×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

علي والخوارج - ج 2 / الصفحات: ٢١ - ٤٠

من الدين مروق السهم من الرمية(١).

وواضح: أنه إذا كانت عبادة الإنسان بعيدة عن الوعي، وعن التأمل، والفكر، فإنها تكون مجرد طقوس يؤديها الإنسان، ولا يحس بها، ولا يتفاعل معها إلا من خلال ما يبذله من جهد جسدي، من دون أن يشعر بعظمة الله سبحانه، أو أن يستشعر لذيذ القربى منه، أو يشرف بروحه على آفاق جلاله، ويتلمس بمشاعره وأحاسيسه معاني كمالاته السامية..

ومن يكون كذلك فسوف يرى: أن هذا الجهد الجسدي له قيمته، وخطره، في ميزانه المادي، فيرى نفسه أنه أعطى وقدم ما لم يقدمه وما لم يعطه غيره، وتصير له بذلك المنة ليس فقط على الآخرين ويتعالى عليهم وإنما على رب العالمين، ويبتلى بالعجب بالنفس، وذلك هو الهلاك بعينه.

الوصف الدقيق:

وواضح: أن «الخوارج» كانوا برهة من الزمن مع أمير المؤمنين، وقد عانى منهم الكثير، وصبر عليهم، حتى اعلنوا بالخروج عليه، فحاربهم وقتلهم في النهروان إلا الشريد، وحاربهم بعد ذلك أيضاً.

فهو (عليه السلام) أعرف الناس بهم، وإذا راجعنا أقواله فيهم، فإننا نجده (عليه السلام) لا يعترف لهم بالعبادة ولا بالزهد، بل هو يذكر لتحركاتهم دوافع دنيوية وشيطانية، الأمر الذي يشير إلى أن مواقفهم لم تكن دينية إلهية، وإنما كان لأهوائهم ومصالحهم الشخصية، ومفاهيمهم

(١) مسند أحمد ج٣ ص١٨٣ وراجع: المصنف للصنعاني ج١٠ ص١٥٤ وكنز العمال ج١١ ص١٧٧و٣١٠ عن أحمد، وعبد الرزاق ومجمع الزوائد ج٦ ص٢٢٩ وراجع: مستدرك الحاكم ج٢ ص١٤٧ وتلخصيه للذهبي بهامشه والبداية والنهاية ج٧/٢٩٧.

٢١

الجاهلية، وللنزعات الشيطانية، والعصبيات القبلية، دور كبير في إثارتهم، وفي اتخاذهم الكثير من المواقف الرعناء.

وكانوا يتخيلون كلهم أو كثير منهم: أن ذلك من الدين، ومن الحق الذي يسعون إليه، ويعملون في سبيل الوصول إليه؛ فهم مصداق ظاهر للأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، كما قرره علي أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه)، في كلام له عنهم(١).

ومهما يكن من أمر: فإن أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كان أعرف بهم من كل أحد، ركب، ومر بهم وهم صرعى، فقال: «لقد صرعكم من غركم.

قيل: ومن غرَّهم؟

قال: الشيطان. وأنفس السوء»(٢).

وفي نص آخر: «غرّهم الشيطان، وأنفس بالسوء أمّارة، غرتهم بالأماني، وزينت لهم

(١) الكامل في الأدب ج٣ ص١٨٨ وشرح النهج للمعتزلي ج٢ ص٢٧٨، والفتوح لابن أعثم ج٤ ص١٢٧ وكشف الغمة ج١ ص٢٦٦ والثقات لابن حبان ج٢ ص٢٩٦ ومناقب آل أبي طالب ج٣ ص١٨٦/١٨٧ عن تفسير القشيري، وعن الإبانة للعكبري، والبحار ط قديم ج٨ ص٥٥٠و٥٥٣و٥٥٢و٥٥٥و٥٧١ عن الغارات، والعمدة، وتفسير الثعلبي، وتهذيب تاريخ دمشق ج٧ ص٣٠٧ وتفسير البرهان ج٢ ص٢٩٥. والدر المنثور ج٤ ص٢٥٣ عن عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وفرائد السمطين ج١ ص٣٩٥.

(٢) مروج الذهب ج٢ ص٤٠٧ ـ وراجع: تذكرة الخواص ص١٠٥.

٢٢

المعاصي، ونبأتهم بأنهم ظاهرون»(١).

