×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي المرتضى (عليه السلام) نقطة باء البسملة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

النعمة الدائمة والرحمة الثابتة الباقية التي تفاض على المؤمن كما قال تعالى:

{وَكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}(١)، وقال تعالى: {إنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}(٢) إلى غير ذلك، ولذلك قيل: إنّ الرحمن عام للمؤمن والكافر ـ في الدنيا ـ، والرحيم(٣) خاص بالمؤمن ـ في الدنيا والآخرة ـ»(٤).

وقال في معنى الإسم: وأمّا الإسم: فهو اللفظ الدالّ على المسمّى مشتقّ من السمة بمعنى العلامة، أو من السموّ بمعنى الرفعة ـ والعلوّ(٥) ـ، وكيف كان

١- سورة الأحزاب، الآية ٤٣.

٢- سورة التوبة، الآية ١١٧.

٣- في النهاية: في أسماء اللّه تعالى (الرحمن الرحيم): وهما اسمان مشتقّان من الرحمة، مثل ندمان ونديم، وهما من أبنية المبالغة، ورحمان أبلغ من الرحيم، والرحمن خاص للّه لا يسمّى به غيره ولا يوصف، والرحيم يوصف به غير اللّه تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمن.

وقيل: الرحمة على قسمين: امتنانية ووجوبية، فالامتنانية هي الرحمة المفيضة للنعم السابقة على العمل، وهي التي وسعت كلّ شيء، وأمّا الوجوبية فهي الموعودة للمتّقين والمحسنين في قوله تعالى: (فَسَأْكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونِ)، (إنَّ رَحْمَةَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الُمحْسِنِينَ)، وهي داخلة في الامتنانية أيضاً; لأنّ الوعد بها على العمل محض المنّة، وتقديم الرحمن على الرحيم من تقديم العامّ على الخاصّ.

٤- الميزان ١: ١٦.

٥- الإسم مشتقّ من السموّ بمعنى العلوّ والرفعة عند البصريين، ومن الوسم بمعنى العلامة والدلالة عند الكوفيين، ولكلّ منهما وجه، وقيل: الأنسب بالساحة الاُلوهية هو الأوّل.

وأمّا حذف الألف لفظاً عند دخول الباء فلكونها همزة وصل، وهي لا تثبت في الدرج، وحذفت خطأ لكثرة الاستعمال واُبدلت منها لطول البسملة، وقيل: إنّما تسقط الألف خطّـاً لا لفظاً من البسملة بشرطين:

الأوّل: إذا اُضيف إلى لفظ (اللّه) ولهذا ثبتت في (باسم ربّك).

والثاني: أن تكون قبلهما الباء، ولمثلهما حذفت في (بسم اللّه).

٢١
فالذي يعرفه منه اللغة هو اللفظ الدالّ، ويستلزم ذلك أن يكون غير المسمّى، وأمّا الاسم بمعنى الذات مأخوذاً بوصف من أوصافه، فهو من الأعيان لا من الألفاظ، وهو مسمّى الاسم بالمعنى الأوّل، كما أنّ لفظ العالم (من أسماء اللّه تعالى) اسم يدلّ على مسمّاه وهو الذات مأخوذة بوصف العلم، وهو بعينه اسم بالنسبة إلى الذات الذي لا خبر عنه إلاّ بوصف من أوصافه ونعت من نعوته، والسبب في ذلك أنّهم وجدوا لفظ الاسم موضوعاً للدالّ على المسمّى من الألفاظ، ثمّ وجدوا أنّ الأوصاف المأخوذة على وجه تحكي عن الذات وتدلّ عليه حالها حال اللفظ المسمّى بالاسم في أنّها تدلّ على ذوات خارجية، فسمّوا هذه الأوصاف الدالّة على الذوات أيضاً أسماء، فأنتج ذلك أنّ الاسم كما يكون أمراً لفظياً كذلك يكون أمراً عينياً، ثمّ وجدوا أنّ الدالّ على الذات القريب منه هم الاسم بالمعنى الثاني المأخوذ بالتحليل، وأنّ الاسم بالمعنى الأوّل إنّما يدلّ على الذات بواسطته، ولذلك سمّوا الذي بالمعنى الثاني إسماً، والذي بالمعنى الأوّل اسم الاسم، هذا ولكن هذا كلّه أمر أدّى إليه التحليل النظري ولا ينبغي أن يحمل على اللغة، فالاسم بحسب اللغة ما ذكرناه.

وقد شاع النزاع بين المتكلّمين في الصدر الأوّل من الإسلام في أنّ الإسم عين المسمّى أو غيره، وطالت المشاجرات فيه، ولكنّ هذا النوع من المسائل قد اتّضحت اليوم اتّضاحاً يبلغ حدّ الضرورة، ولا يجوز الاشتغال بها بذكر ما قيل

٢٢
أو ما يقال فيها، والعناية بإبطال ما هو الباطل وإحقاق ما هو الحقّ فيها، فالصفح عن ذلك أولى.

