×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي المرتضى (عليه السلام) نقطة باء البسملة / الصفحات: ٤١ - ٦٠

اللّه عزّ وجلّ: {وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُوراً}(١).

وقد أفتى الفقهاء باستحباب الجهر بالبسملة في الصلاة الاخفاتية ووجوبه في الجهرية، وقيل بوجوبه مطلقاً، والجهر بها في غيرها، وفيها: من علامات المؤمن، كما ورد في الخبر الشريف.

فالبسملة جزء من فاتحة الكتاب، هذا ما اتّفق عليه أهل القبلة، وأمّا في غيرها من السور إلاّ سورة البرائة فإنّها عند الشيعة الإمامية جزء من كلّ سورة، كما ورد في الروايات. وقال الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان): «عندنا بسم اللّه آية من الحمد ومن كلّ سورة». وقال الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان): «اتّفق أصحابنا أنّها آية من سورة الحمد ومن كلّ سورة، وإنّ من تركها في الصلاة بطلت صلاته، سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلا، وأنّه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة، ويستحبّ الجهر فيما يخافت فيه بالقراءة».

روى العياشي في تفسيره، عن علي (عليه السلام) أنّه بلغه أنّ اُناساً ينزعون بسم اللّه الرحمن الرحيم، فقال: هي آية من كتاب اللّه أنساهم إيّاها الشيطان.

وبإسناده، عن أبي جعفر الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: سرقوا أكرم آية في كتاب اللّه: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}.

فأبناء العامة لا يقرأون البسملة في حمدهم في الصلاة، على أنّهم يقرأونها بنيّة الدعاء، زاعمين أنّها تشتمل على ذلك، وبعضهم يخفت فيها.

ثمّ في معنى باء البسملة، أقوال:

١ ـ للاستعانة، كما هو المشهور، أي: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} أقرأ أو أكتب

١- سورة الإسراء، الآية ٤٦.

٤١
وأعمل واُريد وأقول وغير ذلك من الاُمور مستعيناً به عزّ وجلّ. وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): {بِسْمِ اللّهِ} أي: أستعين على اُموري كلّها باللّه.

٢ ـ للإلصاق، على أنّ المقصود من العلوم كلّها هو وصول العبد إلى ربّه، وأنّ العلوم في القرآن الكريم، وما في القرآن إنّما هو في الفاتحة، وعلومها مندرجة في البسملة، وما فيها في بائها، فالعبد بها يصل إلى ربّه، وهو نهاية المنى.

٣ ـ للمصاحبة والملابسة، أي كلّ ما أفعله إنّما هو ملابساً بسم اللّه الرحمن الرحيم.

وفي لفظ الجلالة (اللّه) أقوال:

١ ـ إنّه ليس بمشتقّ، وإنّما هو اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال، وهو المشهور، وقد مرّ علينا بعض التحقيق في هذا الباب.

٢ ـ عن ابن عباس: هو الذي يألهه كلّ شيء، ويعبده كلّ خلق، وهو ذو الاُلوهية والمعبودية على الخلق أجمعين، بناءً على اشتقاقه من أله بمعنى: عبد.

٣ ـ عن المبرّد: إنّه مشتقّ من أله بمعنى: سكن، فإنّ النفوس لا تسكن إلاّ إليه، وإنّ العقول لا تقف إلاّ لديه، ألا بذكر اللّه تطمئنّ القلوب.

٤ ـ إنّه مشتقّ من وله، وهو ذهاب العقل وتحيّره في كنه ذاته وجلاله وعظمته.

٥ ـ إنّه مشتقّ من لاه بمعنى: ارتفع; لأنّه جلّ وعلا ارتفع عن مشابهة كلّ شيء سواه.

٦ ـ إنّه مشتقّ من لاه بمعنى: احتجب; لأنّه تعالى بكنه صمديته محتجب عن العقول لكمال ظهوره.

٧ ـ إنّه مشتقّ من أله الفصيل إذا ولع باُمّه; فإنّ العباد إذا مسّهم الضرّ

٤٢
مولعون منيبون بالتضرّع إليه، وهناك أقوال اُخرى بعيدة(١)، وذكرنا ما قاله العلاّمة الطباطبائي في تفسيره حول الاسم واسم الجلالة والرحمن الرحيم، وفيهما أقوال اُخرى لم نتعرّض لها طلباً للاختصار.

