×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عصمة الحوراء زينب (عليها السلام) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنَّ}(١).

فهذا الغضّ البصري فيه دلالة على أنّ الداخل عارف بجمال زينب (عليها السلام)وعلوّ قدرها، لكن هل يستطيع الإنسان أن يعرف ذات زينب وحقيقتها؟ نقول قد يرتقي الإنسان إلى معرفة زينب (عليها السلام) إلى أعلى درجات المعرفه الجمالية ولكنّه ربما لا يمكن له أن يقف على الذات الزينبية إلاّ من كان محيطاً بها كالمعصومين (عليهم السلام).

فإذا عرف الإنسان أنّ المعرفة تدلّه على العمل، وأنّ هناك ارتباط وثيق بين المعرفة والعمل، تجده حينها يغتنم كلّ الفرص لينهل من المعارف الإلهيّة لما يؤهّله أن يكون الأفضل في يوم القيامة، لأنّ الفضل على درجة المعرفة، وهذا ما أشار إليه إمامنا الصادق (عليه السلام) بقوله: «ليس الفضل بالصلاة والصوم والحجّ وإنّما الفضل بالمعرفة»(٢) فربما يحجّ المرء ولا يعرف الحقّ وربما يحجّ ولا يعرف إمام زمانه، فمثل هذا الحجّ لا ينفع، لأنّ الله سبحانه ابتلى الإنسان ليرى من هو أحسنهم عملا لا من هو أكثرهم عملا، فالتعرّف إلى كيف العمل لا إلى كمّ العمل، حتّى أنّه ورد في كتاب الكافي أنّه يستحبّ قلّة العمل(٣)، لأنّ كثرة العمل ربما تؤدّي إلى العجب أو

١- النور: ٣٠ ـ ٣١.

٢- إشارة إلى الحديث الشريف في ميزان الحكمة ـ كلمة عرف.

٣- إشارة إلى الحديث الشريف عن حنان بن سدير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ الله عزّ وجلّ إذا أحبّ عبداً فعمل قليلا جزاه بالقليل الكثير... اُصول الكافي ٢: ٩٢، وعنه (عليه السلام) عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) يقول: «إنّي لاُحبّ أن اُداوم على العمل وإن قلّ»، وهناك أحاديث كثيرة في هذا الباب ـ اُصول الكافي ٢: ٨٨.

٤١
إلى الرياء والسمعة، ولهذا أيضاً يعتمد علماء الأخلاق على حسن العمل ولكن لكي يكون العمل حسناً لا بدّ من شروط، وأهمّ هذه الشروط حسن العقيدة، أي أنّ أوّل الشروط: الإيمان حيث أنّ العمل بلا إيمان لا ثواب فيه ولا قيمة له(١)، فإذن الكفر يحبط العمل مهما كان هذا العمل كثيراً وكبيراً(٢)، وخير شاهد على ذلك ما حصل للشيطان ذلك العابد الذي تعجّبت من عبادته الملائكة إلاّ أنّه في لحظة غرور وعجب أنهى كلّ شيء، واضطرّ لمطالبة الله تعالى بأجره الدنيوي، فأعطاه الله تعالى أجره حيث أنظره إلى يوم معلوم(٣)، وهكذا كلّ من يعمل عملا جبّاراً لا ثواب له في الآخرة طالما هو كافر، وترى ذلك واضحاً في هذا العالم الذي خدم البشرية خدمةً لا يستهان بها وأقصد بذلك (أديسون) مكتشف الكهرباء، إنّما أجره حصل عليه في الدنيا، فكلّما بقيت الكهرباء ونفعت بقيت ذكرى أديسون قائمة إلى حين، وأمّا في يوم القيامة فإنّه يحبط العمل بالكفر، لأنّ حسن العمل مشروط بالإيمان.

١- في هذا إشارة إلى الآيات الكريمة في سورة العصر حيث تقول السورة: (وَالعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْر * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (العصر: ١ ـ ٣)، ولم تكتفِ الصورة بقوله تعالى: (إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا)، كما أنّها لم تكتفِ فقط بالإيمان بل أردف ذلك بالعمل الصالح (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بل (وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

٢- إشارة إلى الحديث الشريف عن أبي اُميّة يوسف بن ثابت، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)يقول: «لا يضرّ مع الإيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل...» الكافي ٢: ٤٥٣.

٣- إشارة إلى الآية الكريمة التي تبيّن المحاورة بين الله سبحانه والشيطان الذي طلب من ربّه أجره فقال كما في الآية الشريفة: (قَالَ أنظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ) (الأعراف: ١٤ ـ ١٥).

٤٢
الشرط الثاني ـ العلم والمعرفة: فإنّ العالم خيرٌ من العابد الجاهل(١) حتّى لو عبد الله تعالى ليل نهار فإنّ عمله لا يرتقي إلى مستوى عمل العالم، فلذلك قال أمير المؤمنين روحي فداه: «قصم ظهري اثنان: جاهل متنسّك، وعالم متهتّك»، فترى الذي قصم ظهر أمير المؤمنين (عليه السلام) ذلك العابد الجاهل لأنّ حسن العمل بالمعرفة، وحسن العقيدة بالمعرفة، والفضل بالمعرفة.