وجاء في جامع الجوامع(١): أصل الاسم سموٌ، لأنّ جمعه أسماء، وتصغيره سميّ. (اللّه) أصله (إله) فحذفت الهمزة وعوّض عنها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: (يا ألله) بقطع الهمزة، كما يقال: (يا إله)، ومعناه أنّه الذي يحقّ له العبادة، وإنّما حقّت له العبادة لقدرته على اُصول النعم، فهذا الاسم مختصّ بالمعبود الحقّ، لا يطلق على غيره، وهو اسم غير صفة; لأنّك تصفه فتقول (إله واحد)، ولا تصف به، فلا تقول: (شيء إله). و (الرحمن) فعلان من رحم، كغضبان. و (الرحيم) فعيل منه كعليم، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم، ولذلك قيل: الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين خاصة، ورووا عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: الرحمن اسم خاصّ بصفة عامة والرحيم اسم عامّ بصفة خاصة. وتعلّقت الباء في (بسم اللّه) بمحذوف تقديره: بسم اللّه أقرأ; ليختصّ اللّه بالابتداء به، كما يقال للمُعرس (باليمن والبركة) بمعنى أعرست، وإنّما قدّر المحذوف متأخّراً; لأنّهم يبتدئون بالأهمّ عندهم، ويدلّ على ذلك قوله: {بِسْمِ اللّهِ مُجْريها وَمُرسيها}.

وجاء في مجد البيان في تفسير القرآن(٢): وأمّا (اللّه)، ففي الرواية السابقة بطرقها (واللّه إله كلّ شيء). وفي التوحيد عن الإمام العسكري (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنّ رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن

١- جامع الجوامع ١: ١٥.

٢- مجد البيان في تفسير القرآن: ٢٢٨، بحث حول لفظة الجلالة.

٢٣
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، ما معناه؟ فقال: إنّ قولك (اللّه) أعظم اسم من أسماء اللّه عزّ وجلّ، وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمّى به غير اللّه، ولم يتسمّ به مخلوق. فقال الرجل: فما تفسير قوله (اللّه)؟ قال (عليه السلام): هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الأسباب من كلّ مَن سواه. ثمّ قال: وذلك أنّ كلّ مترئّس في هذه الدنيا ومتعظّم فيها، وإن عظم غنائه وطغيانه، وكثرت حوائج مَن دونه إليه، فإنّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى اللّه عند ضرورته وفاقته، حتّى إذا كفي همّه عاد إلى شركه، أما تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول: {قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكُمْ عَذابُ اللّهِ أوْ أتَتْكُمُ السَّاعَةُ أغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وَتَنْسُونَ ما تُشْرِكُونَ}.

وفيه أيضاً في حديث، أنّه قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللّه، معناه: المعبود الذي يأله فيه الخلق، ويؤله إليه، واللّه هو المستور عن درك الأبصار، المحجوب عن الأوهام والخطرات».

ثمّ قال: قال الباقر (عليه السلام): «اللّه، معناه: المعبود الذي أله الخلق عن درك ماهيّته والإحاطة بكيفيته، ويقول العرب: أله الرجل; إذا تحيّر في الشيء فلم يحط به علماً، ووله: إذا فزع إلى شيء ممّا يحذره ويخافه، والإله هو المستور عن حواسّ الخلق».

وفي مجمع البحرين: أنّ في الحديث: «اللّه، معنى يدلّ بهذه الأسماء، وكلّها غيره».

وفي التوحيد، بإسناده، عن الصادق (عليه السلام): «اللّه مشتقّ عن أله، وإله يقتضي مألوهاً».

وفي خطبة الرضا (عليه السلام): «له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية

٢٤
إذ لا مألوه».

ثمّ يقول في اشتقاق كلمة الجلالة وعلميتها وأنّ أصلها ما هو؟: إعلم أنّه لا خلاف في أنّ الألف واللام في لفظ الجلالة حرف تعريف في الأصل لا من أصل الكلمة، كما مرّ على ما صرّح به بعضهم، وذهب الأكثر إلى أنّ أصله (الإلاه). وجوّز سببويه أن يكون أصله لاهاً من لاه يليه: تستّر واحتجب، وقيل: بمعنى ارتفع، ويبعده كثرة دوران إله في الكلام، واستعمال إله في المعبود، وإطلاقه على اللّه، فهو حينئذ كلفظ الناس حيث أنّ أصله (الاُناس) فحذف منه الهمزة وعوّض منه الألف واللام، كما عن أبي علي النحوي، أو من دون تعويض كما ذكره غيره.

والإله مشتقّ من أله ـ بالفتح ـ إلاهة، أي: عبد عبادةً، على ما ذكره الجوهري ووافقه جماعة.