واعلم أنّ البسملة من كلمات اللّه المقدّسة وأذكاره الروحانية التي لها آثار وخواصّ في تربية النفوس البشرية من التزكية والفلاح والصلاح، ويطرد بها الشيطان الرجيم والنفاق، وإنّ اسم اللّه الأعظم أقرب إليها من سواد العين إلى بياضها، فهي شعار المسلمين وكلمة المعتصمين ومقالة المتحرّزين، يستفتحون بها أقوالهم وأعمالهم ويتبرّكون بها في سائر أفعالهم، وإنّها من سنّة الأنبياء ولا سيما خاتم المرسلين والنبيّين محمد (صلى الله عليه وآله)، بها تفتح سور القرآن، وتكون الأعمال مباركة لو قرنت بالبسملة، بل لو لم يذكر اسم اللّه على الذبيحة فإنّها تكون ميتة ويحرم أكلها، فما لم يذكر عليه اسم اللّه يكون بحكم الميتة يضرّ الروح والجسد، وعند أهل المعرفة وأولياء اللّه كلّ شيء لم يذكر عليه اسم اللّه، فإنّه يضرّ بالروح ويكون لها بحكم الميتة، والإمام السجّاد يستغفر اللّه من كلّ لذّة ليس فيها اسم اللّه {قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}(٢).

فنستعين عند افتتاح كلّ أمر صغير أو كبير باللّه الذي وسعت رحمته كلّ شيء، حتّى الكافر في الدنيا، وخصّت رحمته بالمؤمنين المتّقين المحسنين في الدنيا والآخرة.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): إنّ اللّه منّ عليّ بفاتحة الكتاب من كنز الجنّة فيها:

١- تفسير البصائر ١: ١١٩.

٢- سورة الأعلى، الآية ١٤ ـ ١٥.

٤٣
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، الآية التي يقول فيها: {وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُوراً}.

وفي توحيد الشيخ الصدوق، بإسناده، عن الحسن بن محمد (عليه السلام)، في قول اللّه عزّ وجلّ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فقال: اللّه هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من كلّ مَن دونه وتقطّع الأسباب عن جميع ما سواه، يقول: بسم اللّه أي أستعين على اُموري كلّها باللّه الذي لا يحقّ العبادة إلاّ له المغيث إذا استُغيث، المجيب إذا دُعي.

قام رجل إلى عليّ بن الحسين (عليه السلام)، فقال: أخبرني ما معنى {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}؟ فقال الإمام علي بن الحسين: حدّثني أبي، عن أخيه الحسن، عن أبيه أمير المؤمين (عليه السلام) أنّ رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} ما معناه؟ فقال: إنّ قولك (اللّه) أعظم اسم من أسماء اللّه عزّ وجلّ، وهو الاسم الذي لا ينبغي أن يسمّى به غير اللّه، ولم يتسمّ به مخلوق، فقال الرجل: فما تفسير قوله (اللّه)؟ فقال: هو الذي يتألّه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع مَن دونه وتقطّع الأسباب من كلّ ما سواه. وذلك أنّ كلّ مترأّس في هذه الدنيا ومتعظّم فيها، وإن عظم غناؤه وطغيانه وكثرت حوائج مَن دونه إليه، فإنّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى اللّه عند ضرورته وفاقته، حتّى إذا كفى همّه عاد إلى شركه. أما تسمع اللّه عزّ وجلّ: {قُلْ أرَأيْتَكُمْ إنْ أتاكُمْ عَذابُ اللّهِ أو أتَتْكُمُ السَّاعَةُ أغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وَتَنْسُونَ ما تُشْرِكُونَ}، فقال اللّه جلّ جلاله لعباده: أيّها الفقراء إلى رحمتي، إنّي قد ألزمتكم الحاجة إليّ في كلّ حال، وذلّة العبودية في كلّ وقت، فإليّ فافزعوا

٤٤
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ٤٥ - ص ٥٧)

٤٥
{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وإن كان بعده شعر.

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اكتب {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} من أجود كتابك، ولا تمدّ الباء حتّى ترفع السين.

وقال (عليه السلام): احتجبوا من الناس كلّهم بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، و بـ {قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدْ}، اقرأها عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك، وإذا دخلت على سلطان جائر فاقرأها حين تنظر إليه ثلاث مرّات واعقد بيدك اليسرى ثمّ لا تفارقها حتّى تخرج من عنده.

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): من حزنه عن أمر يتعاطاه فقال: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} وهو يخلص للّه ويُقبل بقلبه إليه، لم ينفكّ من إحدى اثنتين: إمّا بلوغ حاجته في الدنيا، وإمّا تعدّ له عند ربّه وتدّخر لديه، وما عند اللّه خير وأبقى للمؤمنين.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديث طويل، قال: لربما ترك بعض شيعتنا في افتتاح أمره {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فيمتحنه اللّه عزّ وجلّ بمكروه ينبّهه على شكر اللّه تبارك وتعالى والثناء عليه ويمحق عنه وصمة تقصيره عند تركه قول {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}.

