×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الإحتجاج (ج2) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

من الآيات التي أراها محمدا حيث أسرى به إلى بيت المقدس، أنه حشر الله الأولينوالآخرين، من النبيين والمرسلين، ثم أمر جبرئيل عليه السلام فأذن شفعا وأقام شفعاوقال في أذانه: (حي على خير العمل) ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم، فلماانصرف قال الله عز وجل: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دونالرحمن آلهة يعبدون).

فقال رسول الله: على ما تشهدون؟ وما كنتم تعبدون؟

قالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله، أخذتعلى ذلك عهودنا ومواثيقنا.

فقال: صدقت يا أبا جعفر!

قال: فاخبرني عن قول الله عز وجل: (يوم تبدل الأرض غير الأرضوالسماوات) أي أرض تبدل؟

فقال أبو جعفر عليه السلام: خبزة بيضاء يأكلونها حتى يفرغ الله من حساب الخلايقفقال: إنهم عن الأكل لمشغولون.

فقال أبو جعفر عليه السلام: أهم حينئذ أشغل أم هم في النار؟

قال نافع. بل هم في النار.

قال: فقد قال الله عز وجل: (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضواعلينا من الماء أو مما رزقكم الله) ما أشغلهم إذا دعوا بالطعام فأطعموا الزقوم،ودعوا بالشراب فسقوا من الجحيم.

فقال: صدقت يا بن رسول الله! وبقيت مسألة واحدة.

قال: وما هي؟

قال: فأخبرني متى كان الله؟ قال: ويلك أخبرني متى لم يكن حتىأخبرك متى كان؟! سبحان من لم يزل ولا يزال، فردا صمدا لم يتخذ صاحبةولا ولدا، ثم أتى هشام بن عبد الملك فقال: ما صنعت؟ قال: دعني من كلامك واللههو أعلم الناس حقا وهو ابن رسول الله حقا.

٦١

وعن أبان بن تغلب (١) قال: دخل طاوس اليماني إلى الطواف ومعه صاحبله، فإذا هو بأبي جعفر يطوف أمامه وهو شاب حدث، فقال طاوس لصاحبه:

(إن هذا الفتى لعالم) فلما فرغ من طوافه صلى ركعتين، ثم جلس وأتاه الناسفقال طاوس لصاحبه: نذهب إلى أبي جعفر عليه السلام ونسأله عن مسألة لا أدري عندهفيها شئ أم لا، فأتياه فسلما عليه ثم قال له طاوس:

يا أبا جعفر هل تدري أي يوم مات ثلث الناس؟

فقال: يا أبا عبد الرحمن لم يمت ثلث الناس قط، إنما أردت ربع الناس.

قال: وكيف ذلك؟

قال: كان آدم وحواء، وقابيل وهابيل، فقتل قابيل هابيل، فذلك ربع الناس.

قال: صدقت:

قال أبو جعفر عليه السلام: هل تدري ما صنع بقابيل؟

قال: لا.

قال: علق بالشمس ينضح بالماء الحار إلى أن تقوم الساعة.

وروي أن عمرو بن عبيد، وفد على محمد بن علي الباقر عليه السلام لامتحانه بالسؤالعنه فقال له:

جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات

(١) في رجال النجاشي ص ٧: (أبان بن تغلب بن رياح أبو سعيد البكري الجريريمولى بني جرير بن عبادة بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكاشة بن صعب بن علي بنبكر بن وائل، عظيم المنزلة في أصحابنا، لقى علي بن الحسين وأبا جعفر وأبا عبد اللهعليهم السلام روى عنهم، وكانت له عندهم منزلة وقدم، وذكره البلاذري قال: روىأبان عن عطية العوفي قال له أبو جعفر: إجلس في مسجد المدينة وافت الناس فإني أحبأن يرى في شيعتي مثلك وقال أبو عبد الله عليه السلام لما أتاه نعيه: (أم والله لقدأوجع قلبي موت أبان) وكان قاريا من وجوه القراء، فقيها لغوبا، سمع من العربوحكى عنهم.

٦٢

والأرض كانتا رتقا ففتقناهما) ما هذا الرتق والفتق؟

فقال أبو جعفر عليه السلام: كانت السماء رتقا لا تنزل القطر، وكانت الأرضرتقا لا تخرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات، فانقطععمرو ولم يجد اعتراضا، ومضى وعاد إليه فقال:

خبرني جعلت فداك عن قوله تعالى: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى)ما غضب الله؟

فقال له أبو جعفر عليه السلام: غضب الله تعالى عقابه يا عمرو، ومن ظن أن اللهيغره شئ فقد هلك.