وعن المصباح: أله يأله ـ من باب تعب ـ إلهة، بمعنى عبد عبادة، وتألّه تعبّد، والإلاه المعبود، وهو اللّه سبحانه ثمّ استعاره المشركون لما عبد من دونه.

وأجود منه ما ذكره الجوهري من تعليل تسمية الأصنام بالآلهة، باعتقادهم أنّ العبادة تحقّ لها، وأسمائهم تتبع اعتقاداتهم، لا ما عليه الشيء في نفسه.

قيل: اتّفق القائلون بالاشتقاق على اشتقاقه ممّا ذكر، وأنّه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كلّ معبود بحقّ أو باطل، ثمّ غلب على المعبود بحقّ، كما أنّ النجم اسم لكلّ كوكب ثمّ غلب على الثريا. وكذا السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه. وأمّا اللّه بحذف الهمزة فمختصّ بالمعبود وبالحقّ، لم يطلق على غيره، انتهى.

وقيل: (من أله ـ بالكسر ـ، أي: تحيّر). وذكر الجوهري أنّ أصله الوله،

٢٥
وردّ بمخالفته لكثير من كلام أهل اللغة، والمناسبة ظاهر، إذ تحيّرت الأوهام وغمضت مداخل الفكر وعجزت العقول عن إدراكه.

وقيل: (من ألهت إلى فلان، أي: سكنت إليه). فالنفوس لا تسكن إلاّ إليه، والعقول لا تقف إلاّ لديه، {ألا بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ}(١).

وقيل: (من الوله، وهو ذهاب العقل، سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان، والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان).

وقيل: (من أله الفصيل، إذا اُولع باُمّه; لأنّ العبادة تتضرّع إليه في البليّات).

وعن الخليل ومتابعيه وأكثر الاُصوليين والفقهاء من العامة، أنّ: اسم الجلالة ليس بمشتقّ، واسم علم له سبحانه، واحتجّ لذلك بأنّه: لو كان مشتقّاً لكان معناه كلّياً لا يمنع نفس تصوّره عن وقوع الشركة فيه، فلا يكون (إلاّ اللّه) موجباً للتوحيد المحض، وبأنّ: الترتيب العقلي ذكر الذات ثمّ نعته بالصفات، وإنّا نقول: اللّه الرحمن الرحيم العالم القادر، ولا نقول العكس، فدلّ على أنّه اسم علم، وبأنّه لو كان صفة وسائر أسمائه صفات لم يكن للباري تعالى اسم، ولم يبق العرب شيئاً من الأشياء إلاّ سمّته، فكيف لم تسمّ خالق الأشياء ومبدعها، فهذا محال.

أقول: يظهر لي في المقام أنّ الإله الذي هو الأصل في (اللّه) على ما عرفت وصرّح به في الرواية المتقدّمة، ويظهر من سائر الروايات أيضاً هو: فعال بمعنى مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله بمعنى عبد، كما صرّح به جماعة، وأصل العبودية الخضوع والذلّ، كما صرّح به الجوهري، وربما فسّر بغاية التذلّل، ولعلّه لانصراف اللفظ إلى الفرد الكامل، فيكون الإله هو: المعبود الذي لأجله

١- سورة الرعد، الآية ٢٨.

٢٦
يقع الخضوع والتذلّل الكامل، انتهى كلامه رفع اللّه مقامه.

ثمّ يذكر المصنّف القدير مطالب قيّمة وثقيلة ملؤها العلم والمعرفة في هذا الباب، لولا الخوف من الإطالة لتعرّضت إليها، إلاّ أنّ المقصود الاختصار، وغير هذا فاُوصي القرّاء الكرام بمطالعة هذا التفسير القيّم، ومن اللّه التوفيق.

ثمّ يقول تحت عنوان: (في حقيقة العبودية، وأنّ كلمة الجلالة مستجمع لجميع الصفات الكمالية): ثمّ إنّ التذلّل والخضوع لمعبوده لذاته وصفاته، فيكون المعبود مستحقّاً للخضوع له بذاته وصفاته، والعبد مستحقاً للاتصاف به لذاته، وهذا حقيقة العبادة، فإذا عرف ذاته بخواصّ الامكان ونقصانه، وعرف الحقّ باستجماعه لجميع الصفات الكمالية، انبعث له حال الخضوع قلباً، والطاعة له جوارحاً، وبهذه الملاحظة فاللّه هو الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية، إذ لو فقد منها شيئاً لم يكن معبوداً بقول مطلق. ومن جملتها أن يكون مرتفعاً عن الخلق وعن مبلغ مداركهم، بحيث يحتجب عنها بغير حجاب، ومستوراً عن درك الأبصار، ومحجوباً عن الأوهام والخطرات، فيأله الخلق عن إدراك حقيقته، فيناسب جملة من مبادي الاشتقاق السابقة، ويوافق جملة من الروايات المتقدمة، ـ ثمّ يذكر المصنّف وجه ذلك ومطالب اُخرى: ثمّ يقول قدّس سرّه الشريف ـ: ومن هنا يتبين وجه التعميم في الحاجة والمحتاج في الرواية الاُولى، وتفصيله بإثبات انحصاره فيه سبحانه، وأنّ مَن سواه لا يقدر على الكلّ وإن قدر على بعض، بل هو محتاج أيضاً، والمعبود في كلّ جهة لا بدّ وأن يكون غنياً من كلّ جهة; إذ عبادة المحتاج للمحتاج سفاهة، وهذا بحسب ظاهر النظر، وإلاّ فالمحتاج إليه عند العارف ليس إلاّ الحقّ سبحانه، وهو من دونهم وليّ الإعطاء والمنع، وجميع ما سواه يلتجأ به، إمّا دائماً كالعارف، وإمّا عند الحاجة كالمؤمنين،

