×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي المرتضى (عليه السلام) نقطة باء البسملة / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

إنّ سموّ النور على سائر الموجودات، بل كون قوامها جميعاً به، أوضح من أن يبرهن عليه، ويمتاز النور المحمدي المشترك مع النور العلوي في الحقيقة بأنّه مستمدّ من النور الإلهي الذي به استنارت السماوات والأرضون. وإليك ما يدلّ على ذلك: روى الحمويني، بإسناده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول اللّه يقول لعلي: خلقت أنا وأنت من نور اللّه تعالى(١).

وروى الكنجي، بإسناده، عن سلمان، قال: سمعت رسول اللّه يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه مطيعاً، يسبّح ذلك النور ويقدّسه قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق اللّه آدم ركز ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقا في صلب عبد المطّلب، فجزء أنا وجزء علي.

وروى ابن المغازلي، بإسناده، عن سلمان، قال: سمعت حبيبي محمداً يقول: كنت أنا وعلي نوراً بين يدي اللّه عزّ وجلّ يسبّح اللّه ذلك النور ويقدّسه، فلمّا خلق اللّه آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتّى افترقا في صلب عبد المطّلب، ففيّ النبوّة، وفي علي الخلافة.

وفي رواية اُخرى، عن جابر... فأسكنها في صلب آدم، فساقها حتّى قسمها جزئين، جزء في صلب عبد اللّه، وجزء في صلب أبي طالب، فأخرجني نبياً، وأخرج علياً وصياً(٢).

وهناك العشرات بل المئات من الروايات التي تذكر الحقيقة المحمدية والحقيقة العلوية ونورهما وأنّهما من نور اللّه سبحانه قد رواها الفريقان بأسانيدهم

١- قادتنا كيف نعرفهم ١: ٤١، عن فرائد السمطين ١: ٤٠.

٢- مناقب علي بن أبي طالب: ٨٨.

١٠١
المعتبرة، وإنّما نكتفي ببعض الروايات مع حذف السند طلباً للاختصار، وليكون ما سطرناه الخطوة الاُولى لمسيرة ألف ميل، والكلمة الاُولى لمن أراد التفصيل.

قال الحافظ البرسي: محمد وعلي نور واحد، وإنّما انقسما تسمية ليمتاز النبي عن الولي، كما امتاز الواحد عن الأحد، فكلّ أحد واحد ولا ينعكس، وكذا كلّ نبيّ ولي ولا ينعكس، فلهذا لا توزن الأعمال يوم القيامة إلاّ بحبّ علي، لأنّ الولاية هي الميزان(١).

الثالث عشر : ـ

الحروف الهجائية في اللغة العربية يتكوّن من ٢٨ حرفاً، وفيها الحروف المنقّطة، ولولا النقطة لاختلّت الحروف وتناثرت وتهاوت، وكذلك نقطة البسملة علي المرتضى (عليه السلام)، فلولاه لاختلّ النظام التشريعي والتكويني، فإنّ القوم نحّوا عليّاً (عليه السلام) عن الخلافة الحقّة، فأدّى ذلك إلى الابتعاد عن النظام التشريعي والدين المحمّدي الأصيل، وأصاب المسلمين الذلّ والانكسار، وتفرّقوا شِيعاً، وذهبت شوكتهم وعزّتهم، وإنّما ينالوها مرّة اُخرى لو رجعوا إلى الحقّ والصدق، وإنّ علياً مع الحق والحق مع علي (عليهم السلام)، دار الحقّ معه أينما يدور.

الرابع عشر : ـ

كلّ الحروف والأعداد تفتقر في جوهرها وتكوينها وحقيقتها إلى النقطة دون العكس، وكذلك الموجودات في قوامها وإيجادها تفتقر إلى الإمام الحقّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ولمّا سأل سائل عن دليل إمامته، أجابهم بالبرهان العقلي: احتياج الكلّ إليه واستغنائه عن الكلّ دليل على أنّه إمام الكلّ في الكلّ، فهو النقطة في عالم الموجودات وبوجوده ثبتت الأرض والسماء،

١- قادتنا كيف نعرفهم ١: ٤٦، عن مشارق أنوار اليقين: ٦٦.

١٠٢
وبيمنه رزق الورى. فهو حجة اللّه على الخلائق، وهو الكشّاف للحقائق.

الخامس عشر : ـ

روى الفريقان ـ السنّة والشيعة ـ في صحاحهم، عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ به ببسم اللّه فهو أبتر»، فلا بدّ من ذكر اللّه عند كلّ أمر حتى يكون مباركاً، وقال سبحانه وتعالى: {اذْكُرُونِي أذْكُرُكُمْ}، وعلي (عليه السلام) مظهر ذكر اللّه، فإنّه يذكّر الناس باللّه سبحانه، فهو ذاكر ومذكّر، وهو النقطة تحت البسملة، فلا يتمّ ذكر اللّه إلاّ به، وفي أحاديثنا عن أئمتنا الأطهار (عليهم السلام): «بنا عُرف اللّه»، «بنا عُبد اللّه»، «سبّحنا فسبّحت الملائكة، وكبّرنا فكبّرت الملائكة»، فلا يصحّ ولا يتمّ ذكر اللّه حقّاً والتوجّه إليه صدقاً إلاّ من ناحيتهم (عليهم السلام)، «أنتم وجه اللّه الذي يتوجّه إليه الأولياء». وروي عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله): «ذكر عليّ عبادة»، و «حبّ عليّ حسنة لا يضرّ معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة»(١).

