×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عمرو بن العاص وشعره في الغدير / الصفحات: ٢١ - ٤٠

هو وعمرو بن العاص مع معاوية بصفين، وكان من أشد من عنده على علي رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يذكره في القنوت في صلاة الغداة يقول: أللهم عليك به. مع قوم يدعو عليهم في قنوته. وذكره على لفظ الطبري أبو الفدا في تاريخه ١: ١٧٩].

م - وقال الزيلعي في نصب الراية ٢: ١٣١: قال إبراهيم: وأهل الكوفة إنما أخذوا القنوت عن علي، قنت يدعو على معاوية حين حاربه، وأهل الشام أخذوا القنوت عن معاوية قنت يدعو على علي].

ورواه أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي في تذكرته ص ٥٩ بلفظ الطبري حرفيا إلى قنوت معاوية وزاد فيه: محمد بن الحنفية، وشريح بن هاني. وذكره ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ ص ٢٠٠ نقلا عن كتابي صفين لابن ديزيل (المترجم له ج ١ ص ٧٣) ونصر بن مزاحم. وذكره الشبلنجي في " نور الأنصار " ص ١١٠.

٨ - دعاء عايشة على عمرو

لما بلغ عايشة قتل محمد بن أبي بكر جزعت عليه جزعا شديدا وجعلت تقنت وتدعو في دبر الصلاة على معاوية وعمرو بن العاص.

رواه الطبري في تاريخه ٦ ص ٦٠، ابن الأثير في " الكامل " ٣ ص ١٥٥، ابن كثير في تاريخه ٧ ص ٣١٤، ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢: ٣٣.

٩ - الإمام الحسن الزكي وعمرو

روى الزبير بن بكار في كتاب " المفاخرات " قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص (١) وبلغه عنهم مثل ذلك فقالوا: يا أمير المؤمنين؟ إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوءنا. قال معاوية: فما تريدون:؟ قالوا: ابعث عليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعبره ونوبخه ونخبره أن أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن

(١) الكلمة القارصة: التي تنغص وتؤلم. ج قوارص.
٢١
يغير علينا شيئا من ذلك. قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله. قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين؟ لتفعلن. فقال: ويحكم لا تفعلوا فوالله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي. قالوا: ابعث إليه على كل حال. قال: إن بعثت إليه لأنصفنه منكم. فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا؟ أو يربي قوله على قولنا؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لآمرنه أنه يتكلم بلسانه كله. قالوا: مره بذلك. قال. أما إذا عضيتموني وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.

فبعث إليه معاوية فجاءه رسوله فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك. قال: من عنده؟

فسماهم، فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون. ثم قال: يا جارية؟ ابغيني ثيابي، أللهم؟ إني أعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك في نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت بحول منك وقوة يا أرحم الراحمين. ثم قام فدخل على معاوية. إلى أن قال:

فتكلم عمرو بن العاص فحمد الله وصلى على رسوله ثم ذكر عليا عليه السلام فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته وامتنع من بيعته ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له: ثم ذكر الفتنة يعيره بها وأضاف إليه مساوي.

وقال: إنكم يا بني عبد المطلب؟ لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن؟ تحدث نفسك إن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه، سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك، فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.

٢٢
فتكلم الحسن بن علي عليهما السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله (إلى أن قال لعمرو بعد جمل ذكرت ص ١٢٢): وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة، وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة، ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت، ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حسدك على صاحبك عمارة بن الوليد فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلته ففضحك الله وفضح صاحبك، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام، ثم إنك تعلم وكل هؤلاء الرهط يعلمون: أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله: أللهم؟ إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، أللهم العنه بكل حرف ألف لعنة. فعليك إذن من الله ما لا يحصى من اللعن.

وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (أي: قشرت) قرحة أدميتها. ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا، ولا غضبت له مقتولا، ويحك يا بن العاص؟ ألست القائل؟

في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي:

تقول ابنتي: أين هذا الرحيل؟ * وما السير مني بمستنكر
فقلت: ذريني فإني امرؤ * أريد النجاشي في جعفر
لأكويه عنده كية * أقيم بها نخوة الأصعر
وشانئ أحمد من بنيهم * وأقولهم فيه بالمنكر
وأجري إلى عتبة جاهدا * ولو كان كالذهب الأحمر
ولا أنثني عن بني هاشم * وما اسطعت في الغيب والمحضر
فإن قبل العتب مني له * وإلا لويت له مشفري (١)

تذكرة سبط ابن الجوزي ص ١٤، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٠٣، جمهرة الخطب ج ٢ ص ١٢.

(١) لوى الحبل: فتله. لوت الناقة بذنبها والوت: حركته. المشفر: الشدة والمنعة.

٢٣

* (بيان) *

قوله عليه السلام: لتأتي بجعفر وأصحابه إلى مكة. يشير إلى هجرته الثانية إلى الحبشة وقد هاجر إليها من المسلمين نحو ثلاثة وثمانين رجلا وثمان عشر امرأة. وكان من الرجال جعفر بن أبي طالب، ولما رأت قريش ذلك أرسلت في أثرهم عمرو بن العاص وعمارة الوليد بهدايا إلى النجاشي وبطارقته ليسلم المسلمين، فرجعا خائبين، وأبى النجاشي أن يخفر ذمته.

