحة: ٤ فارغة
وهدايته إلى ما خُلِق له، فإذا تجاوبَ العاملان الداخلىُّ والخارجىُّ تم سوقه إلى الهدف المنشود.

وهذا ممّا يشهد به العقل السليم، والذكر الحكيم.

غير أنّ قيادة الاِنسان التي بُعِثَ من أجلها الاَنبياء ليست أمراً سهلاً يمكن القيام به لكلّ من هبّ ودبّ، بل القائم به لمّا كان يُفترضُ أن يكون أُسوة للناس في العلم والعمل، وجب أن يكون موصوفاً بأمثل الصفات وأكملها وأقواها، وأن يكون منزّهاً عن كلّ مَينٍ وشينٍ وعن كلّ نقصٍ وعيبٍ، وفي مقدمة كلّ ذلك يجب أن يكون عاملاً بما يقول، قائماً بما يدعو إليه، موَتمراً بما يأمر به، منتهياً عمّا ينهى عنه، وإلاّ لزلّ كلامه عن القلوب، كما يزل المطر عن الحَجر الصلد، ولما تحقّق هدفُ البعث والاِرسال فانّ الناس يميلون بطبعهم إلى رجالٍ يُوصَفونَ بالمُثُل العُليا، ويرغبون في من يقرن منهم العلمَ بالعمل، فيما ينفرون بطبعهم عن ما يقابل هذا الطراز من الرجال وإن كانوا قمّةً في قوة الفكر، وحلاوة الكلام.

وهذا هو الذي دعا المسلمين إلى القول بوجوب عصمة الاَنبياء والرسل عن الخطأ و الزلل وعن الاِثم والعصيان.

وقد استشهدوا على ذلك بالذكر الحكيم، وحكم العقل السليم الذي لا يفارق الكتابَ الكريم.

فلاَجل ذلك أخذت مسألة العصمة في كتب الكلام والتفسير مكانةً خاصةً، وأسهب المحقّقون فيه الكلام، وإن كان بين المسلمين من شذّ ولم يصف الاَنبياء بالعصمة.

٥
حسب نصوص التوراة زاعمين خلافها ؟

فلاَجل توقير الاَنبياء وتكريمهم، وامتثال قوله سبحانه: (ليدبروا...) عمدنا إلى جمع الآيات المتعلّقة بعصمة الاَنبياء والرسل، ما يدل منها على عصمتهم وما يتوهّم منه خلاف ذلك، ونحن نحاول بذلك سدّ فراغ ملموسٍ في المكتبة الاِسلامية بهذه الصورة الملموسة.

على أنّه وإن كان ثلةٌ من علماء الاِسلام القدامى نظير الشريف المرتضى (٣٥٥ ـ ٤٣٦ هـ) والخطيب الفخر الرازي (٥٤٣ ـ ٦٠٦ هـ) وغيرهما قد أشبعوا هذه المسألة بحثاً ودراسة، غير أنّ لكلِّ تأليفٍ مزيّتُه، كما أنّ كلّ موَلّف يناسب عصره، وثقافة بيئته.

نسأل الله سبحانه أن يعصمنا من الزلل، ويوفقنا لما يحب ويرضى.

جعفر السبحاني     
قم ـ الحوزة العلمية  
شهر ذي القعدة ١٤٠٨ هـ

٦
مستنكراً، ومتهجّماً عليهم:

"ما سمعنا عن أحد من الصحابة أنّه ناقش النبي في كيف أكل آدم من الشجرة؟ وكيف عصى ربّه؟ ولا ناقشوا الرسولَ في غير آدم من الاَنبياء على هذا المنحى الذي نحاه المتأخرون، ولا والله ما كان أُولئك الصحابة أقلَّ معرفةً لمكانة الاَنبياء من أُولئك المتأخّرين، ولا أقلَّ احتراماً وإجلالاً لشأنهم من أُولئك المتكلّفين مالا يعنيهم، والداخلين فيما ليس من شوَونهم.