السادس عشر : ـ

الباء في البسملة عند المشهور من علماء التفسير والأدب إنّما هي للاستعانة، وبدون النقطة لا تكون بائها باءً، ولا يمكن تلاوتها، وهذا يعني أنّه من دون المولى (عليه السلام) لا يمكن أن يستعان بالبسملة(٢).

وقال العلاّمة الشيخ محمد حسين الاصفهاني في تفسيره(٣)، في وجوه تعليق الاستعانة باسم الجلالة وكيفيّتها: ثمّ إنّ في تعليق الاستعانة وما شابهها

١- بحر المعارف: ٣٩٨.

٢- هذا الوجه وبعض الوجوه الموجزة الاُخرى أشار إليها زميلنا وصديقنا الفاضل الحجة السيد حسن الأحمدي وصديقنا العزيز وزميلنا الحجة الشيخ حسين الكنجي، جزاهما اللّه خيراً، وأسعدهما في الدارين.

٣- مجد البيان: ٢١٦.

١٠٣
باسم اللّه سبحانه في البسملة وسائر المقامات كقوله: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ} و {اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ} و {تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} و {فَسَبِّحِ بِاسْمِ رَبِّكَ} وغير ذلك، وجهين:

أحدهما : ـ

أن يكون المنسوب إليه هو اللّه سبحانه لا الاسم كقول (لبيد): «إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما»، وهذا يمكن أن يكون نحو تعظيم في التعبير كما شاع ذكر الجناب ونحوه عند إرادة العرض على الأكابر، مع أنّ المنسوب إليه هو الكبير بنفسه، وأن يكون المراد من الاسم المذكور هو المسمّى، كما صرّح به بعضهم في الآية الاُولى.

وثانيهما : ـ

أن يكون الاستعانة بنفس الاستعانة وما شاكلها، متعلّقة بنفس الاسم من حيث كون الاستعانة به استعانة بالمسمّى، وكونه وسيلة إليه سبحانه، سواء جعل الاسم بمعنى اللفظ كما هو المفهوم منه عند العامة، فيكون إسناد التسبيح والتبارك إليه باعتبار كونه منزّها عن الدلالة على ما يشعر بنقص، وكونه موجباً للبركة لمن واظب عليه أو ذكر اللّه سبحانه به، أو عبارة عن حقيقة ذلك الاسم في عالم الربوبية، فإنّ للناس حقائق في أعلى درجات عالم الامكان، وحينئذ فنسبة التنزيه والبركة والاستعانة إليه حقيقة إمكانية، يعني في مقام نسبة الأشياء الإمكانية بعضها إلى بهض، وهذا الوجه أدلّ على تنزيه الحقّ وتباركه وكونه المستعان به من حذف الاسم وجعل المسمّى متعلّق النسبة.

ولعلّ أوجه الوجوه أن يقال: لمّا كان ذات الحقّ سبحانه منزّهاً عن تعلّق إدراكنا به وغيباً محضاً لا يصحّ الاشارة إليه لا عقلا ولا وهماً، ظاهراً لنا بصفاته وأسمائه وأفعاله وآثاره، وكان صفاته الذاتية عين الذات الممتنعة عن الادراك افتقر الداعي والمستعين والمسبّح إلى وجهة يتوجّه بها إليه سبحانه من أسمائه الكلية والجزئية {وَلِلّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فَادْعُوهُ بِها} بمنزلة القاصر عن مشاهدة

١٠٤
الشمس بعينه المتوسّل إلى ملاحظتها بالماء الصافي أو المرآة الصافية، فإنّ الاسم من حيث أنّه اسم وعلامة للشيء لا يعتبر له استقلال وهوية بل يلاحظ به المسمّى ويجعل آلة للحاظه، كالناظر إلى الشمس من المرآة والماء فإنّه ينبغي غفلته عن ملاحظة صفات الماء والمرآة واستغراقه في مشاهدة صفات الشمس الظاهرة له بتوسّط الماء، فتسبيحه حينئذ لما ظهر في الماء تسبيح للشمس، والماء مظهر لها. وأمّا من يرى الماء شيئاً مستقلا ويشاهده وصفاته فهو غير ناظر إلى الشمس ولا إلى علامته، بل إلى أمر آخر محتجب به عن الشمس، وكذا المستعين بحقائق الأسماء الإلهية أو ألفاظها ومسبّحها قد يكون مسبّحاً له سبحانه ومستعيناً به بإيقاع الألفاظ والحقائق عليه وهو الموحّد في ذلك المقام، وقد يكون مسبّحاً للألفاظ والحقائق ومحتجباً بها عنه سبحانه وهو من أخفى أقسام الشرك، انتهى كلامه رفع مقامه.

