×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي المرتضى (عليه السلام) نقطة باء البسملة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

ثمّ كلمة التوحيد لو كانت تامة وبشرطها وشروطها ومنها النبوّة والإمامة وما صدر عنهما فإنّه تمام الإسلام أيضاً، كما قال ذلك الكاتب المسلم في جواب المثقفة المسيحية، بل الإسلام هو الرحمة الإلهية واللطف الإلهي، فكلّ ما فيه إنّما منشأه الرحمة الرحمانية والرحيمية، وبهذا الاعتبار يكون الإسلام عبارة عن الرحمة كما قالها كاتب المقالة.

إلاّ أنّ حقيقة الإسلام وماهيته وذاتياته إنّما هو التسليم كما قال ذلك جدّي أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبه أحد قبلي ولا ينسبه أحد بعدي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو التصديق، والتصديق هو اليقين، واليقين هو الأداء، والأداء هو العمل».

وقال (عليه السلام): غاية الإسلام التسليم، وغاية التسليم الفوز بدار النعيم.

وقال الرسول الأكرم: الإسلام أن تسلّم وجهك للّه عزّ وجلّ، وأن تشهد أن لا إله إلاّ اللّه(١).

وقال (صلى الله عليه وآله): الإسلام حسن الخلق.

وهذا يعني أنّ الإسلام هو الرحمة والاستقامة وكلمة التوحيد، والجامع لكلّ مفاهيم الإسلام هو التسليم. وإذا كان الإسلام يجمعه ويحدّده كلمة واحدة، فلماذا لا يكون كلّ القرآن في فاتحته، وكلّ ما في الحمد واُمّ الكتاب في البسملة، وكلّ ما فيها في بائها، والإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) نقطة باء البسملة.

عزيزي القارىء:

ربما من خلال هذه المناقشة مع الشيخ المغنية (رحمه الله) أحسست بفتور وتضجّر،

١- المصدر، عن كنز العمّال، خ ٣٩.

٦١
وتراها من الحشو والذي لا طائل تحته، ومن القيل والقال الذي يبغضه اللّه سبحانه، كما ورد في الخبر الرضوي الشريف: «إنّ اللّه يبغض القيل والقال». فتعال معي لنحلّق في آفاق عرفانية مرّة اُخرى، ونعيش في سماء معالم سورة الحمد والبسملة، ونصغي إلى ما يقوله السيد الإمام الخميني (قدس سره) في كتابه القيّم (سرّ الصلاة) في الفصل السابع في القراءة (إشارة إجمالية إلى بعض أسرار سورة الحمد)، فقال:

إعلم أنّ أهل المعرفة يعتبرون (بسم اللّه) بسملة كلّ سورة متعلّقة بالسورة نفسها، وعليه يكون لبسملة كلّ سورة معنى غير ما لها للسورة الاُخرى، بل إنّ بسملة كلّ قائل تختلف عن غيرها في كلّ قول وفعل.

وتوضيح هذا المطلب على نحو الإجمال هو: إنّه قد ثبت ـ تحقيقياً ـ أنّ كلّ دار التحقّق من الغاية القصوى للعقول المهيمنة القادسة إلى منتهى النهاية لحذاء العالم الهيولاني والطبيعة، هو ظهور اسم اللّه الأعظم، ومظهر تجلّي المشيئة المطلقة وهي اُمّ الأسماء الفعلية كما قالوا: (ظهر الوجود ببسم اللّه الرحمن الرحيم)، فإذا لاحظنا كثرة المظاهر والتعيّنات، فإنّ كلّ اسم عبارة عن ظهور ذلك الفعل أو القول الذي يقع بعده.

والخطوة الاُولى لسير السالك إلى اللّه هو أن يفهم قلبه أنّ جميع التعيّنات ظاهرة باسم اللّه، بل إنّها جميعاً اسم اللّه، وفي هذه المشاهدة تختلف الأسماء وتتبع كلّ اسم وضيقه وإحاطته وعدم إحاطته، والمظهر والمرآة التي يظهر فيها.

واسم اللّه وإن كان مقدماً ـ بحسب أصل التحقّق ـ على المظاهر وهو مقوّمها وقيّومها، ولكنّه بحسب التعيّن متأخّراً عنها ـ كما هو مقرّر في محلّه ـ فإذا أسقط السالك الإضافات ورفض التعيّنات ووصل إلى بداية التوحيد الفعلي، تكون جميع السور والأقوال والأفعال (بسم اللّه) واحدة، ويكون للجميع معنىً واحد.

