×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإحتجاج (ج2) / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

<=

المشايخ الجلة، ورئيس رؤساء الملة، فخر الشيعة، ومحيي الشريعة، ملهم الحقودليله، ومنار الدين وسبيله، اجتمعت فيه خلال الفضل، وانتهيت إليه رياسة الكلواتفق الجميع على علمه وفضله، وفقهه وعدالته، وثقته وجلالته.

كان رحمه الله كثير المحاسن، جم المناقب، حديد الخاطر، حاضر الجواب، واسعالرواية، خبير بالأخبار والرجال والأشعار.

وكان أوثق أهل زمانه بالحديث، وأعرفهم بالفقه والكلام، وكل من تأخر عنهاستفاد منه.

وقال علماء العامة في حقه: - هو شيخ مشايخ الإمامية رئيس الكلام والفقه والجدلوكان يناظر أهل كل عقيدة، وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاةوالصوم، خشن اللباس، وكان شيخا، ربعة، نحيفا، أسمر عاش ستا وسبعين سنةوله أكثر من مائتي مصنف، كانت جنازته مشهورة شيعه ثمانون ألفا من الرافضةوالشيعة، وأراح الله منه أهل السنة، وكان كثير التقشف والتخشع، والإكبابعلى العلم، وكان يقال له على كل إمامي منة، وقال الشريف أبو يعلى الجعفري - وكانتزوج بنت المفيد رحمه الله -: ما كان المفيد ينام من الليل إلا هجعة ثم يقوم يصليأو يطالع أو يدرس أو يتلو. وقال ابن النديم: في عهدنا انتهت رياسة متكلمي الشيعةإليه، مقدم في صناعة الكلام على مذهب أصحابه، دقيق الفطنة، ماضي الخاطر، شاهدتهفرأيته بارعا.

توفي رحمه الله ليلة الثالث من شهر رمضان ببغداد سنة (٤١٣) وكان مولده يوم الحادي عشر من ذي القعدة (٣٣٦) وصلى عليه الشريف المرتضى بميدان الأشنانثم نقل كلام الشيخ الطوسي المتقدم ثم قال: ورثاه مهيار الديلمي بقصيدة منها قوله:

ما بعد يومك سلوة لمعلل * مني ولا ظفرت بسمع معذل
سوى المصاب بك القلوب على الجوى * قيد الجليد على حشأ المتململ
وتشابه الباكون فيك فلم يبن * دمع المحق لنا من المتعمل

وتقدم في ابن قولويه أن قبره في البقعة الكاظمية (ع) وذكر جماعة من العلماء منهمالميرزا محمد مهدي الشهرستاني في إجازته للسيد ميرزا محمد مهدي ابن ميرزا محمد تقي

=>

٣٢١

<=

الطباطبائي التبريزي المتوفى سنة (٢٤١) أن الشيخ المفيد - ره - رثاه صاحبالأمر (عج) حيث وجد مكتوبا على قبره:

لا صوت الناعي بفقدك أنه * يوم على آل الرسول عظيم
إن كنت قد غيبت في جدث الثرى * فالعدل والتوحيد فيك مقيم
والقائم المهدي يفرح كلما * تليت عليك من الدروس علوم

أقول وقصيدة الديلمي هذه التي ذكر منها الشيخ عباس القمي - رحمه الله - ثلاثةأبيات تبلغ (١٠١) بيتا وهي موجودة في ديوانه المطبوع وفيها يقول:

يا مرسلا إن كنت مبلغ ميت * تحت الصفائح قول حي مرسل
فج الثرى الراوي فقل لمحمد * عن ذي فؤاد بالفجيعة مشعل
من للخصوم اللد بعدك غصة * في الصدر لا تهوى ولا هي تعتلي
من للجدال إذا الشفاه تقلصت * وإذا اللسان بريقه لم يبلل
من بعد فقدك رب كل غريبة * بكر بك افترعت وقولة فيصل
ولغامض خاف رفعت قوامه * وفتحت منه في الجواب المقفل
من للطروس يصوغ في صفحاتها * حليا يقعقع كلما خرس الحلي
يبقين الذكر المخلد رحمة * لك في فم الراوي وعين المجتلي
أين الفؤاد الندب غير مضعف * أين اللسان الصعب غير مفلل
تفرى به وتحز كل ضريبة * ما كل حزة مفصل للمنصل
كم قد ضممت لدين آل محمد * من شارد وهديت قلب مضلل
وعقلت من ود عليهم ناشط * لو لم ترضه ملاطفا لم يعقل
لا تطبيك ملالة عن قوله * تروى عن المفضول حق الأفضل
فليجزينك عنهم ما لم يزل * يبلو القلوب ليجتبي وليبتلي
ولتنظرن إلى علي رافعا * ضبعيك يوم البعث ينظر من عل

ورثاه الشريف المرتضى - رحمه الله - بقصيدة موجودة في ديوانه المطبوع يقولفيها:

إن شيخ الإسلام والدين والعلم * تولى فأزعج الإسلاما -

=>

٣٢٢

للأخ السديد، والولي الرشيد، الشيخ المفيد، أبي عبد الله محمد بن محمد بنالنعمان أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد.

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين، المخصوص فينا باليقينفإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينامحمد وآله الطاهرين، ونعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبتكعلى نطقك عنا بالصدق -: أنه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤديهعنا إلى موالينا قبلك، أعزهم الله بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته،فقف أيدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه على ما أذكره، وأعمل في تأديتهإلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء الله.

