×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي المرتضى (عليه السلام) نقطة باء البسملة / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحضرت الخطباء، وجهلت الألبّاء، وكلّت الشعراء، وعجزت الاُدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، وفضيلة من فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير، فكيف يوصف بكلّه؟ أو ينعت بكنهه؟ أو يفهم شيء من أمره؟ أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه؟ لا كيف؟ وأنّى؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟

ولذلك تجد كثيراً من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات اللّه عليهم كلّ هاتيك الشؤون وغيرها ممّا لا يتحمّله غيرهم، وكان في علماء قم من يرمي بالغلوّ كلّ من روى شيئاً من تلكم الأسرار حتّى قال قائلهم: إنّ أوّل مراتب الغلوّ نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله)، إلى أن جاء بعدهم المحقّقون وعرفوا الحقيقة، فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزناً، وهذه بليّة مُني بها كثيرون من أهل الحقائق والعرفان ومنهم المترجم، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض وقد تقوم الحرب بينهما على أشدّها، والصلح خير.

وفذلكة المقام: أنّ النفوس تتفاوت حسب جبلاّتها واستعداداتها في تلقّي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعاً ويمدّ لها باعاً، وبطبع الحال إنّ الفئة الاُولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما إنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة وتحتدم الضغائن، ونحن نقدّر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ، ونقول:


على المرء أن يسعى بمقدار جهدهوليس عليه أن يكون موفّقاً

إلاّ أنّ الناس معادن، كمعادن الذهب والفضّة، وقد تواتر عن أئمة

٨١
أهل البيت (عليهم السلام): أنّ أمرنا ـ أو: حديثنا ـ صعب مستصعب لا يتحمّله إلاّ نبيّ مرسل أو مَلَك مقرّب أو مؤمن امتحن اللّه قلبه بالإيمان. إذن فلا نتحرّى وقيعة في علماء الدين، ولا نمسّ كرامة العارفين، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه، إذ لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها، وقال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): لو جلست اُحدّثكم ما سمعت من فم أبي القاسم (صلى الله عليه وآله) لخرجتم من عندي وأنتم تقولون: إنّ عليّاً من أكذب الكاذبين.

وقال إمامنا السيد السجّاد (عليه السلام): لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق، وكلاّ وَعَدَ اللّه الحسنى، وفضّل اللّه المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً.

ثمّ يذكر العلاّمة الأميني ما قاله السيد الأمين في أعيان الشيعة من إنكاره الحافظ البرسي وأنّه من الغلاة، فيناقشه، ثمّ يذكر مؤلّفات الحافظ وجملة من شعره الرائق في مدح أهل البيت (عليهم السلام)، فراجع.

فكما إنّ الإيمان درجات، وفي بعض الروايات تبلغ إلى أربعمائة درجة، كذلك المعرفة باللّه ورسوله وأهل بيته، فإنّ المعرفة من الكلّي المشكّك له مراتب في القوّة والضعف، ولو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان من المعارف الحقّة والأنوار القدسية في عظمة أهل البيت وأسرار أمير المؤمنين لقتله، أو قال رحم اللّه قاتل سلمان. وقد آخا بينهما رسول اللّه فما ظنّكم بسائر الناس.

فإذا اعتقدنا أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عنده علم الأوّلين والآخرين بعد رسول اللّه، وذلك بعناية من ربّه، فإنّه عيبة علمه، فهو يعلم كلّ ما في القرآن الكريم، وهو نقطة باء البسملة، فليس ذلك من الغلوّ، بل هذا من أدنى المعرفة بأسرار أمير المؤمنين، وما عرفه إلاّ اللّه ورسوله، كما قاله النبيّ الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)،

٨٢
فحديث النقطة جاء في كتاب الحافظ البرسي (مشارق أنوار اليقين) كما جاء في غيره.

أجل:

حديث النقطة يعدّ من الأحاديث الصعبة المستصعبة التي لا يتحمّلها إلاّ مَلَك مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه بالإيمان، فإنّه يعتبر من أسرار آل محمد (عليهم السلام)، وإنّه رشحة من رشحات سرّ الولاية العلوية، ولاية أمير المؤمنين أسد اللّه الغالب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حصن اللّه الحصين الذي مَن دخله كان آمناً، كما مَن دخل حصن التوحيد وكلمة (لا إله إلاّ اللّه) كان آمناً من عذاب اللّه سبحانه وخزي الدنيا والآخرة، ومن كلّ شين وألم وسقم وأمراض روحية، ومن الصفات الرذيلة والأخلاق المذمومة.