٢٧
وإمّا عند الاضطرار كالكفّار، كما يشهد له الآية والرواية، وما رواه في التوحيد بعد ما قدّمناه في صدر ترجمة البسملة قال: (وهو ما قال رجل للصادق (عليه السلام): يا بن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، دلّني على اللّه ما هو؟ فقد أكثر عليّ المجادلون وحيّروني. فقال له: يا عبد اللّه، هل ركبت سفينة قطّ؟ قال: نعم. قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم. قال: فهل تعلّق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلّصك من ورطتك؟ قال: نعم. قال الصادق (عليه السلام): فذلك الشيء هو اللّه القادر على الانجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث).

والظاهر أنّ السبب في ذلك رجوع الكافر حال اضطراره إلى نظرته المحجوبة، وظهور تلك المعرفة وفعليته.

ولا يخفى عليك أنّ الالتجاء والاستغاثة والسؤال والفزع كلّها من شؤون العبودية والخضوع والتذلّل، بل هي تذلّلات وخضوعات حالية، كما أنّ الاطاعة بالجوارح عبودية، بل أغلب النفوس لا تخضع ولا تتذلّل إلاّ عند الحاجة {إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى أنْ رَآهُ اسْتَغْنى}.

فالعبودية أصلها الخضوع والتذلّل، ولها أغصان وفروع وآثار يصحّ إطلاق العبودية على كلّ منها أيضاً. ألا ترى أنّ السجدة عبادة جوارحية، ولها معنىً قلبيّ هو السجدة القلبية؟

وبما فصّلنا يتّضح أنّ اللّه هو أعظم اسم من أسماء اللّه سبحانه، الحاكية عن صفات الذات وصفات الأفعال في مقام الظهور، باعتبار دلالته على المعبودية المطلقة المشتملة على جميع شؤونها من صفات الذات وصفات الأفعال، والعبودية مساوقة لعالم الإمكان، وكلّ حادث عبد {إنْ كُلُّ مَنْ في السَّماواتِ وَالأرْضِ

٢٨
إلاّ أتى الرَّحْمنَ عَبْداً}، والعبودية وجهة العبد إلى سيّده، والعابد إلى معبوده، والرابطة والوسيلة، واللّه سبحانه معبود بذاته وصفاته وأفعاله وآثاره، ولو أغمض النظر عن واحد منها لم يكن معبوداً مطلقاً، فلو خرج عن مدلول كلمة الجلالة اسم من أسمائه الظاهرة لم يكن باعتباره معبوداً، فخرج مظاهر ذلك الاسم عن دائرة العبودية من حيث كونها مظاهر له، والمعبود المطلق مَن كان كاملا في ذاته وصفاته، باستجماعه جميع الصفات الجمالية والكمالية، الذاتية والفعلية، مرجواً عند كلّ ما يرجى، مخوفاً عند كلّ ما يخاف، مستحقاً للمحبوبية بجميع الوجوه والحيثيات، وللحياء منه بجميع الشؤون الموجبة لاستحقاق الحياء منه، متوحّداً في جميع ذلك، لا يشاركه في شيء منها غيره. فمدلول هذه الكلمة (اللّه) شاملة لمدلول كلّ اسم من الأسماء الظاهرة، فهو أعظم منها وأعمّ.

ومن هنا يتبيّن أنّه المقدّم عليها معنىً، فهو المستحقّ للتقديم لفظاً يوصف بها، ولا يجري وصفاً لشيء منها.

ثمّ يقول (قدس سره): وممّا ذكرنا ظهر فساد الاستدلال على أنّه اسم للذات، فيذكر وجه ذلك. وممّا فصّلنا ظهر اندراج سائر الاحتمالات في المشتقّ منه تحت ما ذكرنا، على وجه يظهر للمتأمّل فيما ذكر، فلا نطيل ببيانها، ووجه الجمع بين الأخبار الواردة في ذلك، وانطباقها على القواعد اللفظية، فلا تغفل.