وعنه (عليه السلام): {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}; اسم اللّه الأكبر ـ أو قال: ـ الأعظم.

وفي (تهذيب الأحكام) بسنده، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم هي الفاتحة؟ قال: نعم، قلت: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} من السبع المثاني؟ قال: نعم، هي أفضلهنّ.

وعن عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}؟ فقال: الباء بهاء اللّه، والسين سناء اللّه، والميم مجد اللّه، وروى بعضهم

٤٦
ملك اللّه، واللّه إله كلّ شيء، والرحمن بجميع خلقه، والرحيم بالمؤمنين خاصّة(١).

وعن النبيّ الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، قال: من قرأ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}كتب اللّه له بكلّ حرف أربعة آلاف حسنة، ومحى عنه أربعة آلاف سيئة، ورفع له أربعة آلاف درجة.

وقال: إذا قال العبد عند منامه: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، يقول اللّه: ملائكتي اكتبوا نَـفَسَهُ إلى الصباح.

وسئل النبي: هل يأكل الشيطان مع الإنسان؟ فقال: نعم، كلّ مائدة لم يذكر بسم اللّه عليها يأكل الشيطان معهم، ويرفع اللّه البركة عنها، ونهى عن أكل ما لم يذكر عليه بسم اللّه، كما قال اللّه تعالى في سورة الأنعام: {وَلا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اسْمُ اللّهِ عَلَيْه}.

في لطائف الإشارات: إنّ شجرة الوجود تضرّعت عن البسملة والعالم كلّه قائم بها.

في رواية، عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: إنّ البسملة في كتاب اللّه تعالى كالمفتاح للأبواب، فكما لا يمكن فتح القفل إلاّ بالمفتاح، كذلك البسملة لا يدخل في قراءة كلام اللّه المجيد إلاّ بها، ثمّ قال:


بسم اللّه مفتتح الكلاموبسم اللّه شافية السقام

في إحقاق الحقّ، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: البسملة تيجان السور.

في الدرّ المنثور، عن أبي مالك، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يكتب: باسمك اللّهم، فلمّا نزلت: {إنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإنَّهُ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، كتب {بِسْمِ اللّهِ

١- الروايات من تفسير نور الثقلين ١: ٧ ـ ١٢.

٤٧
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}.

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، عن اللّه تعالى: كلّ أمر ذي بال ما لم يذكر فيه بسم اللّه فهو أبتر(١).

وروى الكليني في الكافي، بإسناده، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): إذا وضعت المائدة حفّتها أربعة آلاف ملك، فإذا قال العبد: بسم اللّه، قالت الملائكة: بارك اللّه عليكم في طعامكم، ثمّ يقولون للشيطان: اُخرج يا فاسق، لا سلطان لك عليهم، فإذا فرغوا فقالوا: الحمد للّه، قالت الملائكة: قوم أنعم اللّه عليهم فأدّوا شكر ربّهم، وإذا لم يسمّوا قالت الملائكة للشيطان: اُدنُ يا فاسق فكل معهم، فإذا رفعت المائدة ولم يذكروا اسم اللّه عليها قالت الملائكة: قوم أنعم اللّه عليهم فنسوا ربّهم عزّ وجلّ.

وبإسناده، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): ما من رجل يجمع عياله ويضع مائدة بين يديه ويسمّي ويسمّون في أوّل الطعام ويحمدون في آخره فترفع المائدة، حتّى يغفر لهم.

وروى الحميري في (قرب الإسناد)، بإسناده، عن الإمام الباقر (عليه السلام): أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: مَن أكل طعاماً فسمّى اللّه على أوّله وحمد اللّه على آخره لم يُسئل عن نعيم ذلك الطعام كائناً ما كان ـ أي قليلا كان أو كثيراً، لذيذاً أم غيره ـ.

وفي (الخصال)، بإسناده، عن علي (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): الطعام إذا جمع أربع خصال فقد تمّ: إذا كان من حلال، وكثرت الأيدي عليه،

١- الروايات من تفسير البصائر ١: ٢٢٣.

٤٨
وسمّي اللّه تبارك وتعالى في أوّله، وحمد في آخره.

وفي (المحاسن)، عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، أنّه قال: ضمنت لمن سمّى اللّه تعالى على طعامه أن لا يشتكي منه، فقال ابن الكوّاء ـ وكان من المنافقين ـ: يا أمير المؤمنين، لقد أكلت البارحة طعاماً فسمّيت عليه فآذاني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أكلت ألواناً فسمّيت على بعضها ولم تسمّ على كلّ لون يا لكع. ـ اللكع: أي اللئيم والعبد والأحمق ومَن لا يتّجه لمنطق وغيره ـ.