فحديث النقطة بحر زاخر متلاطم الأمواج، وقمر زاهر متلألىء الأفواج، وشمس مضيئة، وكواكب زاهية في سماء العلم والفضيلة، يعجز القلم عن بيانه ويكلّ اللسان عن تبيانه.

ولكنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، والميسور لا يسقط بالمعسور، وبداية مسيرة ألف ميل خطوة، فلنغترف من عذب مناهل حديث النقطة غرفة، عسى أن نروي أكباداً حرّى ونفوساً متعطّشة لمعرفة الحقائق وكسب المعارف الإلهية.

فالروايات ـ من السنّة والشيعة ـ التي تشير إلى أنّ كلّ العلوم والفنون والمعارف والحقائق من الأوّلين والآخرين، وأسرار الكون، وعلم اللّه سبحانه بعد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، إنّما هي عند مولى الموحّدين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ الميامين، وسيد الأوصياء المنتجبين، أخ الرسول، وزوج البتول، وأبي السبطين: الحسن والحسين، ذلك أسد اللّه ورسوله وخليفته

٨٣
ووصيّه، مولانا وطبيب نفوسنا وحبيب قلوبنا، إمام الهدى، علي بن أبي طالب المرتضى، عليه وعلى ابن عمّه رسول اللّه وأهل بيتهم أفضل صلوات المصلّين.

فلا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين، أي إمام حقٍّ ظاهر البرهان وتامّ البيان، وقد علّمه اللّه سبحانه علم ما كان وعلم ما يكون وما هو كائن، وقد زقّه النبيّ ذلك العلم زقّاً، وعلّمه ألف باب من العلم ينفتح من كلّ باب ألف باب.

ثمّ العلم والخير والحقّ كلّه في القرآن الكريم، وكلّ ما في القرآن هو في سورة الحمد ـ كما مرّ بيان ذلك إجمالا ـ، وكلّ ما في الحمد إنّما هو في البسملة، وكلّ ما في البسملة إنّما هو في الباء، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وروحي فداه هو نقطة باء البسملة.

وأمّا بيان ذلك فنشير إلى بعض الوجوه على نحو الاجمال والإشارة ـ والحرّ اللبيب تكفيه الإشارة ـ وربّما بعض النفوس لقصورها أو تقصيرها لا تستوعب ذلك فتنكر تلك المعاني السامية وربّما تعاديها ـ فإنّ الناس أعداء ما جهلوا ـ، ولكنّ المنصف العاقل يستمع القول فيتّبع أحسنه، وما لا يستوعبه يردّه إلى أهله...

الأوّل ـ قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ}(١).

الآية الشريفة وما بعدها تذكر الميثاق من بني آدم على الربوبية، وهي

١- سورة الأعراف، الآية ١٧٢.

٨٤
من أدقّ الآيات القرآنية معنىً وأعجبها نظماً.

وقد تعرّض كثير من العلماء الأعلام إلى تفسيرها وبيانها، وللعلاّمة الطباطبائي في تفسيره القيّم (الميزان) تحقيق ظريف ومطالب قيّمة في هذا الباب(١).

وجاء فيه: قوله: {وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ينبىء عن فعل آخر إلهيّ تعلّق بهم بعد ما أخذ بعضهم من بعض وفصل بين كلّ واحد منهم وغيره، وهو إشهادهم على أنفسهم. والإشهاد على الشيء هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته، ليتحمّله علماً تحمّلا شهودياً، فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحمّلوا ما اُريد تحمّلهم من أمرها، ثمّ يؤدّوا ما تحمّلوه إذا سُئلوا.

ثمّ يقول: فالإنسان في أي منزل من منازل الانسانية نزل، يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّر أمره، وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتية؟ وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه؟ فقوله: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بيان ما اُشهد عليه، وقوله: {قالُوا بَلى شَهِدْنا} اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه، ولذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنّه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلّق به وجوده من اللوازم والأحكام، ومعنى الآية: أنّا خلقنا بني آدم في الأرض وفرّقناهم وميّزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوقفناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنّك ربّنا.

ثمّ يقول (قدس سره): وقد طرح القوم عدّة من الروايات تدلّ على أنّ الآيتين تدلاّن على عالم الذرّ، وأنّ اللّه أخرج ذرية آدم من ظهره، فخرجوا كالذرّ،

١- راجع الميزان ٩: ٣٠٦ ـ ٣٣١.

٨٥
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ٨٦ - ص ٩٨)

٨٦
عَيْنَ اليَقِينِ}(١).