قوله عليه السلام: لما ارتكب من حليلته. ذلك: إن عمرا وعمارة ركبا البحر إلى الحبشة وكان عمارة جميلا وسيما تهواه النساء، وكان مع عمرو بن العاص امرأته، فلما صاروا في البحر ليالي أصابا من خمر معها فانتشى عمارة فقال لامرأة عمرو: قبليني.

فقال لها عمرو: قبلي ابن عمك. فقبلته، فهواها عمارة وجعل يراودها عن نفسها، فامتنعت منه، ثم إن عمرا أجلس على منجاف (١) السفينة يبول فدفعه عمارة في البحر، فلما وقع عمرو سبح حتى أخذ بمنجاف السفينة، وضغن على عمارة في نفسه، وعلم أنه كان أراد قتله، ومضيا حتى نزلا الحبشة، فلما اطمأنا بها لم يلبث عمارة أن دب لامرأة النجاشي فأدخلته فاختلف إليها، وجعل إذا رجع من مدخله ذلك يخبر عمرا بما كان من أمره فيقول عمرو: لا أصدقك إنك قدرت على هذا، إن شأن هذا المرأة أرفع من ذلك، فلما أكثر عليه عمارة بما كان يخبره ورأى عمرو من حاله وهيئته ومبيته عندها حتى يأتي إليه من السحر ما عرف به ذلك قال له: إن كنت صادقا فقل لها: فلتدهنك بدهن النجاشي الذي لا يدهن به غيره، فإني أعرفه وآتني بشئ منه حتى أصدقك. قال:

أفعل. فسألها ذلك فدهنته منه وأعطته شيئا في قارورة، فقال عمرو، أشهد أنك قد صدقت لقد أصبت شيئا ما أصاب أحد من العرب مثله قط: امرأة الملك. ما سمعنا بمثل هذا، ثم سكت عنه حتى اطمأن ودخل على النجاشي فأعلمه شأن عمارة وقدم إليه الدهن. فلما أثبت أمره دعا بعمارة ودعا نسوة أخر فجردوه من ثيابه، ثم أمرهن ينفخن في إحليله حتى خلى سبيله فخرج هاربا. عيون الأخبار لابن قتيبة ١ ص ٣٧، الأغاني ٩ ص ٥٦، شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ ص ١٠٧، قصص العرب ١ ص ٨٩.

(١) منجاف السفينة: سكانها الذي تعدل به.

٢٤

١٠ - كتاب ابن عباس إلى عمرو

كتب ابن عباس مجيبا إلى عمرو بن العاص: أما بعد: فإني لا أعلم رجلا من العرب أقل حياءا منك، إنه مال بك معاوية إلى الهوى، وبعته دينك بالثمن اليسير، ثم خبطت بالناس في عشوة طمعا في الملك، فلما لم تر شيئا، أعظمت الدنيا إعظاما أهل الذنوب وأظهرت فيها نزهة أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله بذلك فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن هذه الحرب ليس فيها معاوية كعلي، بدأها علي بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالغي، وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل العراق فيها كأهل الشام، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها بسواء، أردت الله، وأردت أنت مصر، وقد عرفت الشيئ الذي باعدك مني، وأعرف الشيئ الذي قربك من معاوية، فإن ترد شرا لا نسبقك به، وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه، ثم دعا الفضل بن عباس فقال له: يا بن أم؟ أجب عمرا. فقال الفضل:

يا عمرو حسبك من خدع ووسواس * فاذهب فليس لداء الجهل من آس (١)
إلا تواتر طعن في نحوركم * يشجي النفوس ويشفي نخوة الراس
هذا الدواء الذي يشفي جماعتكم * حتى تطيعوا عليا وابن عباس
أما علي فإن الله فضله * بفضل ذي شرف عال على الناس
إن تعقلوا الحرب نعقلها مخيسة (٢) * أو تبعثوها فإنا غير أنكاس
قد كان منا ومنكم في عجاجتها * ما لا يرد وكل عرضة الباس
قتلى العراق بقتلى الشام ذاهبة * هذا بهذا وما بالحق من باس
لا بارك الله في مصر لقد جلبت * شرا وحظك منها حسوة الكاس (٣)
يا عمرو إنك عار من مغانمها * والراقصات ومن يوم الجزا كاس

الإمامة والسياسة ١ ص ٩٥، كتاب صفين ص ٢١٩، شرح ابن أبي الحديد

(١) أسا أسوا وأسا الجرح: داواه.

(٢) خيس: ذلل. يقال: خيس الجمل: راضه وذلله بالركوب.

(٣) الحسوة المرة من حساء: الجرعة الواحدة ج حسوات.

٢٥
٢ ص ٢٨٨.

وهناك أبيات تعزى إلى حبر الأمة ابن عباس في كتاب " صفين " لابن مزاحم ص ٣٠٠ ذكر فيها عمرا بكل قول شائن.