٦٢
وبحسب الاعتبار الأوّل، ليس هناك اسم أكثر جامعية وإحاطة من (بسم اللّه) في سورة الحمد، كما يظهر من الحديث المشهور المنسوب إلى مولى الموالي، ذلك لأنّ متعلّقه أكثر إحاطة من سائر المتعلّقات، مثلما يقول أهل المعارف من أنّ (الحمد) إشارة إلى العوالم الغيبية العقلية، وهي صرف الحمد للّه ومحامده، ولسان حمدها لسان الذات; وأنّ (ربّ العالمين) إشارة إلى ظهور اسم اللّه في مرآة الطبيعة بما يناسب مقام الربوبية حيث رجع النقص إلى الكمال والملك إلى الملكوت، وهذا مختصّ بجوهر عالم الملك.

والرحمانية والرحيمية من صفات الربوبية، و (مالك يوم الدين) إشارة إلى الرجوع المطلق والقيامة الكبرى، فإذا طلع صبح الأزل، وتجلّى نور الظهور الأحدي لقلب العارف في طلوع شمس يوم القيامة، يحصل للسالك الحضور المطلق، فيصدع بالمخاطبة الحضورية في محفل الاُنس ومقام المقدس بـ (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين).

فإذا صحا من الجذبة الأحدية وحصل «الصحو بعد المحو» يطلب ـ عندها ـ مقام الهداية في هذا السير إلى اللّه له ولمرافقيه.

إذن، فسورة (الحمد) هي سلسلة الوجود بكاملها، عيناً وعلماً وتحقّقاً وسلوكاً ومحواً وصحواً وإرشاداً وهداية.

والإسم المظهر لها هو اسم اللّه الأعظم والمشيئة المطلقة «فهو مفتاح الكتاب ومختامه (مختمه) وفاتحته وختامه» مثلما أنّ اسم اللّه هو الظهور والبطون والمفتاح والمختم {اللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالأرْضِ}.

فتفسير هذه السورة على ذوق (مسلك) أهل المعرفة هو بهذه الصورة:

بظهور اسم (اللّه) وهو مقام المشيئة المطلقة. والإسم الإلهي الأعظم

٦٣
والذي له مقام المشيئة الرحمانية ـ وهو بسط الوجود المطلق ـ والمشيئة الرحيمية ـ وهو بسط كمال الوجود (بظهور هذا الإسم) يكون «للّه» عالم الحمد المطلق وأصل المحامد ـ وهي من حضرة التعيّن الغيبي الأوّل إلى نهاية اُفق عالم المثال والبرزخ الأوّل ـ أي أنّه ثابت لمقام الاسم الجامع وهو (اللّه) وله مقام الربوبية وتربية العالمين وهو مقام السوائية وظهور الطبيعة.

ومقام الربوبية ظاهر بالرحمانية والرحيمية، والرحيمية هي الربوبية، حيث تبسط الفيض بالرحمانية في الموادّ المستعدّة، وتربّيها بظهور الرحيمية في المهد الهيولي وتوصلها إلى مقامها الخاصّ بها.

وذاك «مالك يوم الدين» الذي يقبض جميع ذرّات الوجود بقبضة المالكية، ويرجعها إلى مقام الغيب {كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ}(١)، وهذا هو تمام دائرة الوجود المذكور في {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} على نحو الإجمال، وفي «الحمد» بطريق التفصيل حيث هي خالصة للحقّ إلى {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} كما ورد في الحديث.

فإذا شاهد العبد السالك إلى اللّه بمرقاة «إقرأ وارقَ»(٢)، والعارج بمعراج «الصلاة معراج المؤمن» رجوع جميع الموجودات وفناء دار التحقّق في الحقّ، وتجلّى له الحقّ بالوحدانية، يقول عندئذ بلسان فطرة التوحيد {إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

ولأنّ نور فطرة الإنسان الكامل محيط بجميع الأنوار الجزئية; وعبادته وتوجّهه هو توجّه دار التحقّق يقول ذلك بصيغة الجمع «سبّحنا فسبّحت الملائكة،

١- سورة الأعراف، الآية ٢٩.

٢- اُصول الكافي ٤: ٤٠٨، كتاب فضل القرآن، باب فضل حامل القرآن، الحديث العاشر.

٦٤
وقدّسنا فقدّست الملائكة، ولولانا ما سبّحت الملائكة»(١).

وإذا قدّم السالك نفسه وإنّيته وأنانيّته بصورة كاملة للذات المقدّسة، ومحا ومحق كلّ ما عدا الحقّ، تشمله الألطاف الأزلية لمقام الغيب الأحديّ بالفيض الأقدس، وترجعه إلى نفسه، فيحصل له الصحو بعد المحو والرجع إلى مملكة نفسه بالوجود الحقّاني.