وأمّا هذا الوجه الدنيوي الذي نشاهده نحن من العالم الإنساني، وهو الذي يفرّق بين الآحاد، ويشتّت الأموال والأعمال بتوزيعها على قطعات الزمان، وتطبيقها على مرّ الليالي والأيّام ويحجب الإنسان عن ربّه بصرف وجهه إلى التمتّعات المادية الأرضية واللذائذ الحسية، فهو متفرّع على الوجه السابق متأخّر عنه، وموقع تلك النشأة وهذه النشأة في تفرّعها عليها موقعاً كن ويكون في قوله تعالى: {أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون}(٢).

ويتبيّن بذلك أنّ هذه النشأة الإنسانية الدنيوية مسبوقة بنشأة اُخرى إنسانية هي هي بعينها، غير أنّ الآحاد موجودون فيها غير محجوبين عن ربّهم، يشاهدون فيها وحدانيّته تعالى في الربوبية بمشاهدة أنفسهم لا من طريق الاستدلال، بل لأنّهم لا ينقطعون عنه ولا يفقدونه، ويعترفون به وبكلّ حقّ من قبله، وأمّا قذارة الشرك وألواث المعاصي، فهو من أحكام هذه النشأة الدنيوية دون تلك النشأة، التي ليس فيها إلاّ فعله تعالى القائم به، فافهم ذلك.

وأنت إذا تدبّرت هذه الآيات ثمّ راجعت قوله تعالى: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية، وأجدت التدبّر فيها وجدتها تشير إلى تفصيل أمر تشير هذه الآيات إلى إجماله، فهي تشير إلى نشأة إنسانية سابقة فرق اللّه فيها بين أفراد هذا النوع، وميّز بينهم {وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا}.

١- سورة التكاثر، الآية ٧.

٢- سورة يس، الآية ٨٢.

٨٧
ولا يرد عليه ما اُورد على قول المثبتين في تفسير الآية على ما فهموه من معنى عالم الذرّ من الروايات على ما تقدّم، فإنّ هذا المعنى المستفاد من سائر الآيات والنشأة السابقة التي تثبته لا تفارق هذه النشأة الإنسانية الدنيوية زماناً، بل هي معها محيطة بها، لكنّها سابقة عليها السبق الذي في قوله تعالى: {كُنْ فَيَكُون}، ولا يرد عليه شيء من المحاذير المذكورة.

ثمّ يقول: وأمّا الروايات، فسيأتي أنّ بعضها يدلّ على أصل تحقّق هذه النشأة الإنسانية كالآية، وبعضها يذكر أنّ اللّه كشف لآدم (عليه السلام) عن هذه النشأة الإنسانية، وأراه هذا العالم الذي هو ملكوت العالم الإنساني، وما وقع فيه من الإشهاد وأخذ الميثاق، كما أرى إبراهيم (عليه السلام) ملكوت السماوات والأرض.

ثمّ في بحثه الروائي (الصفحة ٣٢٣)، يذكر روايات عديدة تدلّ على عالم الذرّ، نكتفي بثلاثة منها، فقال: في الكافي، بإسناده، عن زرارة، عن حمران، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنّ اللّه تبارك وتعالى حيث خلق الخلق، خلق ماءً عذباً وماءً مالحاً اُجاجاً، فامتزج الماءان، فأخذ طيناً من أديم الأرض، فعركه عركاً شديداً، فقال لأصحاب اليمين وهم كالذرّ يدبّون: إلى الجنّة ولا اُبالي، وقال لأصحاب الشمال: إلى النار ولا اُبالي، ثمّ قال: ألست بربّكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين.

وفيه، بإسناده، عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: {فِطْرَةَ اللّهِ التِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها}، ما تلك الفطرة؟ قال: هي الإسلام، فطرهم اللّه حين أخذ ميثاقهم على التوحيد، قال: ألست بربّكم؟ وفيه المؤمن والكافر.

وفي تفسير العياشي، وخصائص السيد الرضي، عن الأصبغ بن نباتة،

٨٨
عن علي (عليه السلام)، قال: أتاه ابن الكوّاء، فقال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن اللّه تبارك وتعالى، هل كلّم أحداً من ولد آدم قبل موسى؟ فقال علي (عليه السلام): قد كلّم اللّه جميع خلقه برّهم وفاجرهم، وردّوا عليه الجواب، فثقل ذلك على ابن الكوّاء ولم يعرفه، فقال له: كيف كان ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال له: أو ما تقرأ كتاب اللّه إذ يقول لنبيّه: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى}، فقد أسمعهم كلامه وردّوا عليه الجواب، كما تسمع في قول اللّه يا ابن الكوّاء {قالُوا بَلى}، فقال لهم: إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا وأنا الرحمن الرحيم، فأقرّوا له بالطاعة والربوبية، وميّز الرسل والأنبياء والأوصياء، وأمر الخلق بطاعتهم، فأقرّوا بذلك في الميثاق، فقالت الملائكة عند إقرارهم بذلك: شهدنا عليكم يا بني آدم أن تقولوا يوم القيامة: إنّا كنّا عن هذا غافلين.