وقال (عليه السلام) مخاطباً لهم بالنهروان: «أيتها العصابة، التي أخرجتها اللجاجة، وصدّها عن الحق الهوى، فأصبحت في لبسٍ وخطأ»(٢).

وفي نص آخر، أنه قال لهم: «يا قوم، إنه قد غلب عليكم اللجاج والمراء، واتبعتم أهواءكم، فطمح بكم تزيين الشيطان لكم الخ»(٣).

وحسب نص آخر: «أيتها العصابة التي أخرجها المراء واللجاج عن الحق، وطمح بها الهوى إلى الباطل»(٤).

وعند الطبري: «أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء، واللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، وطمح بها النزق، وأصبحت في اللبس، والخطب العظيم»(٥).

وفي نص آخر لم يذكر قوله: «وطمح بها النزق الخ..». لكنه قال: «إن أنفسكم الأمارة سولت لكم فراقي لهذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها، وسألتموها وأنا لها كاره. وأنبأتكم أن القوم إنما فعلوها مكيدة، فأبيتم علي إباء المخالفين، وعندتم علي عناد العاصين الخ»(٦).

ولعل في اختلاف هذه النصوص، ولا سيما هذا النص الأخير مع ما

(١) البداية والنهاية ج٧ ص٢٨٩، وتاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٦٦ والكامل في التاريخ ج٣ ص٣٤٨ والبحار ط قديم ج٨ ص٥٥٦ ونهج البلاغة قسم الحكم رقم ٣٢٩ حسب ترقيم المعتزلي وبشرح عبده ج٣ ص٢٣٠.

(٢) الأخبار الطوال ص٢٠٧/٢٠٨ راجع الموفقيات ص٣٢٥.

(٣) أنساب الأشراف، بتحقيق المحمودي ج٢ ص٣٧١.

(٤) تذكرة الخواص ص١٠٠.

(٥) تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٦٢ والكامل في التاريخ ج٣ ص٣٤٣.

(٦) نور الأبصار للشبلنجي ص١٠٢ والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص٩٢.

٢٣

سبقه ما يثير احتمال تعدد الواقعة، فدعا ذلك إلى التركيز على خصوصيات مختلفة تتناسب مع الحالات المختلفة.

ونلاحظ: أنه (عليه السلام) قد قرر في كلماته تلك:

ألف: أن «الخوارج» كانوا يتوقعون الظفر في حربهم له (عليه السلام).

ب: أنه كانت لديهم أماني قد غرتهم.

ج: إن أنفسهم الأمارة وأمانيهم قد زينت لهم المعاصي.

د: أن الشيطان زين لهم وغرهم، فأوردهم موارد الهلكة.

هـ: أنهم قد التبست عليهم الأمور، ووقعوا في الخطأ، حينما لم يعرفوا الحق.

و: أن الهوى قد صدهم عن الحق.

ز: إنهم كانوا قد غلب عليهم اللجاج والمراء.

ح: إن النزق قد طمح بهم.

ط: ان النزق دعاهم إلى الخلاف والعناد.

ي: إنهم إنما يقاتلون من أجل الدنيا، كما سيأتي في كلامه (عليه السلام) مع زرعة بن البرج.

وستأتي كلمات أخرى له (عليه السلام)، فيها إشارات أخرى إلى دوافعهم، وحالاتهم.

ثم إن مما يدل على ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن الشيطان قد زين لهم المعاصي، ما كانوا يرتكبونه في حق الأبرياء من جرائم، وموبقات، ومآثم. وذلك في أول ظهورهم، وحتى قبل معركة النهروان الشهيرة، وقبل أن يضعوا لأنفسهم منهجاً عقائدياً يبيحون فيه لأنفسهم

٢٤

ارتكاب تلك الموبقات والمآثم.

أضف إلى ذلك: أن حربهم لأمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) لم تكن مبررة عندهم بالقدر الكافي، فلم يكن لديهم في ذلك برهان، ولا كانوا واثقين من صواب موقفهم، بل كانوا مجرد شكاك؛ فمضوا على شكهم حتى قتل أكثرهم، وقتل بسببهم أو على أيديهم كثيرون آخرون، وقد تحدثنا عن شكهم هذا في موضع آخر من هذا الكتاب.