ثمّ له بحث قيّم حول تفسير كلمة الجلالة باعتبار حروفها، مبتداً بقوله: وأمّا شرح الكلمة باعتبار حروفه، ففي التوحيد، بإسناده، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، بعد السؤال عن تفسير (اللّه) في ضمن تفسير البسملة، قال: الألف آلاء اللّه على خلقه من النعيم بولايتنا، واللام إلزام اللّه خلقه ولايتنا، قلت: فالهاء؟ قال: هوانٌ لمن خالف محمّداً وآل محمد صلوات اللّه عليهم، الحديث. ولعلّه أسقط منه

٢٩
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ٣٠ - ص ٤٤)

٣٠

من معالم سورة الحمد


سورة الحمد تسمّى بالسبع المثاني، قال اللّه تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِيَ وَالقُرْآنَ العَظِيم}(١)، باعتبار آياتها سبعة مع البسملة، وأنّها نزلت مرّتين فهي مكّية نزلت عند وجوب الفريضة، ومدنية نزلت عند تحوّل القبلة من البيت المقدّس إلى الكعبة المشرّفة(٢).

والروايات الواردة عن الرسول الأكرم وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) في فضائلها وخواصّها أكثر منها في غيرها من السور القرآنية.

روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتابه (معاني الأخبار)، بإسناده، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): مَنَّ عليّ ربّي وقال لي: يا محمد، أرسلتك إلى كلّ أحمر وأسود، ونصرتك بالرعب، وأحللت لك الغنيمة، وأعطيتك لك ولاُمّتك كنزاً من كنوز عرشي: فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): لو قرأت الحمد على ميّت سبعين مرّة ثمّ ردّت

١- سورة الحجر، الآية ٧٥.

٢- تفسير البصائر ١: ١١ و ٢٥. وقد ثبت في الأخبار: أنّ السبع المثاني هي سورة الحمد، ومعنى المثاني: أنّها تثنى وتعاد في كلّ صلاة تقرأ فيها، وجاء في تفسير الكاشف (١: ٣١): اختلفوا في مكان نزولها فقيل: في مكة المكرمة، وقيل: بل في المدينة، وقال ثالث: نزلت مرّتين، في مكة أوّلا وفي المدينة ثانية تأكيداً لأهميتها ومبالغة في تشريفها، وأكثر المفسرين على أنّها نزلت في مكة. وهذا خلاف عقيم لا فائدة له، لأنّ هذه السورة الكريمة لا تحتوي على آية يختلف معناها باختلاف النزول.

٣١
الروح، ما كان عجباً.

وفي جامع الأخبار للشيخ الصدوق، بإسناده، عن رسول اللّه، أنّه قال: مَن قرأ فاتحة الكتاب اعطاه اللّه بعدد كلّ آية نزلت من السماء فيجزى بها ثوابها.

وروى البخاري، عن أبي سعيد بن المعلّى، قال: كنت اُصلّي، فدعاني النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فلم اُجبه، ثمّ قلت: يا رسول اللّه، إنّي كنت اُصلّي. قال: ألم يقل اللّه {اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلْرَسُولِ إذا دَعاكُمْ}(١)، ثمّ قال: ألا اُعلّمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد؟ فأخذ بيدي، فلمّا أردنا أن نخرج قلت: يا رسول اللّه، إنّك قلت: ألا اُعلّمك أعظم سورة في القرآن؟ قال: الحمد للّه ربّ العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي اُوتيته.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): اسم اللّه الأعظم مقطّع في اُمّ الكتاب.

فسورة الحمد تسمّى باُمّ الكتاب(٢); لوجوه، أشهرها: إنّها جامعة لاُصول وأهداف القرآن الكريم ومقاصده المقدّسة، فتضمّ رؤوس المطالب والمعارف، والعرب يسمّون ما يجمع أشياء متعدّدة (اُمّاً)، كما يسمّون الجلدة الجامعة للدماغ

١- سورة الأنفال، الآية ٢٤.

٢- لسورة الحمد أسماء بلغت (٢٥) اسماً، أشهرها: ١ ـ الفاتحة; لأنّها أوّل سورة في كتابة المصاحف ولوجوب قراءتها في أوّل الصلاة. ٢ ـ الحمد; لأنّه أوّل لفظها. ٣ ـ اُمّ الكتاب واُمّ القرآن; لأنّها متقدمة على غيرها من السور ولو كتابة تقدّم الاُمّ على أبنائها، ولأنّها اشتملت على أصلين: ذكر الربوبية والعبودية، وعليهما ترتكز تعاليم القرآن. ٤ ـ السبع المثاني; لأنّها سبع آيات وبقراءتها يثنى في الصلاة، أو لأنّها جمعت بين ذكر الربوبية والعبودية. ومهما يكن فإنّ التسمية تصحّ لأدنى شبه. (الكاشف ١: ٣٢).