ولكونه وقع في الكثرة، يصبح خائفاً من الفراق والنفاق، فيطلب لنفسه الهداية، وهي الهداية المطلقة (لأنّ سائر الموجودات هي من أوراق وأغصان الشجرة المباركة للإنسان الكامل) إلى صراط الإنسانية المستقيم ـ وهو السير إلى الإسم الجامع والرجوع إلى حضرة اسم اللّه الأعظم ـ الخارج عن حدّي الإفراط والتفريط (المغضوب عليهم) و (الضالّين)، أو أن يطلب الهداية إلى مقام البرزخيّة وهو مقام عدم غلبة الوحدة على الكثرة ولا الكثرة على الوحدة، وهو الحدّ الوسط بين الاحتجاب عن الوحدة بحجاب الكثرة وهي مرتبة (المغضوب عليهم) وبين الاحتجاب عن الكثرة بالوحدة، وهو مقام (الضالّين) والمتحيّرين في جلال الكبرياء.

وصل:

روي في التوحيد عن الرضا (عليه السلام) حين سُئل عن تفسير البسملة، أنّه قال: «معنى قول القائل (بسم اللّه) أي: أسِمُ على نفسي سمة من سمات اللّه وهي العبادة».

١- عوالي اللآلي ٤: ١٢٢، عيون أخبار الرضا ١: ٢٦٢، بحار الأنوار ٢٥: ١، كتاب الإمامة، روايات الباب الأوّل منه، أبواب خلقهم وطينتهم وأرواحهم.

٦٥
قال الراوي: فقلت له: ما السمة؟! قال: «العلامة»(١).

ويظهر من هذا الحديث الشريف أنّ على السالك أن يتحقّق مقام اسم اللّه في العبادة، والتحقّق بهذا المقام هو حقيقة العبودية حيث الفناء في حضرة الربوبية.

وما دام (السالك) في حجاب الإنّية والأنانية، فهو ليس في لباس العبودية، بل هو مريد لنفسه، عابد لها، ومعبوده هو أهواؤه النفسانية {أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلهَهُ هَواهُ}(٢)، ونظره هو نظر إبليس اللعين الذي رأى نفسه وآدم (عليه السلام) في حجاب الأنانية، ففضّل نفسه عليه وقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين}(٣)، فطرد من الساحة القدسية لمقرّبي الحضرة.

فإذا جعل القائل (بسم اللّه) نفسه متّصفة بـ (سمة اللّه) و (علامة اللّه) ووصل هو نفسه إلى مقام الإسمية، وأصبح نظره نظر آدم (عليه السلام) الذي رأى عالم التحقّق ـ والذي كان هو نفسه خلاصة له ـ أنّه «اسم اللّه» {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها}(٤)، ففي هذه الحالة تكون تسميته تسمية حقيقية، ويكون هو متحقّقاً بمقام العبادة (وهو مقام) التخلّي عن (الأنا) وعبادتها، والتعلّق بعزّ القدس والانقطاع إلى اللّه تحقيقاً لما ورد في ذيل حديث رزّام، عن الإمام جعفر الصادق، حيث يقول (عليه السلام): «يقطع علائق الاهتمام بغير من له قصد وإليه رفد ومنه استرفد... الخ».

فإذا تحقّق للسالك مقام الاسمية، رأى نفسه مستغرقاً في الاُلوهية

١- التوحيد: ٢٢٩، الباب ٣١، الحديث ١.

٢- سورة الفرقان، الآية ٤٣.

٣- سورة الأعراف، الآية ١٢.

٤- سورة البقرة، الآية ٣١.

٦٦
«العبودية جوهرة كنهها الربوبية»(١)، ورأى نفسه اسم اللّه وعلامة اللّه وفانياً في اللّه، ورأى سائر الموجودات على هذه الحالة.

وإذا أصبح الوليّ كاملا أصبح متحقّقاً بالاسم المطلق ووصل إلى التحقّق بالعبودية المطلقة فصار عبداً حقيقياً للّه.

ويمكن أن يكون استخدام وصف (العبد) في الآية الكريمة {سُبْحانَ الذِّي أسْرى بِعَبْدِهِ}(٢)، ناشئاً من كونه عروجاً ـ إلى معراج القرب واُفق القدس ومحفل الاُنس ـ (وذلك) بقدم العبودية والافتقار وإزاحة غبار (الإنّية) و (الأنا) والاستقلال.

(كما أنّ) الشهادة بالرسالة للنبيّ في التشهّد وبعد الشهادة بعبوديّته له (صلى الله عليه وآله)هي لكون العبودية مرقاة الرسالة.

والصلاة ـ هي معراج المؤمنين ومظهر معراج النبوّة ـ يكون البدء بها بعد رفع الحجب بـ (بسم اللّه) وذاك هو حقيقة العبودية (فسبحان الذي أسرى بنبيّه بمرقاة العبودية المطلقة) حيث جذبه (الحقّ) بقدم العبودية إلى اُفق الأحدية، وحرّره من مملكة الملك والملكوت، ومملكة الجبروت واللاهوت، وأصل سائر العباد ـ المستظلّين بظلّ ذلك النور الطاهر (النبيّ) ـ إلى معراج القرب بسمة من سمات اللّه وبمرقاة التحقّق باسم اللّه حيث إنّ باطن ذلك هو العبودية.