الشرط الثالث ـ التقوى: لأنّ الله تعالى لا يتقبّل من الفاسق:

{إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ}(٢).

وإن كان العمل مسقطاً للتكليف، ولكن قبول العمل غير سقوط وجوبه، فصلاته قد أسقطت التكليف لكن لا تكون مقبولة(٣)، ولا ناهية عن الفحشاء والمنكر، ولا معراجاً إلى السماء، ولا تكون هذه الصلاة الفارغة عن المضمون قرباناً، لأنّ الصلاة قربان كلّ تقيّ ومعراج كلّ مؤمن، ففي هذه الصلاة الفارغة لا يحسّ بالمعراجيّة إلى الله سبحانه.

١- إشارة إلى أحاديث كثيرة في هذا المعنى، ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر»، قصار الجمل للمشكيني ٢: ٦٢، ولا يكون للعالم فضل على العابد إلاّ إذا كان العابد ليس بعالم.

٢- المائدة: ٢٧.

٣- إشارة إلى الأحاديث التي تبيّن أنّ الصلاة إذا كانت فارغة المضمون ليس لها قيمة تذكر كما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»، قال الصلاة حجزة الله وذلك أنّها تحجز المصلّي عن المعاصي ما دام في صلاته. وكما في قوله (عليه السلام): «أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت قبل سائر عمله وإذا ردّت ردّ عليه سائر عمله» ـ قصار الجمل ١: ٣٨٧ ـ ٣٨٨.

٤٣
إذا عرج بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) في ليلة إلى السماء، فإنّ المؤمن يعرج في كلّ صلاة إلى الله تعالى، وهذا ما يؤكّده الحديث الشريف: «الصلاة معراج المؤمن»، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله)عرج به إلى السماء ورأى ما رأى عند سدرة المنتهى، وما كذب الفؤاد ما رأى.

فلماذا لا نرى في صلاتنا شيئاً، إذا كانت الصلاة معراج المؤمن؟

فالجواب واضح جدّاً وهو أنّ الحجب التي بيننا وبين الملكوت هي الحائل دون الرؤية. ونجد أنّ نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام) حينما طلب من ربّه رؤية الملكوت، تفضّل عليه ربّه وأراه ملكوت السماوات والأرض(١) أي اراه ظاهر وباطن كلّ شيء، لأنّ لكلّ شيء ظاهر وباطن حتّى الجنّة والنار لهما ظاهر وباطن، مع أنّ من الأشياء ظاهره الرحمة وباطنه الغضب، وربما العكس ظاهره الغضب وباطنه الرحمة.

فظاهر هذه الأشياء التي أمامنا تسمّى بالملك وباطنها يسمّى بالملكوت، ولهذا نرى الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه يقول: «اللهمّ أرنا حقائق الأشياء»(٢)، يعني اللهمّ أرنا ملكوت الأشياء وأرنا هذه الحالة التي تعمّ جميع الكون وهي تسبيح هذا الكون لبارئه، إلاّ أنّنا لا نفقه تسبيحهم بسبب الذنوب التي صارت حجاباً بيننا وبين هذا التسبيح، فكلّ شيء يسبّح ويهلّل لله سبحانه وتعالى، وذلك في سيره التكاملي في حركته الجوهرية، وكلّ شيء يمشي لكي يصل إلى معشوقه الأوّل وهو الله تعالى، وهذا التسبيح هو مقام الجلال، والحمد لله هو مقام

١- إشارة إلى الآية الكريمة: (وَكَذَلِكَ نُرِي إبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ) (الأنعام: ٧٥).

٢- إشارة إلى الدعاء الوارد في الصحيفة السجّادية للإمام زين العابدين (عليه السلام).

٤٤
الجمال، والشواهد والقصص في هذا الباب كثيرة، فإنّ أحد أولياء الله تعالى يسمع حفيف الشجر ويسمع من خلاله التهليل والتسبيح، وذلك من ضرب الورق بعضه ببعض، فيمكن للإنسان أن يصل إلى هذه المرحلة، فلا تعجب من ذلك، فقد اتّفق الفريقان ـ السنّة والشيعة ـ على أنّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قال في الحديث القدسي عن الله تعالى: «العبد يتقرّب إليَّ بالنوافل حتّى اُحبّه فإذا أحببته أكون سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر، ويده التي بها يبطش»، فيكون سمعه سمع الله، وبصره بصر الله، ويده يد الله، ويد الله فوق أيديهم، ينقل أنّ شابّاً اشتكى عند عمر ابن الخطّاب على أبي الحسن عليّ بن أبي طالب أسد الله الغالب (عليه السلام) بأنّه ضربه في السوق فاحمرّ وجهه، فقال عمر: يا أبا الحسن، لِمَ ضربته؟ قال: لأنّه نظر إلى امرأة أجنبية ورأيت ذلك منه، فضربته كي يمتنع عن هذا، فقال عمر بن الخطّاب: عين الله رأت ويد الله ضربت. هذه معرفة عمريّة، فكيف بالمعرفة العلويّة، فأكثر أولياء الله وصلوا إلى هذا المقام، وكلّ أحد له أن يصل إلى هذه المرحلة سيّما الشباب، فإنّه يكفيهم التحرّك بقدمين: القدم الاُولى أن يضعها على النفس(١)، والقدم الثانية في الجنّة، فإنّ في مخالفة الهوى ومخالفة النفس الجنّة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:

{وَأمَّا مَنْ خَافَ مَـقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّـفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإنَّ الجَـنَّةَ هِيَ

١- مراد السيّد الاُستاذ أن يسحق المؤمن العاقل هوى النفس ويضع جميع شهواتها تحت قدمه لكي ينتصر على هواه ويخالفه، فإنّ في مخالفته دخول الجنّة، وكما في الآية الشريفة: (وَأمَّا مَنْ خَافَ مَـقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّـفْسَ عَنِ الهَوَى * فَإنَّ الجَـنَّةَ هِيَ المَأوَى)(النازعات: ٤٠ ـ ٤١).

٤٥
المَأوَى}(١).

والجنّة يمكن رؤيتها لأنّها من الملكوت، وكلّما وصل الإنسان إلى الرتبة التي تؤهّله لرؤية الملكوت فإنّه يراها، وخير شاهد على ذلك الرجل الذي جاء إلى اُستاذنا (قدس سره) وهو رجل قروي يقول: عندما قمت إلى صلاة الليل نظرت إلى السماء وإذا بي أرى عرش الله تعالى، وقطعاً إنّه رأى العرش المسمّى وليس العرش الإسمي(٢)، وهذا يتمّ بشروطه، التي هي حسن العمل، والعلم والمعرفة، والتقوى، لأنّ الله سبحانه إنّما يتقبّل من المتّقين.

الشرط الرابع ـ الولاية: جاء في الحديث الصحيح في مناقب عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لابن المغازلي: «لو عبد الإنسان ربّه بين الركن والمقام في الليل والنهار حتّى يكون كالشنّ البالي قائماً ليله صائماً نهاره ولم يوالي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فإنّه لا يقبل منه»(٣)، فحسن العمل ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، فهذا هو الذي جعل العدوّ يشهد لعليّ (عليه السلام) بقوله(٤):


قـسـماً بمكّة والحظيم وزمزموالراقصـات وسعيهنّ إلى منى
بغـض الوصيّ علامة مكتوبةكتبت على جبهات أولاد الزنى
مـن لم يوالي في البريّة حيدراًسـيّان عـند الله صلّى أم زنى

١- النازعات: ٤٠ ـ ٤١.

٢- تفصيله في كتاب (الإمام الحسين (عليه السلام) في عرش الله) للسيّد المحاضر، وهو مطبوع.

٣- مناقب عليّ بن أبي طالب ; لابن المغازلي، وللسيّد الاُستاذ بحث مفصّل عن الولاية في كتابه القيّم (هذه هي الولاية) المجلّد الخامس من موسوعة (رسالات إسلامية) فراجع.

٤- قال ذلك أحد العباسيين، وهو الناصر العباسي.

٤٦
فحسن العمل يعتمد على المعرفة والتقوى والإيمان والولاية، إذن من عرف أهل البيت (عليهم السلام) حقّ المعرفة فإنّه لا يرتكب ذنباً، وكذلك من عرف الله تعالى وأنّه يرى عمله كما أنّ رسوله والمؤمنون الذين هم أهل البيت (عليهم السلام)يرون الأعمال(١)، وقد يراه أيضاً الأمثل فالأمثل أي من كان قريباً من الأئمة كزينب الكبرى وإن كانت هذه الرؤية جزئية وليست كلّية، فإنّه لا يقدم على أيّ ذنب حياءً وخجلا ممّن يرى، فإذا عرفنا أنّ الإمام الحجّة (عليه السلام) تُعرض عليه الأعمال في كلّ خميس واثنين(٢)، وتيقّنّا ذلك وآمنّا به، فعندها لا يمكن أن يصدر منّا ذنباً.

وهكذا فإنّ من يدخل إلى حرم السيّدة زينب الكبرى (عليها السلام) وهو يعلم أنّها تراه، فإنّه لا يعصي الله سبحانه خجلا منها واحتراماً لها، فتكون زينب (عليها السلام) سبباً في منعه عن المعصية، لأنّ الدخول في رحابها يجعل الداخل في عالم آخر، ولكن لو دخل إليها ومع كلّ ذلك عصى ربّه وأساء الأدب في الحرم الزينبي، فهذا مثله مثل اُولئك الذين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ما لنا يا رسول الله عندما نجلس إليك وتحدّثنا عن الدنيا نزهد فيها ونتوجّه إلى الله، ولكن إذا خرجنا منك ولقينا

١- إشارة إلى الآية الشريفة: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ)(التوبة: ١٠٥).