وعن أبي حمزة الثمالي قال: أتى الحسن البصري أبا جعفر عليه السلام فقال:

جئتك لا سألك عن أشياء من كتاب الله.

فقال أبو جعفر: ألست فقيه أهل البصرة؟

قال: قد يقال ذلك.

فقال له أبو جعفر عليه السلام: هل بالبصرة أحد تأخذ عنه؟

قال: لا.

قال: فجميع أهل البصرة يأخذون عنك؟

قال: نعم.

فقال أبو جعفر: سبحان الله لقد تقلد عظيما من الأمر، بلغني عنك أمرفما أدري أكذاك أنت، أم يكذب عليك؟

قال: ما هو؟

قال: زعموا أنك تقول: أن الله خلق العباد ففوض إليهم أمورهم.

قال: فسكت الحسن.

فقال: رأيت من قال الله له في كتابه: أنك آمن، هل عليه خوف بعدهذا القول منه.

فقال الحسن: لا.

٦٣

فقال أبو جعفر عليه السلام: إني أعرض عليك آية وأنهي إليك خطابا، ولاأحسبك إلا وقد فسرته على غير وجهه، فإن كنت فعلت ذلك فقد هلكت وأهلكت.

فقال له: ما هو؟

قال: أرأيت حيث يقول: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيهاقرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) يا حسن بلغني أنكأفتيت الناس فقلت: هي مكة. فقال أبو جعفر عليه السلام: فهل يقطع على من حجمكة، وهل يخاف أهل مكة، وهل تذهب أموالهم؟

قال: بلىقال: فمتى يكونون آمنين؟ بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن، فنحنالقرى التي بارك الله فيها، وذلك قول الله عز وجل، فمن أقر بفضلنا حيث أمرهمبأن يأتونا فقال: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها) أي جعلنا بينهموبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها، قرى ظاهرة، والقرى الظاهرة الرسل،والنقلة عنا إلى شيعتنا، وفقهاء شيعتنا، إلى شيعتنا، وقوله تعالى: (وقدرنا فيهاالسير) فالسير مثل للعلم، سير به ليالي وأياما، مثل لما يسير من العلم في اللياليوالأيام عنا إليهم، في الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، آمنين فيها إذاأخذوا منه، آمنين من الشك والضلال، والنقلة من الحرام إلى الحلال، لأنهمأخذوا العلم ممن وجب لهم أخذهم إياه عنهم، بالمعرفة، لأنهم أهل ميراث العلم منآدم إلى حيث انتهوا، ذرية مصطفاة بعضها من بعض، فلم ينته الاصطفاء إليكم،بل إلينا انتهى، ونحن تلك الذرية المصطفاة لا أنت ولا أشباهك يا حسن، فلو قلتلك حين دعيت ما ليس لك، وليس إليك يا جاهل أهل البصرة! لم أقل فيك إلاما علمته منك، وظهر لي عنك، وإياك أن تقول بالتفويض، فإن الله عز وجل لميفوض الأمر إلى خلفه، وهنا منه وضعفا، ولا أجبرهم على معاصيه ظلما.

والخبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

وروي أن سالما دخل على أبي جعفر عليه السلام فقال:

٦٤

جئت أكلمك في أمر هذا الرجل.

قال: أيما رجل؟

قال: علي بن أبي طالب عليه السلام.

قال: في أي أموره؟

قال: في إحداثه.

قال أبو جعفر: أنظر ما استقر عندك مما جاءت به الرواة عن آبائهم.

قال: ثم نسبهم، ثم قال: يا سالم أبلغك أن رسول الله بعث سعد بن عبادةبراية الأنصار إلى خيبر، فرجع منهزما، ثم بعث عمر بن الخطاب براية المهاجرينوالأنصار، فأتى سعد جريحا وجاء عمر يجبن أصحابه ويجبنونه. فقال رسولالله صلى الله عليه وآله: (هكذا يفعل المهاجرون والأنصار) حتى قالها ثلاثا. ثم قال: (لأعطينالراية غدا رجلا كرار ليس بفرار، يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله).

قال: نعم. وقال القوم جميعا أيضا.

فقال أبو جعفر: يا سالم إن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو لا يعلم ماهو صانع فقد كفرت، وإن قلت إن الله عز وجل أحبه وهو يعلم ما هو صانع،فأي حدث ترى له.

فقال أعد علي:

فأعاد عليه السلام عليه فقال سالم: عبدت الله على ضلالة سبعين سنة.

وعن أبي بصير قال: كان مولانا أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام جالسافي الحرم وحوله عصابة من أوليائه، إذ أقبل طاوس اليماني في جماعة من أصحابهثم قال لأبي جعفر عليه السلام:

أتأذن لي في السؤال؟

فقال: أذنا لك فسل!