وإذا رأى السالك بقدر قدمه في السلوك أنّ دائرة الوجود هي اسم اللّه، أمكنه عندئذ أن يرد في فاتحة كتاب اللّه ويكون مفتاح كنز اللّه، وحينئذ يرجع

١- مصباح الشريعة، الباب ١٠٠.

٢- سورة الإسراء، الآية ١.

٦٧
كلّ ثناء وكلّ المحامد إلى الحقّ بمقام الاسم الجامع، فلا يرى لأيّ من الموجودات فضلا ولا فضيلة، لأنّ إثبات فضيلة أو كمال لموجود ـ سوى الحقّ ـ يناقض رؤية «الإسمية».

وإذا قال: (بسم اللّه) على الحقيقة (بصدق)، أمكنه عندئذ أن يقول: (الحمد للّه) على الحقيقة (بصدق أيضاً).

أمّا إذا ظلّ محجوباً عن (مقام الإسم) وكان ـ مثل إبليس ـ في حجاب (الخلق) فلا يمكنه ـ والحال هذه ـ أن يُرجع المحامد للحقّ.

وما دام في حجاب الأنانية، فهو محجوب عن العبودية و (مقام) الإسمية، وما دام محروماً من هذا المقام، فلن يصل إلى مقام (الحامدية).

وإذا وصل إلى مقام (الحامدية) بقدم العبودية وحقيقة الإسمية، عرف حينئذ أنّ صفة الحامدية ثابتة للحقّ أيضاً، فيعتبر ويرى أنّ الحقّ هو الحامد وهو المحمود.

ولكنّه ما دام يرى نفسه الحامد، والحقّ هو المحمود، فليس هو حامد للحقّ، وإنّما حامد للحقّ والخلق، بل إنّه حامد لنفسه فقط، ومحجوب عن الحقّ وحمده.

وإذا وصل إلى مقام (الحامدية)، كان عندئذ قوله: (أنت كما أثنيت على نفسك)، فيخرج من حجاب (الحامدية) المقرون بالجدال، والملازم لإثبات (المحمودية)، وحينئذ تكون مقالة السالك في هذا المقام هي على هذا النحو (باسمه الحمد له، منه الحمد وله الحمد).

وهذه هي ثمرة التقرّب بالنوافل، وقد وردت إشارة إليها في الحديث (القدسي) الشريف: «فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه... الخ».

(ربّ العالمين) إذا كان (العالمون) هم صور الأسماء، وهي الأعيان الثابتة، فإنّ الربوبية تكون ذاتية، وتكون راجعة إلى مقام (الاُلوهية الذاتية) حيث اسم اللّه

٦٨
الأعظم، وذلك لأنّ الأعيان الثابتة إنّما تحقّقت ـ بالتحقّق العلمي ـ من خلال التجلّي الذاتي في مقام (الواحدية) تبعاً للاسم الجامع المتعيّن بتجلّي الفيض الأقدس.

ومعنى الربوبية في ذلك المقام المقدّس هو: التجلّي بمقام الاُلوهية، وبهذا التجلّي يكون تعيّن جميع الأسماء، فتتعيّن أوّلا العين الثابتة للإنسان الكامل، ثمّ تكون الأعيان الاُخرى في ظلّه.

و (بـ) الرحمانية والرحيمية يكون إظهار هذه الأعيان من غيب الهوية إلى اُفق الشهادة المطلقة، و (بهما يكون) إيداع فطرة العشق والمحبّة للكمال المطلق في خميرة تلك الأعيان.

وبتلك الفطرة العشقية السابقة، وبتلك الجذبة القهرية المالكة التي تأخذ بناصيتها (الأعيان)، فتصل إلى مقام (الجزاء المطلق)، حيث الاستغراق في بحر كمال الواحدية {ألا إلى اللّهِ تَصِيرُ الاُمُور}(١).

وبهذه الطريقة تكون الذات المقدّسة هي غاية آمال الموجودات ونهاية تحرّكها، ومنتهى مختلف أشكال اشتياقها ومرجعها، ومعشوقة الكائنات ومحبوبة العشّاق ومطلب المجذوبين، حتّى إنّهم وإن كانوا محجوبين عن هذا المطلوب، ويرون أنفسهم عبّاداً وعشّاقاً وطلاّباً ومجذوبين لاُمور اُخرى.

وهذا هو حجاب الفطرة الأكبر، الذي يجب على السالك إلى اللّه أن يخرقه بقدم معرفته، وما دام لم يصل إلى هذا المقام، فلا يحقّ له أن يقول: «إيّاك نعبد»، يعني (لا نطلب إلاّ إيّاك)، ولا نبحث عن سواك، ولا نريد غيرك، ولا نثني على سواك، ولا نستعين إلاّ بك في جميع الاُمور.