٢- إشارة إلى الحديث الشريف عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): «تعرض أعمال الناس كلّ جهة مرّتين، يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكلّ عبد مؤمن إلاّ من كانت بينه وبين أخيه شحناء، فقال اتركوا هذين حتّى يصطلحا»، قصار الجمل: ٧٢. وهناك أحاديث كثيرة تشير إلى عرض العمل في يومي الخميس والاثنين.

٤٧
الأهل والأولاد نسينا كلّ ذلك فأدركنا يا رسول الله لعلّنا صرنا من المنافقين، فأجابهم النبيّ (صلى الله عليه وآله): «لولا هيام الشياطين على قلوبكم لرأيتم ما أرى، ولسمعتم ما أسمع».

ومن الشواهد على هذا وصيّة سيّدنا الاُستاذ المرعشي النجفي رحمة الله عليه إلى ولده السيّد محمود، يقول: «ولدي محمود، إنّي من خلال الأوراد والأذكار وصلت إلى مقام أسمع ما لا يسمعه غيري، وأرى ما لا يراه غيري»(١)، وكثير معي عاصروا هذا السيّد الجليل فليس الكلام عن هذا من المثاليات، بل هو قدوة حاضرة، فإذن لا بدّ من المعرفة والعمق فيها لنزداد عملا حسناً، ونحصل على سلوك أخلاقي رفيع، ولكي نزداد خضوعاً وخشوعاً وتقرّباً إلى الله تعالى، لا بدّ من معرفة أهل البيت (عليهم السلام) والتعمّق في معرفتهم ومعرفة مقامهم الشامخ، لأنّهم الوسيلة إلى الله تعالى، ولكن إنّما تتمّ المعرفة من خلالهم، بل حتّى لو أردنا معرفة القرآن الكريم فلا بدّ أن يكون من طريقهم وهذا ما يؤيّده حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: «إنّي مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»(٢)، فهما لن يفترقا في كلّ شيء فمتى ما كان القرآن الكريم كان ترجمانه معه، لأنّ القرآن الكريم هو القرآن الصامت التدويني، وأهل البيت (عليهم السلام)

١- كما جاء في كتاب السيّد الاُستاذ العلوي (قبسات من حياة سيّدنا الاُستاذ).

٢- هذا الحديث جاء في كتب الفريقين، أخرجه الترمذي ٥: ٣٣٨، الحديث ٣٨٧٤، وفي ينابيع المودّة: ٣٣، كنز العمّـال: ١٥٣، وغيرها من الكتب السنّية المعتبرة، وهو عندنا من باب أولى.

٤٨
هم القرآن الناطق العلمي(١)، وإنّي أرى أنّ القرآن كان قبل خلق الإنسان، ويدلّ على ذلك ما جاء في سورة الرحمن في قوله تعالى:

{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ}(٢).

فالإنسان يكون بين علمين علم القرآن وعلم البيان، بل إنّ الإنسان خلق بين علم القرآن وعلم بيان القرآن، ولكن لا بدّ للقرآن من مبيّن ألا وهم أهل البيت (عليهم السلام) ومن حذا حذوهم من العلماء الصالحين، وبما أنّنا عرفنا أنّ أهل البيت لن يفترقوا عن القرآن، فيلزم أن يكونوا مع القرآن في أوّل وجوده، وبهذا يكونوا قد سبقوا الخلق بوجودهم.

فإذا اردنا أن نعرف القرآن فلا بدّ أن يكون من خلالهم (عليهم السلام) ونعرفهم من خلال القرآن، ولا نقول كما قال غيرنا حسبنا كتاب الله، ولا نقول كما قالوا: حسبنا أهل البيت (عليهم السلام)(٣)، بل نقول القرآن مع أهل البيت لن يفترقا، ولهذا الترابط الوثيق نجد أهل البيت (عليهم السلام) يحثّون شيعتهم على عرض أقوالهم وأحاديثهم على القرآن الكريم، فما وافق القرآن نأخذ به، وما خالفه نضرب به عرض الجدار،

١- لأنّ للقرآن مراتب ووجودات متعدّدة ومن مراتبه القرآن العيني الذي يترتّب عليه الأثر وهم أهل البيت (عليهم السلام).

٢- الرحمن: ١ ـ ٤.

٣- أوّل من قال ذلك هو عمر بن الخطّاب في مرض النبيّ (صلى الله عليه وآله) عندما طلب منهم (صلى الله عليه وآله) دواة وكتف ليكتب لهم كتاب وحصل نزاع بين القوم بين من يؤيّد إحضار الدواة والكتف وبين من لا يؤيّد ذلك، فحسمها عمر بقوله هذا: «حسبنا كتاب الله»، أي لا حاجة بنا إلى غيره، ولا نقول إنّ أهل البيت (عليهم السلام) يغنونا عن كتاب الله تعالى لأنّهما لن يفترقا فلا بدّ من التمسّك بهما لا بأحدهما دون الآخر.