وإنّما ذكرت ما بيّنه في معنى الاستعانة بسم اللّه لما فيه من الدقّة والظرافة، ونقول في أمير المؤمنين علي المرتضى وأنّه يستعان به لا على نحو الاستقلالية، بل هو من أسماء اللّه وأنّه مرآة صافية تطبع فيها حقائق الأسماء الإلهية، وهذا من عين التوحيد الخالص، فإنّ ذات الحقّ سبحانه منزّهاً عن تعلّق إدراكنا وفهمنا به، فكلّ ما نتصوّره فهو مخلوق لنا، فإنّه غيب محض لا يصحّ الإشارة إليه لا عقلا ولا وهماً، وإنّما يظهر لنا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله وآثاره المتجلّية في أتمّ مخلوقاته، محمد وآله الطاهرين، فتدبّر جيّداً.

ثمّ يستعان بأمير المؤمنين في كلّ الاُمور، فهو مظهر لتمام الاستعانة باللّه سبحانه، فإنّ نهاية أدب العبد غمض العين عن حوله وقوّته والإلتجاء إلى اسم ربّه والاعتصام به والاستعانة به في جميع شؤونه وأفعاله، إلى أن يصل إلى مقام

١٠٥
يغني عن مشاهدة نفسه فاعلا ومريداً، ويرى ذاته فاعلا ومريداً باللّه سبحانه، وروي عن النبيّ الأكرم: «كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم اللّه فهو أبتر». وروي في التوحيد عن الإمام الرضا (عليه السلام) ـ بعد السؤال عن ترجمة البسملة ـ، أنّه قال: «معنى قول القائل (بسم اللّه)، أي: أسمُ على نفسي سمة من سمات اللّه عزّ وجلّ، وهي العبادة. قال الراوي: فقلت له: ما السمة؟ قال: العلامة»(١). «فإنّ التسمية بهذه الكيفية متحقّق بمقام العبودية التي هي علامة الربوبية ومظهرها، فإنّ العبودية فناء وتبعية وقابلية وسؤال والتجاء واعتصام واستمداد، والربوبية كمال وجود وإعطاء وإمداد وإيجاد ونفاذ كلمة وتأثير، والأوّل علائم ومظاهر للآخر، والمسمّى بذلك المعنى دالّ على ربّه فاعل به، وتاركها كذلك مظهر نفسه في فعله ومحتجب عن ربّه بذاته وصفاته وأفعاله، والعلامة ما كان كاشفاً عن المعنى الذي هي علامة له، لا حاجباً ساتراً عنه. فمن وضع التسمية على نفسه فقد وسم نفسه بسمة اللّه علامته»(٢).

«ثمّ الرواية يؤيّد ما ذهب إليه الكوفيون من كون الإسم أصله الوسم والسمة، لأنّ الإسم علامة للمسمّى، خلافاً للبصريين، فذهبوا إلى أنّ أصله السموّ بمعنى العلوّ، والمناسبة أنّ التسمية تنويه للمسمّى وإعلاء له، أو أنّ اللفظ معرّف للمعنى، والمعرّف متقدّم على المعرّف في المعلومية فهو عال عليه، وكلاهما بعيدان، وإن كان اشتقاق الأسماء واُسمّي وسمّيت في الجمع والتثنية وبناء الفعل يؤيّده»(٣).

السابع عشر : ـ

في الخبر النبوي الصحيح عند الفريقين: «لا صلاة إلاّ

١- التوحيد: ٢٢٩، وتفسير الصافي ١: ٤٥، والبحار ٩: ٢٣٠.

٢- مجد البيان: ٢١٥.

٣- مجد البيان: ٢١٦.

١٠٦
بفاتحة الكتاب»، وبداية الفاتحة البسملة وأمير المؤمنين نقطتها، ولولا النقطة لما كانت البسملة ولما صحّ الدخول في الصلاة، وبدون ولايته (عليه السلام) لا تصحّ الصلاة ولا تقبل العبادة يوم القيامة، ولو كانت ذلك ليلا ونهاراً، كما صحّ وثبت في الأخبار المروية عند الفريقين.

قال العلاّمة الهمداني في كتابه(١): «ثمّ اعلم أنّ اللّه تعالى أوحى إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله)أنّ علياً (عليه السلام) هو السرّ المودع في فواتح السور والإسم الأعظم الأكبر الموحى إلى الرسل من البشر، والسرّ المكتوب على وجه الشمس والقمر والشجر والمدر، بل كلّ شيء خلق كما تقدّم من الخبر والأثر، وإنّه ذات الذوات في الذوات للذات، لأنّ أحدية الباري منزّهة عن الأسماء والصفات متعالية عن النعوت والإشارات، وأنّه الإسم الذي إليه ترجع الحروف والعبارات، والكلمة المتضرّع بها إلى اللّه سائر البريات، وإنّه الغيب المخزون بين اللام والهاء والكاف والنون، فقال سبحانه: {حمعسق كَذلِكَ يُوحى إلَيْكَ وَإلى الذِينَ مِنْ قَبْلِكَ}، قال الصادق (عليه السلام): (عسق) سرّ علي (عليه السلام)، فجعل اسمه الأعظم مرموزاً في فواتح سور القرآن وفاتحته، وإليه الإشارة بقوله: «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب»، ولا صلاة للربّ إلاّ بحبّ عليّ (عليه السلام) ومعرفته، ويظهر من ذلك وما سبق أنّ الوليّ هو المحيط بكلّ شيء، فهو محيط بالعالم، واللّه من ورائه محيط، وقد ظهر من أخبار معراج النبيّ (صلى الله عليه وآله)أنّ علياً (عليه السلام) أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بكلّ ما وقع له واطّلع عليه. وقد ظهر من ذلك سرّ كتابة اسمه الشريف على كلّ شيء، وقال تعالى: {وَكُلَّ شَيْء أحْصَيْناهُ فِي كِتاب مُبِين}، فأخبرنا سبحانه أنّ جميع ما جرى به قلمه وخطّه في اللوح المحفوظ

١- بحر المعارف: ٤٤٠.