قال: اخبرني متى هلك ثلث الناس؟

قال: وهمت يا شيخ! أردت أن تقول: (متى هلك ربع الناس)؟ وذلك

٦٥

يوم قتل قابيل هابيل، كانوا أربعة: آدم، وحواء، وقابيل وهابيل. فهلك ربعهمفقال: أصبت ووهمت أنا فأيهما كان أبا للناس القاتل أو المقتول؟

قال: لا واحد منهما بل أبوهم شيث بن آدم.

قال: فلم سمي آدم آدم؟

قال: لأنه رفعت طينته من أديم الأرض السفلى.

قال: ولم سميت حواء حواء؟

قال: لأنها خلقت من ضلع حي، يعني ضلع آدم.

قال: فلم سمي إبليس إبليس؟

قال: لأنه أبلس من رحمة الله عز وجل فلا يرجوها.

قال: فلم سمي الجن جنا؟

قال: لأنهم استجنوا فلم يروا.

قال: فأخبرني عن كذبة كذبت، من صاحبها؟

قال: إبليس حين قال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين).

قال: فأخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحق وكانوا كاذبين؟

قال: المنافقون حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله: (نشهد أنك لرسول الله)فأنزل الله عز وجل: (إذا جائك المنافقون قالوا نشهد أنك لرسول الله والله يعلمأنك لرسوله والله يشهدان المنافقين لكاذبون).

قال: فأخبرني عن طائر طار مرة ولم يطر قبلها ولا بعدها، ذكره اللهعز وجل في القرآن ما هو؟

فقال: طور سيناء أطاره الله عز وجل على بني إسرائيل حين أظلهم بجناحمنه، فيه ألوان العذاب، حتى قبلوا التوراة، وذلك قوله عز وجل: (وإذ نتقناالجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم) الآية.

قال: فأخبرني عن رسول بعثه الله تعالى ليس من الجن، ولا من الإنس،ولا من الملائكة، ذكره الله تعالى في كتابه؟

٦٦

قال: الغراب، حين بعثه الله عز وجل ليري قابيل كيف يواري سوأة أخيههابيل حين قتله قال الله عز وجل: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريهكيف يواري سوأة أخيه).

قال: فأخبرني عمن أنذر قومه ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا منالملائكة، ذكره الله عز وجل في كتابه؟

قال: النملة حين قالت: (يا أيها النمل أدخلوا مساكنكم لا يحطمنكمسليمان وجنوده وهم لا يشعرون).

قال: فأخبرني عمن كذب عليه، ليس من الجن، ولا من الإنس، ولا منالملائكة، ذكره الله عز وجل في كتابه؟

قال: الذئب الذي كذب عليه أخوة يوسف.

قال: فأخبرني عن شئ قليله حلال وكثيره حرام، ذكره الله عز وجلفي كتابه؟

قال: نهر طالوت. قال الله عز وجل: (إلا من اغترف غرفة بيده).

قال: فأخبرني عن صلاة فريضة تصلى بغير وضوء، وعن صوم لا يحجز عنأكل ولا شرب،قال: أما الصلاة بغير وضوء فالصلاة على النبي وآله عليه وعليهم السلام، وأماالصوم فقول الله عز وجل: (أني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا).

قال: فأخبرني عن شئ يزيد وينقص، وعن شئ يزيد ولا ينقص، وعنشئ ينقص ولا يزيد؟

فقال: الباقر عليه السلام: أما الشئ الذي يزيد وينقص فهو: القمر، والشئالذي هو يزيد ولا ينقص فهو: البحر، والشئ الذي ينقص ولا يزيد هو: العمر.

وقد تكرر إيراد أول هذا الخبر لما في آخره من الفوائد.

وبالإسناد المقدم ذكره عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام أنه قال: كانعلي بن الحسين زين العابدين جالسا في مجلسه فقال يوما في مجلسه أن رسول الله صلى الله عليه وآله

٦٧

لما أمر بالمسير إلى تبوك، أمر بأن يخلف عليا بالمدينة. فقال علي عليه السلام: يا رسولالله ما كنت أحب أن أتخلف عنك في شئ من أمورك، وأن أغيب عن مشاهدتكوالنظر إلى هديك، وسمتك، فقال رسول الله: يا علي أما ترضى أن تكون منيبمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، تقيم يا علي وأن لك في مقامك منالأجر مثل الذي يكون لك لو خرجت مع رسول الله، ولك أجور كل من خرجمع رسول الله صلى الله عليه وآله موقنا طائعا، وأن لك على الله يا علي لمحبتك أن تشاهد منمحمد سمته في ساير أحواله، بأن يأمر جبرئيل في جميع مسيرنا هذا أن يرفعالأرض التي يسير عليها، والأرض التي تكون أنت عليها، ويقوي بصرك حتىتشاهد محمدا وأصحابه في ساير أحوالك وأحوالهم، فلا يفوتك الأنس من رؤيتهورؤية أصحابه ويغنيك ذلك عن المكاتبة والمراسلة.