نحن وإن كنا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي

<=

والذي كان غرة في دجى الأيام * أودى فأوحش الأياما
كم جلوت الشكوك تعرض في نص * وصي وكم نصرت إماما
وخصوم لد ملأتهم بالحق * في حومة الخصام خصاما
عاينوا منك مصمما ثغرة النحر * وما أرسلت يداك سهاما
وشجاعا يفري المرائر ما كل * شجاع يفري الطلا وإلهاما
من إذا مال جانب من بناء الدين * كانت له يداه دعاما
وإذا ازور جائر عن هداه * قاده نحوه فكان زماما
من لفضل أخرجت منه خبيثا * ومعان فضضت عنها ختاما
من لسوء ميزت عنه جميلا * وحلال خلصت منه حراما
من ينير العقول من بعد ما كن * همودا وينتج الافهاما
من بعير الصديق رأيا إذا ما * سله في الخطوب كان حساما
فامض صفرا من العيوب فكم بان * رجال آثروا عيوبا وذا ما

إلى أن يقول:

لن تراني وأنت في عدد الاموات * إلا - تجملا - بساما

=>

٣٢٣

أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنياللفاسقين، فإنا نحيط علما بأنبائكم، ولا يعزب عنا شئ من أخباركم، ومعرفتنابالذل الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا،ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون.

أنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولو لا ذلك لنزل بكماللأواء (١) أو اصطلمكم الأعداء (٢) فاتقوا الله جل جلاله وظاهرونا على انتياشكم (٣) من فتنة قد أنافت عليكم (٤) يهلك فيها من حم أجله (٥) ويحمى عنها من أدركأمله، وهي أمارة لأزوف حركتنا (٦) ومباثتكم بأمرنا ونهينا، والله متم نوره ولوكره المشركون.

اعتصموا بالتقية! من شب نار الجاهلية، يحششها (٧) عصب أموية، يهول بهافرقة مهدية، أنا زعيم بنجاة من لم يرم فيها المواطن، وسلك في الطعن منها السبلالمرضية، إذا حل جمادى الأولى من سنتكم هذه فاعتبروا بما يحدث فيه، واستيقظوامن رقدتكم لما يكون في الذي يليه.

ستظهر لكم من السماء آية جلية، ومن الأرض مثلها بالسوية، ويحدثفي أرض المشرق ما يحزن ويقلق، ويغلب من بعد على العراق طوائف عن الإسلاممراق، تضيق بسوء فعالهم على أهله الأرزاق، ثم تنفرج الغمة من بعد ببوارطاغوت من الأشرار، ثم يستر بهلاكه المتقون الأخيار، ويتفق لمريدي الحج منالآفاق ما يؤملونه منه على توفير عليه منهم واتفاق، ولنا في تيسير حجهم علىالاختيار منهم والوفاق شأن يظهر على نظام واتساق.

فليعمل كل امرء منكم بما يقرب به من بمحبتنا، ويتجنب ما يدنيه من

(١) اللأواء: الشدة وضيق المعيشة

(٢) اصطلمه: استأصله.

(٣) إنتاشه من الهلكة: أنقذه.

(٤) أناف على الشئ طال وارتفع عليه.

(٥) حم أجله: قرب.

(٦) الأزوف: الاقتراب.

(٧) حش النار: أوقدها وهيجها.

٣٢٤

كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابناندم على حوبة.

والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته.

نسخة التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام:

هذا كتابنا إليك أيها الأخ الولي، والمخلص في ودنا الصفي، والناصر لناالوفي، حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به! ولا تظهر على خطنا الذي سطرناهبما له ضمناه أحدا! وأد ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوص جماعتهم بالعمل عليهإن شاء الله، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

ورد عليه كتاب آخر من قبله صلوات الله عليه، يوم الخميس الثالث والعشرينمن ذي الحجة، سنة اثني عشر وأربعمائة. نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم

سلام الله عليك أيها الناصر للحق، الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنا نحمد اللهإليك الذي لا إله إلا هو، إلهنا وإله آبائنا الأولين، ونسأله الصلاة على سيدناومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين.

وبعد: فقد كنا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه الله لك منأوليائه، وحرسك به من كيد أعدائه، وشفعنا ذلك الآن من مستقر لنا ينصبفي شمراخ، من بهماء صرنا إليه آنفا من غماليل ألجأنا إليه السباريت من الإيمان،ويوشك أن يكون هبوطنا إلى صحصح من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمانويأتيك نبأ منا بما يتجدد لنا من حال، فتعرف بذلك ما نعتمده من الزلفة إلينابالأعمال، والله موفقك لذلك برحمته، فلتكن حرسك الله بعينه التي لا تنام أنتقابل لذلك فتنة تسبل نفوس قوم حرثت باطلا لاسترهاب المبطلين، يبتهج لذمارهاالمؤمنون، ويحزن لذلك المجرمون، وآية حركتنا من هذه اللوثة حادثة بالجرمالمعظم من رجس منافق مذمم، مستحل للدم المحرم، يعمد بكيده أهل الإيمانولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم والعدوان، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي

٣٢٥

الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب،وليثقوا بالكفاية منه، وإن راعتهم بهم الخطوب، والعاقبة بجميل صنع الله سبحانهتكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب.