أقول: والرواية كما تقدّم، وبعض ما يأتي من الروايات، يذكر مطلق أخذ الميثاق من بني آدم من غير ذكر إخراجهم من صلب آدم وإراءتهم إيّاه، وكان تشبيههم بالذرّ كما في كثير من الروايات تمثيل لكثرتهم كالذرّ لا لصغرهم جسماً أو غير ذلك، ولكثرة ورود هذا التعبير في الروايات سمّيت هذه النشأة بعالم الذرّ.

وفي الرواية دلالة ظاهرة على أنّ هذا التكليم كان تكليماً حقيقياً لا مجرّد دلالة الحال على المعنى. وفيها دلالة على أنّ الميثاق لم يؤخذ على الربوبية فحسب، بل على النبوّة (والإمامة) وغير ذلك، وفي كلّ ذلك تأييد لما قدّمناه.

ثمّ يذكر الروايات الاُخرى من الشيعة والسنّة في هذا الباب، فراجع، وقال (قدس سره): وليس من البعيد أن يدّعى تواتره المعنوي (الصفحة ٣٢٩).

٨٩
وقال: وفي الدرّ المنثور أيضاً أخرج ابن سعد وأحمد، عن عبد الرحمان ابن قتادة السلمي، وكان من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) يقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق آدم ثمّ أخذ الخلق من ظهره، فقال: هؤلاء في الجنّة ولا اُبالي، وهؤلاء في النار ولا اُبالي، فقال رجل: يا رسول اللّه فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر.

أقول: القول في ذيل الرواية نظير القول في ذيل رواية أبي اُمامة المتقدّمة، وقد فهم الرجل من قوله «هؤلاء في الجنّة ولا اُبالي، وهؤلاء في النار ولا اُبالي» سقوط الاختيار، فأجابه (صلى الله عليه وآله): بأنّ هذا قدر منه تعالى وأنّ أعمالنا في عين أنّا نعملها وهي منسوبة إلينا تقع على ما يقع عليه القدر فتنطبق على القدر وينطبق هو عليها، وذلك أنّ اللّه قدّر ما قدّر من طريق اختيارنا فنعمل نحن باختيارنا، ويقع مع ذلك ما قدّره اللّه سبحانه، لا أنّه تعالى أبطل بالقدر اختيارنا، ونفي تأثير إرادتنا، والروايات بهذا المعنى كثيرة ـ انتهى كلامه رفع اللّه مقامه ـ.

فكما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين»، وكما نقول عند قيامنا من السجود: «بحَول اللّه وقوّته أقوم وأقعد»(١).

هذا إجمال ما أردت بيانه حول عالم الذرّ، وفي كتاب (التأويلات النجمية) أنّ الباء من الحروف الشفوية، وكان أوّل انفتاح فمّ الذرة الإنسانية في عهد {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بالجواب بكلمة {بَلى}، فأوّل حرف نطقت به فم الذرة الإنسانية هو حرف الباء، فاختصّت بهذه الاختصاصات الربّانية، وجعلها اللّه تعالى مفتاح كتابه ومبدأ كلامه وبداية خطابه، فقال عزّ من قائل: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}،

١- لقد ذكرت مسألة الجبر والتفويض في كتابنا (الحقّ والحقيقة بين الجبر والتفويض)، فراجع.

٩٠
فكلّ ما في البسملة إنّما تبدأ بالباء والباء بالنقطة، إذ النقطة منتهى الخطّ وبدايته، فمَن أراد أن يبدأ بكتابة الحروف أو رسم الأشكال إنّما يبدأ بالنقطة.

والنقطة بين الحروف والأعداد والأشكال لا نظير لها، وكلّها تحصل وتوجد وتتكوّن منها، فإنّ الألف أو الواحد من الأعداد إنّما هو الخطّ المستقيم الذي هو أقصر الخطوط ويتولّد من نقطتين، فبداية الحروف في كلّ اللغات وبداية الأعداد بين جميع الناس ونهايتهما هي النقطة.

كما أنّ النقطة في علم الهندسة والأشكال مركز الدائرة، والدائرة ـ كما هو ثابت في محلّه ـ أبسط الأشكال، فهي مرجع كلّ الأشكال، كالمربّع والمستطيل والمثلث وغير ذلك، كما أنّ الألف مرجع الحروف، وأنّ العدد الواحد مرجع كلّ الأعداد.

وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) نوره المبارك من نور اللّه سبحانه، واتّحد نوره مع نور النبيّ الأعظم محمد، فهما من شجرة واحدة ونور واحد، كما اتّحد نور الأئمة بنورهما، فكلّهم نور واحد، وجعلهم اللّه أنوار بعرشه محدقين، وهم (عليهم السلام)أفضل جميع الممكنات وأشرف خلق اللّه ـ للأدلة العقلية، كقاعدة الأشرف، كما في الفلسفة. وللأدلة النقلية من الكتاب والسنّة ـ، وليس لهم نظير في عالم الإمكان، فهم العلّة بأقسامها للممكنات ـ كما جاء في حديث المعراج عن اللّه سبحانه: يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما(١) ـ، وأوّل ما خلق اللّه ـ كما ورد في الحديث الشريف ـ نور محمد (صلى الله عليه وآله)، وفي الخبر الشريف: أوّلنا محمد وأوسطنا محمد وآخرنا محمد

١- شرحت هذا الحديث الشريف في رسالة (فاطمة ليلة القدر)، فراجع.

٩١
وكلّنا محمد، كما أوّلهم علي وأوسطهم علي وآخرهم علي وكلّهم علي، ونورهم من نور اللّه سبحانه وعلمهم من علمه وقدرتهم من قدرته، فهم مظهر أسمائه وصفاته.

وعلي (عليه السلام) نقطة دائرة الإمكان ومركزها ومحورها وقطب حركتها، فهو قلب العالم وسلطانه، والحافظ والواسطة في الفيوضات الإلهية على الممكنات والخلائق من بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، فهو الصادر الأوّل بعد النبيّ المختار، وهو إمام الكلّ في الكلّ لاحتياج الكلّ إليه، وهو باب اللّه المبتلى به الناس، مَن أتاه نجى ومن تخلّف عنه غرق وهوى، فهو مفتاح مشيّة اللّه واستفاضة فيضه المطلق بعد نبيّه الأكرم، وبيُمنه رزق الورى، وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، فإنّه لولا الحجة لساخت الأرض بأهلها، فهو حجة اللّه الأعظم، فهو الأوّل في المخلوقات بعد الرسول، وهو الآخر في الغايات، وهو الظاهر في فضائله، وهو الباطن في أسراره، فهو نقطة الوجود وسرّ المعبود، وهو الشاهد والمشهود.

أجل: قالت البشرية في عالم الذرّ في قوله تعالى: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى}، ولم يقولوا نعم، فلولا المولى (عليه السلام) لما أمكنهم قول بلى، فإنّ نقطة تعين المتكلّم على قوله (بلى)، وذرية بني آدم لولا النقطة لتلجلجوا من اليوم الأوّل في توحيدهم، وعلي (عليه السلام) هو النقطة.

فمثل علي (عليه السلام) يكون قطب عالم الإمكان، وقد أشار إلى ذلك في نهجه، في الخطبة الشقشقية، قائلا: «وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليّ الطير»(١).

«فهو قطب الولاية ونقطة الهداية وخطة البداية والنهاية، يشهد بذاك

١- نهج البلاغة، صبحي الصالح، الخطبة الثالثة: ٤٨.

٩٢
أهل العناية، وينكره أهل الجهالة والعماية، وقد ضمّنه أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً في قوله: كالجبل ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير، وهذا رمز شريف لأنّه شبّه العالم في خروجهم من كتم العدم بالسيل وشبّه ارتفاعهم في ترقّيهم بالطير، لأنّ الأوّل ينحدر من الأعلى إلى الأدنى، والثاني يرتفع من الأدنى إلى الأعلى، فقوله: «ينحدر عنّي السيل» إشارة إلى أنّه باطن النقطة التي عنها ظهرت الموجودات ولأجلها تكوّنت الكائنات، وقوله: «ولا يرقى إليّ الطير»، إشارة إلى أنّه أعلى الموجودات مقاماً ولسائر البريّات إماماً، ولهم في الحشر قائداً وقسّاماً، فهو قسيم نور الحضرة النبوية المحمدية، صاحب الولاية الإلهية، فهو الكلمة الربانية، ومولى سائر البرية، ولقد أحسن ابن أبي الحديد إذ فوق سهم التوفيق رامياً لهذا المرمى الدقيق عن قوس التحقيق، فقال:


واللّه لولا حـيدر ما كانتالـدنـيا ولا جمع البرية مجمع
وإليه في يوم المعاد حسابناوهو الملاذ لنا غداً والمفزع»(١)

الثاني : ـ

لا يخفى أنّ النقطة مركز الدائرة، وأمير المؤمنين علي هو مركز الحقّ وقطبه ومحوره، كما قال النبي ـ في الخبر المتواتر عند الفريقين السنّة والشيعة ـ عليّ مع الحقّ، والحقّ معه يدور حيثما دار.