فقام رجل من مجلس زين العابدين لما ذكر هذا وقال له: يا بن رسولالله صلى الله عليه وآله كيف يكون، وهذا للأنبياء لا لغيرهم؟

فقال زين العابدين عليه السلام: هذا هو معجزة لمحمد رسول الله لا لغيره، لأنالله إنما رفعه بدعاء محمد، وزاد في نور بصره أيضا بدعاء محمد، حتى شاهد ما شاهدوأدرك ما أدرك، ثم قال له الباقر عليه السلام: يا عبد الله ما أكثر ظلم كثير من هذهالأمة لعلي بن أبي طالب عليه السلام، وأقل أنصارهم، أم يمنعون عليا ما يعطونه سايرالصحابة، وعلي أفضلهم، فكيف يمنع منزلة يعطونها غيره، قيل: وكيف ذاكيا بن رسول الله؟

قال: لأنكم تتولون محبي أبي بكر ابن أبي قحافة، وتتبرؤون من أعدائهكائنا من كان، وكذلك تتولون عمر بن الخطاب، وتتبرؤون من أعدائه كائنامن كان، وتتولون عثمان بن عفان وتتبرؤون من أعدائه كائنا من كان، حتىإذا صار إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، قالوا: نتولى محبيه، ولا نتبرأ من أعدائهبل نحبهم، فكيف يجوز هذا لهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول في علي: (اللهم والمن والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) أفترونه لا

٦٨

يعادي من عاداه؟! ولا يخذل من خذله؟! ليس هذا بإنصاف. ثم أخرى: أنهمإذا ذكر لهم ما أخص الله به عليا بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وكرامته على ربهتعالى، جحدوه، وهم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من الصحابة، فما الذي منععليا ما جعله لسائر أصحاب رسول الله؟ هذا عمر بن الخطاب إذا قيل لهم: أنه كانعلى المنبر بالمدينة يخطب إذ نادى في خلال خطبته: يا سارية الجبل وعجب القوموقالوا ما هذا من الكلام الذي في هذه الخطبة، فلما قضى الخطبة والصلاة قالوا:

ما قولك في خطبتك يا سارية الجبل؟

فقال: اعلموا أني وأنا أخطب إذ رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيهاإخوانكم إلى غزوة الكافرين بنهاوند، وعليهم سعد بن أبي وقاص، ففتح الله ليالأستار والحجب، وقوى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك،وقد جاء بعض الكفار ليدور خلف سارية، وساير من معه من المسلمين، فيحيطوابهم فيقتلوهم، فقلت يا سارية الجبل، ليلتجئ إليه، فيمنعهم ذلك من أن يحيطوابه، ثم يقاتلوا، ومنح الله إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين، وفتح الله عليهمبلادهم، فاحفظوا هذا الوقت، فسيرد عليكم الخبر بذلك، وكان بين المدينةونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوما.

قال الباقر عليه السلام: فإذا كان مثل هذا لعمر، فكيف لا يكون مثل هذالعلي بن أبي طالب عليه السلام؟! ولكنهم قوم لا ينصفون بل يكابرون.

وعن عبد الله بن سليمان (١) قال: كنت عند أبي جعفر عليه السلام فقال لهرجل من أهل البصرة: يقال له: (عثمان الأعمى).

أن الحسن البصري يزعم أن الذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم منيدخل النار.

فقال أبو جعفر عليه السلام: فهلك إذا مؤمن آل فرعون، والله مدحه بذلك،

(١) عبد الله بن سليمان النخعي كوفي عده الشيخ في رجاله ص ١٦٥ من أصحابالصادق عليه السلام.

٦٩

وما زال العلم مكتوما منذ بعث الله عز وجل رسوله نوحا، فليذهب الحسن يميناوشمالا، فوالله ما يوجد العلم إلا هيهنا، وكان عليه السلام يقول: محنة الناس عليناعظيمة، إن دعوناهم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا.

احتجاج أبي عبد الله الصادق (ع) في أنواع شتى من العلوم الدينية علىأصناف كثيرة من أهل الملل والديانات.