وفي (الدرّ المنثور)، عن ابن عبّاس، عن النبيّ، قال: قال إبليس: يا ربّ، كلّ خلقك بيّنت رزقه، ففيم رزقي؟ قال: فيما لم يذكر اسمي عليه.

وروى البرقي في محاسنه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إذا توضّأ أحدكم ولم يسمّ كان للشيطان في وضوئه شرك، وإن أكل أو شرب أو لبس، وكلّ شيء صنعه ينبغي أن يسمّي عليه، فإن لم يفعل كان للشيطان فيه شرك.

فينبغي لكلّ مسلم في كلّ عمل وفعل وحركة وسكون وقول وكلام أن يبدأ بالبسملة لطرد الشيطان وحزبه ووسوسته، فإنّ ما يذكر عليه اسم اللّه يكون مصوناً من شراك الشيطان الرجيم الذي أقسم بعزّة اللّه في إغواء البشرية {لاَغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ إلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلِصِين}، وقال اللّه تعالى: {وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَاجْلُبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ في الأمْوالِ وَالأوْلادِ}(١).

وقد ورد في الأحاديث الشريفة أنّه مَن لم يسمّ باللّه عند المقاربة والجماع

١- سورة الإسراء، الآية ٦٤.

٤٩
فإنّ الشيطان يشاركه في الولد(١)، يعني أنّ الولد يكون فيه الشيطنة وعمل السوء وربما يكون من الجناة العصاة. ومن لم يذكر اللّه على كلّ حال فإنّ له عواقب سيئة، واللّه سبحانه يقول: {وَمَنْ يَعْش عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِين وَإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيل}(٢).

فكيف يسعد من كان الشيطان صاحبه وقرينه؟ وكيف يصدر منه الخير والشيطان يوحي إليه الشرور {إنَّما الشَّياطِينُ يُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ}، وكيف تكون له حياة طيبة وعيشة راضية مرضية واللّه يقول: {وَمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ عِيشَةً ضَنْكاً}(٣).

وقال الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله): «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ بالبسملة فهو أبتر»; أي: مقطوع الأثر لا بركة فيه ولا خير مستمرّ ومستقرّ.

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): بسم اللّه فاتقة للرتوق، مسهّلة للوعور، مجنّبة للشرور، وشفاء لما في الصدور.

ومن المتعارف عند الناس أنّ الخادم لو اشترى شيئاً من الخيل والحمير

١- في الرواية: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): إذا توضّأت فقل: بسم اللّه; فإنّ حفظتك لا تبرح أن تكتب لك الحسنات حتى تفرغ، وإذا غشيت أهلك فقل: بسم اللّه; فإنّ حفظتك يكتبون لك الحسنات حتى تغتسل من الجنابة، فإن حصل من تلك الواقعة ولد، كتب لك من الحسنات بعدد نفس ذلك الولد، وبعدد أنفاس أعقابه إن كان له عقب حتى لا يبقى منهم أحد. وإذا ركبت دابّة فقل: بسم اللّه والحمد للّه يكتب لك الحسنات بعدد كلّ خطوة. وإذا ركبت السفينة فقل: بسم اللّه والحمد للّه يكتب لك الحسنات حتى تخرج منها.

٢- سورة الزخرف، الآية ٣٦.

٣- سورة طه، الآية ١٢٤.

٥٠
يضع عليها سمة سيده; لئلاّ يطمع فيها الأعداء. والإنسان له عدوّ لدود وهو الشيطان، فكلّ ما ليس عليه سمة سيد الإنسان وربّه ـ وهو اللّه سبحانه ـ فإنّ الشيطان يطمع فيه، فإذا أخذت بعمل فاجعل عليه اسم اللّه وسمته، وقل بسم اللّه الرحمن الرحيم; حتّى لا يطمع فيك عدوّك الشيطان.

وفي تفسير فخر الرازي: مرض موسى (عليه السلام) واشتدّ وجع بطنه، فشكى إلى اللّه تعالى، فدلّه على عشب في المفازة، فأكل منه، فعوفي بإذن اللّه تعالى، ثمّ عاوده ذلك المرض في وقت آخر، فأكل ذلك العشب، فازداد مرضه، فقال: يا رب، أكلته أوّلا فانتفعت به وأكلته ثانياً فازداد مرضي! فقال: لأنّك في المرّة الاُولى ذهبت منّي إلى الكلأ فحصل فيه الشفاء، وفي المرّة الثانية ذهبت منك إلى الكلأ فازداد المرض، أما علمت أنّ الدنيا كلّها سمّ قاتل وترياقها اسمي.