١١ - ابن عباس وعمرو

حج عمرو بن العاص فمر بعبد الله بن عباس فحسده مكانه وما رأى من هيبة الناس له، وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا بن عباس؟ مالك إذا رأيتني وليتني قصرة (١) كأن بين عينيك دبرة (٢) وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة (٣) الهمزة؟

(٤) فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش من الكرام البررة، لا ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأرفع الناس أعلاما، دخلت في قريش ولست منها، فأنت الساقط بين فراشين، لا في بني هاشم رحلك، ولا في بني عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحمله، وتسعو بكرمه. فقال عمرو: أما والله إني لمسرور بك فهل ينفعني عندك؟ قال ابن عباس: حيث مال الحق ملنا، وحيث سلك قصدنا.

العقد الفريد ٢ ص ١٣٦

١٢ - ابن عباس وعمرو

حضر عبد الله بن جعفر مجلس معاوية وفيه عبد الله بن عباس، وعمرو بن العاص، فقال عمرو: قد جاءكم رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد طماحه، صدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخي العيش، أخاذ بالسلف منفاق بالسرف. فقال ابن عباس: كذبت والله أنت وليس كما ذكرت ولكنه: لله ذكور ولنعمائه شكور، وعن الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب، وإذا سئل أجاب، غير حصر ولا هياب، ولا عيابة مغتاب، حل من قريش في كريم

(١) القصر والقصرة بفتح الصاد: الكسل.

(٢) الدبر بفتح المهملة والموحدة: قرحة الدابة تحدث من الرحل ونحوه ج دبرو ادبار.

(٣) الهوهاة: ضعيف القلب. أحمق.

(٤) همز الشيطان الانسان: همس في قلبه وسواسا.

٢٦
النصاب، كالهزبر الضرغام، الجرئ المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دنئ، لا كمن اختصم فيه من قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، وأدناها منصبا، ينوء منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، مذبذب بين الحيين، كالساقط بين المهدين، لا المضطر فيهم عرفوه، ولا الظاعن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي قدر تتعرض للرجال؟ وبأي حسب تعتد به تبارز عند النضال؟ أبنفسك؟ وأنت: الوغد اللئيم، والنكد الذميم، والوضيع الزنيم، أم بمن تنمي إليهم؟ وهم: أهل السفه و الطيش، والدناءة في قريش، لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في الاسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، وتنطق بالزور في غير أقرانك، والله لكان أبين للفضل، و أبعد للعدوان أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، فإنه طالما سلس داؤك، و طمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها رعيك، ولم يورق فيها غصنك.

فقال عبد الله بن جعفر: أقسمت عليك لما أمسكت فإنك عني ناضلت، ولي فاوضت.

فقال ابن عباس: دعني والعبد، فإنه قد يهدر خاليا إذ لا يجد مراميا، وقد أتيح له ضيغم شرس، للاقران مفترس، وللأرواح مختلس، فقال عمرو بن العاص: دعني يا أمير المؤمنين أنتصف منه فوالله ما ترك شيئا. قال ابن عباس: دعه فلا يبقي المبقي إلا على نفسه، فوالله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وبالله الثقة، وأني لكما قال نابغة بني ذبيان:

وقدما قد قرعت وقارعوني * فما نزر الكلام ولا شجاني
يصد الشاعر العراف عني * صدود البكر عن قرم هجان

هذا الحديث أخرجه الجاحظ في (المحاسن والأضداد) ص ١٠١، والبيهقي في (المحاسن والمساوي) ١ ص ٦٨، وقد مر ص ١٢٥ عن ابن عساكر لعبد الله بن أبي سفيان نحوه، وفي بعض ألفاظه تصحيف يصحح بهذا.

١٣ - معاوية وعمرو

لما علم معاوية أن الأمر لم يتم له إن لم يبايعه عمرو فقال له: يا عمرو؟ اتبعني.

قال. لماذا؟ للآخرة؟ فوالله ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فوالله لا كان حتى أكون شريكك فيها. قال: فأنت شريكي فيها. قال: فاكتب لي مصر وكورها. فكتب له مصر وكورها.

٢٧
وكتب في آخر الكتاب: وعلى عمرو السمع والطاعة. قال عمرو: واكتب: إن السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا. قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا. قال عمرو: حتى تكتب. قال: فكتب، ووالله ما يجد بدا من كتابتها، ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلم عمرا في مصر وعمرو يقول له: إنما أبايعك بها ديني. فقال عتبة:

إئتمن الرجل بدينه فإنه صاحب من أصحاب محمد. وكتب عمرو إلى معاوية:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
فإن تعطني مصرا فأربح صفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع

العقد الفريد ٢ ص ٢٩١.