روي عن هشام بن الحكم (١) أنه قال: من سؤال الزنديق الذي أتىأبا عبد الله عليه السلام أن قال:

ما الدليل على صانع العالم؟

فقال: أبو عبد الله عليه السلام وجود الأفاعيل التي دلت على أن صانعها صنعهاإلا ترى أنك إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني علمت أن له بانيا وإن كنت لم تر

(١) هشام بن الحكم الكندي مولاهم البغدادي، وكان ينزل ببني شيبان بالكوفةوكان مولده بالكوفة، ومنشؤه واسط، وتجارته ببغداد ثم انتقل إليها في آخر عمرهسنة تسع وتسعين وماءة. وقيل هذه السنة هي سنة وفاته.

عين الطائفة ووجهها ومتكلمها وناصرها من أرباب الأصول وله نوادر حكاياتولطائف مناظرات ممن اتفق علمائنا على وثاقته، ورفعة شأنه ومنزلته عند أئمتناالمعصومين عليهم السلام.

وكان ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب بالنظر، وكان حاذقا بصناعةالكلام، حاضر الجواب، وكان ثقة بالروايات حسن التحقيق بهذا الأمر.

روى عن أبي عبد الله وعن أبي الحسن عليهما السلام وعاش بعد أبي الحسن ولماتوفي ترحم عليه الرضا عليه السلامروى عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الثاني عليه السلامما تقول جعلت فداك في هشام بن الحكم؟ فقال عليه السلام (رحمه الله ما كان أذبهعن هذه الناحية).

راجع سفينة البحار ج ٢ ص ٧١٩ رجال الشيخ ص ٧٢٩ رجال العلامة ص ١٧٨

٧٠

الباني، ولم تشاهده.

قال: فما هو؟

قال: هو شئ بخلاف الأشياء، ارجع بقولي شئ إلى إثباته، وأنه شئبحقيقته الشيئية، غير أنه لا جسم، ولا صورة، ولا يحس، ولا يجس، ولا يدركبالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان.

قال السائل: فإنا لم نجد موهوما إلا مخلوقا.

قال أبو عبد الله عليه السلام: لو كان ذلك كما تقول، لكان التوحيد منامرتفعا لأنا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم، لكنا نقول: كل موهوم بالحواس مدركبها، تحده الحواس ممثلا، فهو مخلوق، ولا بد من إثبات كون صانع الأشياء خارجامن الجهتين المذمومتين: إحداهما النفي إذا كان النفي هو الإبطال والعدم، والجهةالثانية التشبيه بصفة المخلوق الظاهر التركيب والتأليف، فلم يكن بد من إثباتالصانع لوجود المصنوعين، والاضطرار منهم إليه، أنهم مصنوعون، وأن صانعهمغيرهم، وليس مثلهم، إن كان مثلهم شبيها بهم في ظاهر التركيب والتأليف وفيمايجري عليهم من حدوثهم بعد أن لم يكونوا، وتنقلهم من صغر إلى كبر، وسوادإلى بياض، وقوة إلى ضعف، وأحوال موجودة لا حاجة بنا إلى تفسيرها لثباتها ووجودها.

قال السائل: فأنت قد حددته إذا ثبت وجوده!

قال أبو عبد الله عليه السلام: لم أحدده، ولكني أثبته، إذ لم يكن بين الإثباتوالنفي منزلة.

قال السائل: فقوله: (الرحمن على العرش استوى)؟

قال أبو عبد الله عليه السلام: بذلك وصف نفسه، وكذلك هو مستول على العرشبائن من خلقه، من غير أن يكون العرش محلا له، لكنا نقول: هو حامل، وممسكللعرش، ونقول في ذلك ما قال: (وسع كرسيه السماوات والأرض) فثبتنا منالعرش والكرسي ما ثبته، ونفينا أن يكون العرش والكرسي حاويا له، وأنيكون عز وجل محتاجا إلى مكان، أو إلى شئ مما خلق، بل خلقه محتاجون إليه.

٧١

قال السائل: فما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء، وبين أن تخفضوهانحو الأرض؟

قال أبو عبد الله: في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنه عز وجل أمرأوليائه وعباده برفع أيديهم إلى السماء، نحو العرش، لأنه جعله معدن الرزق،فثبتنا ما ثبته القرآن والأخبار عن الرسول، حين قال: (ارفعوا أيديكم إلى اللهعز وجل) وهذا تجمع عليه فرق الأمة كلها، ومن سؤاله أن قال: ألا يجوز أنيكون صانع العالم أكثر من واحد؟

قال أبو عبد الله: لا يخلو قولك أنهما اثنان من أن يكونا: قديمين قويينأو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قويا، والآخر ضعيفا، فإن كانا قويينفلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه، وينفرد بالربوبية، وإن زعمت أن أحدهماقوي والآخر ضعيف، ثبت أنه واحد كما نقول، للعجز الظاهر في الثاني، وإنقلت أنهما اثنان، لم يخل من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين منكل جهة، فلما رأينا الخلق منتظما، والفلك جاريا، واختلاف الليل والنهار والشمسوالقمر، دل ذلك على صحة الأمر والتدبير، وايتلاف الأمر، وأن المدبر واحد.

