×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

عمرو بن العاص وشعره في الغدير / الصفحات: ٤١ - ٦٠

ولى عمر عمرو بن العاص على مصر وبقي واليا عليها إلى أول خلافة عثمان، سعر عليه الدنيا نارا، ولما أتاه قتله قال: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (١) قرحة أدميتها.

ثم إن عثمان عزله عن الخراج واستعمله على الصلاة، واستعمل على الخراج عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، ثم جمعهما لعبد الله بن سعد وعزل عمروا، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به. فقال: يا بن النابغة؟ ما أسرع ما قمل جربان (٢) جبتك؟ إنما عهدك بالعمل عام أول، أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بالآخر؟ والله لولا أكلة ما فعلت ذلك. فقال عمرو: إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتق الله يا أمير المؤمنين؟ في رعيتك. فقال عثمان:

والله لقد استعملتك على ظلعك (٣) وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر ابن الخطاب ففارقني وهو عني راض. فقال عثمان: وأنا والله لو أخذتك بما أخذك به عمر لاستقمت، ولكني لنت لك فاجترأت علي. فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان. ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان. ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان. ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان.

ولما قصد الثوار إلى المدينة أخرج لهم عثمان عليا فكلمهم فرجعوا عنه وخطب عثمان الناس فقال: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم، فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد:

إتق الله يا عثمان؟ فإنك قد ركبت نهابير (٤) وركبناها معك، فتب إلى الله نتب، فناداه عثمان فقال: وإنك هناك يا بن النابغة؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل. و في لفظ البلاذري في الأنساب: يا بن النابغة؟ وإنك ممن تؤلب علي الطغام لأني عزلتك عن مصر.

فلما كان حصر عثمان الأول خرج عمرو من المدينة حتى إنتهت إلى أرض له

(١) نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ.

(٢) جربان الجبة بضم الميم والراء وكسرهما وتشديد الباء جيبها.

(٣) أي على ما فيك من عيب وميل. والظلع في الأصل غمز البعير في مشيه.

(٤) جمع نهبورة بالضم: المهلكة.

٤١
بفلسطين يقال لها: السبع. فنزل بها، وكان يقول: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه. وفي لفظ البلاذري: وجعل يحرض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم. فبينما هو بقصره بفلسطين إذ مر به راكب من المدينة فسأله عمرو عن عثمان فقال: تركته محصورا. قال عمرو: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار، فلما بلغه مقتل عثمان قال عمرو: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق (١) وهو أكره من يليه إلي.

فلما بلغه أن عليا قد بويع له، فاشتد عليه وتربص لينظر ما يصنع الناس، ثم نمى إليه معاوية بالشام يأبى أن يبايع عليا، وإنه يعظم قتل عثمان ويحرض على الطلب بدمه، فاستشار ابنيه عبد الله ومحمدا في الأمر، وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده وهو رجل يدل (١) بسابقته، وهو غير مشركي في شئ من أمره. فقال عبد الله ابن عمرو: توفي النبي صلى الله عليه وآله وهو عنك راض، وتوفي أبو بكر رضي الله عنه وهو عنك راض، وتوفي عمر رضي الله عنه وهو عنك راض، أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال محمد بن عمرو: أنت ناب من أنياب العرب فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس ذلك فيه صوت ولا ذكر. قال عمرو: أما أنت يا عبد الله؟

فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي، وأسلم في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بالذي أنبه لي في دنياي، وأشر لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص ومعه إبناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو، فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك؟! إنصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أم والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية

(١) استنظف الشئ. أخذ كله.

(٢) أدل وتدلل: انبسط واجترأ.

٤٢
وعطف عليه.

أنساب الأشراف للبلاذري ٥ ص ٧٤، ٨٧، تاريخ الطبري ٥ ص ١٠٨ - ١١١ و ٢٢٤، كامل ابن الأثير ٣ ص ٦٨، تذكرة السبط ص ٤٩، جمهرة رسائل العرب ١ ص ٣٨٨.

وكان بعد تلك المساومة المشؤمة يحرض الناس على قتل الإمام أمير المؤمنين كما فعله على عثمان حتى قتله وافتخر به بقوله: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع:

ثم جعل قميصه وسيلة النيل إلى الرتبة والراتب وقام بطلب دمه قائلا: إن في النفس من ذلك ما فيها. وممن حث على أمير المؤمنين وألبه حريث مولى معاوية بن أبي سفيان قال ابن عساكر في تاريخه ٤ ص ١١٣: قال معاوية لحريث: إتق عليا ثم ضع رمحك حيث شئت. فقال له عمرو بن العاص: إنك والله يا حريث؟ لو كنت قرشيا لأحب معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لها حظها، فإن رأيت منه فرصة فاقتحم عليه.

ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام استبشر بذلك وبشره به سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص قال ابن عساكر في تاريخه ٦ ص ١٨١: لما طعن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ذهب سفيان يبشر معاوية وعمرو بن العاص بقتله فكتب معاوية إلى عمرو وهو يقول:

وقتك وأسباب المنون كثيرة * منية شيخ من لوي بن غالب
فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه * وصاحبه دون الرجال الأقارب
نجوت وقد بل المرادي سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
ويضربني بالسيف آخر مثله * فكانت عليه تلك ضربة لازب
وأنت تناغي كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء الشوازب

هذه نفسية الرجل وتمام حقيقته اللائحة على تجارته البائرة، وصفقته الخاسرة، وبضاعته المزجاة من الدين المبطن بالإلحاد، والمكتنف بالنفاق، ولو لم يكن كذلك لما اقتنع بتلك المساومة، وهو يعرف الثمن والمثمن، ويعلم سابقة أمير المؤمنين وفضله وقرابته ويقول: إن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق. ومع ذلك يظهر بغضه وعداه بقوله: وهو أكره من يليه إلي. ويعترف بالحق ويتحيز إلى خلافه، و

٤٣
يعرف الموضع الصالح للخلافة ثم يميل مع الهوى ويقول: إنما أردنا هذه الدنيا. فيبيع دينه لمعاوية بثمن بخس (مصر وكورها) ويؤلب الناس على الإمام الطاهر بنص الكتاب العزيز، ويسر بقتله، ولقد صارح بكل ذلك صراحة لا تقبل التأويل وهي مستفاد من نصوصه ونصوص الصحابة الأولين، وبها عرف في التاريخ الصحيح كما سمعت من دون أي استنباط أو تحوير، فلا بارك الله في صفقة يمينه، ولا غار له بخير.

حديث شجاعته

لم نعهد لابن النابغة موقفا مشهودا في المغازي والحروب سواء في ذلك: العهد الجاهلي، ودور النبوة، وأما وقعة صفين فلم يؤثر عنه سوى مخزات سوئته مع أمير المؤمنين، وفراره من الأشتر، وقد بقي عليه عار الأولى مدى الحقب والأعوام، وجرى بها المثل وغنى بها أهل الحجاز وجاء في شعر عتبة بن أبي سفيان:

سوى عمرو وقته خصيتاه * نجى ولقلبه منه وجيب

وفي شعر معاوية بن أبي سفيان يذكر عمرا وموقفه كما يأتي:

فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل غازي

وفي شعر الحارث بن نصر السهمي:

فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا للنفس والله واقيه

وفي شعر الأمير أبي فراس:

ولا خير في دفع الردى بمذلة * كما ردها يوما بسوئته عمرو

وفي شعر الزاهي البغدادي:

وصد عن عمرو بسر كرما * إذ لقيا بالسوأتين من شخص

وقال آخر:

ولا خير في صون الحياة بذلة * كما صانها يوما بذلته عمرو

وقال عبد الباقي الفاروقي العمري:

وليلة الهرير قد تكشفت * عن سوءة ابن العاص لما غلبا

٤٤
فحاد عنه مغضبا حيدرة * وعف والعفو شعار النجبا
ولو يشأ ركب فيه زجة * تركيب مزجي كمعدي كربا

وكان قد تكرر منه هذا العمل المخزي كما سيأتي، ولو كان للرجل شيئ من البسالة لجبه معيريه بتعداد مشاهده، وسلقهم بلسان حديد، وهو ذلك الصلف المفوه، وفيما أمر من الحروب كان الزحف للجيش الباسل دونه، فلم يسط أمامه، وإنما كان رئيا في أمرهم يدير وجه الحيلة فيه، كما أنه كان في صفين كذلك لم يبارح سرادق معاوية وطفق يبديه دهائه إلا في موقفين سيوافيك تفصيلهما، ولذلك كله اشتهر بدهاء دون الشجاعة. قال البيهقي في [المحاسن والمساوي] ١ ص ٣٩: قال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال عبد الله: فنظرت إليه فرأيته فقلت: يا أبه؟ ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال فاسترجع وقال: والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا بيوم أجنادين، وددت أن بيني وبين موقفي بعد المشرقين.

هذا هو الذي عرفه منه معاصروه، وستقف على أحاديثهم، نعم جاء ابن عبد البر بعد لأي من عمر الدهر فتهجس في " الاستيعاب " فعده من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكورا بذلك فيهم. ولعل ابن منير (١) المولود بعد ابن عبد البر بعشر سنين وقف على كلامه في " الاستيعاب " وحكمه ببطولة الرجل فقال في قصيدته التترية:

وأقول إن أخطأ معاوية * فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معا * وية ولا عمرو مكر
بطل بسوءته يقاتل * لا بصارمه الذكر

فإليك ما يؤثر في مواقفه حتى ترى عيه عن القحوم إلى الفوارس في مضمار النضال والدنو من نقع الحومة، وتقف على حقيقته من هذه الناحية أيضا، وتعرف قيمة كلام ابن حجر في " الإصابة " ٣ ص ٢ من: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، ولا نسائله متى قربه وأدناه.