وأمّا القلوب السقيمة فهي قلوب المتأخرين الذين فتح عليهم الشيطان باباً واسعاً من فنون الجدل، وكثرة القيل والقال، والمماحَكات اللفظية وأقوال أهل الكتاب من اليهود أشدّ الناس كراهيةً للاَنبياء، وتحقيراً لهم، ومشاقّة لهم، وكفراً بهم وتقتيلاً.(١)

نحن لا نعلّق على هذا الكلام، لاَنّه كلام ساقط جداً، فانّ كاتباً يدّعي الاِسلام وفي الوقت نفسه يصف علماء الاِسلام ـ الذين أوكل الله إليهم قيادة الاَُمّة الاِسلامية ـ بأنّهم ممّن تأثروا بفتنة الشيطان، وجعل التدبّر في آيات الكتاب العزيز من وحي الشيطان، انسان متناقض لا يستحق كلامه الردّ والنقد.

والعجب أنّ هذا الكاتب (المجهول) استثنى من الفرق الاِسلامية فرقةً واحدةً وُقُوا من كيد الشيطان ووساوسه وفتنته "وهم أهل الحديث المقتفون للاَثر، الذين جعلوا عقولهم وآراءهم تحت حكم ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) استمساكاً بالعروة الوثقى والحبل المتين"(٢) عزب عنه أنّ أحداً من المسلمين لا

١. من مقدمة "عصمة الاَنبياء" للرازي، بقلم كاتب مجهول الهوية، نشر دار المطبوعات الحديثة ـ جدّة.

٢. من المقدمة أيضاً.

٧
الصفحة: ٨ فارغة
تمس كرامة العصمة بل تعزّزها.

وثمة بحوث جانبية حول واقع العصمة وحقيقتها وأسبابها قدّمناها على تفسير الآيات لتكون كالمقدمة، والله سبحانه من وراء القصد.

جعفر السبحاني
قم ـ موَسسة الاِمام الصادق (عليه السلام)
تحريراً في الرابع عشر من
شهر رمضان المبارك من شهور عام ١٤٢٠ هـ

٩
الصفحات: ١٠ - ١٣ فارغة
أنبيائهم معاصي كثيرة، والعهد القديم يذكر ذنوب الاَنبياء التي يصل بعضها إلى حد الكبائر، وربّما يخجل القلم عن ذكر بعضها استحياء، فالاَنبياء عندهم عصاة خاطئون، وعند ذلك لا تكون أحبار اليهود مبدعين لهذه المسألة.

نعم انّ علماء النصارى، وإن كانوا ينزهون المسيح من كل عيب وشين، ولكن تنزيههم ليس بملاك انّ المسيح بشر أرسل لتعليم الاِنسان وإنقاذه، بل هو عندهم "الاِله المتجسد" أو هو ثالث ثلاثة.

وعند ذلك لا يمكن أن يكون علماوَهم مبدعين لهذه المسألة في الاَبحاث الكلامية، لاَنّ موضوع العصمة هو "الاِنسان".

ويذكر "المستشرق رونالدسن" في كتابه "عقيدة الشيعة" انّ فكرة عصمة الاَنبياء في الاِسلام مدينة في أصلها وأهميتها التي بلغتها بعدئذ، إلى تطور "علم الكلام" عند الشيعة وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم، ويحتمل أن تكون هذه الفكرة قد ظهرت في عصر الصادق، بينما لم يرد ذكر العصمة عند أهل السنة إلاّ في القرن الثالث للهجرة بعد أن كان الكليني قد صنّف كتابه "الكافي في أُصول الدين"(١) وأسهب في موضوع العصمة.

ويعلّل "رونالدسن" بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الاَئمّة تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمّة أو هداة.(٢)

١. لقد توفـى محمد بن يعقوب الكليني في العقد الثالث من القرن الرابع أي عام ٣٢٨ هـ، فلو استفحلت مسألة العصمة في القرن الثالث عند أهل السنّة حسب اعتراف الرجل، فكيف يكون كتاب الكافي منشئاً لهذه الحركة الفكرية، أفهل يمكن تأثير المتأخر في المتقدم، وهل يكون العائش في القرن الرابع موَثراً في فكر من يعيش في القرن الثالث، أضف إليه أنّ كتاب الكافي لم يوَلف في الا َُصول وحدها، بل هو كتاب مشتمل على أحاديث تربو على ستة عشر ألف حديث حول أُصول الدين وفروعه.

٢. عقيدة الشيعة: ٣٢٨.

١٤
أبي طالب وعلّمه.(١) وكان مع ابنه أبي هاشم في الكتّاب ثم صحبه بعد موت أبيه مدة طويلة وحكي عن بعض السلف انّه قيل له: كيف كان علم محمد بن علي فقال: إذا أردت أن تعلم ذلك فانظر إلى أثره "واصل".