١٤ - معاوية وعمرو
بصورة مفصلة

كتب أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية بن أبي سفيان يدعوه إلى بيعته، فاستشار معاوية بأخيه عتبة بن أبي سفيان فقال له: استعن بعمرو بن العاص، فإنه من قد علمت في دهائه ورأيه، وقد اعتزل أمر عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن تثمن له بدينه فسيبيعك، فإنه صاحب دنيا، فكتب إليه معاوية وهو بالسبع من فلسطين:

- أما بعد -: فإنه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة (١) أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أذاكرك أمرا. فلما قرأ الكتاب استشار ابنيه عبد الله ومحمد فقال لهما: ما تريان؟ فقال عبد الله: أرى أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده، وقتل عثمان وأنت عنه غايب، فقر في منزلك فلست معجولا خليفة، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أوشك أن تهلك فتشقى فيها. وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها، وأن تصرم هذا الأمر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك، فألحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من أيديها وأطلب بدم عثمان، فإنك قد استلمت فيه إلى بني أمية. فقال

(١) الرافضة: كل جند تركوا قايدهم.
٢٨
عمرو: أما أنت يا عبد الله؟ فأمرتني بما هو خير لي في ديني، وأما أنت يا محمد؟ فأمرتني بما هو خير لي في دنياي، وأنا ناظر فيه، فلما جنه الليل رفع صوته وأهله ينظرون إليه:

تطاول ليلي للهموم الطوارق * وخوف التي تجلو وجوه العوائق
وإن ابن هند سائلي أن أزوره * وتلك التي فيها بنات البوائق
أتاه جرير من علي بخطة * أمرت عليه العيش ذات مضائق
فإن نال مني ما يؤمل رده * وإن لم ينله ذل ذل المطابق
فوالله ما أدري وما كنت هكذا * أكون ومهما قادني فهو سائقي
أخادعه إن الخداع دنية * أم أعطيه من نفسي نصيحة وامق
أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق
وقد قال عبد الله قولا تعلقت * به النفس إن لم تقتطعني عوائقي
وخالفه فيه أخوه محمد * وإني لصلب العود عند الحقائق

فقال عبد الله: رحل الشيخ. وفي لفظ اليعقوبي: بال الشيخ على عقبيه وباع دينه بدنياه: فلما أصبح دعا عمرو غلامه " وردان " وكان داهيا ماردا فقال: ارحل يا وردان؟ ثم قال: حط يا وردان؟ ثم قال: ارحل يا وردان؟ حط يا وردان؟ فقال له وردان: خلطت أبا عبد الله؟ أما إنك إن شئت أنبأتك بما في نفسك. قال: هات ويحك: قال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا وفي الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض الآخرة، فأنت واقف بينهما. قال: فإنك والله ما أخطأت فما ترى يا وردان؟ قال:

أرى أن تقيم في بيتك فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك. قال الآن لما شهدت العرب مسيري إلى معاوية، فارتحل وهو يقول:

يا قاتل الله وردانا وفطنته * أبدى لعمرك ما في النفس وردان
لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان
نفس تعف وأخرى الحرص يقلبها (١) * والمرء يأكل تبنا وهو غرثان (٢)

(١) في شرح ابن أبي الحديد: يغلبها.

(٢) غرث غرثا: جاع. فهو غرثان ج غرثى وغراث وغراثي.

٢٩
أما علي فدين ليس يشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان
فاخترت من طمعي دنيا على * بصر وما معي بالذي أختار برهان
إني لأعرف ما فيها وأبصره * وفي أيضا لما أهواه ألوان
لكن نفسي تحب العيش في شرف * وليس يرضى بذل العيش إنسان
عمرو لعمر أبيه غير مشتبه * والمرء يعطس والوسنان وسنان

فسار حتى قدم على معاوية وعرف حاجة معاوية إليه فباعده من نفسه وكايد كل واحد منهما صاحبه، فلما دخل عليه قال: يا أبا عبد الله، طرقتنا في ليلتنا هذه ثلثة أخبار ليس فيها ورد ولا صدر. قال: وما ذاك؟ قال ذاك: أن محمد بن أبي حذيفة قد كسر سجن مصر فخرج هو وأصحابه، وهو من آفات هذا الدين. ومنها: إن قيصر زحف بجماعة الروم إلي ليغلب على الشام. ومنها: إن عليا نزل الكوفة متهيئا للمسير إلينا. قال: ليس كل ما ذكرت عظيما، أما ابن أبي حذيفة فما يتعاظمك من رجل خرج في أشباهه أن تبعث إليه خيلا تقتله أو تأتيك به وإن فاتك لا يضرك؟ وأما قيصر فاهد له من وصفاء (١) الروم ووصائفها وآنية الذهب والفضة وسله الموادعة فإنه إليها سريع. وأما علي فلا والله يا معاوية؟ ما تستوي العرب بينك وبينه في شيئ من الأشياء، إن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش، وإنه لصاحب ما هو فيه إلا أن تظلمه.

وفي رواية أخرى قال معاوية يا أبا عبد الله؟ إني أدعوك إلى جهاد هذا الرجل الذي عصى ربه وقتل الخليفة، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة، وقطع الرحم. قال عمرو: إلى من؟ قال: إلى جهاد علي. فقال عمرو: والله يا معاوية؟ ما أنت وعلي بعكمي (٢) بعير، مالك هجرته ولا سابقته ولا صحبته ولا جهاده ولا فقهه ولا علمه، و الله إن له مع ذلك حدا وحدودا وحظا وحظوة وبلاء من الله حسنا، فما تجعل لي إن شايعتك على حربه؟ وأنت تعلم ما فيه من الغرر والخطر. قال: حكمت. قال: مصر طعمة.