١- سورة الشورى، الآية ٥٣.

٦٩
إنّنا جميعاً ـ سلسلة الموجودات وذرّات الكائنات، من أدنى مرتبة سفلية المادة، إلى أعلى مرتبة غيب الأعيان الثابتة ـ طلاّباً للحقّ وباحثون عنه (وكلّ منّا وفي كلّ مطلوب، إنّما يطلبه هو وإنّما يتأجّج عشقاً له مع أي محبوب {فِطْرَةَ اللّهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها}(١)، {يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ وَالأرْضِ}.

فإذا حصلت للسالك هذه المشاهدة، ورأى جميع كيانه وأجزائه الوجودية ـ من القوى الملكية إلى السرائر الغيبية ـ بل رأى جميع سلسلة الوجود، عاشقةً للحقّ طالبة له، وأظهر هذا العشق والمحبّة، عندها يستعين بالحقّ للوصول، ويطلب منه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو صراط ربّ الإنسان {إنَّ رَبِّي عَلى صِراط مُسْتَقِيم}(٢)، وهذا هو صراط (المنعم عليهم) من الأنبياء الكمّل والصدّيقين، وهو عبارة عن (صراط) رجوع العين الثابتة إلى مقام اللّه والفناء فيه. وليس الفناء في الأسماء الاُخرى الواقعة في حدود القصور والتقصير، وينسب إلى الرسول الأكرم أنّه قال: «كان أخي موسى عينه اليمنى عمياء، وأخي عيسى عينه اليسرى عمياء، وأنا ذو العينين»، فالتكثّرات كانت غالبة على الوحدة لدى موسى (عليه السلام)، فيما الوحدة كانت غالبة على التكثّر لدى عيسى (عليه السلام)، أمّا الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله)، فلقد كان له مقام البرزخية الكبرى، وهو الحدّ الوسط والصراط المستقيم.

وإلى هنا، فإنّ تفسير السورة مستند إلى القول بأنّ (العالمين) هم حضرات الأعيان.

١- سورة الروم، الآية ٣٠.

٢- سورة هود، الآية ٥٤.

٧٠
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ٧١ - ص ٨٥)

٧١

نقطة باء البسملة


جاء في كتاب (مدارك التنزيل) أنّ الكتب التي أنزلها اللّه من السماء إلى الدنيا لهداية الناس وإرشادهم إلى السعادة الأبدية، إنّما هي مئة وأربعة كتب: صحف شيت (عليه السلام) ستّون، وصحف إبراهيم (عليه السلام) ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ومعاني كلّ الكتب مجموعة في الفرقان، ومعاني كلّ الفرقان ـ أي: القرآن الكريم ـ مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها، ومعاني الباء في نقطتها(١).

وروى الشعراني: عن الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه أنّه كان يقول: لو شئت لأوقرت لكم ثمانين بعيراً من معنى (الباء)(٢).

وروى القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة) ما لفظه: وفي الدرّ المنظم: إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء.

وقال أيضاً: العلم نقطة كثّرها الجاهلون، والألف وحدة عرفها الراسخون(٣).

وعن ابن الآلوسي البغدادي في جلاء العينين ما لفظه: في حقّ علي (عليه السلام)،

١- تفسير البصائر ١: ٢٤.

٢- لطائف المنن ١: ١٧١، طبعة مصر.

٣- ينابيع المودّة: ٦٩ و ٤٠٨، طبعة إسلامبول.

٧٢
هو باب العلم والنقطة تحت الباء.

ويروي لنا ابن عبّاس، حبر الاُمّة وتلميذ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في التفسير أنّه: أخذ بيدي علي (عليه السلام) ليلة، فخرج بي إلى البقيع، وقال: إقرأ يا ابن عباس، فقرأت: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فتكلّم في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر(١).

وقال أيضاً: يشرح لنا علي (رضي الله عنه) نقطة الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}ليلة، فانفلق عمود الصبح وهو بعد لم يفرغ، فرأيت نفسي في جنبه كالفوّارة في جنب البحر المتلاطم(٢).

وجاء في مطالب السؤول ما لفظه: قال علي (رضي الله عنه) مرّة: لو شئت لأوقرت بعيراً من تفسير {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}(٣).

روى النبهاني في الشرف المؤبد عن ابن عباس، قال: قال لي علي (عليه السلام): يا بن عباس، إذا صلّيت العشاء الآخرة فالحق الجبانة، قال: فصلّيت ولحقته، وكانت ليلة مقمرة، قال: فقال لي: ما تفسير الألف من الحمد؟ قلت: لا أعلم، فتكلّم فيها ساعة تامة، ثمّ قال: ما تفسير الميم من الحمد؟ قال: قلت: لا أعلم، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة كاملة، قال: فما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلت: لا أدري، فتكلّم فيها إلى أن بزغ عمود الفجر، قال: وقال لي: قم يا بن عباس إلى منزلك فتأهّب لغرضك، فقمت وقد وعيت ما قال. ثمّ تفكّرت فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر. قال: القرارة: الغدير الصغير.