ونحن نعهد إليك أيها الولي المخلص المجاهد فينا الظالمين أيدك الله بنصرهالذي أيد به السلف من أوليائنا الصالحين، أنه من اتقى ربه من إخوانك في الدينوأخرج مما عليه إلى مستحقيه، كان آمنا من الفتنة المبطلة، ومحنها المظلمة المظلةومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمره بصلته، فإنه يكون خاسرابذلك لأولاه وآخرته، ولو أن أشياعا وفقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوبفي الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتناعلى حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكرههولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا البشيرالنذير محمد وآله الطاهرين وسلموكتب في غرة شوال من سنة اثني عشر وأربعمائة.

نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها:

هذا كتابنا إليك أيها الولي الملهم للحق العلي، بإملائنا وخط ثقتنا، فاخفهعن كل أحد، واطوه واجعل له نسخة يطلع عليها من تسكن إلى أمانته من أوليائناشملهم الله ببركتنا إن شاء الله.

الحمد لله والصلاة على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين.

احتجاج الشيخ المفيد السديد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمانرضي الله عنه.

حدث الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الرقي (١) بالرملة في شوال من سنة ثلاثوعشرين وأربعمائة عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (ره) أنه قال:

(١) لم أعثر له على ترجمة.

٣٢٦

رأيت في المنام سنة من السنين كأني قد اجتزت في بعض الطرق فرأيتحلقة دائرة فيها ناس كثير، فقلت:

ما هذا؟

قالوا: هذه حلقة فيها رجل يقص.

فقلت: من هو؟

قالوا: عمر بن الخطاب.

ففرقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلم على الناس بشئ لم أحصلهفقطعت عليه الكلام، وقلت:

أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك أبي بكر عتيق ابنأبي قحافة من قول الله تعالى: (ثاني اثنين إذ هما في الغار)؟ (١).

فقال: وجه الدلالة على فضل أبي بكر من هذه الآية في ستة مواضع:

الأول: أن الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وذكر أبا بكر فجعله ثانيه، فقال:

(ثاني اثنين إذ هما في الغار).

والثاني: أنه وضعهما بالاجتماع في مكان واحد، لتأليفه بينهما فقال: (إذهما في الغار).

والثالث: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة،فقال: (إذ يقول لصاحبه).

والرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي صلى الله عليه وآله عليه ورفقه به لموضعهعنده فقال: (لا تحزن).

والخامس: أنه أخبر أن الله معهما على حد سواء ناصرا لهما ودافعا عنهمافقال: (إن الله معنا).

والسادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر لأن رسول الله صلىالله عليه وآله لم تفارقه السكينة قط، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه).

(١) التوبة - ٤١.

٣٢٧

فهذه ستة مواضع تدل على فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولالغيرك الطعن فيها.

فقلت له: حبرت بكلامك في الإحتجاج لصاحبك عنه، وأني بعون اللهسأجعل جميع ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.

أما قولك: أن الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وآله وجعل أبا بكر ثانيه، فهو إخبارعن العدد، لعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل؟! ونحن نعلم ضرورةأن مؤمنا ومؤمنا، أو مؤمنا وكافرا، اثنان، فما أرى لك في ذكر العدد طائلا تعتمده.

وأما قولك: أنه وصفهما بالاجتماع في المكان، فإنه كالأول لأن المكانيجمع المؤمن والكافر كما يجمع العدد المؤمنين والكفار، وأيضا: فإن مسجدالنبي صلى الله عليه وآله أشرف من الغار، وقد جمع المؤمنين والمنافقين والكفار، وفي ذلك قولهعز وجل: (فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين) (١)وأيضا: فإن سفينة نوح قد جمعت النبي، والشيطان، والبهيمة، والكلب، والمكانلا يدل على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان.

وأما قولك: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنه أضعف من الفضلين الأولين:

لأن اسم الصحبة يجمع بين المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قوله تعالى: (قالله صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواكرجلا) (٢) وأيضا: فإن اسم الصحبة تطلق بين العاقل وبين البهيمة، والدليل علىذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم، فقال الله عز وجل: (وما أرسلنامن رسول إلا بلسان قومه) (٣) أنهم سموا الحمار صاحبا فقالوا:

إن الحمار مع الحمار مطية * فإذا خلوت به فبئس الصاحب

وأيضا: قد سموا الجماد مع الحي صاحبا، قالوا ذلك في السيف شعرا:

زرت هندا وذاك غير اختيان * ومعي صاحب كتوم اللسان

(١) المعارج - ٣٧.

(٢) الكهف - ٣٥.

(٣) إبراهيم - ٤.

٣٢٨
٣٢٩

شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين، فدل إخراجه من السكينة على خروجهمن الإيمان، فلم يحر جوابا وتفرق الناس واستيقظت من نومي.