(١) أحد شعراء الغدير في قرن السادس تأتي هناك قصيدته التترية وترجمته.
٤٥

أمير المؤمنين وعمرو
في معترك القتال بصفين

كان عمرو بن العاص عدو للحرث بن نضر الخثعمي، وكان من أصحاب علي عليه السلام، وكان علي قد تهيبته فرسان الشام وملأ قلوبهم بشجاعته وامتنع كل منهم من الإقدام عليه وكان عمرو ما جلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرث بن نضر الخثعمي وعابه فقال الحرث:

ليس عمرو بتارك ذكره الحرث * مدى الدهر أو يلاقي عليا
واضع السيف فوق منكبه الاي - من لا يحسب الفوارس شيا
ليت عمرا يلقاه في حومة النقع * وقد أمست السيوف عصيا
حيث يدعو البراز حامية القوم * إذا كان بالبراز مليا
فوق شهب مثل السحوق(*) من * النخل ينادي المبارزين: إليا
ثم يا عمرو تستريح من الفخر * وتلقى به فتى هاشميا
فالقه إن أردت مكرمة الدهر * أو الموت كل ذاك عليا

فشاعت هذه الأبيات حتى بلغت عمرا فأقسم بالله ليلقين عليا ولو مات ألف موتة.

فلما اختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه فتقدم علي وهو مخترط سيفا، معتقل رمحا، فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه، فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغرا برجليه، كاشفا عورته، فانصرف عنه علي لاقتا وجهه، مستدبرا له، فعد الناس ذلك من مكارم علي وسؤدده، وضرب بها المثل.

كتاب صفين لابن مزاحم ص ٢٢٤، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١١٠.

وقال ابن قتيبة في - الإمامة السياسة - ١ ص ٩١: ذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أتجبن عن علي وتتهمني في نصيحتي إليك؟؟!! والله لأبارزن عليا و لو مت ألف موتة في أول لقائه، فبارزه عمرو فطعنه علي فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي وولى بوجهه دونه، وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد حياء

(*) سحقت النخلة. طالت. فهي سحوق بالفتح ج سحق. بالضم
٤٦
كتاب عمرو بن العاص وشعره في الغدير للعلامة الأميني (ص ٤٧ - ص ٦٣)
٤٧
أتغرينا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب
وما ضبع يدب ببطن واد * أتيح (١) له به أسد مهيب
بأضعف حيلة منا إذا ما * لقيناه ولقياه عجيب
دعا للقاه في الهيجاء لاق * فأخطأ نفسه الأجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه * نجى ولقلبه منه وجيب
كأن القوم لما عاينوه * خلال النقع ليس لهم قلوب
كعمرو أي معاوية بن حرب * وما ظني ستلحقه العيوب
لقد ناداه في الهيجا علي * فأسمعه ولكن لا يجيب

فغضب عمرو وقال: إن كان الوليد صادقا فليلق عليا، أو فليقف حيث يسمع صوته وقال عمرو:

يذكرني الوليد دعا علي * وبطن المرء يملأه الوعيد
متى يذكر مشاهده قريش * يطر من خوفه القلب الشديد
فأما في اللقاء فأين منه * معاوية بن حرب والوليد
وعير في الوليد لقاء ليث * إذا ما زار (٢) هابته الأسود
لقيت ولست أجهله عليا * وقد بلت من العلق اللبود (٣)
فأطعنه ويطعنني خلاسا (٤) * وماذا بعد طعنته أريد؟
فرمها أنت يا بن أبي معيط * وأنت الفارس البطل النجيد (٥)
وأقسم لو سمعت ندا علي * لطار القلب وانتفخ الوريد
ولو لاقيته شقت جيوب * عليك ولطمت فيك الخدود (٦)

(١) تاح تيحا وتوحا: قدر وتهيأ. رجل متيح: أي لا يزال يقع في بلية.

(٢) من الزئير: صوت الأسد.

(٣) اللبد بالكسر: الشعر المجتمع بين كفي الأسد. ما يجعل على ظهر الفرس تحت السرج ج لبود والباد.

(٤) يقال: الرجلان يتخالسان: أي يروم كل منهما قتل صاحبه.

(٥) النجيد: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.

(٦) كتاب صفين ص ٢٢٢، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١١٠، تذكرة السبط ص ٥١.

٤٨

* (وفي رواية سبط ابن الجوزي) *:

ثم التفت الوليد إلى عمرو بن العاص وقال: إن لم تصدقوني وإلا فسلوا. أراد تبكيت عمرو، قال هشام بن محمد: ومعنى هذا الكلام: إن عليا خرج يوما من أيام صفين فرأى عمرو بن العاص في جانب العسكر ولم يعرفه فطعنه، فوقع، فبدت عورته، فاستقبل عليا فأعرض عنه ثم عرفه فقال: يا بن النابغة؟ أنت طليق دبرك أيام عمرك، وكان قد تكرر منه هذا الفعل.