فمن كان من شيعته ومواليه، كان مع الحقّ، وإنّه قد ركب سفينة النجاة، ومن تخلّف عنه غرق وهوى، واُمّه هاوية نار حامية.

فمولى الموحّدين أمير المؤمنين هو نقطة عالم الوجود والنور والحقّ، يدور الحقّ معه أينما دار، فهو قطب الرحى.

١- مشارق أنوار اليقين: ٥١.

٩٣
روى الحاكم النيسابوري والخوارزمي، بإسنادهما، قال رسول اللّه: رحم اللّه علياً، اللّهم أدر الحقّ معه حيثما دار. وروى الحمويني، بإسناده، قال رسول اللّه: الحقّ مع علي بن أبي طالب حيث دار. وقال (صلى الله عليه وآله): عليّ مع الحقّ والحقّ مع علي، ولن يفترقا حتّى يردا علَيّ الحوض يوم القيامة. وقال: يا علي إنّ الحقّ معك، والحقّ على لسانك وفي قلبك وفي عينك. وقال: سيكون بين الساعة فرق واختلاف، فيكون هذا ـ مشيراً إلى علي بن أبي طالب وأصحابه ـ على الحقّ. وقال: ستكون بعدي فِتَن، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فإنّه فاروق بين الحقّ والباطل. وعن عائشة، قال: الحقّ مع علي وعلي مع الحق، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. وعن اُمّ سلمة: كان علي على الحقّ، مَن اتّبعه اتّبع الحقّ، ومن تركه ترك الحقّ، عهداً معهوداً قبل هذا اليوم. وروى الخوارزمي، عن علقمة والأسود، قالا: سمعت أبا أيّوب الأنصاري يقول: سمعت النبيّ يقول لعمّار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية، وأنت مع الحقّ والحقّ معك، يا عمّار، إذا رأيت علياً سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره، فاسلك مع عليّ ودع الناس، فإنّه لن يدخلك في أذى ولن يخرجك من الهدى... وهناك عشرات الروايات الاُخرى بهذا المضمون في كتب أبناء العامة فضلا عن الشيعة(١).

الثالث : ـ

مرجع الحروف ومآلها هي النقطة، وظهور العلوم والفنون إنّما هي بالحروف، فمرجع المعارف الإلهية ومآل العلوم والفنون والفضائل والمكارم والآداب هو علي (عليه السلام)، فهو مرجع حساب الخلائق، وبصكّ منه يعبر المؤمن على الصراط، كما ورد في الخبر الشريف عند الفريقين.

١- نقلت الروايات من كتاب (قادتنا كيف نعرفهم) ٢: ٤٧٥ ـ ٤٨٠، فراجع.

٩٤
فظهور العلوم البشرية، كعلم الأديان وعلم الأبدان، والعلوم العقلية والنقلية إنّما هي من الحروف، وتركيب الحروف من النقطة، وهو النقطة (عليه السلام)، فهو أساس العلوم وعنده علم الأوّلين والآخرين، كما في الأخبار الشريفة.

الرابع : ـ

النقطة ميزان في العلوم والفنون، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ميزان الأعمال، كما نقرأ في زيارته: «السلام عليك يا ميزان الأعمال»، فهو الميزان القويم بين الحقّ والباطل، وبه تقاس الأعمال وتقوّم، فهو الفاروق الأعظم والصراط المستقيم، وصراط علي حقّ نمسكه، ومن لم يتمسّك بحبل اللّه ويعتصم بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) فهو من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ومأواه جهنم، وبئس المصير.

فتشخيص حرف الباء من التاء والثاء بالنقطة، وعلي (عليه السلام) هو النقطة المميّزة بين الحقّ والباطل والاُمور المتشابهة، فهو المحكم من الآيات.

الخامس : ـ

من النقطة تعرف أسرار الحروف والأعداد، ومن إمام المتّقين علي (عليه السلام) تعرف أسرار المعارف الحقّة والأحكام المستحكمة، فهو الهادي ولكلّ قوم هاد، وهو سرّ اللّه وآيته ومظهر لأسمائه وصفاته، فهو يد اللّه وعينه ـ كما قالها عمر بن الخطّاب في قصة الرجل الذي كان ينظر إلى امرأة أجنبية في حرم النبيّ، فصفعه أمير المؤمنين علي على وجهه فاحمرّ وجهه، فجاء إلى عمر يطالب بالقصاص، فأجابه: عين اللّه رأت ويد اللّه ضربت ـ وهذه معرفة عمرية عامّية، فكيف بالمعرفة العلوية الشيعية، فتدبّر.