فتلكأ عليه. (٣)

(١) الوصيف. الغلام دون المراهق ج وصفاء. مؤنثه الوصيفة ج وصائف.

(٢) العكم بالكسر: العدل بالكسر.

(٣) تلكأ عن الأمر. أبطأ وتوقف.

٣٠
وفي حديث: قال له معاوية: إني أكره لك أن يتحدث العرب عنك: إنك إنما دخلت في هذا الأمر لغرض الدنيا. قال دعني عنك (١) قال معاوية: إني لو شئت أن أمنيك وأخدعك لفعلت. قال عمر: لا لعمر الله ما مثلي يخدع لأنا أكيس من ذلك. قال له معاوية: ادن مني برأسك أسارك. قال: فدنا منه عمرو ويسار فعض معاوية أذنه، وقال: هذه خدعة، هل ترى في البيت أحدا غيري وغيرك؟ فأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنيا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فاربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع (٢)
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما تعطي ورأسي مقنع
ولكنني أغضي الجفون وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع
وأعطيك أمرا فيه للملك قوة * وإني به إن زلت النعل أصرع
وتمنعني مصرا وليست برغبة (٣) * وإني بذا الممنوع قدما لمولع

قال: أبا عبد الله؟ ألم تعلم أن مصرا مثل العراق؟ قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق، وقد كان أهلها بعثوا بطاعتهم إلى علي قال: فدخل عتبة بن أبي سفيان فقال لمعاوية: أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك؟ ليتك لا تغلب على الشام. فقال معاوية: يا عتبة؟ بت عندنا الليلة فلما جن على عتبة الليل رفع صوته ليسمع معاوية وقال:

أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت على خز وقز
إنما أنت خروف مائل * بين ضرعين وصوف لم يجز
أعط عمرا إن عمرا تارك * دينه اليوم لدنيا لم تحز
يا لك الخير فخذ من دره * شخبه الأولى وأبعد ما غرز (٤)

(١) مر تحليل هذه الكلمة ص ١٢٦.

(٢) البيتان يوجدان في عيون الأخبار لابن قتيبة ١ ص ١٨١.

(٣) الرغبة بكسر المهملة وفتحها: العطاء الكثير.

(٤) الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب. الشخبة: الدفعة منه ج شخاب: غرزا الغنم:

ترك حلبها لتسمن.

٣١
كتاب عمرو بن العاص وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ٣٢ - ص ٤٦)
٣٢
لله الذي أخرجها من فيك إنها لي ولأصحابي القبلة، والدين وعبادة الرحمن، والنبي والكتاب، من دونك ودون أصحابك، الحمد لله الذي قررك لنا بذلك دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالا مضلا لا تعلم هاد أنت أم ضال، وجعلك أعمى، وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك، أمرني رسول الله أن أقاتل الناكثين وقد فعلت، و أمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم، وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا.

أيها الأبتر؟ ألست تعلم أن رسول الله قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟! وأنا مولى الله ورسوله وعلي من بعده وليس لك مولى. قال له عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان؟ ولست أشتمك، قال عمار: وبم تشتمني؟ أتستطيع أن تقول: إني عصيت الله ورسوله يوما قط؟ قال له عمرو: إن فيك لمسبات سوى ذلك. قال عمار: إن الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعا فرفعني الله، ومملوكا فأعتقني الله، وضعيفا فقواني الله، وفقيرا فأغناني الله. وقال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ قال فتح لكم باب كل سوء. قال عمرو: فعلي قتله. قال عمار: بل الله رب علي قتله. (١)

وروى نصر في كتابه ص ١٦٥ في حديث: فلما دنا عمار بن ياسر رحمه الله بصفين من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو؟ بعت دينك بمصر، تبا لك، وطال ما بغيت الاسلام عوجا. ورواه سبط ابن الجوزي في تذكرته ص ٥٣ وزاد: والله ما قصدك وقصد عدو الله ابن عدو الله بالتعلل بدم عثمان إلا الدنيا.

١٦ - أبو نوح الحميري وعمرو

أتى أبو نوح الحميري الكلاعي يوم صفين مع ذي الكلاع إلى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس، وعبد الله بن عمر يحرض الناس على الحرب، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا أبا عبد الله؟ هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك؟ قال عمرو: ومن هو؟ قال ذو الكلاع: ابن عمي هذا و هو من أهل الكوفة. فقال عمرو: إني لأرى عليك سيما أبي تراب. قال أبو نوح: علي

(١) كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص ١٧٦، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٣٧٣.
٣٣
سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون.

كتاب صفين ص ١٧٤، شرح النهج لابن أبي الحديد.