٣٢
(اُمّ الرأس). ففي الفاتحة إجمال ما فصّل في الكتاب المجيد، فكان الكتاب نشأ من هذه السورة بالتفصيل بعد الاجمال، كما سمّيت مكة المكرمة باُمّ القرى; لأنّ الأرض دحيت منها.

كما إنّ الاُمّ بمعنى المقصود وما يقصده الإنسان، فأَمَّهُ أي: قَصَدَه. وفي هذه السورة مقصود الكتاب، وهي أوّل سورة يفتتح بها، فهي أصل الكتاب ومن ثمّ تضاف إليه، ويقال: فاتحة الكتاب.

فكلّ ما جاء في القرآن الكريم إنّما هو في سورة الحمد، فإنّها براعة استهلال رائعة للقرآن الكريم، فهي تحتوي على اُصول الدين وفروعه، فالحمد للّه: إنّما يدلّ على إثبات الصانع، وربّ العالمين: على صفاته. والرحمن الرحيم: على عدله، ومالك يوم الدين: على إثبات المعاد، والصراط المستقيم: على السعادة الدنيوية والاُخروية من الأعمال الصالحة والعبادات الصحيحة، وأنعمت عليهم: يدلّ على النبوّة والإمامة; فإنّ اللّه أنعم على الأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين، وغير المغضوب عليهم ولا الضالّين: إنّما يدلاّن على المنحرفين وأصل الضلال والغضب والشقاوة في الدنيا والآخرة، وإشارة إلى قصص الأنبياء واُممهم السالفة.

ففي السورة تقرير الحمد للّه عزّ وجلّ وربوبيته للعالمين، فالإله الذي يؤمن به المسلمون إله واحد لا شريك له هو ربّ العالمين، ويجب عليهم حمده والثناء عليه، فإنّه الرحمن في الدنيا للمؤمن والكافر، فساواهما في الرزق والهداية والرحمة العامة، وجعل الإنسان مختاراً، فإمّا شاكراً وإمّا كفوراً، ثمّ خصّ رحمته بالمؤمنين الذين استجابوا للّه ولرسوله {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُون}(١)، وفي

١- سورة الأعراف، الآية ١٥٦.

٣٣
السورة تعليم وتربية للإنسان أنّه إنّما يعبد اللّه وحده ويستعين به لا بغيره {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِين}، فقلب المؤمن يكون حرم اللّه وعرشه، فيدعو اللّه أن يهديه الطريق القويم والصراط المستقيم، وذلك صراط الذين أنعم اللّه عليهم من أنبيائه وأوليائه، كما يدعو أن يقيه عن الضلال وطريق المغضوب عليهم، فلكلّ واحد في الحياة طريقان: طريق الهداية وطريق الضلال، سبيل الحقّ وسبيل الباطل، طريق النور والجنّة، وطريق الظلمة والنار.

روى الشيخ الصدوق في (عيون الأخبار) و (علل الشرائع) بإسناده، عن الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا (عليه السلام)، أنّه قال: فلِمَ اُمروا بالقراءة في الصلاة؟ لئلاّ يكون القرآن مهجوراً مضيّعاً، وليكون محفوظاً مدروساً، فلا يضمحلّ ولا يجهل. فإن قال: فلِمَ بدىء بالحمد في كلّ قراءة دون سائر السور؟ قيل: لأنّه ليس شيء من القرآن والكلام جمع فيه من جوامع الخير والحكمة ما جمع في سورة الحمد.

وذلك أنّ قوله: {الحَمْدُ لِلّهِ} إنّما هو أداء لما أوجب اللّه تعالى على خلقه من الشكر، وشكر لما وفّق عبده للخير.

{رَبِّ العالَمِين}; تمجيد له وتحميد وإقرار بأنّه هو الخالق المالك لا غيره.

{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}; استعطاف وذكر لآلائه ونعمائه على جميع خلقه.

{مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}; إقرار بالبعث والحساب والمجازاة وإيجاب له ملك الآخرة كما أوجب له ملك الدنيا.

{إيَّاكَ نَعْبُدُ}; رغبة وتقرّب إلى اللّه عزّ وجلّ وإخلاص بالعمل له دون غيره.

{وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ}; استزادة من توفيقه وعبادته واستدامة لما أنعم عليه

٣٤
ونصره.

{إهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيم}; استرشاد به واعتصام بحبله واستزادة في المعرفة بربّه وبعظمته وبكبريائه.

{صِراطَ الذِّينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}; توكيد في السؤال والرغبة، وذكر لما تقدّم من نعمه على أوليائه، ورغبة في مثل تلك النِعَم.

{غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}; استعاذة من أن يكون من المعاندين الكافرين المستخفّين به وبأمره ونهيه.

{وَلا الضَّالِّينَ}; اعتصام من أن يكون من الضالّين الذين ضلّوا عن سبيله من غير معرفة وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً. فقد اجتمع فيه من جوامع الخير والحكمة في أمر الآخرة والدنيا ما لا يجمعه شيء من الأشياء.