رواية ابن عباس:

روى نصر بإسناده عن ابن عباس قال: تعرض عمرو بن العاص لعلي يوما من أيام صفين، وظن أنه يطمع منه في غرة (أي: في غفلة) فيصيبه، فحمل عليه علي عليه السلام فلما كاد أن يخالطه أذرى (أي: ألقى) نفسه عن فرسه، ورفع ثوبه، و شغر(١) برجله فبدت عورته، فصرف عليه السلام وجهه عنه، وقام معفرا بالتراب، هاربا على رجليه، معتصما بصفوفه، فقال أهل العراق: يا أمير المؤمنين؟ أفلت الرجل. فقال:

أتدرون من هو؟ قالوا: لا. قال: إنه عمرو بن العاص تلقاني بسوأته فذكرني بالرحم (لفظ ابن كثير) فصرفت وجهي عنه، ورجع عمرو إلى معاوية فقال: ما صنعت يا أبا عبد الله؟ فقال: لقيني علي فصرعني. قال: احمد الله وعورتك - وفي لفظ ابن كثير:

احمد الله واحمد أستك - والله إني لأظنك لو عرفته لما اقتحمت عليه. وقال معاوية في ذلك:

ألا لله من هفوات عمرو * يعاتبني على تركي برازي
فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل غازي
له كف كأن براحتيها * منايا القوم يخطف خطف باز
فإن تكن المنية أخطأته * فقد غنى بها أهل الحجاز

فغضب عمرو وقال: ما أشد تعظيمك عليا في كسري هذا - وفي لفظ ابن أبي الحديد: ما أشد تغليطك أبا تراب في أمري - هل أنا إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه؟.

أفترى السماء قاطرة لذلك دما؟! قال: لا ولكنها معقبة لك خزيا. كتاب صفين ص

(١) شغر الكلب: رفع إحدى رجليه فبال.
٤٩
٢١٦، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٢٨٧، تاريخ ابن كثير ٧ ص ٢٦٣.

معاوية وعمرو

إستأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان فلما دخل عليه استضحك معاوية فقال عمرو: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ أدام الله سرورك. قال: ذكرت ابن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت. فقال: أتشمت بي يا معاوية؟ وأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك، وأطت (١) أضالعك، وانتفخ منخرك، والله لو بارزته لأوجع قذالك (٢) وأيتم عيالك، وبزك سلطانك، وأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا تشمت بفارس بهمة * لقي فارسا لا تعتريه الفوارس
معاوي إن أبصرت في الخيل مقبلا * أبا حسن يهوي دهتك الوساوس
وأيقنت أن الموت حق وإنه * لنفسك إن لم تمض في الركض حابس
فإنك لو لاقيته كنت بومة (٣) * أتيح لها صقر من الجو رايس (٤)
وما ذا بقاء القوم بعد اختباطه؟ * وإن امرؤ يلقى عليا لآيس
دعاك فصمت دونه الأذن هاربا * فنفسك قد ضاقت عليها الأمالس (٥)
وأيقنت أن الموت أقرب موعد * وأن الذي ناداك فيها الدهارس (٦)
وتشمت بي إن نالني حد رمحه * وعضضني ناب من الحرب ناهس (٧)
أبى الله إلا أنه ليث غابة * أبو أشبل تهدى إليه الفرايس
وأي امرؤ لاقاه لم يلف شلوه * بمعترك تسفي عليه الروامس (٨)

(١) أط: صوت. الإبل: حنت.

(٢) القذال: بين الأذنين من مؤخر الرأس ج قذل وأقذلة.

(٣) البوم والبومة. طائر يسكن الخراب. يضرب به المثل في الشوم.

(٤) من رأس يريس. مشى متبخترا. يقال رأس القوم. اعتلى عليهم وغلبهم.

(٥) الأمالس والاماليس ج امليس: الفلاة التى ليس فيها نبات.

(٦) الدهرس: الشدة والبلية.

(٧) نهس اللحم نهسا بفتح العين وكسره: أخذه ونتفه ومده بالفم.

(٨) الرمس: الستر والتغطية. ويقال لما يحثى على القبر من التراب: رمس.

٥٠
فإن كنت في شك فارهج عجاجه * وإلا فتلك الترهات البسابس (١)

فقال معاوية: مهلا يا أبا عبد الله؟ ولا كل هذا. قال: أنت استدعيته.

وفي لفظ ابن قتيبة في " عيون الأخبار " ١ ص ١٦٩: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ أضحك الله سنك. قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوأتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وافقته منانا كريما ولو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو: يا أمير المؤمنين؟ أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأحولت عيناك، وربا سحرك (٢) وبدا منك ما أكره ذكره ذلك، فمن نفسك فاضحك أو دع.

وفي لفظ البيهقي في [المحاسن والمساوي] ١ ص ٣٨: دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلا استضحك فقال: يا أمير المؤمنين؟ أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك ما كل ما أرى يوجب الضحك. فقال معاوية؟ خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك، كيف حضرك ذهنك في تلك الحال؟ أما والله لقد واقفت هاشميا منافيا ولو شاء أن يقتلك لقتلك. فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذلك، وأيتم عيالك، وأنهب مالك، وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت عيناك، وأربد شدقاك، وتنشر منخراك، وعرق جبينك، وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا.