١٧ - أبو الأسود الدؤلي وعمرو

قدم أبو الأسود (١) الدؤلي على معاوية بعد مقتل علي رضي الله عنه وقد استقامت لمعاوية البلاد، فأدنى مجلسه، وأعظم جائزته، فحسده عمرو بن العاص فقدم على معاوية فاستأذن عليه في غير وقت الإذن له فقال له معاوية: يا أبا عبد الله؟ ما أعجلك قبل وقت الإذن فقال: يا أمير المؤمنين؟ أتيتك لأمر قد أوجعني وارقني وغاظني، وهو من بعد ذلك نصيحة لأمير المؤمنين. قال: وما ذاك؟ يا عمرو؟ قال: يا أمير المؤمنين؟ إن أبا الأسود رجل مفوه له عقل وأدب، من مثله للكلام يذكر؟ وقد أذاع بمصرك من الذكر لعلي، والبغض لعدوه وقد خشيت عليك أن يترى (٢) في ذلك حتى يؤخذ لعنقك، وقد رأيت أن ترسل إليه، وترهبه، وترعبه، وتسبره، وتخبره، فإنك من مسألته على إحدى خبرتين، إما أن يبدي لك صفحته فتعرف مقالته، وإما أن يستقبلك فيقول ما ليس من رأيه، فيحتمل ذلك عنه فيكون لك في ذلك عاقبة صلاح إنشاء الله تعالى. فقال له معاوية: إني امرؤ والله لقل ما تركت رأيا لرأي امرئ قط إلا كنت فيه بين أن أرى ما أكره وبين بين، ولكن إن أرسلت إليه فسألته فخرج من مساءلتي بأمر لا أجد عليه مقدما ويملأني غيظا لمعرفتي بما يريد، وإن الأمر فيه أن يقبل ما أبدى من لفظه فليس لنا أن نشرح عن صدره وندع ما وراء ذلك يذهب جانبا. فقال عمرو: أنا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين، وقد عرفت رأي ولست أرى خلافي و ما آلوك خيرا، فأرسل إليه ولا تفرش مهاد العجز فتتخذه وطيئا.

فأرسل معاوية إلى أبي الأسود فجاء حتى دخل عليه فكان ثالثا فرحب به معاوية وقال: يا أبا الأسود؟ خلوت أنا وعمرو فتناجزنا (٣) في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين. قال: سل يا أمير المؤمنين؟ عما بدا لك. فقال: يا

(١) ظالم بن عمرو التابعي الكبير المتوفى سنة ٦٩ وهو ابن خمس وثمانين سنة.

(٢) ترى تريأ في الأمر: تراخى فيه.

(٣) ناجزه: خاصمه. والمناجزة في الحرب المبارزة.

٣٤
أبا الأسود؟ أيهم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: أشدهم حبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وأوقاهم له بنفسه. فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسه، ثم تمادى في مسألته فقال:

يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أفضلهم عندك؟ قال أتقاهم لربه وأشدهم خوفا لدينه. فاغتاظ معاوية على عمرو، ثم قال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أعلم؟ قال: أقولهم للصواب وأفصلهم للخطاب. قال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أشجع؟ قال: أعظمهم بلاء، وأحسنهم عناء، وأصبرهم على اللقاء. قال: فأيهم كان أوثق عنده؟ قال من أوصى إليه فيما بعده. قال:

فأيهم كان للنبي صلى الله عليه وآله صديقا؟ قال: أولهم به تصديقا. فأقبل معاوية على عمرو و قال: لا جزاك الله خيرا، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئا؟ فقال أبو الأسود: إني قد عرفت من أين أتيت، فهل تأذن لي فيه؟ فقال: نعم. فقل ما بدا لك. فقال يا أمير المؤمنين، إن هذا الذي ترى هجا رسول الله صلى الله عليه وآله بأبيات من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أللهم؟

إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمرا بكل بيت لعنة. أفتراه بعد هذا نائلا فلاحا؟

أو مدركا رباحا؟ وأيم الله إن امرءا لم يعرف إلا بسهم أجيل عليه فجال لحقيق أن يكون كليل اللسان ضعيف الجنان، مستشعرا للاستكانة، مقارنا للذل والمهانة، غير ولوج فيما بين الرجال، ولا ناظر في تسطير المقال، إن قالت الرجال أصغى، وإن قامت الكرام أقعى (١) متعيص لدينه لعظيم دينه، غير ناظر في أبهة الكرام ولا منازع لهم، ثم لم يزل في دجة ظلماء مع قلة حياء، يعامل الناس بالمكر والخداع، والمكر والخداع في النار. فقال عمرو: يا أخا بني الدؤل؟ والله إنك لأنت الذليل القليل، ولولا ما تمت به من حسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الأجدل الحدية (٢) غير أنك بهم تطول، وبهم تصول، فلقد استطبت مع هذا لسانا قوالا، سيصير عليك وبالا، و أيم الله إنك لأعدى الناس لأمير المؤمنين قديما وحديثا، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة، وإنك لتوالي عدوه، وتعادي وليه، وتبغيه الغوائل، ولئن أطاعني ليقطعن عنه لسانك، وليخرجن من رأسك شيطانك، فأنت العدو المطرق له إطراق الأفعوان (٣) في أصل الشجرة.

(١) أقعى الكلب: جلس على استه.

(٢) الأجدل: الصقر. والحداة بكسر الحاء: طائر من الجوارح. والعامة تسميه الحدية.

(٣) الأفعوان بضم الأول: ذكر الأفعى.