ونحن هنا بهدف توفير الوقت، وادخار الجهد سوف نقتصر على نماذج قليلة من مخالفاتهم، ومواقفهم اللاإنسانية، وأفعالهم التي تخالف اعتقاداتهم وأقوالهم، وهي التالية:

القتال على الأموال:

إن من يراجع تاريخ الوقائع والأحداث لا يساوره شك في أن قتالهم لم يكن جهاداً في سبيل الله، بل كان على الأموال، ومن أجل الدنيا بصورة عامة، فقد قال سيد الوصيين علي أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)، لزرعة بن البرج، في احتجاجه على أهل النهروان: «لو كنت محقاً كان في الموت على الحق تعزية عن الدنيا، إن الشيطان قد استهواكم، فاتقوا الله عز وجل؛ إنه لا خير في دنيا تقاتلون عليها»(١).

ويقول النص التاريخي أيضاً: «.. وجعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها، والسوط، والعلف، والحشيش أشد قتال»(٢).

(١) تاريخ الأمم والملوك، ج٤ ص٥٣ وبهج الصباغة، ج٧ ص١٦٤.

(٢) الكامل في الأدب، ج٣ ص٣٩٧ والعقد الفريد، ج١ ص٢٢٣ وفيه كانت الخوارج تقاتل إلخ.. وشرح النهج للمعتزلي، ج٤ ص٢٠٨ راجع: فجر الإسلام، ص٢٦٤.

٢٥

وقد قلنا حين الحديث عن تركيبة «الخوارج» أن معقلاً الذي أرسله علي (عليه السلام) لقتال الخريت الخارجي قد قال لأصحابه عن الخوارج: إنهم علوج كسروا الخراج، ولصوص الخ..(١).

ويؤيد ذلك أيضاً: نصوص تاريخية أخرى(٢).

ويقول المعتزلي: «وقد خرج بعد هذين جماعة من خوارج كرمان، وجماعة أخرى من أهل عمان، لا نباهة لهم. وقد ذكرهم أبو إسحاق الصابي، في كتاب «الناجي» وكلهم بمعزل عن طرائق سلفهم، وإنما وكدهم، وقصدهم إلى إخافة السبيل، والفساد في الأرض، واكتساب الأموال من غير حلها»(٣).

هذا، وقد سأل الحسن البصري رجل من «الخوارج»، فقال: ما تقول في «الخوارج»؟

فقال: هم أصحاب دنيا.

قال: من أين قلت، وأحدهم يمشي في الرمح حتى ينكسر فيه، ويخرج من أهله وولده؟!

قال الحسن: حدثني عن السلطان، أيمنعك من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج والعمرة؟

قال: لا.

قال: فأراه إنما منعك الدنيا فقاتلته عليها.

قال إسحاق: فحدثت بهذا الحديث الغاضري ـ ظريفاً كان بالمدينة

(١) الغارات، ج١ هامش ص٣٥٣.

(٢) راجع: تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٩٣ والكامل في التاريخ ج٣ ص٣٦٧.

(٣) شرح النهج للمعتزلي ج٥ ص٧٦.

٢٦

ـ فقال:

صدق الحسن، ولو أن أحدهم صام حتى ينعقد، وسجد حتى ينخر جبينه، واتخذ عسقلان مراغةً، ما منعه السلطان؛ فإذا جاء يطلب ديناراً أو درهماً لُقيَ بالسيوف الحداد، والأدراع الشداد(١).

ولنا تحفظ على أسلوب الحسن البصري الظاهر في أنه يرضى بحكومة أي كان ـ حتى يزيد أو الوليد، إذا كان لا يمنع الناس من الصلاة والصوم ونحو ذلك.. فإن هذا المنطق مرفوض في الإسلام. ولهذا البحث مجال آخر.

غير أن ما يهمنا هنا هو الإشارة إلى أن «الخوارج» كانوا طلاب دنيا، ويبحثون عن الدينار والدرهم.

وقد قال الأشتر للذين خدعتهم مكيدة رفع المصاحف، من الذين كانوا يتظاهرون بالعبادة والصلاة، ثم صاروا فيما بعد خوارج: «كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ألا فقبحاً يا أشباه النيب الجلالة»(٢).

وإذا قرأنا قصة المستورد أيضاً فإننا نجد فيها دلالة ظاهرة على أن زهد «الخوارج» لم يكن حقيقياً، بل كان مصطنعاً، فلتراجع تلك القصة في مصادرها(٣).