احتجاج السيد الأجل علم الهدى المرتضى أبي القاسم علي رضي اللهعنه وأرضاه على أبي العلاء المعري الدهري في جواب ما سأل عنه مرموزا (١ و ٢)

دخل أبو العلاء المعري على السيد المرتضى قدس الله روحه فقال: أيها السيدما قولك في الكل؟

قال السيد: ما قولك في الجزء؟

فقال: ما قولك في الشعرى؟

فقال: ما قولك في التدوير؟

(١) قال الشيخ الطوسي - رحمه الله - في رجاله ص ٤٨٤: (علي بن الحسينالموسوي يكنى: أبا القاسم، الملقب بالمرتضى ذو المجدين علم الهدى أدام الله تعالى أيامهأكثر أهل زمانه أدبا وفضلا متكلم فقيه جامع للعلوم كلها مد الله في عمره، يروي عنالتلعكبري والحسين بن علي بن بابويه وغيرهم من شيوخنا، له تصانيف كثيرة ذكرنابعضها في الفهرست، وسمعنا منه أكثر كتبه وقرأناها عليه).

وقال في الفهرست ص ١٢٥: (علي بن الحسين بن موسى بن إبراهيم بن موسىابن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام كنيته:

(أبو القاسم) لقبه (علم الهدى) الأجل المرتضى رضي الله عنه، متوحد في علوم كثيرةمجمع على فضله، مقدم في العلوم، مثل علم الكلام والفقه وأصول الفقه والأدب والنحووالشعر ومعاني الشعر واللغة وغير ذلك، له ديوان شعر يزيد على عشر بن ألف بيت ولهمن التصانيف ومسائل البلدان شئ كثير، مشتمل على ذلك فهرسته المعروف، غير أنيأذكر أعيان كتبه وكبارها، - ثم عدد قسما من مؤلفاته ثم قال: توفي في شهر ربيعالأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وكان مولده في رجب سنة خمس وخمسين وثلاثمائةوسنة يومئذ ثمانون سنة وثمانية أشهر وأيام - نضر الله وجهه - قرأت هذه الكتبأكثرها عليه وسمعت سائرها يقرأ عليه دفعات كثيرة).

وقال النجاشي ص ٢٠٦: (علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن

=>

٣٣٠

<=

موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

أبو القاسم المرتضى، حاز من العلوم ما لم يدانيه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديثفأكثر، وكان متكلما شاعرا، أديبا عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا، صنفكتبا - ثم عدد قسما من مؤلفاته ثم قال -: مات رضى الله عنه لخمس بقين من شهر ربيعالأول سنة ست وثلاثين وأربعمائة وصلى عليه ابنه في داره ودفن فيها، وتوليت غسلهومعي الشريف أبو يعلى محمد بن الحسن الجعفري وسلار بن عبد العزيز).

وقال العلامة الحلي - رحمه الله - في القسم الأول من الخلاصة ص ٩٤: (علي بنالحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بنالحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، أبو القاسم المرتضى ذو المجدين علم الهدى- رضي الله عنه - متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله مقدم في علوم مثل: علم الكلاموالفقه وأصول الفقه والأدب من النحو والشعر واللغة وغير ذلك، وله ديوان شعريزيد على عشرين ألف بيت، وتوفي رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة ست وثلاثينوأربعمائة وكان مولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة في رجب، ويوم توفي كان عمرهثمانين سنة وثمانية أشهر وأيام، نضر الله وجهه، وصلى عليه ابنه في داره ودفن فيهاوتولى غسله أبو أحمد الحسين بن العباس النجاشي ومعه الشريف أبو يعلى محمد بن الحسنالجعفري، وسلار بن عبد العزيز الديلمي، وله مصنفات كثيرة ذكرناها في كتابناالكبير، وبكتبه استفادت الإمامية منذ زمنه - رحمه الله - إلى زماننا هذا وهو سنة ثلاثوتسعين وستمائة وهو ركنهم ومعلمهم قدس الله روحه وجزاه عن أجداده خيرا).

وقال الشيخ عباس القمي في ج ٢ من الكنى والألقاب ص ٤٣٩:

(هو سيد علماء الأمة، ومحيي آثار الأئمة، ذو المجدين أبو القاسم علي بن الحسينابن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليهم السلام، المشهور بالسيد المرتضىالملقب من جده المرتضى عليه السلام في الرؤية الصادقة السيماء ب (علم الهدى).

جمع من العلوم ما لم يجمعه أحد، وحاز من الفضائل ما تفرد به وتوحد، وأجمععلى فضله المخالف والمؤالف، كيف لا وقد أخذ من المجد طرفيه، واكتسى بثوبيهوتردى ببرديه، متوحد في علوم كثيرة، مجمع على فضله، مقدم في العلوم مثل: علم

=>

٣٣١

<=

الكلام، والفقه، وأصول الفقه، والأدب، والنحو والشعر، واللغة وغير ذلك.

له تصانيف مشهورة منها: (الشافي) في الإمامة لم يصنف مثله في الإمامة و (الذخيرة)و (جمل العلم والعمل) و (الذريعة) و (شرح القصيدة البديعة) وكتاب (الطيفوالخيال) وكتاب (الشيب والشباب) وكتاب (الغرر والدرر) والمسائل الكثيرة،وله ديوان شعر يزيد على عشرين ألف بيت إلى غير ذلك.

قال آية الله العلامة: (وبكتبه استفادت الإمامية منذ زمنه رحمه الله إلى زمانناهذا وهو سنة ٦٩٣ وهو ركنهم ومعلمهم قدس الله روحه وجزاه عن أجداده خيرا).