وقد ورد في الحديث النبوي الشريف عند الفريقين في صحاحهم: يتقرّب العبد إليّ بالنوافل حتّى اُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره

٩٥
الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده الذي يأخذ به(١)، وأمير المؤمنين سيد المتقرّبين، فيده يد اللّه، ويد اللّه فوق أيديهم(٢).

السادس : ـ

قالوا: إنّ للنقطة باعتبار اختفائها بالصورة الألفية ـ فإنّ حرف الألف مركّب من نقاط متوالية متلاحقة والحروف مركّبة من الألف ـ وظهور النقطة بها لها مراحل ومراتب:

الاُولى:

قبل الامتداد ـ فإنّ النقطة عندما تمتدّ يتكوّن الألف ـ، وهي المرتبة الاجمالية الاتّحادية، وهي مرتبة لا يظهر أعيانها، وهي عبارة عن المرتبة النورانية الثابتة للإمام علي (عليه السلام)، على ما هي مذكورة في الأخبار والآثار.

الثانية:

ابتداء النفس بإيجاد وأعيان الحروف حال تعيّناتها في مخارجها، وهذا تشبيه لكون الإمام (عليه السلام) واسطة بين الخالق والمخلوق في جميع الفيوضات الربّانية، وكونه (عليه السلام) حافظاً للشريعة السماوية السمحاء، وهادياً للاُمّة البشرية، وقلبه عبارة عن المشكاة التي فيها مصباح، كما جاء في تفسير آخر للمصباح

١- الآداب المعنوية للصلاة: ٣٥٤.

٢- يقول السيد الإمام الخميني (قدس سره) في آداب الصلاة: الإنسان يستطيع أن يكون مظهراً لأسماء اللّه، والآية الكبرى الإلهية بالارتباطات القلبية، ويكون وجوده وجوداً ربّانياً، ويكون المتصرّف في مملكته يد الجمال والجلال الإلهي. وفي الحديث ما يقرب من هذا المعنى من أنّ: (روح المؤمن أشدّ اتّصالا باللّه تعالى من اتّصال الشمس بها أو بنورها)، وفي الحديث الصحيح: (لا يزال يتقرّب إلَيّ عبدي بالنوافل حتّى اُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به...)، وفي الحديث: (علي عين اللّه ويد اللّه)، إلى غير ذلك... وفي الحديث: (نحن أسماؤه الحسنى)، والشواهد العقلية والنقلية في هذا بخصوصه كثيرة.

٩٦
في آية النور(١).

وقال (عليه السلام): نحن أوعية مشيّة اللّه، إذا شئنا شاء اللّه، ولا نشاء إلاّ أن يشاء اللّه، وفي الزيارة الجامعة الكبيرة: «السلام على محالّ مشيّة اللّه». والسرّ في المعنى المذكور ظاهر، فإنّ تلك التعيّنات إشارة إلى مقام إقبال المعصوم (عليه السلام)إلى الخلق لإصلاح اُمور دينهم ودنياهم.

الثالثة:

المرتبة الحسية برسم النقطة وامتدادها في رسم الحروف، وهي إشارة إلى كونه (عليه السلام) مظهر العالم الملكي المسمّى بعالم الحسّ والشهادة في مقابل عالم الملكوت والأمر، فتظهر أسماء اللّه وصفاته الكمالية، وتبرز في وجوده الشريف. فكونه (عليه السلام) مظهر الفيض الأقدس في العالم الناسوتي، وظهوره في الظاهرة الكمالية الإنسانية عكوس الأسماء الإلهية.

السابع : ـ

قد جاء في الحديث الشريف ـ كما مرّ ـ إنّ {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} أقرب إلى الإسم الأعظم من سواد العين إلى بياضها، وقد ورد في معناه وجوه كثيرة: كقولهم: البسملة عين الاسم الأعظم،، إمّا بهذا الترتيب أو بترتيب آخر مخزون عند أهله، ولكنّ ترتيب آثارها وظهور خواصّها مشروط بشروط لا يتّفق اجتماعها وتحقّقها إلاّ عند أهلها كالأنبياء والأوصياء والأولياء.