وفي لفظ الواقدي: قال معاوية يوما لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله؟ لا أراك إلا ويغلبني الضحك قال: بماذا؟ قال: أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين فأذريت نفسك فرقا من شبا سنانه، وكشفت سوأتك له. فقال عمرو: أنا منك أشد ضحكا إني لأذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك، وربا لسانك في فمك، وعصب

(١) كتاب صفين ٢٥٣، أمالي الشيخ ص ٨٤، تذكرة السبط ص ٥٢.

(٢) ربا ربوا: انتفخ. السحر بفتح السين وضمه: الرئة.

٥١
ريقك، وارتدت فرائصك، وبدا منك ما أكره ذكره لك. فقال معاوية: لم يكن هذا كله، وكيف يكون؟ ودوني عك والأشعريون. قال: إنك لتعلم أن الذي وصفت دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عك والأشعريون، فكيف كانت حالك؟ لو جمعكما مأقط الحرب. قال: يا أبا عبد الله؟ خض بنا الهزل إلى الجد: إن الجبن والفرار من علي لا عار على أحد فيهما. شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١١١.

قال نصر في كتابه ص ٢٢٩: وكان معاوية لم يزل يشمت عمرا ويذكر يومه المعهود ويضحك، وعمرو يعتذر بشدة موقفه بين يدي أمير المؤمنين، فشمت به معاوية يوما و قال: لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس وفررتم وإنك لجبان، فغضب عمرو ثم قال: والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية؟ فهلا برزت إلى علي إذا دعاك إن كنت شجاعا كما تزعم؟ وقال عمرو في ذلك:

تسير إلى ابن ذي يزن سعيد * وتترك في العجاجة من دعاكا
فهل لك في أبي حسن علي؟ * لعل الله يمكن من قفاكا
دعاك إلى النزال فلم تجبه * ولو نازلته تربت يداكا
وكنت أصم إذ ناداك عنه * وكان سكوته عنه مناكا
فآب الكبش قد طحنت رحاه * بنجدته ولم تطحن رحاكا
فما أنصفت صحبك يا بن هند * أتفرقه وتغضب من كفاكا؟؟!!
فلا والله ما أضمرت خيرا * ولا أظهرت لي إلا هواكا

أشار عمرو بن العاص في هذه الأبيات إلى ما رواه نصر في كتاب صفين ص ١٤٠ وغيره من المؤرخين من: أن عليا عليه السلام قام يوم صفين بين الصفين ثم نادى يا معاوية؟ يكررها فقال معاوية: إسألوه ما شأنه؟ قال: أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة. فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية: ويحك على م يقتتل الناس بيني وبينك، ويضرب بعضهم بعضا؟؟!! أبرز إلي فأينا قتل صاحبه فالأمر له. فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله؟ فيما هيهنا، أبارزه؟؟!! فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل واعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي. فقال معاوية: يا عمرو؟ ليس مثلي يخدع عن نفسه، والله

٥٢
ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه. ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه خرج علي عليه السلام ذات يوم في صفين منقطعا من خيله ومعه الأشتر يتسايران رويدا يطلبان التل ليقفا عليه وعلي يقول:

إني علي فسلوا لتخبروا * ثم ابرزوا إلى الوغا أو أدبروا
سيفي حسام وسناني أزهر * منا النبي الطيب المطهر
وحمزة الخير ومنا جعفر * له جناح في الجنان أخضر
ذا أسد الله وفيه مفخر * هذا بهذا وابن هند محجر
مذبذب مطرد مؤخر

إذ برز له بسر بن أرطاة مقنعا في الحديد لا يعرف فناداه: أبرز إلي أبا حسن؟ فانحدر إليه على تؤدة (١) غير مكترث به حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه على الأرض، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه، فاتقاه بسر بعورته وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه، فانصرف عنه عليه السلام مستدبرا له فعرفه الأشتر حين سقط فقال: يا أمير المؤمنين؟ هذا بسر بن أرطاة هذا عدو الله وعدوك، فقال: دعه عليه لعنة الله، أبعد أن فعلها؟ فحمل ابن عم لبسر شاب على علي وهو يقول:

أرديت بسرا والغلام ثايره * أرديت شيخا غاب عنه ناصره
وكلنا حام لبسر واتره

فحمل عليه الأشتر وهو يقول:

أكل يوم رجل شيخ شاغره * وعورة تحت العجاج ظاهره
تبرزها طعنة كف واتره * عمرو وبسر رميا بالفاقره

فطعنه الأشتر فكسر صلبه، وقام بسر من طعنة علي وولت خيله، وناداه علي يا بسر؟ معاوية كان أحق بهذا منك. فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية: إرفع طرفك قد أدال (٢) الله عمرا منك. فقال في ذلك الحارث بن نضر السهمي:

(١) أي تأنى وتمهل.