٤٩
وأنّه من زخرف القول، وباطل لم يصدر عنهم، لأنّهم لا يخالفون القرآن(١)، وهذا معنى قول أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) عندما رفع القرآن على الرماح في صفّين: «أنا القرآن الناطق»، وهذا قرآن صامت مع ما له من الإكرام والعزّة، فإذا عرفنا هذا الكلام سيبدو بنا الشوق للقاء إمامنا الحجّة (عليه السلام) هذا الأمل الوحيد للشيعي الخالص المخلص، بل اُمنية كلّ مؤمن أن يرى مولاه وإمام زمانه (عليه السلام) ولكن إذا منعتك الموانع(٢) من رؤيته فها هو شريكه بين يديك وهو كتاب الله العزيز عدل صاحب الزمان، فلنشتاق إليه ونقوم له إجلالا كما نقوم عند ذكر صاحب الزمان، فإذا كان مدلول قيامك لإمامك الحجّة (عجّل الله فرجه الشريف) هو أنّك منتظر خروجه، فإنّ هذا القرآن لا بدّ من احترامه والقيام له، فإنّه كتاب عزيز كريم، ولذا نجد السيّد الطباطبائي صاحب تفسير الميزان كان لا يبيت في مكان فيه قرآن، ولا يمدّ رجله في مكان فيه قرآن أبداً في طوال حياته تعظيماً للقرآن الكريم. فإذا أردنا أن نحترم القرآن لا بدّ من تأدية حقّه، وهو أن نتلوا منه في كلّ يوم على أقلّ

١- ورد عنهم أحاديث كثيرة تحثّ شيعتهم على عرض ما ورد عنهم على كتاب الله تعالى لكي يمتاز ما كان عنهم عن ما وضع من قبل الواضعين لأنّ حديثهم لا يختلف عن ما في القرآن الكريم ومن هذه الأحاديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نور، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه» (بحار الأنوار ٢: ٢٢٧)، وهناك أحاديث ورد فيها كلمة «فاضربوا به عرض الجدار» «فهو زخرف لم نقله»، والكلّ يؤدّي نفس المعنى.

٢- هذه الموانع هي الذنوب والمعاصي التي أشار إليها الإمام الحجّة (عج) في وصاياه لشيعته فقال في هذه الفقرة: «ولو أنّ أشياعنا وفّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا».

٥٠
كتاب عصمة الحوراء زينب (ع) للسيد عادل العلوي (ص ٥١ - ص ٦٢)

٥١

(المحاضرة الرابعة)


الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه سيّد الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم ومنكري فضائلهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

لا زلنا وإيّاكم في رحاب السيّدة زينب الكبرى في رحاب روضة العلم والنور.

ولقد كان الحديث عن أحد مقاماتها إلاّ وهو عصمتها، فهل إنّ زينب الكبرى معصومة؟

وهل هناك فرق بين عصمتها وعصمة اُمّها الصدّيقة الكبرى فاطمة (عليها السلام)؟

هذا ما سنتحدّث عنه اليوم إن شاء الله تعالى.

قبل الوصول في حديثنا إلى عصمة السيّدة زينب (عليها السلام) لا بدّ لنا أن نتحدّث عن عصمة اُمّها الصدّيقة الطاهرة إجمالا.

فنقول:

إنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) تتجلّى فيها العصمة الإلهيّة الكبرى، لأنّ الله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العليا، فعند خلقه للإنسان أشار إلى فلسفة خلقته،

٥٢
وبيّن أنّ المراد من خلق الإنسان هو تكامل هذا الإنسان(١)، وإنّ هذا التكامل لا يتمّ إلاّ بالرحمة والعلم والعبادة فيصير الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض ويكون مظهراً لأسمائه وصفاته وقال تعالى:

{إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً}(٢).

وهذه الخلافة هي خلافة الأسماء والصفات(٣).

فالخلافة تارةً تكون مادّية واُخرى أخلاقية، وخلافة الإنسان لله تعالى هي من القسم الثاني ونسمّيها بخلافة الأسماء والصفات لأنّ الله تعالى ذات محيطة بكلّ شيء ولا يحاط به، فمعرفة ذاته محال، بل تقود إلى الحيرة والضلال كما ورد في الحديث الشريف(٤)، إلاّ أنّ لنا أن نعرفه من خلال أسمائه وصفاته، وأمرنا الشارع بذلك فلنا أن نتفكّر بصفاته الذاتية والفعلية وكونه عالماً وقادراً وحيّاً، وأنّ

١- إشارة إلى الآية القرآنية الكريمة (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِـيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦)، ومن تفاسير كلمة (ليعبدون) أي ليعرفون، فإنّ المعرفة هي أساس العبادة لأنّ «أوّل الدين معرفته» وبالمعرفة يتكامل الإنسان.

٢- البقرة: ٣٠، (وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً)، وفي الآية ٣٦ من سورة ص ما يدلّ على الخلافة الإلهية.

٣- مراده من خلافة الأسماء والصفات هو التخلّق بأخلاق الله تعالى كما ورد في الحديث الداعي إلى التخلّق بأخلاق الله تعالى وعكس صفاته وأسمائه فيكون الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يحمل كلّ صفات الله تعالى فاستحقّ أن يكون خليفته في ذلك.