لم يعطه المال، فأعلن الحرب:

ومما يدل على مدى تأثير الأطماع فيهم: أننا نجد الفارس

(١) البصائر والذخائر ج١ ص١٥٤.

(٢) شرح النهج للمعتزلي ج٢ ص٢١٩ وراجع: صفين ص٤٩١ والمعيار والموازنة ص١٦٤.

(٣) وراجع: الخوارج والشيعة ص٥٥.

٢٧

المشهور: شبيب بن يزيد الشيباني الخارجي كان: «في ابتداء أمره قصد الشام، ونزل على روح بن زنباغ، وقال له: سل أمير المؤمنين أن يفرض لي في أهل الشرف، فإن لي في بني شيبان تبعاً كثيراً.

فسأل روح بن زنباغ عبد الملك بن مروان في ذلك، فقال: هذا رجل لا أعرفه، وأخشى أن يكون حرورياً.

فذكر روح لشبيب: أن عبد الملك ذكر أنه لا يعرفه. فقال: سيعرفني بعد هذا.

ورجع إلى بني شيبان، وجمع من الخوارج الصالحية مقدار ألف رجل، واستولى بهم على ما بين كسكر والمدائن».

ثم يذكر المؤرخون: كيف أنه هزم للحجاج عشرين جيشاً في مدة سنتين، وغير ذلك من أمور(١).

يريد المال ليعصي به الله:

وقد كان الطرماح خارجياً هو الذي يقول:


امخترمي ريب المنون ولم أنلمن المال ما أعصي به وأطيع(٢)

خبرتهم بالخمر وبالعواهر:

وحين سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال الخارجي عن الخمر، وعن العواهر نجد عبيدة يجيبه بما يدل على أنه من أعرف الناس في ذلك.

فقد قال له: «أي الخمر أطيب؟ خمر السهل، أم خمر الجبل؟

(١) راجع: الفرق بين الفرق ص١١١ والفتوح لابن أعثم ج٧ ص٨٤و٨٥.

(٢) الأغاني ج١٠ ص١٦٠.

٢٨

قال: ويحك، أمثلي يسأل عن هذا؟

قال: قد أوجبت على نفسك أن تجيب.

قال: أما إذا أبيت، فإن خمر الجبل أقوى، وأسكر، وخمر السهل أحسن وأسلس.

قال: فأي الزواني أفره؟ أزواني رامهرمز، أم زواني أرّجان؟!

قال: ويحك، إن مثلي لا يسأل عن هذا.

قال: لابد من الجواب، أو تغدر.

قال: أما إذا أبيت، فزواني رامهرمز أرق أبشاراً، وزواني أرّجان أحسن أبداناً الخ…»(١).

(١) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج١٤ ص١٧٠ عن الأغاني ط دار الكتب المصرية ج٦ ص١٤٩.

٢٩


الفصل الثاني
معاصي ومآثم




٣٠
٣١

بداية:

وحين نرى أن «الخوارج» حتى على مستوى زعاماتهم، وأمرائهم، وقادتهم يقترفون كبائر الذنوب ويرتكبون المآثم، ويسعون وراء الشهوات، فإن ذلك يكون دليلاً ملموساً على ضعف حالة التقوى عندهم، أو انعدامها من الأساس.

تماماً كما يكون سعيهم للحكم، وممالأتهم للحكام، وممارساتهم اللاإنسانية في هذا الاتجاه دليلاً على ذلك أيضاً..

هذا عدا عن إصرارهم على الباطل بعد ظهور بطلانه لهم، وإلزامهم الحجة الدامغة فيه. فإنه هو الآخر يدل دلالة ظاهرة على أنه لا حقيقة لما يدعونه من عبادة وزهادة، وصلة بالله سبحانه بل هي كما أكدته النصوص النبوية الشريفة مجرد أمور شكلية بكل ما لهذه الكلمة من معنى، حيث إنهم كانوا قد مرقوا من الدين مروق السهم من الرمية.

وسنذكر فيما يلي أمثلة متنوعة تشير إلى طبيعة صلتهم بالله سبحانه، فإلى ما يلي من مطالب.

دعارة «الخوارج»:

قد تقدم: أن عبيدة بن هلال وهو أحد زعمائهم الكبار كان من

٣٢

أعرف الناس بعواهر البلاد، وبميزاتهن.