١٠٧
من الغيب أحصاه في الإمام المبين، وهو اللوح الحفيظ في الأرض والسماء، وهو الإمام المبين، فاللوح المحفوظ علي (عليه السلام)... وإنّ الوليّ المطلق ولايته شاملة للكلّ ومحيطة بالكلّ واللوح داخلة فيها فهو دالّ على المحفوظ... فعليّ سرّ الأسرار وآية الجبّار، التي ينفذ عدّ فضائله رمل القفار وورق الأشجار وطيّار البحار، ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفذت كلمات اللّه إنّ اللّه عزيز حكيم، فمعرفة العامة لعلي (عليه السلام) أنّه فارس الفرسان وقاتل الشجعان، ومعرفة الخاصة أنّه أفضل من فلان وفلان، فلذلك إذا سمعوا أسراره أنكروا واستكبروا وجهلوا وهم في جهلهم غير ملومين، لأنّهم لو عرفوا أنّ محمداً (صلى الله عليه وآله) هو الواحد المطلق وأنّ علياً (عليه السلام) هو الولي المطلق، الولاية على الكلّ والسبق على الكلّ والتصرّف في الكلّ، لأنّهما العلّة في وجود الكلّ، فلهما السيادة على الكلّ لأنّهما خاصة إله الكلّ، ومختار معبود الكلّ، سبحان إله الكلّ وربّ الكلّ وفالق الكلّ ومفضّل محمد وعلي (عليهما السلام) على الكلّ والمستعبد لولايتهم وطاعتهم الكلّ».

الثامن عشر : ـ

في الحديث الشريف، قال النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله): «مَن أراد أن ينجو من الزبانية فليقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم تسعة عشر حرفاً ليجعل اللّه كلّ حرف منها جُنّة من واحد منها»(١). وعلى أبواب وطبقات جهنّم تسعة عشر من الملائكة الغلاظ كما في سورة المدّثر: {عَلَيْها تِسْعَةُ عَشَر}، ونقطة الباء هو المولى، فمن دونه لا يمكن النجاة من الزبانية، فهو قسيم الجنّة والنار.


عليّ حبّه جُنّةقسيم النار والجَنّة

١- مجد البيان: ٢٦٧، والبحار ٩٢: ٢٥٧.

١٠٨

وصيّ المصطفى حقّاًإمام الإنس والجِنّة

وفي زيارة الجامعة الكبيرة: «من أتاكم نجا، ومن لم يأتكم هلك».

وفي الحديث النبوي المتواتر عند الفريقين: «مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلّف عنها غرق وهوى».

روى الحمويني، بإسناده، عن أبي هريرة أنّه قال: لمّا خلق اللّه تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه، التفت آدم إلى يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجّداً ركّعاً، قال آدم: يا ربّ، هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة من الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنّة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجنّ، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العليّ وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزّتي إنّه لا يأتيني أحد مثال ذرّة من خردل من بغض أحدهم إلاّ أدخلته ناري ولا اُبالي، يا آدم هؤلاء صفوتي من خلقي بهم اُنجيهم وبهم اُهلكهم، فإذا كان لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسّل. فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله): نحن سفينة النجاة من تعلّق بها نجا ومن حاد عنها هلك، فمن كان له إلى اللّه حاجة فليسأل بنا أهل البيت(١).

حبّ علي (عليه السلام) حبّ اللّه جلّ جلاله: قال النبي (صلى الله عليه وآله): إنّ اللّه عهد إليّ عهداً، فقلت يا ربّ، بيّنه لي؟ فقال: إسمع، إنّ علياً راية الهدى وإمام أوليائي ونور

١- فرائد السمطين ١: ٣٦.

١٠٩
كتاب علي المرتضى(عليه السلام) نقطة باء البسملة للسيد عادل العلوي (ص ١١٠ - ص ١٢٣)

١١٠
فيجب عند الذبح والنحر ذكر اللّه وبسم اللّه، وإلاّ فتكون الذبيحة ميتة ويحرم أكلها، قال أمير المؤمنين: «أنا النقطة»، فحلّية الذبيحة تحتاج إلى البسملة التي نقطتها علي المرتضى (عليه السلام)، وقد أفتى بعض الأعلام المعاصرين بعدم كفاية ذبيحة المخالف في الهدي في منى.