٣٥
فتكلم معاوية فقال: يا أبا الأسود؟ أغرقت في النزع ولم تدع رجعة لصلحك. و قال لعمرو: فلم تغرق كما أغرقت ولم تبلغ ما بلغت، غير أنه كان منه الابتداء والاعتداء، والباغي أظلم، والثالث أحلم، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره وقوما غير مطرودين، فقام عمرو وهو يقول:

لعمري لقد أعيى القرون التي مضت * لغش ثوى بين الفؤاد كمين

وقام أبو الأسود وهو يقول:

ألا إن عمرا رام ليث خفية(١) * وكيف ينال الذئب ليث عرين

تاريخ ابن عساكر ٧ ص ١٠٤ - ١٠٦

١٨ - حديث أبي جعفر وزيد

قال أبو جعفر وزيد بن الحسن: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص يوم صفين أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له عمرو: على أن لي حكمي إن قتل الله ابن أبي طالب؟

واستوسقت لك البلاد. فقال: أليس حكمك في مصر؟ قال: وهل مصر تكون عوضا عن الجنة؟ وقتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون؟

فقال معاوية: إن لك حكمك أبا عبد الله؟ إن قتل ابن أبي طالب، رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك. فقال لهم عمرو: يا معشر أهل الشام؟ سووا صفوفكم؟ أعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأدبارهم، واصبروا إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

كتاب صفين لابن مزاحم ص ١٢٣، شرح ابن أبي الحديد.

هذا أكبر كلمة تدل على ضئولة الرجل في دينه لأنها تنم عن عرفانه بحق أمير المؤمنين عليه السلام ومغبة أمر من ناواه ومع ذلك فهو يحرض الناس على قتاله و يموه عليهم، وهي ترد قول من يبرر عمله باجتهاده أو بعدله.

١٩ - عمرو وابن أخيه

كان لعمرو بن العاص ابن أخ (٢) أريب من بني سهم جاءه من مصر فقال له: ألا

(١) الخفية: الغيضة الملتفة.

(٢) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ابن عم.

٣٦
تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش؟ أعطيت دينك، وتمنيت دنيا غيرك، أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب؟ (١) فقال عمرو: يا بن أخي إن الأمر لله دون علي ومعاوية. فقال الفتى:

ألا يا هند أخت بني زياد * رمي عمرو بداهية البلاد
رمي عمرو بأعور عبشمي * بعيد القعر محشي الكباد (٢)
له خدع يحار العقل فيها * مزخرفة صوائد للفوائد
فشرط في الكتاب عليه حرفا * يناديه بخدعته المنادي
وأثبت مثله عمرو عليه * كلا المرأين حية بطن وادي
ألا يا عمرو؟ ما أحرزت مصرا * وما ملت الغداة إلى الرشاد
وبعت الدين بالدنيا خسارا * فأنت بذاك من شر العباد
فلو كنت الغداة أخذت مصرا * ولكن دونها خرط القتاد
وفدت إلى معاوية بن حرب * فكنت بها كوافد قوم عاد
وأعطيت الذي أعطيت منها * بطرس فيه نضح من مداد
ألم تعرف أبا حسن عليا * وما نالت يداه من الأعادي؟؟!!
عدلت به معاوية بن حرب * فيا بعد البياض من السواد
ويا بعد الأصابع من سهيل * ويا بعد الصلاح من الفساد
أتأمن أن تراه على خدب؟ * يحث الخيل بالاسل الخداد (٣)
ينادي بالنزال وأنت منه * قريب فانظرن من ذا تعادي

فقال عمرو: يا بن أخي؟ لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكن الآن مع معاوية.

فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك. ولكنك تريد دنياه ويريد دينك.

وبلغ معاوية قول الفتى، فطلبه فهرب فلحق فحدثه بأمر عمرو ومعاوية. قال

(١) يعني كتابا كتبه معاوية لعمرو بمصر وجعلها طعمة له.

(٢) يعني معاوية: يقال في النسبة إلى عبد شمس: عبشمى. حشا حشوا: ملا. احتشى: امتلاء.

(٣) خدب بالكسر وتشديد الموحدة: سنام البعير الضخم. الأسل: الرماح.

٣٧
فسر ذلك عليا وقربه قال: وغضب مروان وقال: ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو؟!

فقال معاوية: إنما يشترى الرجال لك. قال: فلما بلغ عليا ما صنع معاوية وعمرو قال:

يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا
يسترق السمع ويغشي البصرا * ما كان يرضى أحمد لو أخبرا
أن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا (١)
كلاهما في جنده قد عسكرا * قد باع هذا دينه فأفجرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا * بملك مصر إن أصاب الظفرا
إني إذا الموت دنا وحضرا * شمرت ثوبي ودعوت قنبرا
قدم لوائي لا تؤخر حذرا * لن ينفع الحذار مما قدرا
لما رأيت الموت موتا أحمرا * عبأت همدان وعبوا حميرا
حي يمان يعظمون الخطرا * قرن إذا ناطح قرنا كسرا
قل لابن حرب لا تدب الحمرا * أرود قليلا أبد منك الضجرا (٢)
لا تحسبني يا بن حرب عمرا * وسل بنا بدرا معا وخيبرا
كانت قريش يوم بدر جزرا * إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا (٣)
لو أن عندي يا بن حرب جعفرا * أو حمزة القرم الهمام الأزهرا
رأت قريش نجم ليل ظهرا

الإمامة والسياسة ١ ص ٨٤، كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٤، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ١٣٨.