وفي رواية: أنّ قيصر الروم ابتلي بالصرع، فعجز الأطباء عن معالجته، فكتب إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فأرسل علي (عليه السلام) طاقية، وقال: لا بدّ وأن تضع هذه على رأسه فيشفى، فلمّا وضعها القيصر على رأسه شُفي، فتعجّب من ذلك وأمر بشقّها فرأى فيها قرطاساً كتب فيه: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فعلم أنّ الشفاء ببركة البسملة.

إنّ اللّه أمر عباده أن يذكروه على كلّ حال، فإنّ ذكره حسن يوجب الفلاح والصلاح والتقوى وسعادة الدارين {وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(١)، ومَن يذكر اللّه يحصل له حالة الفناء في اللّه، ثمّ البقاء بعد الفناء، والصحو بعد المحو.

وما أروع ما يقوله الإمام السجّاد (عليه السلام) في مناجاته (مناجاة الذاكرين):

١- سورة الأنفال، الآية ٤٥.

٥١
«إلهي لولا الواجب من قبول أمرك لنزّهتك من ذكري إيّاك على أنّ ذكري لك بقدري لا بقدرك، وما عسى أن يبلغ مقداري حتّى اُجعل محلاّ لتقديسك، ومن أعظم النعم علينا جريان ذكرك على ألسنتنا وإذنك لنا بدعائك وتنزيهك وتسبيحك، إلهي فألهمنا ذكرك في الخلاء والملاء والليل والنهار والإعلان والإسرار وفي السرّاء والضرّاء، وآنِسنا بالذكر الخفي، واستعملنا بالعمل الذكي والسعي المرضيّ، وجازنا بالميزان الوفي، إلهي بك هامت القلوب الوالهة، وعلى معرفتك جمعت العقول المتباينة، فلا تطمئنّ القلوب إلاّ بذكراك، ولا تسكن النفوس إلاّ عند رؤياك. أنت المسبّح في كلّ مكان، والمعبود في كلّ زمان، والموجود في كلّ أوان، والمدعوّ بكلّ لسان، والمعظّم في كلّ جنان. وأستغفرك من كلّ لذّة بغير ذكرك، ومن كلّ راحة بغير اُنسك، ومن كلّ سرور بغير قربك، ومن كلّ شغل بغير طاعتك. إلهي أنت قلت ـ وقولك الحقّ ـ: {يا أيُّها الذِّينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأصِيلا}، وقلت ـ وقولك الحقّ ـ: {فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمُ}، فأمرتنا بذكرك ووعدتنا عليه أن تذكرنا تشريفاً لنا وتفخيماً وإعظاماً، وها نحن ذاكروك كما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا يا ذاكر الذاكرين، ويا أرحم الراحمين».

نعم، إنّ اللّه سبحانه يريد بالإنسان تفخيماً له، {وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ}، وتكريماً لمقامه، فإنّ فيه من روحه، {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}، يريد بنا أن نذكره دائماً وعلى كلّ حال، حتّى تحلّق أرواحنا بالملأ الأعلى، وتتّصل أعمالنا بالملكوت، فتستسقي من الينابيع الإلهية الفيّاضة جميع الكمالات والفضائل والمكارم، التي يكون الإنسان بها إنساناً كاملا، يدنو من ربّه دنوّاً وقرباً معنوياً قاب قوسين أو أدنى.

فمن يذكر اللّه بإخلاص ينجذب إلى ربّه، ويتعلّق به، وتكون الرابطة المعنوية

٥٢
الروحية القلبية بين العبد والمعبود، يشعر به من اتّخذ التقوى شعاراً له، ولم يفتر عن ذكر اللّه بلسانه وجوانحه وجوارحه، فينشرح صدره بنور الإيمان الذي يمنّ اللّه به على من يذكره، ولم يقسَ قلبه بالآثام والمعاصي والذنوب، كما قال سبحانه: {أفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ اُولئِكَ في ضَلال مُبِين}(١).

{لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالقاسِيَة قُلُوبُهُمْ وانَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاق بَعِيد}(٢).

فمن يبتعد عن ذكر اللّه ونسى اللّه فإنّه يغفل عن نفسه وينسى نفسه: {نَسُوا اللّهَ فَأنْساهُمْ أنْفُسَهُمْ}، فيُبتلى بالمعاصي والذنوب ويقسو قلبه ويكون كالحجارة أو أشدّ قسوة، قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَة}(٣).

فعلينا أن نذكر اللّه على كلّ حال وفي جميع الأحوال، وإنّ من أفضل الذكر: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}.

وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): «لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات والأرض». وقال: «لولا هيام الشياطين على قلوبكم لسمعتم ما أسمع ولرأيتم ما أرى».

وليس للشيطان سبيل على الذاكرين المتوكّلين العابدين، قال اللّه تعالى:

١- سورة الزمر، الآية ٢٢.

٢- سورة الحجّ، الآية ٥٣.

٣- سورة البقرة، الآية ٧٤.

٥٣
{فَإذا قَرَأتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الذِّينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الذِّين يَتَوَلَّوْنَهُ وَالذِّينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ}(١).

{وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً}(٢)، ومن يعش عن ذكر اللّه يقيّض له شيطاناً فهو له قرين، ويصدّنه عن السبيل وعن ذكر اللّه، فلا يرى الحقّ ولا يؤمن باللّه ورسله وكتبه واليوم الآخر وساء مصيراً.

فالشيطان عدوّ الإنسان بصريح القرآن، والذي يخلّصنا من شرّه وكيده وحزبه وأعوانه ومكره وحيله هو ذكر اللّه وإطاعته، فإياك نعبد وإياك نستعين، وشعارنا ودثارنا في كلّ حال {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

قال العلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية في تفسيره(٣): بسم اللّه الرحمن الرحيم: هذه الكلمة المقدّسة شعار مختصّ بالمسلمين، يستفتحون بها أقوالهم وأعمالهم، وتأتي من حيث الدلالة على الإسلام بالمرتبة الثانية من كلمة الشهادتين: لا إله إلاّ اللّه، محمد رسول اللّه، أمّا غير المسلمين فيستفتحون باسمك اللّهمَّ، وباسمه تعالى، أو باسم المبدىء المعيد، أو باسم الأب والإبن وروح القدس، ونحو ذلك. وتحذف الهمزة من لفظة (بسم) نطقاً وخطاً في البسملة لكثرة الاستعمال، وتحذف الهمزة نطقاً لا خطاً في غير البسملة نحو سبّح باسم ربّك الأعلى. ولفظ الجلالة (اللّه) علم للمعبود والذي يوصف بجميع صفات الجلال والكمال،

١- سورة النحل، الآيات ٩٨ ـ ١٠٠.

٢- سورة النساء، الآية ٣٨.

٣- الكاشف ١: ٢٤.

٥٤
ولا يوصف به شيء، وقيل: إنّ للّه إسماً هو الاسم الأعظم وإنّ الذي يعرفه تفيض عليه الخيرات، وتقع على يده المعجزات. ونحن نؤمن ونعتقد بأنّ كلّ اسم للّه هو الاسم الأعظم; لأنّه كلّه عظيم، لأنّ التفضيل لا يصحّ إطلاقاً، لعدم وجود طرف ثان تسوغ معه المفاضلة... وبكلمة إنّ المفاضلة تستدعي المشاركة وزيادة... والذي ليس كمثله شيء لا يشاركه أحد في شيء.

ولكن ربما نقول جواباً بأنّ التفضيل ليس باعتبار المسمّى، إنّما هو باعتبار الاسم ولفظة الجلالة (اللّه) أعظم من بقية أسماء اللّه; لأنّه يدلّ على الذات المستجمع لجميع الصفات الكمالية كالعلم والقدرة والحياة، بخلاف اسم العالم فإنّه يدلّ على الذات ولكن باعتبار العلم، والذي ليس كمثله شيء لا يشاركه أحد في شيء إنّما هو في ذاته وواجب وجوده لذاته، فتأمّل.

ثمّ قال: والرحمن في الأصل وصف مشتقّ من الرحمة، ومعناها بالنسبة إليه تعالى الاحسان، وبالنسبة إلى غيره معناها رقة القلب، ثمّ شاع استعمال الرحمن في الذات القدسية حتّى صار من أسماء اللّه الحسنى. قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللّهَ أوِ الرَّحْمنَ أيَّا مّا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى}، وعلى هذا فلك أن تعرب لفظة الرحمن صفة للّه بالنظر إلى الأصل، ولك أن تجعلها بدلا بالنظر إلى النقل.

الرحيم أيضاً وصف مشتقّ من الرحمة بمعنى الاحسان بالنسبة إليه جلّ وعزّ، وفرّق أكثر المفسّرين أو الكثير منهم بين لفظة الرحمن ولفظة الرحيم بأنّ الرحمن مشتقّ من الرحمة الشاملة للمؤمن والكافر، والرحيم من الرحمة الخاصة بالمؤمن، وفرّعوا على ذلك أن تقول: يا رحمن الدنيا والآخرة، وأن تقول: يا رحيم الآخرة فقط دون الدنيا... أمّا أنا فأقول: يا رحمن يا رحيم الدنيا والآخرة {أهُمْ يُقَسِّمُونَ

٥٥
رَحْمَةَ رَبِّكَ}(١).