وهكذا ذكروا في عمرو بن عبيد انّه أخذ عن أبى هاشم أيضاً، وقال القاضي "عبد الجبار": فأمّا أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي فلو لم يظهر علمه وفضله إلاّ بما ظهر عن واصل بن عطاء لكفى، وكان يأخذ العلم عن أبيه وكان واصل بمنزلة كتاب صنعه أبو هاشم، وكذلك أخوه غيلان بن عطاء يقال انّه أخذ العلم عن الحسن بن محمد بن الحنفية أخي أبي هاشم.(٢) وقال الجاحظ: ومن مثل محمد الحنفية وابنه أبي هاشم الذي قرأ علوم التوحيد والعدل حتى قالت المعتزلة: غلبنا الناس كلّهم بأبي هاشم الاَوّل.

قال ابن أبي الحديد: إنّ أشرف العلوم هو العلم الاِلهي، لاَنّ شرف العلم بشرف المعلوم، ومعلومه أشرف الموجودات، فكان هو أشرف، ومن كلامه (علي)(عليه السلام) اقتبس، وعنه نقل، ومنه ابتدىَ وإليه انتهى، فإنّ المعتزلة ـ الذين هم أصل التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلم الناس هذا الفن ـ تلامذته، وأصحابه، لاَنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية وأبو هاشم تلميذ أبيه وأبوه تلميذه.

وأمّا الاَشعرية فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الاَشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة

١. فضل الاعتزال: ٢٣٤.

٢. فضل الاعتزال: ٢٢٦.

١٥
الصفحة: ١٦ فارغة
فالاَشعرية ينتهون بالآخرة إلى استاذ المعتزلة ومعلمهم، وهو علي بن أبي طالب.(١) وقال المرتضى في أماليه: اعلم أنّ أُصول التوحيد والعدل مأخوذة من كلام أمير الموَمنين ـ صلوات الله عليه ـ وخطبه، فإنّها تتضمن من ذلك ما لا زيادة عليه، ولا غاية وراءه، ومن تأمل المأثور في ذلك من كلامه، علم أنّ جميع ما أسهب المتكلمون من بعده في تصنيفه وجمعه إنّما هو تفصيل لتلك الجمل وشرح لتلك الا َُصول، وروي عن الاَئمّة من أبنائه (عليه السلام)في ذلك ما لا يكاد يحاط به كثرة، ومن أحب الوقوف عليه وطلبه من مظانه، أصاب منه الكثير، الغزير، الذي في بعضه شفاء للصدور السقيمة، ونتاج للعقول العقيمة.(٢) وقال العلاّمة السيد مهدي الروحاني في تعليقه على نظرية أحمد أمين: إنّ أحمد أمين قد لفق ذلك التوجيه والرد ليقطع انتساب الاعتزال والمعتزلة إلى أمير الموَمنين ولم نر أحداً من الشيعة قال بتتلمذ واصل للاِمام الصادق (عليه السلام)حتى يرد عليه أنّ الصادق كان يمسك الركاب لتلميذ واصل، وهو زيد. فتتلمذه للصادق بعيد، بل وجه اتصال المعتزلة بأمير الموَمنين هو ما ذكروه أنفسهم (حسب ما عرفت)، ومجرد إمساك الاِمام الصادق بالركاب لعمه زيد (رحمه الله) لا يدل على أنّ الصادق تتلمذ لعمه زيد، وانّما فعل أحمد أمين ذلك بدافع من هواه المعروف عنه، والظاهر في كتبه، وهو أن يسلب عن على ما ينسب إليه من الفضائل مهما أمكن ولكن بصورة التحقيق العلمي علّ ذلك ينطلي على الناس... وذلك بعد ما ظهر من الغربيين تقريظات ومقالات فيها تعظيم للمعتزلة وتعريف لهم بأنّـهم أصحاب الفكر الحر، لم تسمح نفس أحمد أمين بأن تكون جماعة كهوَلاء ينتسبون في أُصول مذهبهم وأفكارهم إلى على، فلفق ذلك التوجيه والرد والاِغفال.

١. الشرح الحديدي: ١/١٧.