الواحد والعشرون : ـ

يجب الجهر بالبسملة في الصلوات الجهرية كالصبح، ويستحبّ في الاخفاتية كالظهرين(١)، ونقطة الباء أمير المؤمنين علي المرتضى،

١- جاء في مجد البيان في تفسير القرآن: ٢٥٩: عن القمي عن الصادق (عليه السلام)، أنّها: أحقّ ما يجهر به ـ بالبسملة ـ، وهي الآية التي قال اللّه عزّ وجلّ: (وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُوراً)، ولعلّ الوجه في رجحان الإجهار به كما في غيره من الأخبار أيضاً هو أنّ الإجهار نوع من الإظهار، وإظهار التحقّق بمقام البسملة في عالم الملك الإنساني والكبير موجب لظهور فيوضاتها وبركاتها ودفع الشياطين فيما ظهرت فيها، وفي كونه ذكراً للربّ وحده واشتمال مدلولها على كثير من معاني التوحيد كما يظهر ممّا أسلفناه، وفي تنفّرهم عنه وتولّيهم على أدبارهم نفرتهم عن التوحيد وإعراضهم عن هذه الأسماء والتحقّق بها والتخلّق بموجبها، وعمّن كان شأنه وصفته ذلك، كما أنّه يبعد بسبب قرائتها على وجه الحقيقة وأشباههم الداخلية في عالم القلب الإنساني.

والعياشي، عنه (عليه السلام)، قال: «ما لهم قاتلهم اللّه، عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها»، والظاهر أنّها تعريض بالعامة، المنكر ثلّة منهم لكونها جزءاً من السورة، وبعض للجهر بها في الصلاة، كما أنّ المنكرين للجزئية هم المراءون بما رواه عن الباقر (عليه السلام): «سرقوا أكرم آية في كتاب اللّه: بسم اللّه الرحمن الرحيم»، والوجه في كون البسملة أكرم آية وأعظم آية، يظهر ممّا قدّمناه وفصّلناه في تفسيرها، وممّا يأتي ـ إن شاء اللّه تعالى ـ.

=>

١١١

<=

وروى البرقي في المحاسن، عن الصادق، أنّه قال: «ما نزل كتاب من السماء إلاّ وأوّله بسم اللّه الرحمن الرحيم».

وروى الشيخ الطوسي في الصحيح على الظاهر، عن محمد بن مسلم، أنّه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السبع المثاني والقرآن العظيم، أهي الفاتحة؟ قال: نعم، قلت: بسم اللّه الرحمن الرحيم من السبع المثاني؟ قال: هي أفضلهنّ».

وعن الكافي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، أنّه قال: كتموا بسم اللّه الرحمن الرحيم، فنعم واللّه الأسماء كتموها، كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إذا دخل منزله واجتمعت عليه قريش يجهر بسم اللّه الرحمن الرحيم ويرفع بها صوته فتولّي قريش فراراً، فأنزل اللّه في ذلك: (وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُوراً).

وروى الشيخ عن أبي حمزة، أنّه قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): «يا ثمالي، إنّ الصلاة إذا اُقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام، فيقول: هل ذكر ربّه؟ فإن قال نعم، ذهب، وإن قال لا، ركب على كتفيه، فكان إمام القوم حتّى ينصرفوا. قال: فقلت: جعلت فداك، أليس يقرأون القرآن؟ قال: بلى، ليس حيث تذهب يا ثمالي، إنّما هو الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».

وإنّما جعل البسملة في أوّل السورة لما روى الصدوق في العلل والكليني في الكافي بأسانيد معتبرة عن جماعة من أجلاّء أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) في ذكر صلاة ليلة المعراج بطوله:

«ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ قال: يا محمد، استقبل الحجر الأسود وهو بحيالي، وكبّرني بعدد حجبي، فمن أجل ذلك صار التكبير سبعاً، لأنّ الحجب سبع، وافتتح القراءة عند انقطاع الحجب، فمن أجل ذلك صار الافتتاح سنّة، والحجب مطابقة ثلاثاً بعدد النور

=>

١١٢
فمن الإيمان الكامل الجهر بمحبّته وولايته، وقد قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «علائم المؤمن خمس: التختّم باليمين، وتعفير الجبين، وزيارة الأربعين، والصلاة إحدى وخمسين، والجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».

فكان التختّم باليمين في عصرهم من علائم التشيّع والإيمان الكامل، مخالفة لأصحاب معاوية وشيعته، الذين كان شعارهم التختّم باليسار إحياءً لقضية التحكيم في حرب صفّين، حيث خلع عمرو بن العاص حيلةً ومكراً أمير المؤمنين علياً (عليه السلام)، ثمّ أخرج خاتمه من يمينه وجعله في يساره، وقال: خلعت علياً ونصبت معاوية للخلافة، كجعل الخاتم من يميني بيساري.

فصار التختّم باليسار شعار الأمويين، كما صار التختّم باليمين شعار العلويين.

وقال اللّه سبحانه: {قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةُ في القُرْبى}، والمودّة غير المحبّة، فإنّها المحبّة مع إظهارها وإعلانها والفداء دونها مالا ونفساً.

إلاّ أنّ المخالفين لعنهم اللّه، كما ورد في الخبر، سرقوا آية من كتاب اللّه أو أخفوها، فالمؤمن يجهر بالبسملة ونقطتها ويضحّي من أجل ولاية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) كميثم التمّار ورشيد الهجري وحجر وعمّار بن ياسر، واللعن الدائم

<=

الذي اُنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) ثلاث مرّات، فلذلك كان الافتتاح ثلاث مرات، فلأجل ذلك كان التكبير سبعاً والافتتاح ثلاثاً. فلمّا فرغ من التكبير والافتتاح قال اللّه عزّ وجلّ: الآن وصلت إليّ، فسمّ باسمي، فقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، فمن أجل ذلك جعل بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل السورة... إلى آخر الحديث».