وعن هشام بن الحكم قال: دخل ابن أبي العوجاء على الصادق عليه السلامفقال له الصادق عليه السلام:

يا بن أبي العوجاء! أنت مصنوع أم غير مصنوع؟

قال: لست بمصنوع.

فقال له الصادق: فلو كنت مصنوعا كيف كنت؟

فلم يحر ابن أبي العوجاء جوابا، وقام وخرج.

قال: دخل أبو شاكر الديصاني - وهو زنديق - على أبي عبد الله وقال:

يا جعفر بن محمد دلني على معبودي!

فقال أبو عبد الله عليه السلام: إجلس! فإذا غلام صغير في كفه بيضة يلعب بهافقال أبو عبد الله: ناولني يا غلام البيضة! فناوله إياها، فقال أبو عبد الله: يا ديصاني

٧٢

هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلدالرقيق ذهبة مايعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولاالفضة الذائبة تختلط بالذهبة المايعة، فهي على حالها، لا يخرج منها خارج مصلحفيخبر عن إصلاحها، ولا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن إفسادها، لا يدرىللذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له مدبرا؟

قال: فأطرق مليا ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه، وأنا تائبمما كنت فيه.

وعن هشام بن الحكم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن أسماء الله عز ذكرهواشتقاقها، فقلت:

الله مما هو مشتق؟

قال: يا هشام الله مشتق من إله، وإله يقتضي مألوها، والاسم غيرالمسمى، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا، ومن عبد الاسموالمعنى فقد كفر وعبد الاثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذاك التوحيد،أفهمت يا هشام؟

قال: فقلت زدني!

فقال: إن لله تسعة وتسعين اسما، فلو كان الاسم هو المسمى لكان كلاسم منها آلها، ولكن الله معنى يدل عليه، فهذه الأسماء كلها غيره، يا هشامالخبز اسم للمأكول، والماء اسم للمشروب، والثوب اسم للملبوس، والنار اسمللمحروق، أفهمت يا هشام فهما تدفع به وتناضل به أعدائنا، والمتخذين مع الله غيره؟

قلت: نعم.

قال: فقال: نفعك الله به، وثبتك!

قال هشام: فوالله ما قهرني أحد في علم التوحيد حتى قمت مقامي هذا.

وعن هشام بن الحكم قال: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد الله عليه السلام

٧٣

علم، فخرج إلى المدينة ليناظره، فلم يصادفه بها، وقيل: هو بمكة، فخرج إلىمكة ونحن مع أبي عبد الله عليه السلام، فانتهى إليه - وهو في الطواف - فدنا منه وسلم.

فقال له أبو عبد الله: ما اسمك؟

قال: عبد الملك.

قال: فما كنيتك؟

قال: أبو عبد الله.

قال أبو عبد الله عليه السلام: فمن ذا الملك الذي أنت عبده، أمن ملوك الأرضأم من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء، أم عبد إله الأرض؟

فسكت. فقال أبو عبد الله: قل! فسكت.

فقال: إذا فرغت من الطواف فأتنا، فلما فرغ أبو عبد الله عليه السلام من الطوافأتاه الزنديق، فقعد بين يديه ونحن مجتمعون عنده. فقال أبو عبد الله عليه السلام:

أتعلم أن للأرض تحتا وفوقا؟

فقال: نعم.

قال: فدخلت تحتها؟

قال: لا.

قال: فهل تدري ما تحتها؟

قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شئ.

فقال أبو عبد الله: فالظن عجز ما لم تستيقن. ثم قال له: صعدت إلى السماء؟

قال: لا.

قال: أفتدري ما فيها؟

قال: لا.

قال: فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟

قال: لا.

قال: فالعجب لك، لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل تحت

٧٤
٧٥

أفتأذن لي في الكلام؟

فقال: تكلم.

فقال: إلى كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذاالبيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله كهرولة البعير إذا نفر، إن منفكر في هذا وقدر، علم أن هذا فعل أسسه غير حكيم ولا ذي نظر، فقل فإنكرأس هذا الأمر وسنامه، وأبوك أسسه ونظامه!