وروى شيخنا الصدوق عليه الرحمة في (عيون الأخبار) و (الأمالي)، بإسناده، عن يوسف بن محمد بن زياد، وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): قال اللّه تبارك وتعالى: قسّمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، قال اللّه جلّ جلاله: بدأ عبدي باسمي وحقّ عليّ أن اُتمّم له اُموره واُبارك له في أحواله. فإذا قال: {الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العالَمِين}، قال اللّه جلّ جلاله: حمدني عبدي وعلم أنّ النعمة التي له من عندي وأنّ البلايا التي إن دفعت عنه فبسطوتي، اُشهدكم أنّي اُضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة، وأرفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، فإذا قال: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، قال اللّه جلّ

٣٥
جلاله: شهد لي بأنّي الرحمن الرحيم، اُشهدكم لاُوفّرنّ من رحمتي حظّه، ولأجزلنّ من عطائي نصيبه.

فإذا قال: {مالِكِ يَوْمِ الدِّين}، قال اللّه عزّ وجلّ: اُشهدكم كما اعترف أنّي أنا مالك يوم الدين، لاُسهلن يوم الحساب حسابه، ولأتقبّلن حسناته ولأتجاوزنّ عن سيّئاته. فإذا قال: {إيَّاكَ نَعْبُدُ}، قال اللّه عزّ وجلّ: صدق عبدي، إيّاي يعبد، اُشهدكم لأثيبنّه على عبادته ثواباً يغبطه كلّ مَن خالفه في عبادته. فإذا قال: {وَإيَّاكَ نَسْتَعِين}، قال اللّه عزّ وجلّ: بي استعان والتجأ، اُشهدكم لاُعيننّه على أمره، ولأغيثنّه في شدائده، ولآخذنّ بيده يوم نوائبه. فإذا قال: {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيم} إلى آخر السورة، قال اللّه جلّ جلاله، هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، قد استجبت لعبدي وأعطينه ما أمل وآمنته ممّا منه وجل.

عزيزي القارىء: ليست هذه المقامات لكلّ من يقرأ الحمد حتّى ولو كان فاسد العقيدة، بل بشرطها وشروطها، ومن أهمّ شرائطها كما يدلّ عليه الخبر الشريف نفسه، أن يكون العبد عبد اللّه، لا عبد الهوى والنفس، {أفَمَنْ اتَّخَذَ إلـهَهُ هَواهُ}، وعبد الدنيا والدينار والجاه والمقام، ويطيع الطواغيت والجبابرة والظالمين، فليس لمثل هذا الذي يتولّى عدوّ اللّه وأئمة الضلال إلاّ النار، حتى ولو قرأ الحمد ليل نهار.

فعلينا أن نقرأ الحمد بإيمان كامل وعقيدة صحيحة وعمل صالح وعلم نافع، فإنّ في الحمد كلّ المعارف القرآنية، فإنّه على عظمته وشموخه في معارفه السامية وما يتفرّع عليها من الفروع والأحكام في العبادات والمعاملات والسياسات والأخلاق والآداب والسنن، ومن الوعد والوعيد والقصص والحكم والأمثال وغير ذلك، كلّها ترجع إلى اُصولها الثلاثة: التوحيد والمعاد والنبوّة وما يتعلّق بها،

٣٦
وإلى هداية الناس إلى ما فيه الخير والصلاح والسعادة في الدنيا والآخرة، وهذه السورة المقدّسة على اختصارها وقلّة كلماتها تحتوي على جميعها في أوجز لفظ وأوضح معنى، والغرض الأساس من الوحي والدين هو حفظ اُصوله، ثمّ فروعه ومعارفه.

وأوّل المعرفة وأوّل العلم معرفة اللّه جلّ جلاله، وتوحيده في الذات والصفات والأفعال، ثمّ المعرفة بصفاته وأفعاله، ثمّ معرفة يوم الدين، يوم جزاء المؤمن على طاعته والكافر على معصيته وكفره، وأنّ اللّه مالك ذلك اليوم وإليه الحساب، ومَن عرف المعاد صلح في عمله، فإنّ معرفة المعاد والإيمان به تحثّ المكلّف على الطاعة والعمل الصالح، وأفضل الأعمال العبادة، فهي فلسفة الحياة، وسرّ الخليقة، وإنّما يستحقّ العبادة ربّ العالمين; {إيَّاكَ نَعْبُدُ}، ولا تكون إلاّ إذا وثق العبد بربّه وتوكّل عليه واستعان به; {وَإيَّاكَ نَسْتَعِين}، إنّما تنقاد النفس إلى الطاعة بلطف من اللّه وعنايته فندعو اللّه; {اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيم}، صراط محمد وآله، فيحتاج الإنسان إلى من يبيّن هذا الصراط، فلا بدّ من النبوّة والإمامة، وأشار بقوله: {صِراطَ الذِّينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وأنّ الناس في المعرفة باللّه والإيمان والعمل على طوائف ثلاثة: فمنهم: مَن وصل إلى ساحل المعرفة وعصر النور الذي يسعى بين أيديهم، فاستغرقوا في الطاعة والعمل، ومنهم: مَن عاند واستخفّ بأوامر اللّه ونواهيه وأعرض عن المعرفة، فغضب اللّه عليه، ومنهم: من تاه في الجهالة وبقي حيران في وادي الظلمات وظلّ الطريق. فالطائفة الاُولى: الذين أنعم اللّه عليهم، والثانية: المغضوب عليهم، والثالثة: الضالّين، كما كانت هذه الطوائف في الاُمم السالفة.