وذكره الخطيب في تاريخ بغداد وأثنى عليه وقال: (كتبت عنه وعن جامعالأصول أنه عده ابن الأثير من مجددي مذهب الإمامية في رأس المائة الرابعة.

(هنا) فوائد (الأول): قال ابن خلكان - في وصف علم الهدى -: كان نقيبالطالبيين وكان إماما في علم الكلام والأدب والشعر، وهو أخو الشريف الرضي، ولهتصانيف على مذهب الشيعة، ومكالمة في أصول الدين، وله الكتاب الذي سماه (الغرروالدرر) وهي مجالس أملاها تشتمل على فنون من معاني الأدب تكلم فيها على النحوواللغة وغير ذلك وهو كتاب ممتع يدل على فضل كثير وتوسع في الاطلاع على العلوم.

وذكره ابن بسام في أواخر كتاب الذخيرة فقال: كان هذا الشريف إمام أئمة العراقإليه فزع علماؤها، ومنه أخذ عظمائها: صاحب مدارسها، وجماع شاردها وآنسها،ممن سارت أخباره، وعرفت به أشعاره وتصانيفه في أحكام المسلمين، مما يشهد أنه فرعتلك الأصول، ومن ذلك البيت الجليل، وأورد له عدة مقاطع. وحكى الخطيب التبريزي:

أن أبا الحسن علي بن أحمد الفالي الأديب كانت له كتاب نسخة الجمهرة لابن دريدفي غاية الجودة فدعته الحاجة إلى بيعها فاشتراها الشريف المرتضى أبو القاسم المذكوربستين دينارا وتصفحها فوجد بها أبياتا بخط بايعها أبي الحسن الفالي المذكور وهي:

أنست بها عشرين حولا وبعتها * لقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها * ولو خلدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية * صغار عليهم تستهل شؤوني
فقلت ولم أملك سوابق عبرة * مقالة مكوي الفؤاد حزين

=>

٣٣٢

<=

وقد تخرج الحاجات يا أم مالك * كرائم من رب بهن ضنين

فأرجع النسخة إليه وترك الدنانير رحمه الله تعالى) (انتهى ملخصا).

(الثاني) قال الشهيد - رحمه الله في محكي أربعينه -: نقلت من خط السيد العالمصفي الدين محمد بن معد الموسوي بالمشهد المقدس الكاظمي في سبب تسمية السيد المرتضىبعلم الهدى: أنه مرض الوزير أبو سعيد محمد بن الحسين بن عبد الصمد في سنة عشرينوأربعمائة فرأى في منامه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: قل لعلمالهدى: يقرأ عليك حتى تبرأ. فقال: يا أمير المؤمنين ومن علم الهدى؟ قال عليه السلام:

علي بن الحسين الموسوي فكتب الوزير إليه بذلك. فقال المرتضى رضي الله عنه:

الله الله في أمري فإن قبولي لهذا اللقب شناعة علي. فقال الوزير: ما كتبت إليك إلابما لقبك به جدك أمير المؤمنين عليه السلام، فعلم القادر الخليفة بذلك فكتب إلى المرتضى(تقبل يا علي بن الحسين ما لقبك به جدك) فقبل وأسمع الناس(الثالث) قال صاحب رياض العلماء: ونقل عن خط الشهيد الثاني - رحمه الله -على ظهر كتاب الخلاصة: أنه كان السيد المرتضى معظما عند العام والخاص. ونقلعن الشيخ عز الدين أحمد بن مقبل يقول: لو حلف إنسان أن السيد المرتضى كان أعلمبالعربية من العرب لم يكن عندي آثما. وقد بلغني عن شيخ من شيوخ الأدب بمصر:

أنه قال: والله أني استفدت من كتاب الغرر مسائل لم أجدها في كتاب سيبويه ولا غيرهمن كتب النحو وكان نصير الدين الطوسي - رحمه الله - إذا جرى ذكره في درسه يقول:

(صلوات الله عليه) ويلتفت إلى القضاة والمدرسين الحاضرين درسه ويقول: (كيفلا يصلى على المرتضى).

وقد ذكر المعري اسم المرتضى والرضي ومدحهما في طي مرثيته لوالدهما في ديوانالسقط ومن أبيات تلك المرثية:

أبقيت فينا كوكبين سناهما في * الصبح والظلماء ليس بخاف

وقال أيضا:

سأرى الرضى والمرتضى وتقاسما خطط العلى بتناصف ونصاف(الرابع): قال شيخنا البهائي في كشكوله: كان للشيخ أبي جعفر الطوسي

=>

٣٣٣

<=

أيام قراءته على السيد المرتضى (ره) كل شهر اثنا عشر دينارا ولابن البراج كلشهر ثمانية دنانير وكان السيد المرتضى يجري على تلامذته... وكان السيد رحمه اللهنحيف الجسم وكان يقرأ مع أخيه الرضي على ابن نباتة صاحب الخطب وهما طفلانوحضر المفيد مجلس السيد يوما فقام من موضعه وأجلسه فيه وجلس بين يديه، فأشارالمفيد بأن يدرس في حضوره وكان يعجبه كلامه إذا تكلم، وكان السيد قد وقف قريةعلى كافة الفقهاء، وحكاية رؤية المفيد في المنام فاطمة الزهراء عليها السلام وأنها أتتبالحسن والحسين ومجئ فاطمة بنت الناصر بولديها الرضي والمرتضى في صبيحة ليلةالمنام وقولها له: علم ولدي هذين مشهورة.