ولكن نقول للشيخ: إنّ القرآن يفسّر بعضه بعضه، كما إنّ الروايات ترجمان القرآن، وهذا التقسيم في الرحمة العامة والخاصة إنّما هو باعتبار المؤمن والكافر لا باعتبار الدنيا والآخرة، نعم، إنّما يرحم اللّه عباده برحمته العامة الشاملة للمؤمن والكافر في الدنيا، فإنّ الكافر بعيد عن رحمة اللّه وإنّ له عذاب وبئس المصير، وأمّا المؤمن المتّقي والمحسن فإنّ رحمة اللّه الخاصة قريب منه في الدنيا والآخرة، فاللّه سبحانه رحمن رحيم في الدنيا والآخرة للمؤمنين كما ورد في الدعاء الشريف: يا رحمن يا رحيم الدنيا والآخرة، كما إنّ هذا التقسيم ورد في رواياتنا أيضاً، فتأمّل.

ثمّ قال: ومعنى {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} بجملة أنّك قد ابتدأت عملك مستعيناً باللّه الذي وسعت رحمته كلّ شيء مسجّلا على نفسك أنّ ما تفعله هو باسم اللّه لا باسمك أنت، ولا باسم أحد سواه، تماماً كما يقول موظف الدولة للرعايا: باسم الدولة عليكم كذا وكذا... وإنّ عملك الذي باشرت هو حلال لا شائبة فيه لما حرّم اللّه... فإن كان حراماً، وفعلته باسم اللّه فقد عصيت مرتين في آن واحد، وفعل واحد: مرّة لأنّه حرام بذاته، ومرّة لأنّك كذبت في نسبته إلى اللّه تعالى علوّاً كبيراً.

والبسملة جزء من السورة عند الشيعة الإمامية... وقد أوجبوا الجهر بها فيما يجب الجهر فيه بالقراءة كصلاة الصبح واُوليي المغرب والعشاء، ويستحبّ الجهر بها فيما يخافت فيه بالقراءة، كاُوليي الظهر والعصر ويجوز الاخفات.

١- سورة الزخرف، الآية ٣٢.

٥٦
وقال الحنفية والمالكية: يجوز ترك البسملة في الصلاة كلّية، لأنّها ليست جزءاً من السورة... وقال الشافعية والحنابلة: بل هي جزء لا تترك بحال، سوى أنّ الحنابلة قالوا: يُخفت بها إطلاقاً، وقال الشافعية: يجهر بها في الصبح واُوليي العشائين وما عدا ذلك إخفات... ويتّفق قول الشافعية والحنابلة مع قول الإمامية.

وتجمل الإشارة إلى أنّ اسم اللّه سبحانه وصفاته تتألّف من هذه الحروف وتلفظ وتكتب كغيرها من الكلمات، ومع هذا لها قدسية وأحكام خاصّة بها، فلا يجوز أن يكتب شيء منها على ورق أو غيره أو بمداد أو قلم نجس، وأيضاً لا يجوز مسّها إلاّ للمطهّرين.

وقال قائل: إنّ سورة الفاتحة تضمّنت جميع معاني القرآن دون استثناء، وإنّ البسملة تضمّنت جميع معاني الفاتحة، وإنّ الباء من البسملة تضمّنت جميع معاني البسملة، وبالتالي تكون الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} فيها معاني القرآن بكامله. وهذا القائل أشبه بمن يحاول أن يدخل الكون بأرضه وسمائه في البيضة دون أن تكبر البيضة أو يصغر الكون...

والعجب من الشيخ كيف يعجب من ذلك، وإذا لم يكن من أهل هذا المعنى ولم يتحمّله، فإنّه من الأمر الصعب المستصعب، فلماذا هكذا ينكره، أما كان الأولى أن يرجع علمه إلى أهله.

أليس هو القائل في وجه تسمية سورة الحمد باُمّ الكتاب: «... ولأنّها اشتملت على أصلين: ذكر الربوبية والعبودية، وعليهما ترتكز تعاليم القرآن»(١)،

١- الصفحة: ٣٢.

٥٧
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ٥٨ - ص ٧٠)

٥٨
إلى القارىء من حيث لا يشعر أنّ هذا من أساطير الأوّلين بقوله: «قال قائل»، والحال كثير من المفسّرين الذين رجعت إلى تفاسيرهم يذكرون هذا المعنى بأنّ القرآن جمعت معارفه في سورة الحمد، حتّى الكاتب اعترف بذلك كما ذكرته لك.