٤- إشارة إلى الحديث الشريف: «عن أبي جعفر (عليه السلام): تكلّموا في خلق الله ولا تتكلّموا في الله، فإنّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّراً» الكافي، الجزء الأوّل، باب التوحيد.

٥٣
هذه الصفات تتجلّى في خلقه فترى الخلق كلّه يسبّح بحمده(١)، فمثلا نرى صفة الحياة تتجلّى في خلقه، ولكن هذه الحياة لها مراتب متعدّدة، كالرتبة الجمادية والنباتية والحيوانية والإنسانية والملائكية والرتبة العليا هي الرتبة الإلهية، وهكذا قدرته وكلّ أسمائه وصفاته تتجلّى وتظهر في هذا الكون الذي هو مرآة عاكسة لصفات الله تعالى، والذي يجمع هذه الصفات ويعكسها كلّها وتتجلّى فيه هو الإنسان الكامل فيسمّى بجامع الجمع(٢)، لأنّ هناك من المخلوقات ما يتجلّى فيه صفة واحدة من صفات الله تعالى وبعضها أكثر من ذلك وكلّ بحسبه، فالإنسان الكامل هو المخلوق الوحيد الذي تتجلّى فيه ألف وواحد من الصفات، وتسعة وتسعون منها تسمّى بالأسماء الحسنى لورودهافي القرآن الكريم، وهذه الأسماء لها الأثر التامّ عند الدعاء بها، ولكن لا بدّ لنا أن نعرف من هو الإنسان الكامل؟ فيكون الجواب هو من كانت له الرتبة العليا والسيادة المطلقة على الخلق ألا وهو النبيّ الأكرم محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) أي أنّ هذه الأسماء والصفات تتجلّى كاملةً في الحقيقة المحمّدية، وهذه الحقيقة تتجلّى في الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) ثمّ العلماء ثمّ الأمثل فالأمثل. فلهذا صار الإنسان خليفة الله تعالى في الأرض الذي يحمل

١- إشارة إلى الآيات القرآنية الكثيرة التي تصرّح بأنّ كلّ ما في الوجود يسبّح لله تعالى: (وَإنْ مِنْ شَيْء إلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء: ٤٤)، وهذا ما ورد في سورة الحشر أيضاً (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (الحشر: ١)، وهذه الآية تكرّرت في سورة الصفّ ـ سورة الحديد ـ وسورة الجمعة بزيادة.

٢- سمّي بجامع الجمع لأنّه جامع لجميع الصفات الإلهية والأسماء الحسنى.

٥٤
أسماء وصفات الله تعالى.

ومن أسماء وصفات الله تعالى اسم الطاهر والمعصوم أي المنزّه عن كلّ نقص وقبيح، مع أنّه قادر على فعل القبيح، إلاّ أنّه لا يفعل القبيح وهذا ما يعتقده الشيعة في قبال اعتقاد الأشاعرة والمعتزلة(١) ; لأنّه بفعله للقبيح يكون محتاجاً أو جاهلا أو ناقصاً، ولكنّه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

فالله تعالى هو الطاهر مطلقاً والمعصوم مطلقاً بالقياس إلى غيره أي الممكن الذي تحدّه بداية ونهاية، والذي تكون العصمة فيه أمراً نسبياً، بينما تكون في الله تعالى مطلقة، لأنّه أزلي أبدي سرمدي وهو الخالق للزمن وما وراء الزمن.

وبناءً على ما سبق فإنّ العصمة والطهارة تتجلّى في الأنبياء وفي الأئمة(عليهم السلام)، لأنّ مسؤولية الجميع واحدة ووظيفتهم واحدة، فالنبيّ مسؤول عن هداية البشر والإمام مسؤول عن حفظ هذه الهداية وإدامتها، فتتجلّى العصمة الإلهية في الأنبياء، وتتجلّى العصمة الإلهية والنبوية في الأئمة، فعلى هذا لا بدّ للخليفة الذي

١- هناك ثلاثة أقوال في المسألة:

الأشاعرة: قالوا بأنّه تعالى فاعل لكلّ فعل حتّى القبيح ولا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون، فتعالى الله عن ذلك.

المعتزلة: فراراً من هذا القول قالوا: القبيح فعل صادر من الإنسان وليس لله تعالى أيّ دخل فيه فعزلوا الله تعالى عن سلطانه، فلزم من ذلك النقص والنقص قبيح.

الإمامية: يقولون إنّ الله تعالى على كلّ شيء قدير حتّى على فعل القبيح، لكنّه لا يفعل القبيح لعدم وجود الداعي، لأنّه ليس بجاهل أو محتاج أو عابث أو مجبور على فعل القبيح، فإذا انتفى الداعي لفعل القبيح امتنع وقوعه.

(وهناك تفصيل في المسألة مذكور في محلّه).