وسيأتي حين الحديث عن تركيبة الخوارج: أنهم كانوا ما بين حداد، وصباغ، وداعر..

واللافت: أن أكابرهم وقادتهم كانوا لا يتورعون عن ارتكاب أعظم الفواحش، حتى الزنى بالمحصنات..

فقد ورد: أن عبيدة بن هلال اليشكري اتهم بامرأة حداد كان يدخل عليها بلا إذن.

فدبّر هو وقطري بن الفجاءة الحيلة للخلاص من الورطة ونجحا في ذلك(١).

فما معنى ان يدخل زعيمهم على امرأة محصنة بلا إذن.. حتى يتهم بالدعارة. فأين ورعه وتقواه؟ وأين هي عبادته وزهادته..

وزعيمهم الآخر لا يقيم الحد على مرتكب هذا الذنب العظيم.. بل هو يشاركه في الجريمة حين يدبر له الحيلة لتخليصه من المأزق..

والعامة الذين وقفوا على هذا الأمر، لم يقطعوا علاقتهم به، ولا أضر ما عرفوه عنه في ولائهم واستمرارهم في الانقياد له. ثم هم بعد هذا، وذاك، وذلك يدَّعون لأنفسهم التقوى، والعبادة. والصلاح، فاعجب بعد هذا ما بدالك!! فما عشت أراك الدهر عجبا.

الدعارة بمرسوم. والغيرة معدومة:

يقول ابن بطوطة: «ونساؤهم يكثرون الفساد، ولا غيرة عندهم، ولا إنكار لذلك»(٢).

(١) راجع: الكامل في الأدب ج٣ ص٣٩١ وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٤ ص٢٠٣.

(٢) رحلة ابن بطوطة ج١ ص١٧٢، والنص والاجتهاد ص٩٩ عنه.

٣٣
٣٤

لا تقوى لمتعنت:

ومن الواضح: أن التعنت والإصرار على الباطل يشهد على عدم التقوى، وعدم مراقبة الله سبحانه، وقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ وهو أعرف الناس بهم ـ أن أحد زعمائهم وهو ابن الكواء ـ قد أراد التعنت حين صار يسأله عن بعض المسائل(١).

وهذا العناد واللجاج قد تجلى بصورة واضحة في إصرارهم على قتال أهل الإيمان، حتى بعد أن أقيمت الحجة عليهم، ولم يعد لهم أي عذر.. فكان مصيرهم القتل والبوار. ولا تزال هذه الخصوصية البغيضة تتجلى فيهم على مر الأيام.

شرب الخمر:

والغريب في الأمر: أنهم يذكرون: أن ابن ملجم لعنه الله تعالى قد شرب النبيذ ليلة قتله علياً (عليه السلام)(٢) وابن ملجم هو من رموز «الخوارج» وهو الذي مدحه الشاعر الخارجي عمران بن حطان بقوله:


يا ضربة من تقي ما أراد بهاإلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

وتقدم أن أحد كبار زعمائهم، وهو عبيدة بن هلال كان من أعرف الناس بالخمر، وحالاتها.. وظاهر الحديث انه يجيب سائله عن خبرة.

لبس الحرير:

ثم إنهم يذكرون أيضاً أن قطاماً الخارجية قد شدت الحرير على

(١) تهذيب تاريخ دمشق ج٧ ص٣٠٢ وراجع: فرائد السمطين ج١ ص٣٩٤.

(٢) الفتوح لابن أعثم ج٤ ص١٣٩.

٣٥

صدر ابن ملجم، وعلى صدور الذين شاركوه في قتل وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله)(١). ولا ريب في حرمة لبس الحرير على الرجال في فقه الشريعة الإسلامية الغرّاء..

العمل بالتقية:

والمعروف من مذهب «الخوارج» لزوم الجهر بالحق، ورفض التقية، لكننا نجد أحد نساكهم وهو خالد بن عباد يعمل بالتقية(٢).

وسيأتي أن عمران بن حطان الخارجي كان يعمل بالتقية أيضاً.

ونصح أبو بلال مرداس امرأة من «الخوارج» يقال لها البلجاء بأن تعمل بالتقية، فقال: «إن الله قد وسع على المؤمنين في التقية، فاستتري»(٣).

الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله):

ونلاحظ أيضاً: أنهم كانوا يستخدمون الوضع والتزوير من أجل تأييد مواقفهم، واتجاهاتهم، فقد رووا: أن شيخاً منهم ـ بعد أن تاب ورجع عن مقالتهم ـ يقول محذراً: «.. إن هذه الأحاديث دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم؛ فإنا كنا إذا هوينا أمراً صيرناه حديثاً..»(٤).

(١) الإرشاد للمفيد ص١٧ ومصادر أخرى ستأتي.

(٢) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٥ ص٨٧.

(٣) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج٥ ص٨٢.

(٤) لسان الميزان ج١ ص١٠و١١ والكفاية للخطيب ص١٢٣ وآفة أصحاب الحديث ص٧١و٧٢ واللآلي المصنوعة ج٢ ص٤٦٨ وبحوث في تاريخ السنة المشرفة ص٢٩ عن الأولين، وعن: السنة ومكانتها في التشريع، للسباعي ص٩٧ وعن: الموضوعات لابن الجوزي ص٣٨ راجع: العتب الجميل ص١٢٢.

٣٦

وفي نص آخر: «انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه؛ فإنا كنا إذا تراءينا رأياً جعلنا له حديثاً»(١).

وقال الأعمش: «جالست إياس بن معاوية؛ فحدثني بحديث.

فقلت: من يذكر هذا؟!

فضرب لي رجلاً من الحرورية.

فقلت: إلي تضرب هذا المثل؟ تريد أن أكنس الطريق بثوبي؛ فلا أدع بعرة، ولا خنفساء إلا حملتها؟!»(٢).

وقال الجوزجاني: عن «الخوارج»، الذين تحركوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله): «نبذ الناس حديثهم اتهاماً لهم»(٣).

والغريب في الأمر هنا: أن البعض يحاول القيام بعملية تزوير أكثر شناعة وقباحة من هذا. وذلك عندما ادعى:

أن ذلك إنما هو في الأحاديث المراسيل، والمقاطيع من الروايات، فقد قال: «هذه والله قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذ بدعة «الخوارج» كانت في صدر الإسلام، والصحابة متوافرون، ثم في عصر التابعين فمن بعدهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمراً جعلوه حديثاً، وأشاعوه؛ فربما سمعه الرجل السني؛ فحدث به، ولم يذكر من حدث به، تحسيناً للظن به، فيحمله عنه غيره، ويجيء الذي يحتج بالمقاطيع

(١) اللآلي المصنوعة ج٢ ص٤٦٨. والغريب في الأمر: أن نفس هذا النص مروي عن حماد بن سلمة عن شيخ من الرافضة فراجع: لسان الميزان ج١ ص١١.

(٢) بحوث في تاريخ السنة المشرفة ص٢٩ عن كتاب: المحدث الفاصل، للرامهرمزي ج١ ص١٢.

(٣) أحوال الرجال ص٣٤.

٣٧

فيحتج به، ويكون أصله ما ذكرت الخ»(١).

ولا ندري ما وجه حمله لذلك على المقاطيع والمراسيل؟! إلا أنه يريد أن يصوب رواية أصحاب الصحاح عن «الخوارج»، حتى ليروي البخاري ـ وهو أصح كتاب بعد القرآن عندهم ـ عن عمران بن حطان(٢)، مادح عبد الرحمن بن ملجم، قاتل سيد الوصيين علي أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) حيث يقول:

يا ضربة من تقي ما أراد بهاإلا ليبلغ من ذي العرش رضواناً..

ولكنه يهاجم الرواية عن الرافضة بصورة عجيبة، حتى لو كان الراوي صدوقاً. ثم يذكر أقاويل علمائه بالمنع من قبول رواية الرافضة مطلقاً، فراجع كلامه(٣).

وبعدما تقدم فإننا نعرف عدم صحة قول أبي داود: «ليس في أهل الأهواء أصح حديثاً من الخوارج»(٤).

ممارسات لا إنسانية:

وقد أرسل قطري بن فجاءة «الخوارج» الذين جاؤوا من كرمان وفارس، مع صالح بن مخراق وسعد الطلائع لحرب عبد العزيز، أخي المهلب، فهزموه، «وسبوا النساء يومئذٍ، وأخذوا أسرى لا تحصى، فقذفوهم في غار، بعد أن شدوهم وثاقاً، ثم سدوا عليهم بابه، حتى ماتوا فيه»(٥).