(٢) أدال الشئ. جعله متداولا. يقال أدال الله زيدا من عمرو، أي نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد.

٥٣
أفي كل يوم فارس تندبونه * له عورة تحت العجاجة باديه
يكف بها عن علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية
بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا للنفس والله واقيه
فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود ناهيه
متى تلقيا الخيل المشيجة صيحة * وفيها علي فاتركا الخيل ناحيه
وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا * ونار الوغى إن التجارب كافيه
وإن كان منه بعد في النفس حاجة * فعودوا إلى ما شئتما هي ماهيه

كتاب صفين ص ٢٤٦، الاستيعاب ١ ص ٦٧، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٣٠٠، مطالب السئول ص ٤٣، تاريخ ابن كثير ٤ ص ٣٠، نور الأبصار ص ٩٥.

ينبأنا التاريخ أن عمرو ليس بأول رجل كشف عن سوءته من بأس أمير المؤمنين وإنما قلد طلحة بن أبي طلحة فإنه لما حمل عليه أمير المؤمنين يوم أحد ورأى أنه مقتول لا محالة، فاستقبله بعورته وكشف عنها. م - راجع تاريخ ابن كثير ٤ ص ٢٠ و] ذكره الحلبي في سيرته ٢ ص ٢٤٧ ثم قال: وقع لسيدنا علي كرم الله وجهه مثل ذلك في يوم صفين مرتين: الأولى: حمل على بسر بن أرطاة. والثانية: حمل على عمرو بن العاص فلما رأى أنه مقتول كشف عن عورته، فانصرف عنه علي كرم الله وجهه.

الأشتر وعمرو بن العاص
في معترك القتال بصفين

إن معاوية دعا يوما بصفين مروان بن الحكم فقال: إن الأشتر قد غمني وأقلقني، فاخرج بهذه الخيل في يحصب والكلاعيين فالقه فقاتل بها. فقال مروان: ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك. قال: وأنت نفسي دون وريدي. قال: لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء، أو ألحقته بي في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ومنيته ما في يد غيرك، فإن غلبت طاب له المقام، وإن غلبت خف عليه الهرب. فقال معاوية:

٥٤
سيغني الله عنك. قال: أما إلى اليوم فلن يغن، فدعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الأشتر. فقال: أما إني لا أقول لك ما قال مروان. قال: فكيف تقول؟! وقد قدمتك وأخرته، وأدخلتك وأخرجته. قال: أما والله إن كنت فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر وإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها، ثم قام فخرج في تلك الخيل فلقيه الأشتر أمام القوم وهو يقول:

يا ليت شعري كيف لي بعمرو؟ * ذاك الذي أوجبت فيه نذري
ذاك الذي أطلبه بوتري * ذاك الذي فيه شفاء صدري
ذاك الذي إن ألقه بعمري * تغلي به عند اللقاء قدري
أجعله فيه طعام النسر * أولا فربي عاذري بعذري

فلما سمع عمرو هذا الرجز وعرف أنه الأشتر فشل وجبن واستحى أن يرجع وأقبل نحو الصوت وقال:

يا ليت شعري كيف لي بمالك * كم جاهل خيبته وحارك (١)
وفارس قتلته وفاتك * ومقدم آب بوجهه حالك (٢)
ما زلت دهري عرضة المهالك

فغشيه الأشتر بالرمح فزاغ عنه عمرو فلم يصنع الرمح شيئا، ولوى عمرو عنان فرسه وجعل يده على وجهه وجعل يرجع راكضا نحو عسكره، فنادى غلام من يحصب:

يا عمرو؟ عليك العفا ما هبت الصبا.

كتاب صفين ص ٢٣٣، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ٢٩٥.

ينبأك صدر هذا الحديث عن نفسيات أولئك المناضلين عن معاوية الدعاة إلى إمامته، ويعرب عن غايات تلك الفئة الباغية بنص النبي الأطهر إماما ومأموما في تلك الحرب الزبون، فما ينبغي لي أن أكتب عن إمام يكون مثل عمرو بن العاص شعاره، ومثل مروان بن الحكم نفسه؟؟!! وما يحق لك أن تعتقد في مأموم هذه محاوراته في معترك القتال مع إمامه المفترضة عليه طاعته - إن صحت الأحلام - ومشاغبته دون

(١) حرك. امتنع من الحق الذي عليه. غلام حرك. خفيف ذكي.

(٢) حلك. اشتد سواده فهو حالك وحلك.

٥٥
الرتبة والراتب؟؟!!

ابن عباس وعمرو

حج عمرو بن العاص وقام بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية وتناول بني هاشم ثم ذكر مشاهده بصفين، فقال ابن عباس: يا عمرو؟ إنك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك ومناك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، و كان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكل راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك تتبعك فيها بالعزل والتنقص، حتى لو أن نفسك في يدك لألقيتها إليه، وذكرت يومك مع أبي موسى فلا أراك فخرت إلا بالغدر، ولا منيت إلا بالفجور والغش، و ذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك، ولقد كشفت فيها عورتك، ولا نكتنا فيها حربك، ولقد كنت فيها طويل اللسان، قصير السنان، آخر الحرب إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شر، ووجهان: وجه مؤنس ووجه موحش، ولعمري أن من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول حزنه على ما باع واشترى، لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد ولك قدر وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك. فقال عمرو: أما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة علي منك، ولا لأحد من قريش قدر عندي مثل قدرك.