٥٥
يلي الرسول في مهمّته الإلهية وحفظ الرسالة، أن يكون معصوماً، لأنّه الحافظ للشريعة التي جاء بها النبيّ، ثمّ إنّ القرآن الذي هو كتاب الهداية معصوم من كلّ خطأ، فلا بدّ لحافظه ومفسّره ومبيّنه أن يكون معصوماً، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة التي أمرتنا أن نعتصم بحبل الله تعالى وقالت:

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(١).

فلو لم يكن الحبل معصوماً لما طلبت الآية الاعتصام به، ونحن نعلم أنّ القرآن الناطق هو الإمام فلا بدّ له أن يكون معصوماً.

وإلى ذلك أيضاً أشارت الآيات القرآنية في قصّة الطوفان وسفينة نوح (عليه السلام)وبيّنت أنّ السفينة هي المكان الوحيد للنجاة وكلّ ما سواها لا يعصم من الغرق حتّى الجبل بشموخه وصلابته، فإنّه لا يستطيع أن يحمي ابن النبي نوح (عليه السلام) الذي التجأ إليه(٢)، ففي هذا دلالة واضحة على عصمة السفينة ومن يركبها ينجو ومن يتخلّف عنها يغرق ويهوى، ولوجود مناسبة وتشابه بين سفينة نوح (عليه السلام)وأهل البيت (عليهم السلام) نرى النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) يمثّل أهل بيته بسفينة نوح ويأمر الاُمّة في مواطن عديدة بالتمسّك بهم حيث أشرت إلى ما يقارب أربعين وجهاً بين آية السفينة وحديث السفينة(٣) وهو قول الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله) في حقّهم: «مثل

١- آل عمران: ١٠٣.

٢- إشارة إلى الآية القرآنية الكريمة: (قَالَ سَآوِي إلَى جَبَل يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللهِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ) (هود: ٤٣).

٣- جاء بيان ذلك في (الإمام الحسين (عليه السلام) في عرش الله) فراجع.

٥٦
أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى»(١)، فالعصمة الإلهية إذن تتجلّى في النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) ثمّ تتجلّى في الوصيّ من بعده (عليه السلام)، وهذه العصمة عصمة ذاتيّة كلّية، فكما تتجلّى في النبيّ (صلى الله عليه وآله) تتجلّى أيضاً في خلفاء النبيّ (صلى الله عليه وآله) الاثني عشر (عليهم السلام) الذين كلّهم من قريش كما ورد في الصحيحين(٢)، ولهذه العصمة النبويّة والولويّة جامع ألا وهي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فهي جامعة للنور النبوي والنور العلوي، فلذا يعبّر عنها بالصدّيقة الكبرى ويعبّر عنها بعصمة الله تعالى، لأنّها جمعت بين العصمتين، ثمّ إنّ هذه العصمة منحها الله تعالى لعباده ناشئة عن اختبار وامتحان فامتحن الله تعالى الأنبياء بأن شرط عليهم العلم والزهد في هذه الدنيا الدنيّة، فشرطوا له ذلك، وعلم منهم الوفاء فقبلهم وقرّبهم إليه، وهذا ما أشار إليه الإمام في الدعاء، حيث يقول: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنيّة وزخرفها وزبرجها، فشرطوا لك ذلك وعلمت منهم الوفاء به فقبلتهم وقرّبتهم وقدّمت لهم الذكر العليّ والثناء الجليّ»(٣).

إذن عصمهم الله تعالى بعد اختباره لهم في العوالم السابقة ـ كعالم الجبروت والملكوت والأرواح والمثال ـ على هذا العالم الناسوتي وهكذا بالنسبة لفاطمة

١- السواعق: ١٣٥، مستدرك الحاكم، الجزء ٣، الطبراني ـ المراجعات: ١٧.

٢- روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كنّا اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: كلّهم من قريش (صحيح البخاري ٩: ٨١)، وفي صحيح مسلم: «لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش» (صحيح مسلم ٦: ٤).

٣- مفاتيح الجنان، دعاء الندبة: ٦٠٦.

٥٧
الزهراء (عليها السلام) اختبرها الله تعالى بالصبر كما ورد في زيارتها يوم الأحد: «السلام عليكِ يا ممتحنة، امتحنكِ الذي خلقك قبل أن يخلقكِ، وكنت لما امتحنكِ به صابرة»(١)، فإذن اختبرها الله تعالى بالصبر الذي هو أساس الأخلاق ولم يختبرها بالزهد، لأنّ الزهد فرع من فروع الأخلاق. فلو سأل سائل: لِمَ اختبر الله تعالى أنبيائه بالزهد؟ فالجواب: إنّ الزهد في هذا الدنيا يؤهّل النبيّ لممارسة وظيفته التي بعث من أجلها، ألا وهي هداية الناس، فلا يكون غير الزاهد في الدنيا له القدرة على دعوة الناس للآخرة، فزهد الأنبياء يؤهّلهم للخوض في المجتمعات وعدم التلوّث بالمحيط الكافر، والبيئة المتلوّثة بالشرك والمعاصي.