(١) لسان الميزان ج١ ص١١.

(٢) راجع: العتب الجميل.

(٣) راجع: لسان الميزان ج١ ص١٠ وراجع: ميزان الاعتدال ج١ ص٢٧/٢٨.

(٤) ميزان الاعتدال، ج٢ ص٢٣٦ والعتب الجميل ص١٢١ عن مقدمة فتح الباري.

(٥) الكامل في الأدب ج٣ ص٣٥٥ وشرح النهج للمعتزلي ج٤ ص١٧٤ الخوارج في

=>

٣٨

وقال المسعودي عن صاحب الزنج: «.. ظهر من فعله، ما دل على تصديق ما رمي به، أنه كان يرى رأي الأزارقة من الخوارج، لأن أفعاله في قتل النساء، والأطفال، وغيرهم من الشيخ الفاني وغيره ممن لا يستحق القتل يشهد بذلك عليه»(١).

ويكفي أن نذكر: أن حرب النهروان إنما نشأت عن إفسادهم في الأرض، وقتلهم عبد الله بن خباب، وبقرهم بطن زوجته التي كانت حاملاً، وقتلوا نسوةً ورجالاً آخرين كما تقدم.

وقد قال عمر بن عبد العزيز لشوذب الخارجي: «.. فأخبروني عن عبد الله بن وهب الراسبي، حين خرج من البصرة، هو وأصحابه، يريدون أصحابكم في الكوفة؛ فمروا بعبد الله بن خباب، فقتلوه، وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من بني قطيعة، فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال، وغلوا الأطفال في المراجل. وتأولوا قول الله: (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك، ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً)(٢) ثم قدموا على أصحابهم من أهل الكوفة الخ.»(٣).

ونستطيع أن نعرف: مدى قسوتهم، وإمعانهم في ارتكاب الجرائم، التي يندى لها جبين كل إنسان ألماً وخجلاً، مما سجله التاريخ لنا من مذاهب وآراء اعتقادية لهم، حيث إنها غريبة عن الفطرة، وعن العقل، وعن الإنسانية، وهي تعبير صادق عن عميق حقدهم، وبالغ همجيتهم

<=

العصر الأموي ص٥٤ عن الكامل.

(١) مروج الذهب ج٤ ص١٠٨. وبهج الصباغة ج٧ ص١٦٦ عنه.

(٢) سورة نوح / ٢٧.

(٣) جامع بيان العلم ج٢ ص١٢٩ ومروج الذهب ج٣ ص١٩١ وبهج الصباغة ج٧ ص١١٣ عنه وعن العقد الفريد.

٣٩

ووحشيتهم، وبعدهم كل البعد عن أي من المعايير الإنسانية، والفضائل الأخلاقية..

الحقد الدفين هو الدافع:

ولم تكن مواقفهم وممارساتهم القاسية تلك بدافع ديني، يوجبه الالتزام بتعاليم شرعية بنظرهم.. وإلا لما كان ثمة مبرر لغلي الأطفال في المراجل، ولا لفرارهم في الحروب، والتماسهم الأمان من هذا، وذاك، ولا للتخلي عن كل شيء في قبال منصب يتاح لهم، ولا لغير ذلك مما ذكرناه في هذا الكتاب، فإن التدين ـ لو كان ـ فلابد أن يترك أثره في جميع تلك الحالات والظروف، والمواقف..

وإنما كانت هذه الممارسات القاسية واللاإنسانية ضد خصومهم بدافع التنفيس عن حقد دفين، يعتلج في صدورهم، وتشب ناره في أفئدتهم.

وقد عبر الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذا المعنى بوضوح تام في جوابه لمن رأى: أن كونهم شكاكاً لا يلائم دعوتهم خصومهم إلى البراز.

فأجابه (صلوات الله وسلامه عليه) بقوله: «ذلك مما يجدون في أنفسهم»(١).

كما أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد وصفهم في ضمن كلام له بأنهم عصابة «طمح بها النزق»(٢).

(١) تهذيب الأحكام للطوسي ج٦ ص١٤٥ وبهج الصباغة ج٧ ص١٦٨ عنه والوسائل ج١١ ص٦٠.

(٢) تاريخ الأمم والملوك ج٤ ص٦٢.

٤٠