(الخامس) توفي السيد المرتضى - رضى الله عنه - لخمس بقين من شهر ربيع الأولسنة ٤٣٦، وصلى عليه ابنه في داره ودفن فيها ثم نقل إلى جوار جده أبي عبد اللهالحسين عليه السلام.

(السادسة): حكي عن القاضي التنوخي صاحب السيد المرتضى أنه قال: ولدالسيد سنة ٣٥٥ وخلف بعد وفاته ثلاثين ألف مجلد من مقروءاته ومصنفاته ومحفوظاته،ومن الأموال والأملاك ما يتجاوز عن الوصف وصنف كتابا يقال له: الثمانين وخلفمن كل شئ ثمانين، وعمر إحدى وثمانين سنة، من أجل ذلك سمي الثمانيني، وبلغفي العلم وغيره مرتبة عظيمة قلد نقابة الشرفاء شرقا وغربا وإمارة الحاج والحرمين،والنظر في المظالم وقضاء القضاة، وبلغ على ذلك ثلاثين سنة).

(٢) اختلف في عقيدة أبي العلاء المعري فقيل: أنه كان ملحدا ومات كذلك.

وقيل: أنه كان مسلما موحدا. وقيل: أنه كان ملحدا ثم أسلم.

وهذا القول الأخير يعززه ما قرأته في ديوان عبد المحسن الصوري - رحمه الله -المتوفى سنة ٤١٩. (المخطوط في مكتبة الأديب الفاضل الشيخ محمد هادي الأميني- حفظه الله -) من قوله:

نجى المعري من العار * ومن شناعات وأخبار
وافقني أمس على أنه * يقول بالجنة والنار
وأنه لا عاد من بعدها * يصبو إلى مذهب بكار

=>

٣٣٤

قال: ما قولك في عدم الانتهاء؟

قال: ما قولك في التحيز والناعورة

فقال: ما قولك في السبع؟

فقال: ما قولك في الزايد البري من السبع؟

فقال: ما قولك في الأربع؟

فقال: ما قولك في الواحد والاثنين؟

فقال: ما قولك في المؤثر؟

فقال: ما قولك في المؤثرات؟

فقال: ما قولك في النحسين؟

فقال: ما قولك في السعدين؟ فبهت أبو العلاء.

(قال): فقال السيد المرتضى قدس الله روحه - عند ذلك - ألا كل ملحد ملهد!

فقال أبو العلاء: من أين أخذته؟

قال: من كتاب الله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) (١).

وقام وخرج فقال السيد رضي الله عنه: قد غاب عنا الرجل وبعد هذا لا يرانا.

<=

واسم أبي العلاء المعري (أحمد) بن عبد الله بن سليمان.

قال الشيخ عباس القمي في ترجمته ج ٣ من الكنى والألقاب ص ٦١: (. الشاعرالأديب الشهير، كان نسيج وحده بالعربية ضربت آباط الإبل إليه، وله كتب كثيرةوكان أعمى ذا فطانة، وله حكايات من ذكاته وفطانته. حكي أنه لما سمع فضائل الشريفالسيد المرتضى اشتاق إلى زيارته. فحضر مجلس السيد وكان سيد المجالس فجعل يخطوويدنو إلى السيد فعثر على رجل فقال الرجل: من هذا الكلب؟ فقال المعري الكلبمن لا يعرف للكلب سبعين اسما. فلما سمع الشريف ذلك منه قربه وأدناه فامتحنه فوجدهوحيد عصره وأعجوبة دهره. فكان أبو العلاء يحضر مجلس السيد وعد من شعراءمجلسه..).

(١) لقمان - ١٣.

٣٣٥

فسئل السيد (ره) عن كشف هذه الرموز والإشارات فقال:

سألني عن الكل، وعنده الكل قديم، ويشير بذلك إلى عالم سماه (العالمالكبير) فقال: ما قولك فيه؟ أراد أنه قديم.

فأجبته عن ذلك وقلت له: ما قولك في الجزء؟ لأن عندهم الجزء (محدث)وهو متولد عن (العالم الكبير) وهذا الجزء عندهم هو (العالم الصغير) وكانمرادي بذلك: أنه إذا صح أن هذا العالم محدث، فذلك الذي أشار إليه إن صحفهو محدث أيضا، لأن هذا من جنسه على زعمه، والشي الواحد لا يكون بعضهقديما وبعضه محدثا، فسكت لما سمع ما قلته.

وأما الشعرى: أراد أنها ليست من الكواكب السيارة.

فقلت له: ما قولك في التدويرات؟ أردت (الفلك) في التدويرات والدورانوالشعرى لا يقدح في ذلك.

وأما عدم الانتهاء، أراد بذلك أن العالم لا ينتهي لأنه قديم.

فقلت له: قد صح عندي (التحيز والتدوير) وكلاهما يدلان على الانتهاء.

وأما السبع: أراد بذلك (النجوم السيارة) التي هي عندهم ذوات الأحكام.

فقلت له: هذا باطل بالزايد البري الذي يحكم فيه بحكم لا يكون ذلكالحكم منوطا بهذه الكواكب السيارة، التي هي: (الزهرة، والمشتري، والمريخوعطارد، والشمس، والقمر، وزحل).

وأما الأربع أراد بها (الطبايع) (٢).