ثمّ قال في تحديد الإسلام بكلمة واحدة، وكيف يحدّد الإسلام بكلمة واحدة ولا يكون أشبه بمن يحاول أن يدخل الكون بأرضه وسمائه في البيضة دون أن تكبر البيضة أو يصغر الكون؟ ثمّ كيف يحدّد الاسلام بالاستقامة، والقرآن لا يحدّد به؟ والحال أنّ القرآن هو كتاب الإسلام ومصدر تشريعه الأوّل، وهناك الجناح الثاني والثقل الآخر للإسلام، وهو السنّة المتمثّلة بقول المعصوم (عليه السلام) وفعله وتقريره، فكيف يحدّد الإسلام ـ الكتاب والسنّة ـ بكلمة واحدة ولا يحدّد جزئه بكلمة واحدة؟ أليس هذا من التهافت؟ ولو كان ما قاله (قدس سره) من عند اللّه، لما كان فيه اختلافاً، فإنّ الحقيقة نقطة كثّرها الجاهلون، وعلى كلّ حال فيقول في تحديد الإسلام بكلمة واحدة.

قرأت في جريدة الجمهورية المصرية ـ تأريخ ٢١ نيسان سنة ١٩٦٧ ـ كلمة قال كاتبها ضياء الريّس: إنّه قرأ مقالا في مجلة أدبية لكاتب عربي شهير، قال فيه: إنّه ـ أي الكاتب ـ حين كان عضواً في البعثة العلمية بإنگلترا اشتبك في نقاش حادّ مع انگليزية مثقفة حول الإسلام والمسيحية، فقالت الانگليزية ـ متحدية جميع المسلمين بشخص الكاتب المسلم ـ إنّي اُلخّص مبادىء المسيحية كلّها بكلمة واحدة، وهي المحبّة، فهل تستطيع أنت ـ أيّها المسلم ـ أن تأتي بكلمة تجمع مبادىء الإسلام؟ فأجابها الكاتب المسلم: أجل إنّها كلمة التوحيد.

وبعد أن نقل الريّس هذا الحوار قال: لم يكن الجواب موفّقاً، وذكر أسباباً

٥٩
وجيهة وصحيحة تدعم حكمه على الكاتب بعدم التوفيق، وبعد أن انتهى الريّس من حكمه وأسبابه الموجبة، قال: لو وجّه إليّ هذا السؤال لأجبت بأنّ هذه الكلمة هي الرحمة، واستدلّ على صحّة جوابه هذا بالعديد من الآيات والروايات مبتدئاً بـ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، إلى {وَما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ}... الخ. وصدق الريّس في قوله: إنّ الكاتب لم يكن موفّقاً في جوابه. ولكن الريّس أيضاً لم يكن موفّقاً في اختياره كلمة الرحمة، لأنّه لم يزد شيئاً على ما قالته الإنگليزية، حيث أخذ كلمة المحبّة منها، وترجمها إلى كلمة الرحمة، وعلى هذا لا يكون للإسلام أية ميزة على المسيحية.

ولو كنت حاضراً مع البعثة العلمية بإنگلترا لأجبت بكلمة (الاستقامة); فإنّها الكلمة الجامعة المانعة الشاملة للاستقامة في العقيدة بما فيها التوحيد والتنزيه عن الشبيه، وأيضاً تشمل الاستقامة في الأعمال والأخلاق والأحكام وجميع التعاليم بما فيها الرحمة والمحبّة والتعاون، إنّ الرحمة من مبادىء الإسلام وليست الإسلام بكامله، كما إنّ التوحيد أصل من اُصوله لا اُصوله بأجمعها.

وبما أنّ الاستقامة تجمع المحبّة والرحمة والتوحيد وسائر الاُصول الحقّة والأعمال الخيرية والأخلاق الكريمة المستقيمة...

يعتقد الكاتب أنّ الاستقامة هي الكلمة الجامعة المانعة، فكأنّما أراد أن يعرّف الإسلام بتمام ماهيته وذاتياته بالاستقامة التي تكون جامعة لمفاهيم الإسلام ومانعة من غيرها، والحال إنّما عرف الإسلام بلازمه، وهذا من الرسم الناقص وليس تعريفاً تاماً، بل بنظري الكلمة الجامعة لمفاهيم الاسلام هو (التسليم)، التسليم في توحيد اللّه والتسليم للنبوّة والإمامة والمعاد والأخلاق وكلّ ما يقوله الإسلام وما جاء في مدارك أحكامه وقوانينه أي القرآن الكريم والسنّة الشريفة.

٦٠