البيان والتبيين ٢ ص ٢٣٩، العقد الفريد ٢ ص ١٣٦، شرح ابن أبي الحديد ١ ص ١٩٦ نقلا عن البلاذري.

ابن عباس وعمرو
في حفلة أخرى

روى المدايني قال: وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة وعنده ابنه يزيد، وزياد بن سمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم فقال عمرو بن العاص: هذا والله يا أمير المؤمنين؟ نجوم أول الشر، وأفول آخر الخير، وفي حسمه قطع مادته فبادره بالحملة، وانتهز منه الفرصة، واردع بالتنكيل به غيره، وشرد به من خلفه،

٥٦
فقال ابن عباس: يا بن النابغة؟ ضل والله عقلك، وسفه حلمك، ونطق الشيطان على لسانك، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال (١) وتكافح الأبطال، وكثرت الجراح، وتقصفت (٢) الرماح، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواثر من الموت، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته رجاء النجاة عورتك، وكشفت له خوف بأسه سوأتك، حذرا أن يصطلمك بسطوته، أو يلتهمك (٣) بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسنت له التعرض لمكافحته، رجاء أن تكتفي مؤنته، وتعدم صورته، فعلم غل صدرك، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك، وعرف مقر سهمك في غرضك، فاكفف غرب لسانك، واقمع عوراء لفظك، فإنك بين أسد خادر، وبحر زاجر، إن تبرزت للأسد افترسك، وإن عمت في البحر قمسك - أي: غمسك و أغرقك -. شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٠٥، جمهرة الخطب ٢ ص ٩٣.

عبد الله المرقال وعمرو

كان في نفس معاوية من يوم صفين إحن على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله، فلما استعمل معاوية زيادا على العراق كتب إليه: أما بعد:

فانظر عبد الله بن هاشم فشد يده إلى عنقه ثم ابعث به إلي، فحمله زياد من البصرة مقيدا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة فادخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا؟ قال: لا. قال:

هذا الذي يقول أبوه يوم صفين:

إني شريت النفس لما اعتلا * وأكثر اللوم وما أقلا
أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يفل أو يفلا * أسلهم بذي الكعوب سلا
لا خير عندي في كريم ولى

(١) نزال: اسم فعل بمعنى: انزل. أي حين قال الأبطال بعضهم لبعض: انزل.

(٢) تقصفت: تكسرت.

(٣) التهم الشئ: ابتلعه بمرة.

٥٧
فقال عمرو متمثلا:

وقد نبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا

وإنه لهو، دونك يا أمير المؤمنين؟ الضب المضب (١) فأشخب أوداجه على أسباجه (أثباجه) ولا ترجعه إلى أهل العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق، وله مع ذلك هوى يرديه وبطانة تغويه، فوالذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك ليجهزن إليك جيشا تكثر صواهله لشر يوم لك، فقال عبد الله وهو المقيد: يا ابن الأبتر؟ هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين؟ ونحن ندعوك إلى البراز، وأنت تلوذ بشمائل الخيل كالأمة السوداء والنعجة القوداء، أما إنه إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة، حميد المقدرة، ليس بالحبس المنكوس، ولا الثلب (٢) المركوس (٣). فقال عمرو: دع كيت وكيت، فقد وقعت بين لحيي لهذم (٤) فروس للأعداء، يسعطك إسعاط (٥) الكودن (٦) الملجم. قال عبد الله:

أكثر إكثارك، فإني أعلمك بطرا في الرخاء جبانا في اللقاء، عيابة عند كفاح الأعداء، ترى أن تقي مهجتك بأن تبدي سوأتك، أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال؟ فتحيد عن القتال خوفا أن، يغمرك رجال لهم أبدان شداد، وأسنة حداد، ينهبون السرح، ويذلون العزيز.

فقال عمرو: لقد علم معاوية أني شهدت تلك المواطن، فكنت فيها كمدرة الشوك، و لقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن، تخفق أحشاؤه، وتنق أمعاؤه. قال: أما والله لو لقيك أبي في ذلك المقام لارتعدت منه فرائصك ولم تسلم منه مهجتك، ولكنه قاتل غيرك، فقتل دونك. فقال معاوية: ألا تسكت؟ لا أم لك. فقال: يا بن هند؟ أتقول لي هذا؟

والله لئن شئت لأغرقن جبينك، ولأقيمنك وبين عينيك وسم يلين له خدعاك، أبأكثر من الموت تخوفني؟. فقال معاوية: أو تكف يا بن أخي؟ وأمر بإطلاق عبد الله، فقال عمرو لمعاوية:

(١) من أضب يضب: أي صاح وتكلم وغاض وحقد.