فقال أبو عبد الله: إن من أضله الله وأعمى قلبه، استوخم الحق ولم يستعذبهوصار الشيطان وليه، يورده مناهل الهلكة، ثم لا يصدره، وهذا بيت استعبد اللهبه عباده، ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته، جعله محلأنبيائه، وقبلة للمصلين له، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى غفرانه،منصوب على استواء الكمال، ومجتمع العظمة والجلال، خلقه الله قبل دحو الأرضبألفي عام، فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما نهى عنه وزجر، الله المنشئللأرواح والصور.

فقال ابن أبي العوجاء: ذكرت الله فأحلت على الغائب.

فقال أبو عبد الله: ويلك! كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد،وإليهم أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويرى أشخاصهم، ويعلم أسرارهم؟!

فقال ابن أبي العوجاء: فهو في كل مكان، أليس إذا كان في السماء كيفيكون في الأرض وإذا كان في الأرض كيف يكون في السماء؟

فقال أبو عبد الله عليه السلام: إنما وصفت المخلوق الذي إذا انتقل من مكاناشتغل به مكان، وخلا منه مكان، فلا يدري في المكان الذي صار إليه ما حدثفي المكان الذي كان فيه، فأما الله العظيم الشأن، الملك الديان، فلا يخلو منه مكانولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه إلى مكان.

وروي أن الصادق عليه السلام قال لابن أبي العوجاء: إن يكن الأمر كما تقول- وليس كما نقول - نجونا ونجوت وإن يكن الأمر كما - نقول وهو كما

٧٦

نقول - نجونا وهلكت.

وروي أيضا: أن ابن أبي العوجاء سأل الصادق عليه السلام عن حدث العالم فقال:

ما وجدت صغيرا ولا كبيرا إلا إذا ضم إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقالعن الحالة الأولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لأن الذي يزول ويحوليجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونهفي الأزل دخول في القدم، ولن يجتمع صفة الحدوث والقدم في شئ واحد.

قال ابن أبي العوجاء: هبك علمك في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرتاستدللت على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أنتستدل على حدوثها؟

فقال عليه السلام: إنا نتكلم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالماآخر كان لا شئ أدل على الحدث ومن رفعنا إياه ووضعنا غيره، لكن أجيبكمن حيث قدرت أن تلزمنا، فنقول: إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان فيالوهم أنه متى ضم شئ منه إلى شئ منه كان أكبر، وفي جواز التغير عليه خروجهمن القدم كما إن في تغيره دخوله في الحدث، وليس لك ورائه شئ يا عبد الكريم.

وعن يونس بن ظبيان (١) قال: دخل رجل على أبي عبد الله عليه السلام قال:

أرأيت الله حين عبدته؟

قال: ما كنت أعبد شيئا لم أره.

(١) قال العلامة في القسم الثاني من خلاصته: يونس بن ظبيان - بالضاد المعجمةالمفتوحة والباء المنقطة تحتها نقطه قبل الياء والنون أخيرا - قال أبو عمرو الكشي: قالالفضل بن شاذان في بعض كتبه -: الكذابون المشهورون: أبو الخطاب ويونس بنظبيان ويزيد الصايغ ومحمد بن سنان وأبو سمينة أشهرهم وقال النجاشي أنه مولى ضعيفجدا لا يلتفت إلى ما رواه كل كتبه تخليط قال ابن الغضايري يونس بن ظبيان كوفيغال كذاب وضاع للحديث روى عن أبي عبد الله عليه السلام لا يلتفت إلى حديثه فأنالا أعتمد على روايته لقول هؤلاء المشايخ العظام فيه.

٧٧

قال: فكيف رأيته؟

قال: لم تره الأبصار بمشاهدة العيان، ولكن رأته القلوب بحقايق الإيمانلا يدرك بالحواس، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه.

وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى (لا تدركهالأبصار) قال: إحاطة الوهم ألا ترى إلى قوله: (قد جائكم بصائر من ربكم)ليس يعني بصر العيون، (فمن أبصر فلنفسه) وليس يعني من أبصر نفسه (ومنعمي فعليها) ليس يعني عمي العيون، إنما عنى: إحاطة الوهم - كما يقال: فلان بصيربالشعر، وفلان بصير بالفقه، وفلان بصير بالدراهم، وفلان بصير بالثياب - اللهأعظم من أن يرى بالعين.

ومن سؤال الزنديق الذي سأل أبا عبد الله عليه السلام عن مسائل كثيرة أنه قال:

كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟

قال: رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان،وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب، وأحكام التأليف، ثم الرسل وآياتهاوالكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته.

قال: أليس هو قادر أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين؟

قال: ليس للمحال جواب.

قال: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟

قال عليه السلام: أنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ماخلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا أن يلامسوهولا أن يباشرهم ويباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه وعبادهيدلونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبتالآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرونهم أنبياء الله وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركينللناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم

٧٨

العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمهوالأبرص، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسولووجوب عدالته.