١- ينابيع المودّة: ٤٠٨.

٢- الحنفي في أرجح المطالب: ١١٣، طبعة لاهور.

٣- محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: ٢٦، طبعة طهران.

٧٣
والمثعنجر: البحر(١).

روى الحافظ ابن عبد البرّ، بإسناده، عن عبد اللّه بن عباس، قال: واللّه لقد اُعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم اللّه لقد شارككم في العُشر العاشر(٢).

هذا من طرق العامة، وهناك أيضاً المئات من الروايات والأخبار التي تشير إلى أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أعلم خلق اللّه بعد رسول اللّه محمد، وأنّه عنده علم الكتاب، وهو القرآن الناطق وترجمانه، وهو القائل (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي أعلم بطرق السماء من علمكم بطرق الأرض، وقال: يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللّه، هذا ما زقّني رسول اللّه زقّاً زقّاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما واللّه لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب لفد أفتاكم بما اُنزل فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه، ولولا آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: {يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعَنْدَهُ

١- الشرف المؤبد: ٥٨، طبعة مصر.

٢- الاستيعاب ٢: ٤٦٢، طبعة حيدر آباد، كما رواه الطبري في كتابه ذخائر العقبى، وابن الأثير في اُسد الغابة، والسيوطي في تأريخ الخلفاء، والخوارزمي في المناقب، وغيرهم.

٧٤
اُمُّ الكِتاب}، ثمّ قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي خلق الحبّة وبرء النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليلة نزلت، أو في نهار اُنزلت، مكيّها ومدنيّها، سفريها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها، إلاّ أخبرتكم. فقام إليه رجل يقال له: ذعلب، وكان ذرب اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاُخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ فقال (عليه السلام): ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي عبد ربّاً لم أره، قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربّي لا يوصف بالبُعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بقيام قيامَ انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبر لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج، فخرّ عليه ذعلب مغشياً عليه، ثمّ قال: تاللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، واللّه لا عدتُ إلى مثلها(١).

فعلي (عليه السلام) وأهل بيته الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هم صراط اللّه الأقوم وسفينة

١- تفسير البصائر ١: ١٨٧، عن أمالي الصدوق، بإسناده، عن الأصبغ بن نباتة، قال: لمّا جلس علي (عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول اللّه، لابساً بردة رسول اللّه، متنعلا نعل رسول اللّه، متقلّداً سيف رسول اللّه، فصعد المنبر، فجلس عليه متحنّكاً، ثمّ شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثمّ قال: يا معشر الناس... الحديث.

٧٥
النجاة، مَن ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى، كما ورد في الخبر المتواتر عند الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ فما بعد الحقّ إلاّ الضلال.

وكلّ ما في القرآن الكريم إنّما هو عند أهل البيت (عليهم السلام) بصريح ما جاء في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين لقوله (صلى الله عليه وآله): «لن يفترقا»، ولن للتأبيد بمعنى أنّه أبداً في كلّ شيء لن يفترقا إلى يوم القيامة، فلا نقول كما قال الرجل: حسبنا كتاب اللّه، ولا نقول كما قالوا حسبنا أهل البيت، بل نتمسّك بهما معاً.

ثمّ كلّ ما في القرآن هو في حمده، وكلّ ما في سورة الحمد في البسملة، وكلّ ما في البسملة في بائها، وعلي (عليه السلام) هو نقطة الباء، كما ذكرنا لك الروايات من طرق العامة.

وأمّا عند الخاصّة:

فقد جاء ذلك أيضاً في كتاب (الأنوار النعمانية)(١) عندما يتحدّث الكاتب آية اللّه العظمى السيد نعمة اللّه الجزائري المتوفّى سنة ١١١٢ هـ عن فضائل أمير المؤمنين وأنّه أفضل خلق اللّه بعد رسوله محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال: وأمّا قوله: ومنها علم التفسير ـ أي: أنّه (عليه السلام) أعلم الناس بعلم التفسير ـ إلى آخره، فقد تحقّق في الأخبار من العامة والخاصة أنّ قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْء أحْصَيْناهُ في إمام مُبِين}، المراد به علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو الذي فسّر الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} لابن عبّاس فقال: يا ابن عباس لو طال الليل لطلناه.