فهذه السورة الشريفة تحتوي رموزاً لكلّ ما جاء في القرآن الكريم من

٣٧
المعارف والعلوم، ويجب على كلّ مسلم مكلّف في كلّ يوم وليلة أن يتلوها عشر مرّات في أهمّ أركان دينه وعموده، وهي الصلاة، ليعرف اُصوله وفروعه وحقائقه، ويعرف طريق الهدى والصراط المستقيم، ليهتدي ويسعد في الدارين، كما يعرف طريق الضلال والغضب ليتجنّبه وينجو من الشقاء والنار والخزي في الدنيا والآخرة.

«ومَن تتبّع آي الذكر الحكيم، وتدبّر معانيها، يجد وراءها مقسماً مشتركاً وإطاراً عاماً يربط بين جميع قواعده ومبادئه وسوره وآياته، وهذا الرابط هو الدعوة إلى أن يحيا الناس ـ كلّ الناس ـ حياة طيّبة يسودها الأمن والعدل ويغمرها الخصب والسلام: {يا أيُّها الذِّينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلْرَسُولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ}(١)»(٢).

ومن فضائل سورة الحمد: ما قاله رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): «أيّما مسلم قرأ فاتحة الكتاب، اُعطي من الأجر كأنّما قرأ ثلثي القرآن، واُعطي من الأجر كأنّما تصدّق على كلّ مؤمن ومؤمنة»(٣).

وعن جابر بن عبد اللّه، عنه (عليه السلام)، قال: «هي شفاء من كلّ داء إلاّ السامّ، والسامّ الموت»(٤).

١- سورة الأنفال، الآية ٢٣.

٢- تفسير الكاشف ١: ١٠.

٣- جامع الجوامع ١: ١٥.

٤- جامع الجوامع ١: ١٥.

٣٨
وهناك روايات كثيرة في بيان فضائل سورة الحمد، كما أنّ الحديث حولها في علم التفسير والحديث واستخراج المعارف منها لكثير جداً، لم نطرق أبوابها طلباً للاختصار، وإنّ المقصود بيان نقطة باء البسملة، فتدبّر.

٣٩

من معالم البسملة


لقد وردت في أخبارنا المروية عن النبي الأكرم وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) أنّه: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»، كما أنّ البسملة من الفاتحة، هذا ما اتّفق عليه المسلمون.

روى الصدوق، بإسناده، في أماليه والعيون، عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، أنّه قال: «إنّ بسم اللّه الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب، وهي سبع آيات، تمامها ببسم اللّه الرحمن الرحيم، سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ قال لي: يا محمد {وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِيَ وَالقُرْآنَ العَظِيم}، فأفرد الامتنان عليّ بفاتحة الكتاب وجعلها بإزاء القرآن العظيم، وإنّ فاتحة الكتاب أشرف ما في كنوز العرش، وإنّ اللّه عزّ وجلّ خصّ محمداً وشرّفه بها، ولم يشرك معه فيها أحداً من أنبيائه ما خلا سليمان، فإنّه أعطاه منها بسم اللّه الرحمن الرحيم، ألا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت: {إنِّي اُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إنَّهُ مِنْ سُلَيْمان وَإنَّهُ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، ألا فمن قرأها معتقداً لموالاة محمد وآله الطيبين، منقاداً لأمرهما، مؤمناً بظاهرهما وباطنهما، أعطاه اللّه عزّ وجلّ بكلّ حرف منها حسنة، كلّ واحدة منها أفضل له من الدنيا بما فيها من أصناف أموالها وخيراتها، ومن استمع إلى قارىء يقرأها كان له قدر ثلث ما للقارىء، فليستكثر أحدكم من هذا الخير المعرض لكم، فإنّه غنيمة لا يذهبنّ أوانه فتبقى في قلوبكم الحسرة».

وروى القمّي في تفسيره، عن ابن اُذينة، قال: قال أبو عبد اللّه الإمام الصادق (عليه السلام): بسم اللّه الرحمن الرحيم، أحقّ ما أجهر به، وهي الآية التي قال

٤٠