فقلت له: في الطبيعة الواحدة النارية يتولد منها دابة بجلدها تمس الأيديثم يطرح ذلك الجلد على النار فتحرق الزهومات، فيبقى الجلد صحيحا، لأنالدابة خلقها الله على طبيعة النار والنار لا تحرق النار، والثلج أيضا تتولد فيهالديدان وهو على طبيعة واحدة، والماء في البحر على طبيعتين يتولد منه السموك

(١) أي: العناصر الأربعة على رأي الفلسفة القديمة وهي: (التراب، والناروالماء، والهواء).

٣٣٦

والضفادع، والحيات، والسلاحف، وغيرها. وعنده لا يحصل الحيوان إلا بالأربعفهذا مناقض بهذا.

وأما المؤثر، أراد به: (الزحل).

فقلت له: ما قولك في المؤثرات؟ أردت بذلك: أن المؤثرات كلهن عندهمؤثرات، فالمؤثر القديم كيف يكون مؤثرا؟!

وأما النحسين، أراد بهما: أنهما من النجوم السيارة، إذا اجتمعا يخرجمن بينهما سعد.

فقلت له: ما قولك في السعدين؟ إذا اجتمعا خرج من بينهما نحس، هذاحكم أبطله الله تعالى، ليعلم الناظر أن الأحكام لا يتعلق بالمسخرات، لأن الشاهديشهد أن (العسل والسكر) إذا اجتمعا لا يحصل منهما (الحنظل). (والعلقم والحنظل)إذا اجتمعا لا يحصل منهما (الدبس والسكر) هذا دليل على بطلان قولهم.

وأما قولي ألا كل ملحد ملهد، أردت: أن كل مشرك ظالم، لأن في اللغة:

ألحد الرجل إذ عدل من الدين، وألهد إذا ظلم، فعلم أبو العلاء ذلك وأخبرني عنعلمه بذلك، فقرأت: (يا بني لا تشرك بالله الآية).

وقيل: أن المعري لما خرج عن العراق سئل عن السيد المرتضى (ره) فقال:

يا سائلي عنه لما جئت أسأله * ألا هو الرجل العاري من العار
لو جئته لرأيت الناس في رجل * والدهر في ساعة والأرض في دار

إحتجاجه قدس الله روحه في التعظيم والتقديم لأئمتنا عليهم السلام علىسائر الورى ما عدا نبينا عليه السلام بطريقة لم يسبقه إليها أحد ذكرها فيرسالة الموسومة بالرسالة الباهرة في فضل العترة الطاهرة.

قال: ومما يدل أيضا على تقديمهم وتعظيمهم على البشر: أن الله تعالىدلنا على أن المعرفة بهم كالمعرفة به تعالى، في أنها: (إيمان وإسلام)وأن الجهل بهم والشك فيهم كالجهل به والشك فيه، في أنه (كفر وخروج من الإيمان)

٣٣٧

وهذه منزلة ليس لأحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله، وبعده لأمير المؤمنينوالأئمة من ولده عليهم السلام، لأن المعرفة بنبوة الأنبياء المتقدمين من آدم إلى عيسى عليهم السلامغير واجبة علينا، ولا تعلق لها بشئ من تكاليفنا، ولو لا أن القرآن ورد بنبوةمن سمي فيه من الأنبياء المتقدمين فعرفناهم تصديقا للقرآن، وإلا فلا وجهلوجوب معرفتهم علينا، ولا تعلق لها بشئ من أحوال تكاليفنا.

وبقي علينا أن ندل على أن الأمر على ما ادعيناه.

والذي يدل على أن المعرفة بإمامة من ذكرناه عليهم السلام من جملة الإيمان،وأن الاخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان: (إجماع) الشيعة الإمامية على ذلكفإنهم لا يختلفون فيه، وإجماعهم حجة، بدلالة أن قول الحجة المعصوم الذي قددلت العقول على وجوده في كل زمان في جملتهم وفي زمرتهم، وقد دللنا على هذهالطريقة في مواضع كثيرة من كتبنا، واستوفينا ذلك في جواب المسائل التبانياتخاصة، وفي كتاب نصرة ما انفردت به الشيعة الإمامية من المسائل الفقهية، فإنهذا الكتاب مبني على صحة هذا الأصل.

ويمكن أن يستدل على وجوب المعرفة بهم عليهم السلام: (بإجماع الأمة) مضافاإلى ما بيناه من إجماع الإمامية.

وذلك: أن جميع أصحاب الشافعي يذهبون إلى أن الصلاة على نبينا في التشهدالأخير فرض واجب، وركن من أركان الصلاة، متى أخل بها الإنسان فلا صلاةله، وأكثرهم يقول: أن الصلاة في هذا التشهد على آل النبي عليهم الصلاة والسلامفي الوجوب واللزوم ووقوف أجزاء الصلاة عليهم كالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله،والباقون منهم يذهبون: إلى أن الصلاة على الآل مستحبة وليست بواجبة،فعلى القول الأول لا بد لكل من وجبت عليه الصلاة من معرفتهم من حيث كان واجباعليه الصلاة عليهم، فإن الصلاة عليهم فرع على المعرفة بهم، ومن ذهب إلى أنذلك مستحب فهو من جملة العبادة، وإن كان مسنونا مستحبا، والتعبدية يقتضيالتعبد بما لا يتم إلا به من المعرفة.