نكتة أخلاقية:

إنّ العلماء ورثة الأنبياء كما ورد في الأخبار الشريفة، وللنبيّ أكثر من عشرين مقاماً ومن هذه المقامات مقام الهداية والحكومة والزهد، ولهذا فإنّ كلّ نبيّ زاهد حتّى النبيّ سليمان (عليه السلام) الذي ملك الدنيا بأسرها، لأنّ الزهد جمع في كلمتين كما في القرآن الكريم:

{لِكَيْلا تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَـفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ}(٢).

فإذا قلنا إنّ العالِم يرث النبيّ، فلا بدّ أن يكون زاهداً بالإضافة إلى علمه، وهذه اللابدّية أخلاقية وليست شرعيّة، لأنّ الزاهد يحكم قلوب الناس، فلهذا حكم الأنبياء على قلوب المؤمنين به، وهكذا العالم الرباني فإنّه يحكم على قلوب

١- مفاتيح الجنان: ٩٦، زيارة فاطمة الزهراء يوم الأحد.

٢- الحديد: ٢٣.

٥٨
المؤمنين إذا كان زاهداً ورعاً تقيّاً، فإذا كان الزهد شرطاً للنبوّة في عالم الذرّ فهو شرط للعلماء في هذا العالم الناسوتي.

فإذن تبتني عصمة الأنبياء الذاتية الكلّية الواجبة على العلم والزهد، وأمّا النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته ابتنت عصمتهم على العلم والصبر.

{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}(١).

الفرق بين العصمتين:

أقول: إنّ هناك فرق بين عصمة الأنبياء السابقين لنبيّنا (عليهم السلام) وبين عصمة خاتم الأنبياء وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، ولكن هذا الفرق من حيث المبادئ والنتيجة، أي أنّ عصمة الأنبياء يصدر معها ترك الأولى(٢)، ولكن عصمة النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته لا يصدر معها ترك الأولى، كما يلاحظ ذلك في قصّة آدم وداود (عليهما السلام)(٣)، إلاّ أنّ ترك الأولى لا يضرّ بالعصمة.

١- السجدة: ٢٤.

٢- مراده من ترك الأولى هو أنّ الأولى للإنسان أن يفعل كذا لأنّه في مصلحته ولائق بحاله ولكنّه لو لم يفعل فيسمّى تارك للأولى، وترك ما هو أولى من غيره ليس بمعصية لأنّه مخالفة لأمر إرشادي وليس لأمر مولوي أي أمر واجب.

٣- في قصّة آدم (عليه السلام) عندما أكل من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها فكان الأولى أي الأحسن أن لا يأكل منها ولكنّه خالف الأمر الإرشادي وأكل وهذا ما ذكرته الآيات القرآنية، وقصّة داود (عليه السلام) الذي كان الأولى به أن يستمع إلى أصحاب الدعوى على حدّ سواء ولا يسمع أحدهما ويترك الآخر ولكنّه استمع إلى أحدهما دون الآخر، وهذا مذكور في الآيات القرآنية.

٥٩
ثمّ إنّ العصمة التي تبتني على الصبر تجعل صاحبها على درجة من اليقين بحيث لو كشف له الغطاء لما ازداد يقيناً بينما نرى أنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام) طلب من ربّه أن يرى ما يطمئنّ به القلب، وهذا لأنّ عصمته بنيت على العلم والزهد، في حين أنّ أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) لم يطلب ذلك من ربّه لأنّ صبره أساس الأخلاق، واليقين جزء من الأخلاق، إنّ الزهد والتقوى جنديّان من جنود العقل وحبّ الدنيا من جنود الجهل كما هو مبيّن في محلّه(١).

فلا بدّ للعاقل من الاتصاف بالزهد والتقوى وباقي الصفات التي أعدّها الله من جنود العقل، والصبر أساس لكلّ هذه الجنود، كما عند علماء الأخلاق والعرفان أنّ مراحل التهذيب عبارة عن التخلية والتحلية والتجلية، وكلّها تبتنى على الصبر.

فبالصبر لم يصدر من عليّ (عليه السلام) ترك الأولى، فلا يقال لمثله (عليه السلام): كان الأولى له أن يفعل كذا في سياسته أو اقتصاده، وأعماله وسلوكه، وهكذا كان أولاده المعصومين (عليهم السلام) بالعصمة الذاتية المبتنية على العلم التامّ اللدنّي وعلى الصبر.

فإذا عرفنا أنّ العصمة التي عند النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) عصمة ذاتية، أي ذاتاً عصمهم الله من كلّ شين ونقص وذنب وخطأ ونسيان وحتّى ترك الأولى في النبيّ محمّد وآله الطاهرين (عليهم السلام)، وذلك باختبار وامتحان منه سبحانه في العوالم السابقة، فأعطاهم الله العصمة، فإذا عرفنا هذا، فإنّ التي عند زينب وأمثال زينب

١- ذكر أهل البيت (عليهم السلام) أنّ للعقل جنوداً وللجهل جنوداً، وهذا مفصّل في اُصول الكافي باب العقل والجهل، فراجع.

٦٠