وهو مشتمل على معان تكلّ العقول عن إدراكها إلاّ قليلا، ومنها نشير إلى نبذة تتعلّق بهذه السورة في خلال التفسير بما يخطر تصوّره بالبال، واللّه العالم بحقيقة الحال، فيذكر بعض المطالب العرفانية الرفيعة، فراجع.

١١٣
على من حذف النقطة من تحت الباء.

ومهما أراد الأعداء أن يكتموا فضائله (عليه السلام)، فإنّه لا يزال يرنّ صوت محمد ابن إدريس إمام الشافعية في مقولته المشهورة: «عجبت لرجل كتم أعداؤه فضائله حسداً وكتمها محبّوه خوفاً، وخرج ما بين ذين ما طبّق الخافقين»(١).

وأنشدنا الشيخ أبو بكر بن فضل اللّه الحلبي الواعظ لبعضهم:


يـا حبّذا دوحـة في الخلد ثابتةمـا فـي الجنان لها شبه من الشجر
المصطفى أصلها والفرع فاطمةثـمّ اللـقـاح عـلــي سيد البشر
والـهاشـمـيان سبطاها لهاشموالـشـيـعـة الورق الملتفّ بالثمر
هـذا حديث رسول اللّه جاء بهأهـل الروايـة في العالي من الخبر
إنّـي بـحبّهم أرجو النجاة غداًوالفوز مع زمرة من أحسن الزمر(٢)

وروى القندوزي من أبناء العامة، بإسناده، عن علي (عليه السلام)، قال: إنّي لنائم يوماً إذ دخل رسول اللّه فنظر إليّ وحرّكني برجله، وقال: قم يفدى بك أبي واُمّي، إنّ جبرئيل أتاني فقال لي: بشّر هذا بأنّ اللّه تعالى جعل الأئمة من صلبه، وأنّ اللّه تعالى يغفر له ولذريّته ولشيعته ولمحبّيه، وإنّ من طعن عليه وبخس حقّه فهو في النار(٣).

وروى الخوارزمي، بإسناده، عن أنس، قال: قال رسول اللّه: خلق اللّه تعالى من نور وجه علي بن أبي طالب (عليه السلام) سبعين ألف ملك يستغفرون له ولمحبّيه

١- علي في الكتاب والسنّة ٣: ٢٦.

٢- قادتنا كيف نعرفهم ٢: ٤٣٠، عن كفاية الطالب: ٤٢٥.

٣- المصدر.

١١٤
يوم القيامة(١).

وروى السخاوي، بإسناده، أنّ رسول اللّه قال لعلي: أنت وشيعتك تردون عليّ الحوض رواءً مرويين مبيضّة وجوهكم، وإنّ عدوّكم يردون عليّ ضماءً مقمحين(٢).

قال ابن حجر: أخرج مسلم، عن علي، قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبي الاُمّي إليّ أنّه لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق. وقال: وأخرج الترمذي، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنّا نعرف المنافقين ببغضهم علياً(٣).

وروى، بإسناده، عن ابن عمر، قال: سألت النبي عن علي بن أبي طالب كرّم اللّه تعالى وجهه، فغضب فقال: ما بال أقوام يذكرون من له منزلة كمنزلتي، ألا مَن أحبّ علياً فقد أحبّني، ومن أحبّني رضي اللّه تعالى عنه، ومن رضي اللّه عنه كافاه بالجنّة. ألا من أحبّ علياً يقبل صلاته وصيامه وقيامه واستجاب اللّه له دعاه، ألا ومَن أحبّ علياً استغفر له الملائكة وفتحت له أبواب الجنان، فدخل من أي باب شاء بغير حساب، ألا ومَن أحبّ علياً لا يخرج من الدنيا حتّى يشرب من الكوثر ويأكل من شجرة طوبى ويرى مكانه في الجنّة، ألا ومَن أحبّ علياً هوّن اللّه عليه تبارك وتعالى سكرات الموت وجعل قبره روضة من رياض الجنّة...

١- المصدر.

٢- المصدر.

٣- المصدر ١: ٢٦٣.

١١٥
وهناك المئات من الأحاديث الشريفة الواردة في حبّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في مصنّفات السنّة فضلا عن كتب الشيعة. فاعتبروا يا اُولي الأبصار، ولمثل هذا يضحّون أمثال ميثم التمّار وحجر بن عدي وشهداء الفضيلة على مرّ التأريخ، أرواحهم الزكية فداءً لمحبّة وعشق أمير المؤمنين أسد اللّه الغالب مولانا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهنيئاً لهم الشهادة المباركة ورزقنا اللّه ذلك وحشرنا في زمرتهم، آمين يا ربّ العالمين.

قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لو أنّ عبداً عبد اللّه مثل ما قام نوح (عليه السلام) في قومه وكان له مثل جبل اُحد ذهباً فأنفقه في سبيل اللّه ومدّ في عمره حتّى حجّ ألف حجّة على قدميه، ثمّ قتل مظلوماً، ثمّ لم يوالِكَ يا علي، لم يشمّ رائحة الجنّة(١).