٣٣٨

ومن عدى أصحاب الشافعي لا ينكرون أن الصلاة على النبي وآله عليهم السلامفي التشهد مستحبة، وأي شبهة تبقى مع هذا في أنهم عليهم السلام أفضل الناس وأجلهم،وذكرهم واجب في الصلاة، وعند أكثر الأمة من الشيعة الإمامية، وجمهور أصحابالشافعي: أن الصلاة تبطل بتركه، وهل مثل هذه الفضيلة لمخلوق سواهم أو يتعداهم.

ومما يمكن الاستدلال به على ذلك: أن الله تعالى قد ألهم جميع القلوب وغرسفي كل النفوس تعظيم شأنهم، وإجلال قدرهم، على تباين مذاهبهم، واختلافديانتهم ونحلهم، وما أجمع هؤلاء المختلفون والمتباينون مع تشتت الأهواء وتشعبالآراء على شئ كإجماعهم على تعظيم من ذكرنا وإكباره، فإنهم يزورون قبورهمويقصدون من شاحط البلاد وشاطها مشاهدهم، ومدافنهم، والمواضع التي رسمتبصلاتهم فيها، وحلولهم بها، وينفقون في ذلك الأموال، ويستنفدون الأحوال.

فقد أخبرني من لا أحصيه كثرة: أن أهل نيشابور ومن والاها من تلكالبلدان يخرجون في كل سنة إلى طوس لزيارة الإمام أبي الحسن علي بن موسىالرضا صلوات الله عليهما بالجمال الكثيرة، والإهب التي لا يوجد مثلها إلا للحجإلى بيت الله الحرام، هذا مع أن المعروف من انحراف أهل خراسان عن هذهالجهة، وازورارهم عن هذا الشعب، وما تسخير هذه القلوب القاسية، وعطف هذهالأمم النائية، إلا كالخارقات للعادات، والخارج عن الأمور المألوفات، وإلا فماالحامل للمخالفين لهذه النحلة، المنحازين عن هذه الجملة، على أن يراوحواهذه المشاهد ويغادوها، ويستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق، ويستفتحوا بهاالاغلاق، ويطلبوا ببركتها الحاجات، ويستدفعوا البليات، والأحوال الظاهرةكلها لا توجب ذلك، ولا تقتضيه ولا تستدعيه، وإلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهمأو أكثرهم إمامته وفرض طاعته، وأنه في الديانة موافق لهم غير مخالف، ومساعدغير معاند، ومن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا، فإن الدنياعند غير هذه الطائفة موجودة، وعندها هي مفقودة، ولا لتقية واستصلاح، فإنالتقية هي فيهم لا منهم، ولا خوف من جهتهم، ولا سلطان لهم، وكل خوف إنما

٣٣٩

هو عليهم، فلم يبق إلا داعي الدين، وذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا تنفذفي مثله إلا مشية الله، وقدرة القهار التي تذلل الصعاب، وتقود بأزمتها الرقاب.

وليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها أو تعامى عنها وهو يبصرها، أنيقول: إن العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه وفخمتموهوادعيتم خرقه للعادة وخروجه عن الطبيعة، بل هي لأن هؤلاء القوم من عترةالنبي صلى الله عليه وآله، وكل من عظم النبي صلى الله عليه وآله فلا بد أن يكون لعترته وأهل بيته معظماومكرما، وإذا انضاف إلى القرابة الزهد، وهجر الدنيا، والعفة، والعلم، زادالاجلال والإكرام لزيادة أسبابها.

والجواب عن هذه الشبهة الضعيفة: أن قد شارك أئمتنا عليهم السلام والصلاة في نسبهموحسبهم وقرابتهم من النبي صلى الله عليه وآله غيرهم، وكانت لكثير منهم عبادات ظاهرةوزهادة في الدنيا بادية، وسمات جميلة، وصفات حسنة، من ولد أبيهم عليه وآله السلامومن ولد عمهم العباس رضوان الله عليهم، فما رأينا من الاجماع على تعظيمهم،وزيارة مدافنهم، والاستشفاع بهم في الأغراض والاستدفاع بمكانهم للأعراضوالأمراض، ما وجدنا مشاهدا معاينا في هذا الاشتراك، وإلا فمن الذي أجمع علىفرط إعظامه وإجلاله من ساير صنوف العترة، يجري في هذا الحال مجرى الباقروالصادق والكاظم والرضا صلوات الله عليهم أجمعين، لأن من عدا من ذكرناه منصلحاء العترة وزهادها ممن يعظمه فريق من الأمة ويعرض عنه فريق، ومن عظممنهم وقدمه لا ينتهي في الاجلال والإعظام إلى الغاية التي ينتهي إليها فيمن ذكرناهولو لا أن تفصيل هذه الجملة ملحوظ معلوم لفصلناها على طول ذلك، ولسمينا منكنينا عنه، ونظرنا بين كل معظم مقدم من العترة، ليعلم أن الذي ذكرناه هوالحق الواضح وما عداه هو الباطل الماضح (١).

وبعد: فمعلوم ضرورة أن الباقر والصادق ومن وليهما من أئمة أبنائهما عليهما السلامكانوا في الديانة والاعتقاد وما يفتون به من حلال وحرام على خلاف ما يذهب إليه

(١) الماضح: المشين المعيب.

٣٤٠