(٢) الثلب: المعيب المهان.

(٣) المركوس: الضعيف.

(٤) اللهذم: الحاد القاطع من السيوف والأسنة والأنياب.

(٥) الاسعاط: إدخال الدواء في الأنف. يقال: أسعطه الرمح أي طعنه به في أنفه.

(٦) الكودن: البرذون الهجين. الفيل ج كوادن.

٥٨
أمرتك أمرا حازما فعصيتني * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي * أعان عليا يوم حز الغلاصم؟! (١)
فلم ينثني حتى جرت من دمائنا * بصفين أمثال البحور الخضارم (٢)
وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه(٣) * ويوشك أن تقرع به سن نادم

فقال عبد الله يجيبه:

معاوي إن المرء عمرا أبت له * ضغينة صدر غشها غير نائم
يرى لك قتلي يا بن هند وإنما * يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم * إذا كان منه بيعة للمسالم
وقد كان منا يوم صفين نقرة * عليك جناها هاشم وابن هاشم
قضى ما انقضى منها وليس الذي مضى * ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم
فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة * وإن تر قتلي تستحل محارمي

فقال معاوية:

أرى العفو عن عليا قريش وسيلة * إلى الله في اليوم العصيب القماطر (٤)
ولست أرى قتل العداة ابن هاشم * بإدراك ثاري في لوي وعامر
بل العفو عنه بعد ما بان جرمه * وزلت به إحدى الجدود العواثر
فكان أبوه يوم صفين جمرة * علينا فأردته رماح النهابر (٥)

كتاب صفين لابن مزاحم ص ١٨٢، كامل المبرد ١ ص ١٨١، مروج الذهب ٢ ص ٥٧ - ٥٩، شرح ابن أبي الحديد ٢ ص ١٧٦.

درس دين وأخلاق

لعل الباحث لا يخفى عليه أن كل سوءة وعورة ذكر بها المترجم له في التاريخ

(١) جمع غلضمة: اللحم بين الرأس والعنق. يعنى: أيام الحرب.

(٢) الخضرم بالكسر: البحر العظيم الماء.

(٣) في كامل المبرد: عيصه. يعني: أصله.

(٤) القماطر بالضم: الشديد.

(٥) النهابر والنهابير: المهالك. الواحدة: نهبرة. نهبور. نهبورة.

٥٩
الصحيح، وما يعزى إليه وعرف به من المساوي في طيات تلكم الكلمات الصادقة المذكورة من الوضاعة والغواية والغدر والمكر والحيلة والخدعة والخيانة والفجور ونقض العهد وكذب القول وخلف الوعد وقطع الإل والحقد والوقاحة والحسد والرياء والشح والبذاء والسفه والوغد والجور والظلم والمراء والدناءة واللئم والملق والجلافة والبخل والطمع واللدد وعدم الغيرة على حليلته. إلى غير ذلك من المعاير النفسية وأضداد مكارم الأخلاق، ليست هذه كلها إلا من علايم النفاق، ومن رشحات عدم الاسلام المستقر، وانتفاء الإيمان بالله وبما جاء به النبي الأقدس، إذا الاسلام الصحيح هو المصلح الوحيد للبشر، ومهذب النفس بمكارم الأخلاق، ومجتمع الفضايل، وأساس كل فضل وفضيلة، وأصل كل محمدة ومكرمة، وبه يتأتى الصلاح في النفوس مهما سرى الإيمان من عاصمة مملكة البدن (القلب) إلى ساير الأعضاء والجوارح واحتلها واستقر بها.

وذلك أن مثل الإيمان في المملكة البدنية الجامعة لشتات آحاد الجوارح والأعضاء كمثل دستور الحكومات في الممالك الجامعة لإفراد الأشخاص، فكما أن القوانين المقررة في الحكومات والدول مبثوثة في الأفراد، وكل فرد من المجتمع له تكليف يخص به، وواجب يحق عليه أن يقوم به، وحد محدود يجب عليه رعايته، وبصلاح الأفراد وقيام كل فرد منهم بواجبه يتم صلاح المجتمع، ويحصل التقدم و الرقي في الحكومات، كذلك الإيمان في المملكة البدنية فإنه قوانين مبثوثة في الأعضاء والجوارح العاملة فيها، ولكل منها بنص الذكر الحكيم تكليف يخص به، وحد معين في السنة يجب عليه رعايته والتحفظ به، وأخذ كل بما وجب عليه هو إيمانه و به يحصل صلاحه، فواجب القلب غير فريضة اللسان، وفريضته غير واجب الأذن، وواجبها غير ما كلف به البصر، وفرضه غير واجب اليدين، وواجبهما غير تكليف الرجلين وهكذا وهكذا، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، وهذا البيان يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الحافظ ابن ماجة في سننه ١ ص ٣٥، الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان (١) وقوله صلى

(١) وبهذا اللفظ يروى عن أمير المؤمنين كما في " نهج البلاغة ".
٦٠