وفي الروايات الخاصّة ـ أقول: بل العامّة، كما مرّ ـ عنه (عليه السلام) أنّه قال: «علم ما كان وما يكون كلّه في القرآن الكريم، وعلم القرآن كلّه في سورة الفاتحة،

١- الأنوار النعمانية ١: ٤٧.

٧٦
وعلم الفاتحة كلّه في البسملة منها، وعلم البسملة كلّه في بائها، وأنا النقطة تحت الباء». وهذا الحديث من مشكلات الأخبار، وأكثر الإشكال إنّما هو في قوله: «وأنا النقطة تحت الباء»، ويحتمل أن يكون معناه أنّي اُبيّن علوم القرآن واُوضح مجملاتها، كما أنّ نقطة الباء توضّحه وتميّز عمّا يشاركه في الصورة كالتاء المثناة والثاء المثلثة، ويحتمل معان كثيرة لا يخفى بعضها على اُولي الألباب. والحاصل أنّ العلوم كلّها تنتهي إليه ولم يؤخذ علم إلاّ منه، والعلماء كلّهم تلاميذه... ثمّ يذكر تفصيل ذلك، فراجع.

وقد رأيت الحديث الشريف في كتاب (مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين)(١) للحافظ الشيخ رضي الدين رجب البرسي، وقد عدّه بعض علمائنا

١- قال الحافظ رجب البرسي الحلي في كتابه مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام): وأمّا علم النقط والدوائر فهو من أجلّ العلوم وغوامض الأسرار، لأنّ منتهى الكلام إلى الحروف ومنتهى الحروف إلى الألف ومنتهى الألف إلى النقطة، والنقطة عندهم عبارة عن نزول الوجود المطلق الظاهر بالباطن، ومن الابتداء بالانتهاء يعني ظهور الهوية التي هي مبدأ الوجود التي لا عبارة لها ولا إشارة ـ الصفحة ٢٥.

وسرّ اللّه مودع في كتبه وسرّ الكتب في القرآن، لأنّه الجامع المانع، وفيه تبيان كلّ شيء، وسرّ القرآن في الحروف المقطّعة في أوائل السور، وعلم الحروف في لام ألف، وهو الألف المعطوف المحتوي على سرّ الظاهر والباطن، وعلم اللام ألف في الألف، وعلم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وسرّ القرآن في الفاتحة، وسرّ الفاتحة في مفتاحها، وهي بسم اللّه، وسرّ البسملة في الباء، وسرّ الباء في النقطة ـ الصفحة ٢٧.

=>

٧٧

<=

والفاتحة هي سورة الحمد واُمّ الكتاب، وقد شرّفها اللّه تعالى في الذكر فأفردها وأضاف القرآن إليها، فقال عزّ اسمه: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِيَ وَالقُرْآنَ العَظِيمَ)، فذكرها إجمالا وإفراداً، وذلك لتشرّفها، وهذا مثل قوله: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى)، أدخلها إجمالا وأفردها إجلالا.

وسورة الحمد فيها اسم اللّه الأعظم عن يقين، وعدد آياتها (٧) وهي العدد الكامل، ومن العدد الكامل يظهر جذر العشرة، وهو ضرب السنة في أيّام الاُسبوع ومبلغه (٢٥٢٠)، وهو عدد له نصف وثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع وعشر، وعدد كلمات اُمّ الكتاب مع البسملة (٢٩) كلمة، وعدد السور المتوجة بالحروف المقطّعة (٢٩) سورة، وعدد أيام الشهر (٢٩) يوماً، فأخذ منها الألف كانت (٢٨) بعدد منازل القمر، وإذا قسمت كان منها للأفلاك (٩) وللبروج (١٢) وللعناصر (٤) وللمواليد (٣) فهذه ثمانية وعشرون بعدد حروف المعجم، وعدد حروف الفاتحة (٣٢٤) وأعداد حروفها (٩٣٦١) وسائر أعدادها تنقسم إلى الفردانية، وتشير إليها وتنقسم بأعداد الاسم الأعظم قسمين ظاهر وباطن.

نهاية الحروف النقطة، فتناهت الأشياء بأسرها إلى النقطة ودلّت عليها، ودلّت النقطة على الذات، وهذه النقطة هي الفيض الأوّل الصادر عن ذي الجلال المسمّى في اُفق العظمة والجمال بالعقل الفعّال وذلك هو الحضرة المحمدية، فالنقطة هي نور الأنوار وسرّ الأسرار، كما قال أهل الفلسفة: النقطة هي الأصل والجسم حجاب والصورة حجاب الجسم والحجاب غير الجسد الناسوتي، دليله: من صريح الآيات قوله: (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ) معناه منوّر السماوات، فاللّه اسم للذات والنور من صفات الذات والحضرة المحمدية صفة اللّه وصفوته، صفته في عالم النور وصفوته في عالم الظهور، فهي النور الأوّل الإسم البديع الفتّاح (قَوْلُهُ الحَقُّ) أوّل ما خلق اللّه نوري (وقوله) أنا اللّه وكلّ منّي. وقوله (ممّا رواه أحمد ابن حنبل): كنت وعلي نوراً بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربع عشر سنة فمحمد

=>

٧٨

<=

وعلي حجاب الحضرة الإلهية ونوّابها وخزّان أسرار الربوبية وبابها...