وقال (صلى الله عليه وآله): حبّ علي (عليه السلام) يأكل السيّئات كما تأكل النار الحطب.

وروى أبو عبد اللّه الحسين بن جبير في كتاب نخب المناقب لآل أبي طالب حديثاً مسنداً إلى الرضا (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): من أحبّ أن يستمسك بالعروة الوثقى فليتمسّك بحبّ علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وروى الصدوق، بإسناده، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): حبّي وحبّ علي بن أبي طالب وحبّ أهل بيتي نافع في ستّة مواطن أهوالهنّ عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الميزان، وعند الصراط(٢).

١- بحر المعارف: ٢٩٩.

٢- المصدر: ٣٩٨.

١١٦

الثاني والعشرون : ـ

جاء في بحر المعارف، حينما يتحدّث المصنّف عن فضائل أمير المؤمنين وسيّد الموحّدين ويعسوب الدين وقائد الغرّ المحجّلين مولانا أسد اللّه الغالب والشهاب الثاقب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال ما هذا لفظه: «وما علمنا من سرّ عظمته إلاّ نقطة هي الباب الدالّ على الجناب، وليس بينهما وبين اللّه من حجاب، فهي السرّ والحجاب، فعليّ صفة اللّه وقدرة اللّه وكلمة اللّه واسم اللّه العظيم، وإنّ ثقل قدرة اللّه وتحمّلها وتحمّل ثقل السماوات صحفاً والجنّ والإنس كتّاباً لنفذ المداد، والأرضين السبع وجبرئيل وغيره قد خلقوا من شعاع نور محمد وعلي، وهما خلقا من نور ذي الجلال. ولهذا قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): لو كانت البحار مداداً والغياض أقلاماً والسماوات صحفاً والجنّ والإنس كتّاباً لنفد المداد وكلّت الثقلان أن يكتبوا معشار عشر فضائل عليّ. ويشهد للنبيّ كتاب الربّ العليّ، قال: {لَوْ كانَ البَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفَدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَد كِلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِداداً}، وقد تقدّمت الأخبار أنّ أكبر كلمات اللّه وأعظمها علي (عليه السلام)، وأنّه آية اللّه العظمى، فله الفضائل والمناقب التي لا تحصى، فكيف يعرفه البرايا، وقد قال النبيّ (صلى الله عليه وآله): «يا علي، ما عرفك إلاّ اللّه وأنا، وما عرفني إلاّ اللّه وأنت، وما عرف اللّه إلاّ أنا وأنت»، فكيف يكون مثل الناس وهم يدّعون معرفته، وقد روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام): «مَن عرف نفسه فقد عرف ربّه»، ومعرفة النفس هو أن يعرف الإنسان مبدأه ومنتهاه، من أين وفي أين وإلى أين؟ وذلك موقوف على معرفة الحقيقة التي هي الوجود المقيّد، وهو معرفة الفيض الأوّل الذي فاض عن حضرة ذي الجلال، ثمّ فاض عنه الوجود بأمر واجب الوجود وفيض الجود، وذلك هو النقطة الواحدة التي هي مبدأ الكائنات ونهاية الموجودات وروح الأرواح ونور الأشباح، وهو أوّل العدد وسرّ الواحد الأحد، وذلك لأنّ ذات اللّه غير معلومة للبشر،

١١٧
فمعرفته بصفاته، والنقطة هي صفة اللّه، والصفة تدلّ على الموصوف، لأنّ بظهورها عرف اللّه، وهي لألاء النور الذي شعشع عن جلال الأحدية في سماء الحضرة المحمدية، وإليه الإشارة بقوله: «لولانا ما عرف اللّه، ولولا اللّه ما عرفنا»، فهو النور الذي أشرقت منه الأنوار، والواحد الذي ظهرت عنه الأحاد، والسرّ الذي نشأت عنه الأسرار، والعقل الذي فاضت منه العقول، والنفس الذي صدرت عنه النفوس، واللوح الحاوي لأسرار الغيوب، والكرسي الذي وسع السماوات والأرض، والعرش العظيم المحيط لكلّ شيء عظمة وعلماً، والعين التي ظهر عنها كلّ عين، والحقيقة التي يشهد لها بالبدء كلّ موجود، كما شهدت هي بالأحدية لواجب الوجود، فتاه عرفان العارفين عن الوصول إلى محمد وعلي (عليهما السلام) بحقيقة معرفتهم، أو بمعرفة حقيقتهم، لكنّ ذلك الباب مستور بحجاب، وما اُوتيتم من العلم إلاّ قليلا، وإليه الإشارة بقولهم (عليهم السلام): «إنّ الذي خرج إلى الملائكة المقرّبين من معرفة آل محمد (صلى الله عليه وآله) قليل من الكثير»، فكيف إلى عالم البشرية. ومن هذا المقام عنوا بقولهم في أخبار متواترة متقدّمة: «إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ نبيّ مرسل أو مَلَك مقرّب أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان»، فمن اتّصل بشعاع نورهم فقد عرف نفسه، لأنّه قد عرف عين الوجود وحقيقة الموجود وفردانية ربّ المعبود، فمعرفة النفس هي حقيقة الوجود المقيّد، وهي النقطة الواحدة، التي ظاهرها النبوّة وباطنها الولاية، فمن عرف النبوّة والولاية بحقيقة معرفتهما، فقد عرف ربّه، فمن عرف محمداً وعلياً (عليهما السلام) فقد عرف ربّه...»(١).