٢. غرر الفوائد ودرر القلائد أو أمالى المرتضى: ١/١٤٨.

١٧
منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ودعاية".(١) لاحظ هذا الكلام وأمعن النظر فيه هل ترى كلمة أوضح في الدلالة على مصونيتهم من الذنوب وعصمتهم عن الآثام من قوله: "لا يخالفون الحق، ولا يختلفون فيه" أي لا يعدلون عن الحق، ولا يختلفون فيه، قولاً وفعلاً كما يختلف غيرهم من الفرق، وأرباب المذاهب، فمنهم من له في المسألة قولان، أو أكثر، ومنهم من يقول قولاً ثم يرجع عنه، ومنهم من يرى في أُصول الدين رأياً ثم ينفيه ويتركه.

إنّ الاِمام يصف آل النبي بقوله: "عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية" أي عرفوا الدين، وعلموه، معرفة من فهم الشيء وأتقنه، ووعوا الدين وحفظوه، وحاطوه ليس كما يعقله غيرهم عن سماع ودعاية".

وعلى الجملة انّ قوله (عليه السلام): "لا يخالفون الحق"، دليل على العصمة عن المعصية وقوله:"عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية" دليل على مصونيتهم عن الخطأ، وسلامتهم في فهم الدين ووعيه.

والاِمام لا يكتفي ببيان عصمة آل رسول الله بهذين الكلامين، بل يصف أحب عباد الله إليه بعبارات وجمل تساوق العصمة، وتعادلها، إذ يقول:

"أعانه الله على نفسه، فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف، فزهر مصباح الهدى في قلبه، وأعدّ القرى ليومه النازل به، فقرّب على نفسه البعيد، وهوّن الشديد، نظر فأبصر، وذكر فاستكثر، وارتوى من عذب فرات سهلت له موارده فشرب نهلاً، وسلك سبيلاً جدداً، قد خلع سرابيل الشهوات، وتخلّى من الهموم

١. نهج البلاغة الخطبة ٢٣٤، طبعة عبده.

١٨
الصفحة: ١٩ فارغة
إلاّ هماً واحداً انفرد به، فخرج من صفة العمى ومشاركة أهل الهوى وصار من مفاتيح أبواب الهدى، ومغاليق أبواب الردى، قد أبصر طريقه، وسلك سبيله، وعرف مناره وقطع غماره، واستمسك من العرى بأوثقها، ومن الحبال بأمتنها، فهو من اليقين على مثل ضوء الشمس، قد نصب نفسه لله سبحانه في أرفع الاَُمور من إصدار كل وارد عليه، وتصيير كل فرع إلى أصله، مصباح ظلمات، كشاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات، يقول فيفهم، ويسكت فيسلم، قد أخلص لله فاستخلصه فهو من معادن دينه، وأوتاد أرضه، قد ألزم نفسه العدل فكان أول عدله نفي الهوى عن نفسه، يصف الحق ويعمل به، لا يدع للخير غاية، إلاّ أمّها، ولا مظنة إلاّ قصدها، قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحل حيث حل ثقله، وينزل حيث كان منزله.(١) ولا أرى أحداً نظر في هذه الخطبة، وأمعن النظر في عباراته وجمله، إلاّ وأيقن أنّ الموصوف بهذه الصفات في القمة الاَعلى من العصمة. فهل ترى من نفسك انّ من لا يكون له إلاّ هم واحد وهو الوقوف عند حدود الشريعة ومن ألزم على نفسه العدل ونفي الهوى عن نفسه، أن لا يكون مصوناً من المعصية، ومعتصماً من الزلل، كيف وقد أمكن القرآن من زمامه، فهو قائده وإمامه يحل حيث حل، وينزل حيث نزل.

قال ابن أبي الحديد: إنّ هذا الكلام منه أخذ أصحابه علم الطريقة والحقيقة وهو تصريح بحال العارف ومكانته من الله، والعرفان درجة حال رفيعة شريفة جداً مناسبة للنبوة ويختص الله تعالى بها من يقربه إليه من خلقه.

وقال أيضاً: إنّ هذه الصفات والشروط والنعوت التي ذكرها في شرح حال العارف إنّما يعني بها نفسه، وهو من الكلام الذي له ظاهر وباطن، فظاهره

١. نهج البلاغة الخطبة ٨٣، طبعة عبده.

٢٠