ثم قال عليه السلام بعد ذلك: نحن نزعم أن الأرض لا تخلو من حجة ولا تكونالحجة إلا من عقب الأنبياء، ما بعث الله نبيا قط من غير نسل الأنبياء، وذلك أنالله شرع لبني آدم طريقا منيرا، وأخرج من آدم نسلا طاهرا طيبا، أخرج منهالأنبياء والرسل، هم صفوة الله، وخلص الجوهر، طهروا في الأصلاب، وحفظوافي الأرحام، لم يصبهم سفاح الجاهلية، ولا شاب أنسابهم، لأن الله عز وجل جعلهمفي موضع لا يكون أعلى درجة وشرفا منه، فمن كان خازن علم الله، وأمين غيبهومستودع سره، وحجته على خلقه، وترجمانه ولسانه، لا يكون إلا بهذه الصفةفالحجة لا يكون إلا من نسلهم، يقوم مقام النبي صلى الله عليه وآله في الخلق بالعلم الذيعنده، وورثه عن الرسول، إن جحده الناس سكت، وكان بقاء ما عليه الناسقليلا مما في أيديهم من علم الرسول على اختلاف منهم فيه، قد أقاموا بينهم الرأيوالقياس، وأنهم إن أقروا به وأطاعوه وأخذوا عنه، ظهر العدل، وذهب الاختلافوالتشاجر، واستوى الأمر وأبان الدين، وغلب على الشك اليقين، ولا يكاد أنيقر الناس به ولا يطيعوا له أو يحفظوا له بعد فقد الرسول، وما مضى رسول ولانبي قط لم يختلف أمته من بعده، وإنما كان علة اختلافهم على الحجة وتركهمإياه. قال: فما يصنع بالحجة إذا كان بهذه الصفة؟ قال: قد يقتدى به ويخرج عنهالشئ بعد الشئ مكانه منفعة الخلق وصلاحهم فإن أحدثوا في دين الله شيئا أعلمهموإن زادوا فيه أخبرهم وإن نفدوا منه شيئا أفادهم.

ثم قال الزنديق: من أي شئ خلق الله الأشياء؟

قال: لا من شئ.

فقال: كيف يجئ من لا شئ شئ؟

قال عليه السلام: إن الأشياء لا تخلو أما أن تكون خلقت من شئ أو من غير

٧٩

شئ، فإن كان خلقت من شئ كان معه، فإن ذلك الشئ قديم، والقديم لايكون حديثا ولا يفنى ولا يتغير، ولا يخلو ذلك الشئ من أن يكون جوهراواحدا ولونا واحدا، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرةالموجودة في هذا العالم من ضروب شتى؟ ومن أين جاء الموت إن كان الشئ الذيأنشئت منه الأشياء حيا؟! ومن أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشئ ميتا؟!

ولا يجوز أن يكون من حي وميت قديمين لم يزالا، لأن الحي لا يجئ منه ميتوهو لم يزل حيا، ولا يجوز أيضا أن يكون الميت قديما لم يزل لما هو به منالموت، لأن الميت لا قدرة له ولا بقاء.

قال: فمن أين قالوا أن الأشياء أزلية؟

قال: هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء فكذبوا الرسل، ومقالتهم،والأنبياء وما أنبأوا عنه، وسموا كتبهم أساطير، ووضعوا لأنفسهم دينا بآرائهمواستحسانهم، أن الأشياء تدل على حدوثها، من دوران الفلك بما فيه، وهي سبعةأفلاك، وتحرك الأرض ومن عليها، وانقلاب الأزمنة، واختلاف الوقت، والحوادثالتي تحدث في العالم، من زيادة ونقصان، وموت وبلى، واضطرار النفس إلىالاقرار بأن لها صانعا ومدبرا، ألا ترى الحلو يصير حامضا، والعذب مرا، والجديدباليا، وكل إلى تغير وفناء؟!

قال: فلم يزل صانع العالم عالما بالأحداث التي أحدثها قبل أن يحدثها؟

قال: فلم يزل يعلم فخلق ما علم.

قال: أمختلف هو أم مؤتلف؟

قال: لا يليق به الاختلاف ولا الايتلاف، وإنما يختلف المتجزي، ويأتلفالمتبعض، فلا يقال له مؤتلف ولا مختلف.

قال: فكيف هو الله الواحد؟

قال: واحد في ذاته، فلا واحد كواحد، لأن ما سواه من الواحد متجزيوهو تبارك وتعالى واحد لا يتجزى، ولا يقع عليه العد.

٨٠