فإذا استقرينا الموجودات فإنّها تنتهي إلى النقطة الواحدة التي صفة الذات وعلّة الموجودات ولها في التسمية عبارات فهي العقل من قوله: «أوّل ما خلق اللّه العقل»، وهي الحضرة المحمدية من قوله: «أوّل ما خلق اللّه نوري»، ومن حيث إنّها أوّل الموجودات صادرة عن اللّه تعالى بغير واسطة سمّيت العقل الأوّل، ومن حيث إنّ الأشياء تجد منه قوّة التعقيل سمّي العقل الفعّال، ومن حيث إنّ العقل فاض منه إلى جميع الموجودات فأدركت به حقائق الأشياء سمّي عقل الكلّ، فعلم بواضح البرهان أنّ الحضرة المحمدية هي نقطة النور وأوّل الظهور وحقيقة الكائنات ومبدأ الموجودات وقطب الدائرات، فظاهرها صفة اللّه وباطنها غيب اللّه، فهي ظاهر الاسم الأعظم وصورة سائر العالم وعليها مدار من كفر وأسلم، فروحه نسخة الأحدية في اللاهوت وجسده صورة معاني الملك والملكوت، وقلبه خزانة الحيّ الذي لا يموت، وذلك لأنّ اللّه تعالى تكلّم في الأوّل بكلمة فصارت كلمته ونوره وروحه وحجابه، وسريانها في العالم كسريان النقطة في الحروف والأجسام وسريان الواحد في الأعداد وسريان الألف في الكلام وسريان الإسم المقدّس في الأسماء فهي مبدأ الكلّ وحقيقة الكلّ، فكلّ ناطق بلسان الحال والمقال فإنّه شاهد للّه بالوحدانية الأوّلية ولمحمد وعلي بالاُبوّة والملكية، دليله قوله (صلى الله عليه وآله): أنا وعلي أبَوا هذه الاُمّة...

فعلم أنّ الفيض الأوّل عن حضرة الأحدية هي النقطة الواحدة وعنها ظهر الف الغيب (القلب خ ل) وامتدّ حتّى صار خطه وهو مركب من ثلاث نقط... قال (عليه السلام): عن الباء ظهر الوجود وبالنقطة تبين العابد عن المعبود، وقال حكيم: بالباء عرفه العارفون...

وإلى هذا السرّ إشارة من كلامه البليغ في نهج البلاغة فقال: «وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى»، وهذه إشارة إلى أنّه (عليه السلام) غاية الفخار ومنتهى الشرف وذروة العزّ وقطب الوجود وعين الوجود وصاحب الدهر ووجه الخلق وجنب العلى فهو القطب الذي دار به كلّ دائر وسار به كلّ سائر لأنّ سريان الوليّ في العالم كسريان الحقّ في العالم... والنقطة التي اُدير عليها بركار النبوّة فهي حقيقة كلّ موجود فهي باطن الدائرة والنقطة السارية السائرة التي بها ارتباط سائر العوامل...

٧٩
من الغلاة، إلاّ أنّ العلاّمة الأميني (قدس سره) يدافع عنه ويرفع هذه التهمة عن ساحته في كتابه القيّم(١)، فقال: الحافظ الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلّي، من عرفاء علماء الإمامية وفقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فنّ الحديث وتقدّمه في الأدب وقرض الشعر وإجادته وتضلّعه من علم الحروف وأسرارها واستخراج فوائدها، وبذلك كلّه تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقّة النظر، وله في العرفان والحروف مسالك خاصّة، كما أنّ له في ولاء أئمة الدين (عليهم السلام) آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، ولذلك رموه بالغلوّ والارتفاع، غير أنّ الحقّ أنّ جميع ما يثبته المترجم لهم (عليهم السلام) من الشؤون هي دون مرتبة الغلوّ وغير درجة النبوّة، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)قوله: إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا: إنّا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): إجعل لنا ربّاً نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم. وقال (عليه السلام): إجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا(٢).

وأنّى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر؟ وأنّى لنا الوقوف على غاية ما شرّفهم اللّه به من ملكات فاضلة ونفسيّات نفيسة وروحيات قدسية وخلائق كريمة ومكارم ومحامد؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام؟ أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب،

١- الغدير ٧: ٣٣.

٢- لقد ذكرت براهين صحّة هذا المعنى في (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام))، فراجع.

٨٠