«وروى ابن عبّاس، عن علي (عليه السلام)، أنّه شرح له في ليلة واحدة من حين

١- بحر المعارف: ٤٢٣.

١١٨
أقبل ظلامها إلى حين أسفر صباحها واُطفي مصباحها في شرح الباء من (بسم اللّه) ولم يتعدّ إلى السين، وقال: لو شئت لأوقرت أربعين وقراً من شرح بسم اللّه». وفي بعض النسخ بعيراً بدل وقراً.

بيان عرشي:

لا يذهب عليك أنّ فهم هذا الحديث «وأنا النقطة تحت الباء»، لا بدّ من توضيح وبيان، وكذا قول أهل المعرفة: بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تمّ تميّز العابد عن المعبود، وذلك إشارة إلى تنزّل الحقّ وظهوره بصورة الخلق كتنزّل الألف وظهوره بصورة الحروف، لأنّ تعيّن الحقّ المطلق الذي هو المعبود بصورة الخلق المقيّد الذي هو العابد، ليس إلاّ بسبب النقطة التعيّنية الوجودية الإضافية المسمّاة بالإمكان والحدوث، التي تحت الوجود البائن الأوّلي الإمكاني المسمّى بالعقل الأوّل تارة وبالروح الأعظم اُخرى، المتميّز بها العابد الذي هو العبد عن المعبود الذي هو الربّ، وكذلك الحروف لأنّ تعيّن الألف المجرّد الذي هو بمثابة الذات بصورة الباء المقيّد، ليس إلاّ بسبب النقطة التعينية البائية تحت الباء، المتميّز بها الباء عن الألف، لأنّ الألف إذا نزل من حضرة إطلاقه إلى حضرة تقيّده في صورة البائية، التي هي أوّل مراتبه في عالم الكثرة، لم يكن تميّزه عنه إلاّ بالنقطة البائية المتميّز بها عن غيره من الحروف، وكذلك الحقّ تعالى، فإنّه إذا نزل من حضرة ذاته ومقام إطلاقه وصورة أحديّته إلى صورة تقيّده وتعيّنه المعبّر عنه بصورة الإمكان في حضرة واحديّته، لا يكون تميّز تلك الصورة المقيّدة عنه إلاّ بالنقطة القيدية الإمكانية الواقعة تحت تعيّنه، المتميّز بها عن غيره من الموجودات، وأوّل تلك الصورة المقيّدة تارة تسمّى بالعقل، وتارة بالروح، وتارة بالنور، إلى آخر الموجودات، كما يسمّى أوّل الصورة المقيدة الحروفية تارة بالباء وتارة بالجيم وتارة بالدال إلى آخر الحروف، ولعظمة الصورة المقيدة

١١٩
الاُولى التي هي بإزاء الباء من الحروف، ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): «ظهر الموجودات من باء بسم اللّه الرحمن الرحيم»، وبسبب أنّ تقييدها وتمييزها كان بالنقطة البائية التميّزية، أعني الإمكانية الحدوثية، ورد عن علي (عليه السلام): «أنا النقطة تحت الباء»، ورد عن الكملّ: «بالباء ظهر الوجود، وبالنقطة تميّز العابد عن المعبود»، فلا سرّ أعظم من الباء، والنقطة بعد الألف أعني العقل الأوّل، وحقيقة الإنسان المعبّر عنهما بالباء، والنقطة بعد الذات الأحدية المعبّر عنها بالألف، ومن هنا قال علي (عليه السلام): «العلم نقطة كثّرها الجاهلون»، وكيفية الاطلاع من وجهين:

إمّا أن يكون من الوحدة إلى الكثرة، ومن المبدأ إلى المنتهى، الذي هو طريق النزول والظهور. وإمّا أن يكون من الكثرة إلى الوحدة، ومن المنتهى إلى المبدأ، الذي هو طريق الصعود والبطون، فإن كان الأوّل فهو أعظم فيجتهد في الاطلاع على النقطة أوّلا، ثمّ على ما صدر منها من النفس والهيولى والطبيعة والجسم الكلّي والأفلاك والعناصر والمواليد. وإن كان الثاني، وهو أظهر وأمتن، فيجتهد في الاطلاع على هذه الموجودات بعكس ذلك، وذلك لأنّ كلّ من اطّلع على النقطة الوجودية والذي تحتها، كمن اطّلع على الوجود كلّه، وعلى ما في ضمنه من الأسرار والحقائق، ولاطّلاع نبيّنا على الكتب السماوية وما في ضمنها من الأسرار والحقائق، ولاطّلاع نبيّنا (صلى الله عليه وآله) على النقطة الوجودية ليلة المعراج، قال: «علمت علوم الأوّلين والآخرين»، وقال: «اللّهم أرنا الأشياء كما هي»، ولاطّلاع علي (عليه السلام) عليها قال: «أنا النقطة تحت الباء»، وقال: «سلوني عمّا تحت العرش»، وهذه النقطة هي الموسومة عند القوم بعبادان، في قولهم: «ليس وراء عبادان قرية»، وهي التي عليها مدار الوجود، كالنقطة المركزية

١٢٠