وقيل: الإسم الأعظم كما ورد في بعض الأخيار عبارة عن وجود الإمام (عليه السلام)، فلولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها، ثمّ شدّة قرب الأئمة الأطهار ـ سيّما سيّد الأوصياء علي (عليه السلام) ـ إلى البسملة في غاية الوضوح والثبوت، كما يشهد به آية {فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى}، فالنقطة هو وجود الإمام (عليه السلام)، والبسملة

١- ذكرنا تفصيل ذلك في (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام))، فراجع.

٩٧
أقرب إلى النقطة من حيث المعنى من سواد العين إلى بياضها، وقال اللّه تعالى {وَلِلّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فَادْعُوهُ بِها}، وعن الإمام الصادق (عليه السلام)ـ كما في تفسير نور الثقلين، ذيل الآية الشريفة ـ: «نحن واللّه الأسماء الحسنى»، وهذا يعني أنّ الإسم الأعظم ليس لفظاً، بل كلّ اسم هو أعظم لو تجلّى في جوهر الإنسان المؤمن باطنه، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) من الإسم الأعظم وهو نقطة البسملة.

الثامن : ـ

هل تعلم إنّ الحروف الأبجدية لها أعداد خاصة في كتب العلوم الغريبة، وعلي يتكوّن حسابه بالأبجد مئة وعشرة، فإنّ العين سبعين واللام ثلاثين والياء عشرة، فتلك مئة وعشرة، ثمّ جميع الأعداد والأسماء للمخلوقات باعتبار الحروف الأبجدية وأعدادها مرجعها بعد حساب خاص إلى مئة وعشرة، وهذا يعني أنّ مرجع الأسماء كلّها إلى اسم علي (عليه السلام)، وكيف لا ترجع الأسماء كلّها إلى اسمه الشريف (وعلي اشتقّ من العليّ)، كما ترجع المسميات إلى مسمّاه الشريف، كما إنّ مرجع الأعداد من الواحد إلى ما لا نهاية إنّما يكون إلى عدد مئة وعشرة، وهو عدد اسم علي المبارك.

وأمّا الحساب الخاص، فهو: يأخذ أي عدد كان (حتّى عدد الواحد) فيضرب المجموع في ستة، ثمّ يضاف عليه واحد، ويضرب في عشرة، ويقسّم على عشرين، والمتبقّي يضرب في أحد عشر، فتكون النتيجة عدد أمير المؤمنين علي (عليه السلام) (١١٠).

ولا يخفى على ذوي النهى أنّ هذه المقامات الشامخة في الحقيقة العلوية إنّما هي من أشعة الحقيقة المحمدية، فإنّه قال (عليه السلام): علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم ينفتح لي من كلّ باب ألف باب.

وقال: أنا عبد من عبيد محمد.

٩٨
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ٩٩ - ص ١٠٩)

٩٩
«بكم فتح اللّه وبكم يختم»، «ولولا الحجة لساخت الأرض بأهلها».

وفي حديث المعراج خطاب ربّ العباد حبيبه محمد، قائلا: «يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا علي لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما»(١)، فلو شبّهنا العالم وما سوى اللّه سبحانه بجسد الإنسان كما ورد في الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام):


أتزعم أنّك جرم صغيروفيك انطوى العالم الأكبر

وفي جسد الإنسان عقل في الدماغ وهو مركز الإرادة والتدبير، وقلب في صدره يضخّ منه الدم، وكبد يصفّي الدم الذي يأخذه من القلب ويدفعه إلى الدماغ، فلولا الدماغ لما كان الإنسان، ولولا القلب لما كان الدماغ، ولولا الكبد لما كان الدماغ والقلب، أي لا يتمّ عملية الدماغ والقلب.

ودماغ الأفلاك وعقل العالم هو رسول اللّه، وقلب عالم الإمكان هو الإمام المعصوم علي (عليه السلام)، وكبد العالم فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فلولاها لما كان مجال لعمل العقل والقلب، فهي مجمع النبوّة والإمامة، وهي ملتقى البحرين يخرج منها اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين، فهي اُمّ الأئمة النجباء الأطهار (عليهم السلام)، واُمّ أبيها.

الثاني عشر : ـ

لولا النقطة في لفظ النور، لكان مهملا لا معنى له، ولولا مولانا علي المرتضى (عليه السلام) لما كان للنور ظهور، فهو وابن عمّه وأهل بيته (عليهم السلام)نور السماوات والأرض، كما مرّ في آية النور.

١- لقد ذكرت وجوهاً لهذا الخبر الشريف، كما ذكرت مصدره في رسالة (فاطمة الزهراء ليلة القدر)، فراجع.

١٠٠