٢٠ - غانمة بنت غانم وعمرو

بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم وهي بمكة قالت:

(١) الخزر: ضيق العين. الخزرة بالضم: انقلاب الحدقة نحو اللحاظ وهو أقبح الحول.

(٢) أدب الصبى: صيره. أرود في السير: رفق وتمهل. الضجر بفتح الفاء والعين. القلق من غم وضيق نفس.

(٣) الجزرة. الشاة التي تذبح ج جزر. بالفتح وقد تكسر. الصدر، بالتحريك: رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد.

٣٨
يا معشر قريش؟ والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانئ رسول الله صلى الله عليه وآله إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت و ألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته وكان لا تعرفه فقالت: من أنت؟ كلأك الله. قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد. فتعمر لون يزيد فأتى أباه فأخبره فقال : هي أسن قريش وأعظمهم. فقال يزيد: كم تعد لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة عام وهي من بقية الكرام، فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ (١) قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسب قريشا وبني هاشم؟

وأنت أهل السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو؟ إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيبا عيبا: ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء، تبول من قيام، وتعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلا، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد، ومفسدا غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية؟ فما كنت في خير ولا ربيت في خير، فمالك ولبني هاشم؟ أنساء بني أمية كنسائهم ؟! الحديث. وهو طويل وقد حذفنا من أوله مقدار ما ذكر، راجع [المحاسن والأضداد] للجاحظ ص ١٠٢ - ١٠٤، وفي ط ١١٨ - ١٢١ و [المحاسن والمساوي] للبيهقي ١ ص ٦٩ - ٧١.

هذه حقيقة الرجل ونفسياته وروحياته منذ العهد الجاهلي وفي دور النبوة وبعده إلى ما أثاره من فتن إلتفت بها حلقتا البطان في أيام أمير المؤمنين عليه السلام يوم تحيزه إلى ابن آكلة الأكباد لدحض الحق وأهله، وما كان يتحرى فيها من الغوائل وبعدها إلى أن، اصطلمه القدر الحاتم، واخترمته منيته يوم خابت أمنيته

(١) في لفظ الجاحظ: أفيكم عمرو بن العاص؟.
٣٩
فطفق يتغلل بين أطباق الجحيم وتضربه زبانيتها بمقامع من حديد، ولعلنا ألمسناك هذه الحقيقة باليد فلن تجد في تضاعيف هاتيك الأعوام له مأثرة يتبجح بها ابن أنثى خلا ما تقوله زبائنه من أعداء أهل البيت عليهم السلام، وما عسى أن يكون مقيلها من ظل الحق؟ بعد ما أثبتناه من الحقيقة الراهنة، ووقفنا عليه من أحوال رواة السوء و شناشنهم في افتعال المدايح للزعانفة المؤتلفة معهم في النزعات الباطلة.

وأما تأميره في غزوة ذات السلاسل فلا يجديه نفعا بعد ما علمناه من أنه كان يتظاهر بالاسلام ويبطن النفاق في طيلة حياته، وما كان الصالح العام والحكمة الإلهية يحدوان رسول الله صلى الله عليه وآله على العمل بالبواطن، وإنما يجاري القوم مجاري ظواهرهم لأنهم حديثو عهد بالجاهلية، والاسلام لما يتحكم في أفئدتهم، فلو كاشفهم على السرائر، لانتكصوا على أعقابهم، وتقهقروا إلى جاهليتهم الأولى، فكان يسايرهم على هذا الظاهر لعلهم يتمرنوا باعتناق الدين، ويأخذ من قلوبهم محله، ولذلك أنه صلى الله عليه وآله كان يعلم بنفاق كثير من أصحابه كما أخبره الله تعالى بقوله: و من أهل المدينة مردوا على النفاق. إلى غيرها من الآيات الكريمة، لكنه يستر عليهم رعاية لما أبرمه حذار الانتكاث، فكان تأمير عمرو مع علمه بنفاقه لتلك الحكمة البالغة غير ملازم لحسن حاله على ما عرفته من كلام مولانا أمير المؤمنين من أنه صلى الله عليه وآله لما عقد له الراية شرط عليه شرطا قد أخلفه.

ويعرب عن حقيقة ما نرتأيه قول أبي عمرو وغيره: إن عمرو بن العاص ادعى على أهل الاسكندرية أنهم قد نقضوا العهد الذي كان عاهدهم، فعهد إليها فحارب أهلها وافتتحها، وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، فنقم ذلك عليه عثمان، ولم يصح عنده نقضهم العهد، فأمر برد السبي الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم، وعزل عمروا عن مصر وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري مصرا بدله، فكان ذلك بدو الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفان، فلما بدا بينهما من الشر ما بدا اعتزل عمرو في ناحية فلسطين بأهله، وكان يأتي المدينة أحيانا ويطعن على عثمان (١) و

(١) الاستيعاب ٢ ص ٤٣٥، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١١٢.
٤٠